تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ترامب يلتقي ابن سلمان للاتفاق على صفقات الأزمات

ترامب يلتقي ابن سلمان للاتفاق على صفقات الأزمات

كتابة: إحسان صلاح، ناجح داود 8 دقيقة قراءة
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرحب بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في البيت الأبيض، 18 نوفمبر. المصدر البيت الأبيض.

عندما هبط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في واشنطن أمس، كانت حرب السودان لا تزال مستعرة، وكان الفلسطينيون في غزة يواجهون الشتاء داخل مدن من الخيام نُصبت وسط ركام حرب عامين، فيما استمر انتهاك الاحتلال الإسرائيلي لجنوبي لبنان وسوريا.

تلعب الرياض دورًا دبلوماسيًا مهمًا في كل هذه السياقات. لكن بينما يجلس ابن سلمان مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لإجراء محادثات ثنائية قبل مأدبة العشاء الرسمية في البيت الأبيض، سيكون الحديث في معظمه عن  المعاملات الاقتصادية بين الدولتين.

زيارة اليوم هي الأولى للحاكم الفعلي للسعودية إلى الولايات المتحدة منذ أن أوردت أجهزة الاستخبارات الأمريكية تورطه في اغتيال جمال خاشقجي عام 2018. أمام الإعلام، شدد ترامب سريعًا على أن ولي العهد لا يعلم شيئًا عن مقتل خاشقجي، قبل أن ينتقل إلى السبب الرئيسي للاجتماع: كيفية وفاء السعودية بتعهدها بالاستثمار في الولايات المتحدة، والذي كان مقررًا أن يبلغ 600 مليار دولار، قبل أن يتضاعف إلى ما يقارب التريليون خلال دقائق قليلة من محادثاتهما.

قدم ترامب لمحة عن الطابع المعاملاتي للقاء خلال حديثه للصحافة في البيت الأبيض مساء أمس، الاثنين. فعند سؤاله عما إذا كانت الولايات المتحدة ستبيع مقاتلات «إف-35» للسعودية، أجاب: «أخطط لفعل ذلك، نعم. هم يريدون الشراء. لقد كانوا حليفًا رائعًا. لا بد أنهم يحبوننا كثيرًا. انظروا إلى وضع إيران على صعيد التدمير، لقد نسفنا قدراتهم النووية. نعم، يمكنني القول إننا سنفعل ذلك. سنبيع طائرات إف-35».

مصدر دبلوماسي سعودي قال لـ«مدى مصر» أمس، إن السعودية «تسعى للحصول على قرابة 48 طائرة مقاتلة من طراز إف-35 في صفقة بمليارات الدولارات»، مضيفًا: «منذ زمن وتبدي السعودية اهتمامًا بالطائرة المقاتلة التي تنتجها شركة "لوكهيد مارتن"، في إطار سعيها لتحديث سلاحها الجوي ومواجهة التهديدات الإقليمية».

ويشير الدبلوماسي إلى أن صفقة «إف-35» قد تكون واحدة من عدة اتفاقيات دفاعية، لافتًا إلى المباحثات التي أجراها وزير الدفاع السعودي، خالد بن سلمان، الأسبوع الماضي في واشنطن مع مسؤولين أمريكