توصلت الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» الكردية إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، «مع التفاهم على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين»، بحسب إعلان رسمي صدر اليوم.
ويشكل الاتفاق، الذي شهد تحولًا في موقف الحكومة السورية الراسخ، التي كانت ترفض دمج قوات «قسد» داخل الجيش السوري بشكل جماعي، نهاية فصل عاصف في العلاقات بين الطرفين، بدأ باشتباكات في أحياء مدينة حلب في ديسمبر الماضي، قبل أن يتصاعد في يناير الجاري مع تحقيق القوات الحكومية السورية مكاسب سريعة في شمال شرقي سوريا، وفرضها السيطرة على مساحات شاسعة ظلت خاضعة لإدارة «قسد» طوال العقد الماضي، بعد تراجع نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد خلال الحرب الأهلية.
وبموجب الاتفاق، تنسحب قوات «قسد» من خطوط التماس، فيما تنتشر قوات الأمن الداخلي التابعة للحكومة السورية في مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، بهدف «تعزيز الاستقرار وبدء عملية دمج الأجهزة الأمنية في المنطقة»، بحسب نص الاتفاق الذي نشرته وزارة الإعلام السورية، اليوم.
كما ينص الاتفاق على تشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات «قسد»، إضافة إلى تشكيل لواء من قوات كوباني ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب، إلى جانب دمج مؤسسات الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع تثبيت الموظفين المدنيين، والتأكيد على تسوية الحقوق المدنية والتعليمية للمجتمع الكردي، وضمان عودة النازحين إلى مناطقهم.
في السياق، أوضح مصدر سياسي في الحكومة الانتقالية السورية لـ«مدى مصر» أن محافظًا في المنطقة سيجري تعيينه من عناصر «قسد»، فيما ستحتفظ الدوائر الإدارية في المحافظة بموظفيها الحاليين، مع دمجهم في الهيكل الإداري للدولة.
وشدد المصدر على وجود خط فاصل في عملية الدمج، يتمثل في اشتراط أن يكون من يشملهم الدمج من «السوريين»، على أن تنسحب عناصر حزب العمال الكردستاني «من سوريا نحو شمال العراق وبعدها إلى إيران».
من جهتها، قالت الرئيسة المشاركة لدائرة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية بشمال وشرق سوريا، إلهام أحمد، في تصريحات أعقبت إعلان الاتفاق، إن القوات الأمنية ستتكون من أبناء المنطقة، وتم التأكيد لمسؤولي «قسد» على بقاء قواتهم في مواقعها دون استبدالها بأي قوة أخرى، مضيفة أن الاتفاق يتضمن انسحاب القوات التركية من عفرين، موضحة أن المحافظ الذي سيتم تعيينه سيكون محافظًا لـ«الحسكة».
ويختلف اتفاق اليوم عن الاتفاقين اللذين تم التوصل إليهما الأسبوع الماضي خلال جولات مفاوضات بين مسؤولين أمريكيين، كانوا في السابق من أبرز الداعمين للقوات الكردية في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، والحكومة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع، وكبار المسؤولين في «قسد». ويتمثل الاختلاف الرئيسي في آلية دمج المقاتلين داخل الجيش السوري، إذ نص اتفاق الأسبوع الماضي على الدمج الفردي فقط لمقاتلي «قسد»، دون الحفاظ على إدارة موحدة بقيادة كردية، بينما أصرت «قسد» على دمج قواتها كوحدات كاملة وليس كأفراد، حسبما أوضحت مصادر مقربة منها تحدثت لـ«مدى مصر».
وبقبوله إنشاء فرقة تضم ثلاث ألوية من «قسد» داخل الجيش السوري، ينهي اتفاق اليوم أحد أكثر الملفات جدلًا بين الطرفين خلال عام من المفاوضات. فبعد انهيار محادثات الأسبوع الماضي وتجدد القتال، بدا واضحًا لكل الأطراف أن السبيل الوحيد في الأفق، إن لم يتم التوصل إلى اتفاق، هو الانزلاق نحو حرب شاملة. وكان هذا العامل الحاسم للطرفين.
«ليكن بعلمنا، أسوأ اتفاق أفضل من أي حرب»، تقول مسؤولة في «قسد» لـ«مدى مصر»، وهو ما أكدته أحمد، التي أوضحت أن الاتفاق وقع «لوقف إراقة الدماء»، ويهدف بشكل أساسي إلى ضمان وقف إطلاق نار دائم.
لكن مسؤولة «قسد» أقرت بأن الاتفاق لن يرضي جميع المتشددين في صفوف القوات، مضيفة: «صحيح أنه دون الطموح والحقوق الكردية، لكنه [يتضمن] نوعًا من التمييز خاص بثقافتنا ومجتمعنا الكردي»، مؤكدة أن عدم الرضا لا يقتصر على «قسد» وحدها، فـ«المتشددون في الطرفين لن يكونوا راضين عن هذه الاتفاقية، لا الطرف الكردي الذي كان ينتظر إعلان إقليم أو إدارة ذاتية شبه مستقلة -وذلك على غرار إقليم كردستان- ولا طرف الحكومة الانتقالية وجمهورها ومن خلفها أنقرة، والذين كانوا يأملون إنهاء قسد وأي دور سياسي وحقوقي للكرد».
وأكد المصدر السياسي في الحكومة الانتقالية هذا الإحساس بالتنازل، مشيرًا إلى أن الاتفاق لا يمثل تسوية نهائية لملف «قسد»، بل استجابة لضرورات اللحظة الراهنة، مضيفًا أن الاتفاق «يضمن تنازلات من الحكومة السورية وقسد، ولكنه في المرحلة الحالية يعتبر اتفاقًا جيدًا لتبريد الجبهات بين الطرفين». واعتبر أن الاتفاق يعبر عن «احتياج مرحلي يخدم مصلحة الدولة السورية في المرحلة الحالية وينسجم مع الواقع الإقليمي الذي قد يتغير ما بعد حرب إيران، إن حصلت، بالإضافة إلى تداعياتها على الميليشيات الموالية لها في العراق ولبنان المجاورين لسوريا».
وبينما تنظر الحكومة السورية إلى المتغيرات الإقليمية لتحديد خطوتها القادمة، يستعد الجانب الكردي لمعركته القادمة حول الحقوق السياسية والثقافية. «ندعو القوى الكردية إلى تسمية وفد مشترك يضم شخصيات أكاديمية في التاريخ والقانون الدولي لضمان الحقوق المدنية والثقافية والسياسية وذلك من خلال دستور يضمن المشاركة الوطنية لمختلف المكونات المجتمعية السورية»، تقول مسؤولة «قسد».
واعتبرت مسؤولة «قسد» أن هذه الجهود قد تمثل «خطوة في بناء الشراكة الوطنية في سوريا القادمة ونهاية لحقبات وعقود من الإلغاء والإقصاء لشعبنا، فالسياسات السابقة لم تعترف يومًا بالخصوصية المجتمعية للتنوع الثقافي الإثني، وبالتالي إعطاء بعض الحقوق المدنية والثقافية لشعبنا في روجافا»، مضيفة: «هناك في الطرف الآخر من كان يأمل إعادة الأمور للمربع الأول وعدم إعطاء أي خصوصية للكرد، بل ربما إبادتهم إبادة كاملة، بينما الاتفاق جعل الأمور لا غالب فيها ولا مغلوب».
أخبار ذات صلة
ياسين الحاج صالح عن الجسد الكبير والصغير: كيف سيكون مستقبل سوريا؟
الجسد في التجربة السورية ليس مجرد كيان بيولوجي
التجربة الكردية على المحك.. «قسد» يخسر جولات أمام الشرع والقوى الخارجية
كيف تهاوت المحادثات بين «قسد» ودمشق نحو الاقتتال؟
نَجما «شارك تانك» يقدمان عرض شراء إجباري لـ«زهراء المعادي»
«المبادرة» تجدد المطالبة برفع المنع من السفر والتصرف في الأموال والممتلكات بحق ثلاثة من مديريها
ترامب يلتقي ابن سلمان للاتفاق على صفقات الأزمات
تلعب الرياض دورًا دبلوماسيًا مهمًا في كل أزمات المنطقة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن