الرئيس الإريتري يبحث مع البرهان في «قصر الشعب» الموافقة على القاعدة الروسية | لعمامرة في جولة جديدة لإحياء العملية السياسية | «الدعم السريع» تستولي على بابنوسة والجيش يسترد 8 معاقل من «الشعبية» في جنوب كردفان
في تقارب دبلوماسي يتعمق يومًا بعد يوم بين الخرطوم وأسمرا، زار الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، مدينة بورتسودان العاصمة المؤقتة للبلاد، في أول زيارة لرئيس دولة منذ اندلاع الصراع المسلح على السلطة بين الجيش وقوات الدعم السريع. وأجرى أفورقي جولة مباحثات مع رئيسي مجلس السيادة والوزراء السودانيين، عبدالفتاح البرهان، وكامل إدريس، شارك فيها عدد من المسؤولين.
وحظي الضيف باستقبال شعبي حاشد لدى وصوله، قبل أن ينخرط في مباحثات ثنائية مع البرهان في قصر الشرق، حث خلالها أفورقي، الذي يحكم الجارة الشرقية للسودان، المسؤولين السودانيين على تأمين وجود روسي على الساحل السوداني، ضمن أجندة أخرى طُرحت خلال المباحثات تركزت على الممر الملاحي الحيوي وقضايا ثنائية بين البلدين. وكان منح موسكو قاعدة بحرية، طرحًا بدأ في عهد الرئيس المخلوع، عمر البشير، عام 2017، ليتحول بعد سقوطه إلى ورقة تفاوضية جيوسياسية بأيدي الجنرالات الذين خلفوه في السلطة. إذ يوافقون مرة على إقامتها ويعودون مرة أخرى ويتحدثون عن أنها اتفاقية مهمة يجب أن يجيزها برلمان منتخب.
وفي جولة جديدة للمبعوث الشخصي الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، رمطان لعمامرة، إلى السودان، أجرى خلالها مباحثات في بورتسودان مع المسؤولين السودانيين وعلى رأسهم البرهان وإدريس.
ووصفت مصادر دبلوماسية سودانية زيارة المسؤول الأممي، التي بدأت السبت الماضي، بأنها تأخذ طابعًا مختلفًا، في محاولة لترتيب اجتماع سياسي من المنتظر أن يُعقد في جيبوتي، الشهر الجاري، بين الأطراف السودانية التي تمزقها الخلافات حول كيفية إنهاء الحرب. وأوضح أحد المصادر أن لقاءات لعمامرة مع المسؤولين السودانيين تميزت بطابع عملي أكثر منه بوروتوكولي، مشيرًا إلى أن النقاشات ركزت على ثلاث قضايا رئيسية هي الوضع الإنساني المتدهور، وغياب مسار سياسي قابل للتطبيق، وإمكانات الضغط الدولي لدفع الأطراف نحو تفاهمات أولية.
ميدانيًا، خسر الجيش السوداني مدينة بابنوسة آخر معاقله الكبرى في ولاية غرب كردفان، حيث أعلنت قوات الدعم السريع، الإثنين الماضي، سيطرتها على المدينة رغم تأكيد الجيش، في بيان أمس، إحباط هجومها. لكن مصدرين عسكريين في الجيش أكدا لـ«مدى مصر» سقوط قيادة الفرقة 22 مشاة في مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان بيد «الدعم السريع»، وانسحاب الجيش منها بعد معارك ضارية.
في المقابل، وفي كردفان نفسها لكن هذه المرة جنوبًا، تمكن الجيش السوداني من تحقيق تقدم كبير في ولاية جنوب كردفان، حيث استعاد، الأحد الماضي، ثمان مناطق كانت خاضعة لسيطرة الحركة الشعبية، بقيادة عبدالعزيز الحلو، منذ نحو 14 عامًا، وذلك حسبما أكد مصدر ميداني بالجيش لـ«مدى مصر».
وفي جنوب كردفان نفسها ومع تصاعد العمليات العسكرية، تواردت شكاوى من عمليات تجنيد إجباري يقوم بها مسلحون في مناطق الحركة الشعبية، حيث تشهد مناطق واسعة من ولاية جنوب كردفان، خلال الأسابيع الأخيرة، موجة مستمرة من عمليات التجنيد الإجباري التي تُنسب إلى عناصر من الحركة الشعبية، في ظل تصاعد القتال واتساع دائرة السيطرة العسكرية، وفقًا لخمسة شهود من المنطقة تحدثوا لـ«مدى مصر».
على صعيد الوضع الإنساني، وفي خضم تزايد وتيرة العمليات العسكرية في ولايات كردفان الثلاث، تصاعدت، خلال نوفمبر الماضي، موجات النزوح نحو مدينة الأبيض، في واحدة من أكثر موجات النزوح تعقيدًا منذ بداية الحرب. وتمزق المأساة نفسها مدن ولاية غرب كردفان.
وفي المنطقة التي تربط شرق السودان بغربه، أي كردفان، يتغلغل البؤس وسط ملايين السكان الذين لم يكونوا سببًا في صراع داخلي على النفوذ مدعوم أجنبيًا، ويمثل فيه السلاح الإماراتي مركزًا لبؤرة الدماء وأودى بحياة أكثر من 150 ألف شخص، وشرّد نحو 12 مليون شخص. فيما يدير رجل الإمارات في السودان وقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو، وعائلته في مدينة نيالا على بُعد نحو 1200 كيلومتر غرب العاصمة السودانية الخرطوم سلطة موازية لم يعترف بها أحد، في منطقة تعرف عربات الدفع الرباعي المدججة بالسلاح حيث لا كهرباء ولا ماء ولا اتصالات ولا صحة، إلا القليل الذي تقدمه المنظمات الدولية.
تأمين تواجد روسي على البحر الأحمر يتقدم مباحثات البرهان وأفورقي في بورتسودان

أجرى الرئيس الإريتري، أسياس أفورقي، السبت الماضي، مباحثات ثنائية منفصلة مع رئيسي مجلس السيادة والوزراء السودانيان، عبدالفتاح البرهان وكامل إدريس، بالإضافة إلى مسؤولين آخرين، في مدينة بورتسودان العاصمة الإدارية المؤقتة للبلاد، في أول زيارة لرئيس دولة إلى السودان، منذ اندلاع الحرب الوحشية منذ أبريل 2023، في البلد الذي يمثل جسرًا يربط بين العالمين العربي والإفريقي.
وفي قصر شُيّد على عجل، بعد خراب الخرطوم، أُطلق عليه قصر الشرق في المدينة الساحلية الواقعة على البحر الأحمر، حيث يلعب البرهان منذ سنوات لعبة نفوذ خطرة مستغلًا الممر الملاحي المُهم في المساومة السياسة الدولية، استقبل أفورقي الذي تقع بلاده في الجانب الشرقي للسودان، وتشاركه الشاطئ على البحر نفسه، حيث طلب الضيف الأفريقي من البرهان حسم منح الروس وجودًا عسكريًا، حسبما ذكر مصدر مطلع في مجلس السيادة لـ«مدى مصر».
ووصف المصدر زيارة أفورقي إلى السودان بأنها تأتي في لحظة إقليمية حسّاسة، ما جعلها تحمل ثقلًا سياسيًا وأمنيًا يتجاوز الطابع البوروتوكولي، قائلًا إن المباحثات ركزت على ملفات الأمن والتنسيق الحدودي والملاحة في البحر الأحمر والتعاون الاقتصادي، وبدت طبيعتها أقرب إلى «جلسات عمل» تبحث إجراءات قابلة للتنفيذ، لا مجرد تبادل مجاملات دبلوماسية.
وقال المصدر إن المباحثات تناولت بشكل أساسي تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، خصوصًا في ما يتعلق بحماية الحدود وإنشاء قنوات تبادل معلومات حول الأنشطة المشبوهة على الامتداد الساحلي. كما تطرقت إلى إمكانات تفعيل تعاون لوجستي وتجاري عبر ميناء بورتسودان، بما يشمل الربط مع شبكات النقل الإريترية أو تقديم تسهيلات متبادلة في مجالات الشحن والخدمات البحرية.
وأوضح المصدر أن طبيعة الملفات المطروحة تعكس إدراكًا مشتركًا بأن البحر الأحمر لم يعد ساحة يمكن تركها بلا ترتيبات واضحة، وأن أي تقارب بين الخرطوم وأسمرا قد يصبح جزءًا من إعادة هندسة التوازنات الجديدة في المنطقة، خصوصًا في ظل طلب أسمرا الإسراع في حسم ملف النقطة اللوجستية الروسية، التي توقفت فيها النقاشات بين الجانب السوداني والروسي منذ أكتوبر الماضي.
وبحسب المصدر، فإن أسمرا ترى أن وجود نقطة لوجستية روسية على ساحل البحر الأحمر يعزز من أمن الساحل، في ظل تصاعد التوترات على المنافذ البحرية بين إثيوبيا وإريتريا مؤخرًا.

وتُعد العلاقة بين السودان وإرتريا علاقة مدّ وجزر، حيث وصلت إلى أدنى مستوياتها حينما استضافت أسمرا في حقبة التسعينات المعارضة المسلحة السودانية قبل أن تهدأ التوترات بين البلدين، قبل سنوات قليلة من سقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في 2019.
وفي فترة انتقالية أعقبت سقوط البشير ومثّلتها سلطة تكونت من ثلاثة رؤوس هي البرهان وحليفه السابق حميدتي، بالإضافة إلى حمدوك، كان أفورقي والذي يحكم إريتريا بقبضة من حديد، منذ استقلالها عن إثيوبيا في 1993، قريبًا من الجميع، لكن مع إطلاق الرصاصة الأولى في الخرطوم، اختار أفورقي التحالف مع البرهان، والذي زار أسمرا في مناسبات كثيرة بعد اندلاع النزاع.
وقال مصدر إعلامي إريتري لـ«مدى مصر» إنه لفهم دوافع أسمرا لا بد من قراءة الوضع الإريتري الداخلي والإقليمي، مشيرًا إلى أن إريتريا دولة ذات مركزية سياسية صارمة، وصنع القرار الخارجي فيها مرتبط مباشرة بالحسابات الأمنية للنظام.
وأضاف المصدر أن القيادة الإريترية درجت على تبنّي مقاربات حازمة في ملفات الجوار، وأنها كانت طرفًا فاعلًا في الصراعات الإقليمية خلال السنوات الماضية، مشيرًا إلى أن هذه المعطيات تجعل من زيارة أفورقي إلى السودان خطوة محسوبة تهدف إلى تعزيز موقع بلاده في معادلة البحر الأحمر، سواء عبر التعاون الأمني أو عبر حضور سياسي يتيح لها منافسة النفوذ الإثيوبي أو موازنة قوى إقليمية أخرى.
وأضاف أن النظام الإريتري يدرك أن انشغال العالم بالحرب السودانية واحتدام الصراع، يمنح أسمرا نافذة تمديد نفوذها في منطقة طالما رأت أنها جزء من مجالها الحيوي.
فيما قال مصدر دبلوماسي سوداني إن الزيارة تبدو محاولة لإعادة بناء شبكة دعم إقليمي في لحظة اختناق سياسي وعسكري، مضيفًا أن التقارب مع أسمرا يوفر للسلطات السودانية منفذًا لحشد دعم أمني حدودي، وربما تأمين ترتيبات بحرية تساعد في حماية خطوط الإمداد عبر بورتسودان.
ومع ذلك، قال الدبلوماسي السوداني إنه يبقى تقاربًا محفوفًا بالحذر، لأن أي تعاون أمني واسع مع إريتريا قد يُفهم على أنه اصطفاف جديد في توازنات القرن الإفريقي، خاصة في ظل التوتر المستمر بين أسمرا وأديس أبابا.
بينما قال مصدر رفيع في رئاسة مجلس الوزراء إن انعكاسات الزيارة تتراوح بين مسارين، الأول هو أن تنجح لقاءات بورتسودان في تأسيس تنسيق أمني ولوجستي فعّال، ينعكس على استقرار الحدود وبعض مرافق البحر الأحمر. وأما الثاني فيتمثل في الاكتفاء بخطوات تكتيكية قصيرة الأمد، مثل تبادل المعلومات أو فتح قنوات اتصال عسكرية دون توسع اقتصادي كبير.
لعمامرة يجري مباحثات مع البرهان وإدريس في بورتسودان لإحياء العملية السياسية

أجرى المبعوث الشخصي الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان، رمطان لعمامرة، مباحثات في بورتسودان مع المسؤولين السودانيين وعلى رأسهم رئيس مجلس السيادة، عبد الفتاح البرهان، ورئيس الوزراء كامل إدريس، في زيارته إلى البلاد والتي بدأها يوم السبت الماضي.
وتأتي زيارة لعمامرة، في لحظة تشهد انسدادًا سياسيًا كاملًا وتصاعدًا ميدانيًا يزيد من تعقيد المشهد وجمود يهدد بانزلاق البلاد إلى وضع غير قابل للاحتواء إقليميًا ودوليًا.
وقال مصدر سياسي في بورتسودان لـ«مدى مصر» إن لعمامرة يحاول إنجاح الجهود التي يقودها الاتحاد الإفريقي في اللقاء السياسي المقرر انعقاده في ديسمبر الجاري بجيبوتي. فيما قال مصدر سوداني بمقر الاتحاد الإفريقي إن الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي يسعيان إلى إحياء العملية السياسية خصوصًا وأنها تأتي في ظل رفض مستمر من القوى السياسية في الانخراط في عملية سياسية.
وكان من المقرر أن يعقد الاتحاد الإفريقي مؤتمرًا للحوار السوداني-السوداني، في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في 6 أكتوبر الماضي، بهدف اتخاذ خطوات نحو إنهاء الحرب إلا أن تضارب الرؤى حول أطراف الحوار ومساره حال دون قيامه مما أجل الاتحاد الافريقي الحوار السياسي إلى وقت آخر.

وعقد لعمامرة سلسلة لقاءات في بورتسودان مع البرهان ورئيس الوزراء كامل إدريس وشخصيات مدنية.
وقال المصدر الثاني إن اللقاءات تميزت بطابع عملي أكثر منه بوروتوكولي، مشيرًا إلى أن النقاشات ركزت على ثلاث قضايا رئيسية متمثلة في الوضع الإنساني المتدهور، وغياب مسار سياسي قابل للتطبيق، وإمكانات الضغط الدولي لدفع الأطراف نحو تفاهمات أولية.
وبحسب المصدر، فإن المباحثات لم تقتصر على الاستماع، بل شملت عرض مقترحات أولية لإحياء العملية السياسية، بعضها يعتمد على منهج «خطوات بناء الثقة».
وقال مصدر دبلوماسي سوداني ثالث إن ما لفت الانتباه خلال الزيارة هو محاولة لعمامرة إعادة صياغة دور الأمم المتحدة في السودان، بعد فترة من التوتر بين مجلس السيادة وبعض المؤسسات الأممية.
وكانت الحكومة السودانية قد أعلنت، مطلع نوفمبر الماضي، طرد مدير مكتب برنامج الأغذية العالمي في الخرطوم، لوران بوكيرا، ومديرة قسم العمليات، سمانثا كاتراج، واعتبارهما شخصين غير مرغوب فيهما على خلفية إدخال مساعدات إنسانية دون تنسيق مع الحكومة السودانية.
وقال المصدر إن لعمامرة بدا حريصًا على استعادة مستوى من الثقة يسمح بإطلاق مبادرات مشتركة، دون الاصطدام المباشر بالحساسيات المحلية تجاه التدخلات الدولية، مضيفًا أن اللقاءات لم تُفضِ إلى إعلان اتفاقات واضحة، إلا أنها عكست استعدادًا من الجانبين لفتح قناة اتصال قد تُستثمر لاحقًا في أي تسوية متدرجة.
وقال مصدر سياسي في مدينة بورتسودان مقرب من مكتب رئيس الوزراء، إن زيارة لعمامرة حملت أيضًا هدفًا غير معلن يتعلق ببناء تصور محدّث لدى الأمم المتحدة عن شكل القوى المتحكمة فعليًا على الأرض، وتقييم قدرتها على الالتزام بأي ترتيبات ميدانية أو إنسانية.
وأضاف المصدر أن الأمم المتحدة بحاجة إلى قراءة دقيقة لتوازنات القوى قبل طرح أي مبادرة، خاصة مع تغيّر الخريطة الميدانية بصورة مستمرة، كما أن المنظمة تسعى لفهم مدى استعداد القيادة السودانية للانخراط في مسار سياسي جديد قد يتطلب تنازلات من الطرفين.
وتابع المصدر قائلًا إنه من زاوية أوسع، تعكس الزيارة إدراكًا متزايدًا بأن الأزمة السودانية باتت تتجاوز حدودها الوطنية، وأن تأثيرها المحتمل على الإقليم، من تدفقات النزوح إلى اضطراب البحر الأحمر، يفرض تحركًا دوليًا أكثر جدية.
كان البرهان قد استقبل، الأسبوع الماضي، المبعوث النرويجي للسودان، اندرياس كرافك، حيث بحثا سُبل التوصل إلى هدنة إنسانية بعد انهيار جهود الرباعية في دفع الأطراف بقبول مقترحها.
وقال وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، الثلاثاء الماضي، إن ترامب هو القائد الوحيد القادر على إنهاء الحرب في السودان، وإنه لم يرسل نوابًا له. حيث وصف مصدر دبلوماسي سوداني تصريحات روبيو بأنها تعكس الاهتمام الدولي بالأزمة السودانية.
مع سقوط الفاشر بيد قوات الدعم السريع أواخر أكتوبر الماضي، ومعه باتت دارفور، مركز حكومتها الموازية، فعليًا تحت سيطرتها، أصبح المجتمع الدولي يرى أن الواقع على الأرض سيدفع الطرفين لا محالة نحو التفاوض على تشارُك السلطة.
وتدعو كل من مبادرة الاتحاد الإفريقي، والمقترحات المتعاقبة التي تقدمت بها «الرباعية» بقيادة الولايات المتحدة، إلى عملية سياسية تضم جميع الفاعلين السودانيين، بما في ذلك طرفا النزاع، إلا أن الخرطوم تُكرر رفضها المشاركة في أي مسار من شأنه أن يقوّض ادعائها بالشرعية الحصرية. وبحسب مصدر في الاتحاد الإفريقي تحدث إلى «مدى مصر» في أكتوبر الماضي، فإن الهدف هو التحرك باتجاه تأسيس حكومة انتقالية جديدة تستبدل الحكومتين الموازيتين في البلاد. وفي الوقت نفسه، تدفع «الرباعية» نحو حوار سياسي «شامل» يهدف إلى تشكيل سلطة تنفيذية مشتركة تُستأنف عبرها العملية السياسية، خلال مرحلة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، وفق ما قاله مصدرين حكوميين مصريين في مطلع نوفمبر الماضي عقب سقوط الفاشر.
غير أن البرهان، الذي رفض الأسبوع الماضي مرة أخرى آخر مقترحات «الرباعية»، استحضر من جديد اتفاق جدة، مطالبًا بانسحاب «الدعم السريع» من جميع المناطق التي سيطرت عليها منذ محادثات منبر جدة في 2023.
وأوضح المصدر أن لعمامرة، بخبرته الطويلة في ملفات النزاعات، حاول خلال اللقاءات إرسال إشارة مفادها أن السودان بحاجة إلى تسوية تُبنى على وقائع الأرض لا على بيانات دبلوماسية، وأن أي مبادرة لا تستند إلى إجراءات إنسانية عاجلة ستفقد جدواها سريعًا.
ورأى المصدر أنه رغم ذلك، تظل نتائج الزيارة مرهونة بما يليها من خطوات، وقال إذا تمكن لعمامرة من تثبيت قناة اتصال دائمة وتقديم إطار عملي يُقنع الأطراف بتهدئة مؤقتة، فقد تشكّل زيارته نقطة بداية لمسار سياسي محدود لكنه واقعي. أما إذا بقيت الزيارة مجرد تحرك دبلوماسي بلا متابعة حقيقية، فإن تأثيرها سيظل رمزيًا، خاصة مع تسارع الأحداث ميدانيًا وتراجع قدرة أي طرف على التحكم في ديناميات الحرب.
كما أضاف المصدر أن زيارة لعمامرة تُظهر أن المجتمع الدولي بدأ يعود إلى الملف السوداني بجدية أكبر، لكنه قال إن نجاح هذا المسار لن يتوقف على ضغط الأمم المتحدة وحدها، بل على مدى قابلية الأطراف السودانية للتعامل مع واقع جديد يحتاج إلى مقاربات مختلفة وجريئة.
«الدعم السريع» تستولي على آخر معاقل الجيش غرب كردفان

أعلنت قوات الدعم السريع، الاثنين الماضي، سيطرتها على مدينة بابنوسة آخر معاقل الجيش السوداني في ولاية غرب كردفان، رغم تأكيد الجيش، أمس، إحباط هجومها. لكن مصدرين عسكريين أكد لـ«مدى مصر» سقوط قيادة الفرقة 22 مشاة في مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان بيد قوات الدعم السريع وانسحاب الجيش منها بعد معارك ضارية.
وقال أحد المصدرين إن «الدعم السريع» سيطرت على الفرقة بالكامل، بعد معارك ضارية استمرت لأكثر من ست ساعات استخدمت فيها المُسيّرات بكثافة، الأمر الذي دفع قيادة الجيش في المدينة إلى الانسحاب.
وأوضح المصدر، إن «الدعم السريع» رجّحت موقفها بعد أن استخدمت مُسيّرات تعمل بأسلاك الفايبر التي لا ترصدها أجهزة التتبع والتشويش، لافتًا إلى أنه وبعد سيطرة «الدعم السريع» على الفرقة استولت على العديد من العربات والأسلحة والذخائر.
فيما قال مصدر ثالث إن بعض القوات الجيش المنسحبة وصلت إلى مدينة هجليج التي تضم أحد أكبر حقول النفط السوداني.
ومع ذلك، تبادل الجيش السوداني و«الدعم السريع» روايات متناقضة حول السيطرة على بابنوسة. ففي الوقت الذي أعلنت فيه قوات الدعم السريع كامل السيطرة، قال الجيش إنه أحبط محاولة الهجوم.
وقال الناطق الرسمي باسم الجيش، عاصم عوض، في بيان صحفي، أمس، إن قوات الجيش أحبطت هجومًا جديدًا لقوات الدعم السريع على مدينة بابنوسة، مؤكدًا إنهم تصدوا للهجوم بقوة وحسم.
ووصف إعلان قائد «الدعم السريع» وقف إطلاق النار بأنه مجرد مناورة سياسية وإعلامية تهدف إلى خداع الرأي العام، والتغطية على الهجمات المتواصلة على مدينة بابنوسة والدعم الإماراتي الذي تتلقاه المليشيا.
وأكد أن «الدعم السريع» استمرت في قصف المدينة يوميًا، ونفّذت هجومًا جديدًا تم التصدي له بقوة، مشددًا على التزام الجيش السوداني بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين وتسهيل العمل الإنساني، فيما أشار في الوقت نفسه إلى أن الجيش لن يسمح باستغلال الوضع الإنساني لتحقيق مكاسب عسكرية.
ونشر عناصر يتبعون «الدعم السريع» مقاطع فيديو، أمس، على مواقع التواصل الاجتماعي، توثق تواجدهم داخل مقر الفرقة والاستيلاء على أسلحة وذخائر وعربات قتالية.


وقال ضابط سابق في الجيش لـ«مدى مصر»، إن أهمية بابنوسة العسكرية تضاءلت بالنسبة للجيش، بعد تأخر وصول قواته إلى دارفور وسقوط الفاشر في أواخر أكتوبر، مضيفًا أن إعادة التموضع لقوات الجيش هي الخطوة الأفضل في ظل الحصار الذي كان مفروضًا على المدينة وصعوبة وصول الإمدادات الحربية والغذائية.
وتوقع المصدر أن تسعى «الدعم السريع» في الفترة المقبلة إلى مهاجمة مدينة هجليج، بالإضافة إلى شن هجمات في محيط مدينة الأبيض، لكنه عاد وأكد أن تكتيك القوات الجوالة الذي بدأ الجيش في استخدامه مؤخرًا نجح في إفشال خطة العزل والتطويق التي اعتمدت عليها «الدعم السريع» في الفاشر وبابنوسة.
وتعد بابنوسة آخر المعاقل الكبرى للجيش السوداني في ولاية غرب كردفان، وقد استطاعت قوات الفرقة 22 مشاة صد العديد من الهجمات والتغلب على الحصار الذي استمرت لنحو 23 شهرًا.
الجيش يتوغل في مناطق سيطرة «الشعبية» جنوب كردفان
حقق الجيش السوداني تقدمًا كبيرًا في ولاية جنوب كردفان حيث استعاد، الأحد الماضي، ثمان مناطق كانت خاضعة لسيطرة الحركة الشعبية، بقيادة عبدالعزيز الحلو، منذ نحو 14 عامًا، وذلك حسبما أكد مصدر ميداني تابع للجيش لـ«مدى مصر».
وبدأت الحركة الشعبية-شمال، بقيادة عبدالعزيز الحلو، في قتال الجيش السوداني، منذ يونيو 2011، في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، وذلك قبل شهر فقط من استقلال جنوب السودان.
وكانت «الشعبية» جزءًا من الحركة الشعبية لتحرير السودان، بقيادة جون قرنق، قبل انفصال جنوب السودان في يوليو 2011.
ومع سقوط نظام الرئيس المخلوع، عمر البشير، في أبريل 2019، أعلنت الحركة وقف إطلاق نار من جهتها، وقابلته الحكومة السودانية بإعلان مماثل، قبل أن يعود الطرفان إلى القتال في يونيو 2023.
وقال المصدر الميداني إن قوات الفرقة العاشرة مشاة فرضت سيطرتها على مناطق «تبسة والدامرة والشاواية والجبيلات والسنادرة وجوليا والموريب بعد مواجهات شرسة مع الحركة الشعبية أجبرتها على الانسحاب إلى مواقع أخرى».
وبث جنود في الجيش مقاطع مصورة، على مواقع التواصل الاجتماعي، توثق بسط سيطرتهم على تلك المواقع.
وأكد ضابط رفيع في الجيش لـ«مدى مصر»، أمس، إن قواتهم تمكنت من استعادة منطقة مبسوط جنوب ولاية جنوب كردفان، بعد معركة عنيفة تكبدت خلالها «قوات الشعبية» خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.
وتشتعل المواجهات في جنوب كردفان في تصعيد يُعد الأكبر من نوعه منذ اندلاع الحرب، منتصف أبريل 2023، حيث يحاول الجيش التحرك عبر عدة محاور بهدف فك الحصار عن مدينتي كادوقلي والدلنج.
شكاوى من عمليات تجنيد إجباري بمناطق الحركة الشعبية في جنوب كردفان
تشهد مناطق واسعة من ولاية جنوب كردفان، خلال الأسابيع الأخيرة، موجة مستمرة من عمليات التجنيد الإجباري التي تُنسب إلى عناصر من الحركة الشعبية، في ظل تصاعد القتال واتساع دائرة السيطرة العسكرية.
وتفاوتت عمليات التجنيد بين الاختطاف المباشر، والاستدعاء القسري تحت التهديد، حيث خلق ذلك حالة ذعر واسعة بين المدنيين، ودفع العديد من الأسر إلى النزوح من القرى والأرياف خوفًا على أبنائهم، خصوصًا في المناطق المحاذية لخطوط التماس.
وتحدث خمسة شهود ميدانيين في مناطق من الجبال الشرقية عن مجموعات مسلحة تدخل إلى القرى، خلال ساعات متأخرة من الليل، أو أثناء الفوضى التي تعقب الاشتباكات، وتقوم بمحاصرة مراكز التجمع أو الأسواق المحلية قبل أن تبدأ في فصل الشباب عن بقية الأفراد.
وذكر الشهود أن بعض الحوادث تضمنت نقل المخطوفين بسيارات دفع رباعي إلى معسكرات تدريب بعيدة، فيما يتم إخضاع آخرين لتدريبات ميدانية سريعة تُحوّلهم إلى وحدات قتالية، قبل أن تتاح لهم فرصة التواصل مع أسرهم. وفي عدد من الوقائع، أُبلغ عن وجود قُصّر ضمن الذين تم احتجازهم أو اختطافهم، الأمر الذي يُعد انتهاكًا مضاعفًا.
وقال مصدر حكومي في كادقلي عاصمة ولاية جنوب كردفان إن الهجمات على بعض المناطق الريفية اتسمت بالعنف والسرعة، ما جعل السكان عاجزين عن حماية أبنائهم أو تقديم بلاغات فورية.
وقال إنه في القرى الأكثر عزلة، أصبح الخوف من التجنيد الإجباري دافعًا للنزوح بنفس درجة الخوف من الاشتباكات، إذ تُركت بعض القرى شبه خالية بعد خروج العائلات دفعة واحدة.
وأوضح أن هذا النزوح المفاجئ أدى إلى ضغوط إضافية على المناطق التي استقبلت الفارين، حيث انتشرت تجمعات عشوائية تفتقر للخدمات الأساسية، وزادت الحاجة إلى المياه النظيفة، والرعاية الصحية، والمأوى العاجل.
وقال مصدر سابق في الجيش الشعبي التابع للحركة الشعبية، إن عمليات التجنيد الإجباري لم تكن مجرد عمليات اختطاف معزولة، بل أصبحت جزءًا من سياق أمني مضطرب يتشابك فيه غياب سلطة الدولة وترسخ السيطرة العسكرية للأطراف المتحاربة.
وأضاف أنه في بعض المناطق، فُرضت مستويات من الطاعة القسرية على المجتمعات المحلية، وتم استخدام تهديد السلاح لإجبار الأسر على تقديم شخص أو اثنين من أبنائها تجنبًا للعقوبات أو الانتقام. وقد نقلت عدة عائلات مخاوفها بشأن أن يصبح التجنيد الإجباري وسيلة لفرز المجتمع على أساس الولاء القسري، وإحكام السيطرة على القرى التي لا تزال خارج النفوذ الكامل لهذه القوات.
وذكر أحد المتطوعين في المنظمات المحلية بأن البيئة الأمنية المغلقة في جنوب كردفان تعرقل جهود التحقق المستقل من هذه الحوادث؛ فالطبيعة الجغرافية الوعرة، وكثافة المجموعات المسلحة، وتحرك خطوط التماس بشكل دائم، يجعل من الصعب على المنظمات الإنسانية والحقوقية الوصول إلى مواقع الأحداث أو التوثيق المباشر.
وأشار إلى أنه بسبب غياب سلطة قضائية أو إدارية قادرة على التدخل، أصبحت معاناة المدنيين تُنقل عبر شبكات غير رسمية، أو شهادات فردية تُتداول بصعوبة بين المجتمعات والناشطين، لافتًا إلى أن المجتمع المحلي نفسه أصبح يُقاوم ما يحدث عبر وسائل محدودة، مشيرًا إلى أن بعض القرى شكّلت لجان حماية محلية تراقب التحركات غير المعتادة وتنظم عمليات هروب جماعي عند سماع أنباء عن حملات تجنيد.
وقال إن قادة المجتمع يحاولون التفاوض مع المجموعات المسلحة، لكن هذه المحاولات غالبًا ما تبوء بالفشل في ظل التفوق العسكري، وغياب أي ضمانات تمنع معاودة هذه العمليات. ومع كل فشل في ردع التجنيد، يزداد الشعور بالعجز والضعف داخل هذه المجتمعات التي تعتمد أصلًا على روابط اجتماعية متماسكة للبقاء في بيئة مضطربة.
وعلى الصعيد، الإنساني قال المصدر إن الأزمة تتطلب تدخلات عاجلة في مجالات الرعاية النفسية والاجتماعية للأطفال والشباب الذين تمكنوا من الفرار أو أُطلق سراحهم، موضحًا أن الكثير منهم يعانون من صدمات نتيجة العنف أو العزلة القسرية، ولا يمتلكون قنوات آمنة لاستعادة حياتهم السابقة أو الاندماج في المجتمع.
ولفت إلى حاجة ذوي المفقودين إلى دعم قانوني وإنساني لتوثيق الحالات، ومتابعة جهود البحث عن المختطفين، وتنسيق التواصل مع الجهات التي قد تكون لديها معلومات عن أماكن الاحتجاز أو المعسكرات الميدانية.
وفي ظل غياب آليات تحقيق مستقلة دعا المصدر إلى إنشاء فرق محايدة قادرة على التواجد الميداني، وتلقي البلاغات بسرية، وجمع الأدلة وشهادات الضحايا بطريقة تضمن سلامتهم، بالإضافة إلى فتح ممرات إنسانية في المناطق الأكثر عرضة لعمليات التجنيد، لتسهيل خروج المدنيين قبل وقوع حوادث خطف جديدة، وضمان قدرة المنظمات الإنسانية على تقديم خدمات الحماية بشكل فعّال.
موجات نزوح جديدة إلى الأبيض في مدينة تنهار خدميًا
في خضم تزايد وتيرة العمليات العسكرية في ولايات كردفان، تصاعدت، خلال شهر نوفمبر الماضي، موجات النزوح نحو مدينة الأبيض في واحدة من أكثر موجات النزوح تعقيداً منذ بداية الحرب.
وتدفّق آلاف الفارين من بارا وقرى جنوب الأبيض بالإضافة إلى الرهد، وشيكان، ومناطق حدودية مع دارفور إلى المدينة بعد تصاعد الهجمات والقصف واتساع خطوط التماس.
ومع ذلك لم يمثل الوصول إلى الأبيض نهاية لمعاناة الفارين؛ فالمدينة نفسها ترزح تحت ضغط خانق، تضاعفت فيه أعداد السكان خلال أسابيع قليلة، بينما بقيت القدرة الاستيعابية للمؤسسات والخدمات أقل بكثير من حجم الوافدين.
وقال ثلاثة مواطنين من مدينة الأبيض لـ«مدى مصر» إن مشاهد الأسر المكدسة على الطرقات وداخل الساحات المدرسية والمساجد باتت تفصيلًا يوميًا من حياة المدينة، حيث تتحول المباني العامة تدريجيًا إلى مراكز إيواء غير مجهّزة، تُقام فيها خيام ضيقة متلاصقة لا تكاد تمنح ساكنيها أي قدر من الخصوصية أو الأمان.
وقال أحد النازحين من مدينة بارا لـ«مدى مصر» إن النازحين يتنقّلون بين نقاط المياه الشحيحة في المدينة بحثًا عن مصدر صالح للشرب، بينما يتكرر انقطاع الشبكات بسبب نقص الوقود وتعطل المضخات، فيما يعتمد كثيرون على آبار سطحية، فيما تتصاعد مخاوف انتشار أمراض منقولة بالماء بسبب الازدحام وغياب منظومة صرف صحي فاعلة داخل المواقع العشوائية.
وأضاف أنه مع برودة الطقس الليلي في بدايات موسم الشتاء، تبدو أوضاع الأسر الجديدة أكثر هشاشة؛ فمعظمهم وصلوا بلا أغطية كافية، وتفتقر المخيمات إلى الخشب أو وقود التدفئة، ما يدفع العائلات إلى إشعال ما يقع تحت أيديها من نفايات أو قطع بلاستيكية، معرضةً نفسها لمخاطر الاختناق والحرائق.
على الصعيد الصحي، يقترب الوضع داخل الأبيض من مرحلة الانهيار، وفقًا لمصدر طبي أشار إلى أن المستشفيات تعمل بقدرة أقل من نصف طاقتها الطبيعية، وتفتقر إلى الأدوية الأساسية والمحاليل الوريدية، بينما تنتشر حالات الإسهال وسوء التغذية بين الأطفال.
وقال طبيب في مستشفى الأبيض التعليمي لـ«مدى مصر» إن الطواقم الطبية يتحدثون عن قوائم طويلة من المرضى العالقين في الممرات، وعن متطوعين يحاولون سدّ النقص عبر عيادات متنقّلة غير قادرة على تغطية سوى شريحة محدودة من النازحين.
وأضاف الطبيب أن بعض الجرحى الذين وصلوا من مناطق القتال لم يتمكنوا من تلقي العلاج المناسب بسبب عجز المستشفيات عن التعامل مع إصابات معقدة، أو بسبب غياب الوقود الكافي لتشغيل غرف العمليات بصورة مستمرة. وفي مواقع الإيواء، ظهرت حالات حمى معدية لم يُجزم بخطورتها بعد، لكنها تُعطي إشارات مبكرة عن احتمالات موجة وبائية إذا لم تتدخل فرق الصحة .
ويتفاقم الإحساس بانعدام الأمان مع تزايد البلاغات عن حوادث اعتداءات في محيط الأحياء، سيّما في المناطق الطرفية من المدينة حيث يغيب الإنارة والحضور التنظيمي.
وقالت ناشطة نسوية إن النساء، خصوصًا القادمات بلا مرافقة عائلية، يشتكين من صعوبة التحرك لجلب الماء أو زيارة العيادات بعد الغروب.
فيما تحدثت عائلات أخرى عن فقدان أطفال في فوضى النزوح. ومع ذلك، تواصل مجموعات محلية من لجان الطوارئ والمتطوعين تقديم الدعم الأولي للاحتياجات العاجلة، مثل توزيع الغذاء المؤقّت والإسعافات الأولية والتنظيم المحدود لحركة الداخلين الجدد إلى مواقع الإيواء.
وقال مصدر بأمانة حكومة ولاية شمال كردفان لـ«مدى مصر» إن صورة الأبيض في نهاية نوفمبر تبدو كمدينة تتنفس بصعوبة، وسط موجة إنسانية تفوق قدرتها. ومع استمرار النزوح، يقترب الوضع من نقطة اللاعودة: طفح في مواقع الإيواء وخطر صحي داهم وانهيار في البنية الخدمية وسط مخاوف حقيقية من تدهور شامل إذا لم تُفتح ممرات إنسانية آمنة وتُرفع وتيرة الإغاثة فورًا.
وأوضح أن ما يجري ليس أزمة عابرة بل انزلاق مستمر نحو كارثة كاملة الأركان، تتطلب تدخلًا سريعًا ومنسقًا، قبل أن يصبح كل تحرك متأخرًا عن إنقاذ أرواح تُستهلك ببطء خلف ازدحام المخيمات وخيام البرد في قلب الابيض.
وفي غرب كردفان لم يكن الوضع أحسن حالًا خلال نوفمبر الماضي، وقالت ثلاثة مصادر أهلية من مواطني ولاية غرب كردفان أن وضع النازحين في مدن غرب كردفان بلغ درجة من التعقيد الإنساني لم تعرفها المنطقة منذ اندلاع الحرب.
وأكدت المصادر أن مُدنًا كانت مستقرة نسبيًا، مثل النهود، الفولة، ود بندة، الخوي، أبو زبد، قد تحولت إلى نقاط استقبال مكتظة لعشرات الآلاف الفارين من مناطق القتال الدائر في الأطراف والريف.
وأشارت إلى أن حركة النزوح لم تكن دفعة واحدة، بل تتابعت على شكل موجات قصيرة وبكثافة عالية، حيث وصلت أسر كاملة بلا أي متاع يذكر بعدما قطعت مسافات طويلة سيرًا أو عبر عربات مكتظة توقفت كثيرًا على طرق غير آمنة.
في النهود، بحسب المصدر الأهلي الأول التي تُعدّ أكبر مدن الولاية وأكثرها استقطاباً للنازحين، تكدّس الوافدون في مدارس مغلقة وساحات عامة وأطراف الأحياء العشوائية.
وأوضحت المصادر أن المساحات التي كانت تستوعب العشرات باتت تضم المئات، والخيام التي جُلبت من أجل إقامة سريعة تحولت إلى مأوى دائم لأسر لا تملك بديلًا، كما أن قدرة المدينة على استيعاب هذه الأعداد انهارت سريعًا، بما في ذلك شبكات المياه التي لا تعمل بالكفاءة المطلوبة بسبب نقص الوقود وانهيار بعض خطوط الضخ، ما دفع السكان الجدد والقدامى إلى التزاحم على نقاط قليلة للمياه، وعادة غير معقّمة، مع ما يعنيه ذلك من مخاطر أمراض منقولة بالماء.
فيما يتحدث كثير من النازحين عن رحلات يومية تستمر ساعات لجلب كمية قليلة لا تكفي للشرب والطهي، بينما تزداد حالات الجفاف وسوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال.
أما المصدر الثاني في مدينة الفولة، والتي تعد مركزًا إداريًا مهمًا بحكم أن بنيتها التحتية لا تزال متماسكة، فيقول إن دخول وخروج مجموعات مسلحة متحالفة مع «الدعم السريع» قلّب بنية الخدمات رأسًا على عقب. فهذه الجماعات شبه المستقلة تتجه للمدن بهدف النهب والحصول على موارد لوجستية مثل الوقود والأدوية.
يعمل المستشفى الرئيس بالفولة بطاقة أقل بكثير من طاقته الطبيعية، بحسب المصدر، وقد توقفت بعض الأقسام تمامًا بسبب غياب الكوادر أو لعدم وجود الكهرباء والمحاليل الطبية.
أما من بقي من الطواقم الطبية فتبذل جهدًا فوق طاقتها، بينما تستقبل المدينة مصابين من مناطق الاشتباكات القريبة. ومع ندرة الدواء وتوقف الإمدادات المنتظمة، أصبح المرضى، خصوصًا أصحاب الأمراض المزمنة، في حالة عجز كامل عن الحصول على العلاج.
وقال المصدر الثالث الذي يتحرك بين مدنيتي الخوي وود بندة إن المدينتين تحولتا إلى ممرات عبور أكثر منها محطات استقرار.
وأضاف النازحون يصلون متعبين ومرتبكين ويبقون فيها ليوم أو يومين قبل متابعة الطريق نحو مدن أكبر أو مخيمات أكثر تنظيمًا، لكن هذه المدن الصغيرة لا تملك القدرة على استقبال هذا التدفق المؤقت، فالمراكز الصحية فيها بالكاد تقدّم إسعافات بسيطة كما أن نقاط المياه محدودة، والمخزون الغذائي المحلي غير كافٍ حتى لحاجة السكان الأصليين، فتضطر المجتمعات المحلية إلى تقاسم القليل المتاح، ما خلق ضغطًا اجتماعيًا واقتصاديًا متزايدًا.
فيما قال مصدر حكومي بحكومة غرب كردفان إن الأوضاع أشد قسوة في المناطق العشوائية، حيث لا تتوفر مراحيض كافية، ولا توجد منظومة صرف صحي، ما جعل الأرض المكشوفة هي البديل الوحيد.
ومع ازدحام الخيام وقربها من بعضها البعض، بدأت تظهر روائح الصرف ومخلفات الطعام، وتزايدت المخاوف من انتقال أمراض جلدية وتنفسية. بينما يعشن النساء، على وجه الخصوص، درجات عالية من القلق، حيث بات التنقل إلى نقاط المياه أو الأسواق الصغيرة محفوف بمخاطر التحرش أو الاعتداء، خاصة في ساعات المساء حيث ينعدم الضوء تمامًا، في وقت تمنع كثير من الأسر فتياتها من التحرك خارج محيط الخيمة، ما يزيد من عزلة النساء ويفاقم أوضاعهن النفسية.
وأضاف أن الخدمات التعليمية انهارت أيضًا، مشيرًا إلى أن المدارس المكتظة بالنازحين لم تعد قادرة على استقبال الطلاب، والأطفال الذين فقدوا مدارسهم في مناطقهم الأصلية لم يجدوا أي بديل في مدن النزوح. في وقت حاولت بعض المبادرات المحلية إقامة فصول تعليمية داخل مراكز الإيواء، لكن هذه الجهود تظل محدودة وتعتمد على متطوعين وإمكانات ضئيلة.
وحول وضع الغذاء وتوفيره قال المصدر إنه متقطع وغير منتظم، مشيرًا إلى أن المناطق التي يمكن الوصول إليها تتسلم حصصًا صغيرة لا تكفي لأيام، بينما تبقى مناطق أخرى خارج نطاق الوصول بسبب انعدام الأمن أو الانهيار الكامل للطرق.
ومع كل عطل في خطوط الإمداد ترتفع الأسعار داخل المدن إلى مستويات تفوق قدرة النازحين والسكان المحليين على الشراء، وتعتمد كثير من الأسر على مشاركة الوجبات بين عدة عائلات، أو على حساء خفيف من الذرة والأرز إن وجد، وهو ما لا يلبي احتياجات الأطفال والمرضى والحوامل.
وأكد أن تدهور الوضع لا يعود فقط لضخامة عدد النازحين، بل لغياب أي مؤسسات قادرة على إدارة الأزمة، موضحًا أن السلطات المحلية فقدت القدرة الإدارية واللوجستية، والمنظمات الدولية تواجه صعوبات كبيرة في الدخول أو الحركة.
وشدّد على أن ما يبقى هو جهود تطوعية محدودة لشباب من الأحياء يجمعون تبرعات بسيطة ويوزعونها على الأسر الأكثر هشاشة، ونساء يشكلن مجموعات طبخ جماعية، وشيوخ يعملون على تنظيم أماكن النوم داخل المدارس تجنبًا للفوضى. لكنها جهود لا تكفي أمام حجم الدمار.
أخبار ذات صلة
تفشي حمى الضنك في الخرطوم، ومصادر طبية: العاصمة لا تزال غير مهيأة | تفش كبير للحصبة وسط نازحي شمال دارفور | انشقاق قائد من «الدعم السريع» وانضمامه للجيش | الجيش يفشل هجومًا على الدلنج
تجد الخرطوم نفسها مجددًا في مواجهة تفشٍ لحمى الضنك
إضرابات في القطاع الصحي في نيالا | البرهان يلغي منصب نائب القائد العام ومساعده | رئيس الاستخبارات العسكرية السودانية يزور طرابلس | الجيش يبدأ عملية استعادة الكرمك بولاية النيل الأزرق
في نشرة السودان: شهد هذا الأسبوع سلسلة من الإعلانات التي استكملت ملامح القرار الصادر في 2 أبريل الجاري عن رئيس مجلس السيادة…
تراجع الإمدادات الإماراتية لـ«الدعم السريع» عبر ليبيا في ظل الضربات الإيرانية على الخليج | الجيش يستهدف إمدادات لـ«الدعم السريع» في شمال دارفور دخلت عبر تشاد | «الدعم السريع» والحركة الشعبية تواصلان الضغط في النيل الأزرق.. واستمرار القتال يُنذر بأزمة غذائية | «الدعم السريع» تتوغل في الدلنج والجيش يصد الهجوم | البرهان يجري تعديلات في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
البرهان يجري تعديلات واسعة في هياكل قيادة الجيش.. والعطا رئيسًا للأركان
«الدعم السريع» تستولي على الكرمك في النيل الأزرق | مقتل نحو 100 مدني في دارفور في هجمات نُسبت إلى الجيش | الحرب على إيران تضاعف أزمة الأدوية في السودان
بينما كان قائدا طرفي الصراع في السودان يوجّهان تهاني مسجلة بمناسبة عيد الفطر إلى المواطنين، واصلت قواتهما وطائراتهما المُسيّرة العمليات العسكرية، مخلفة…
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن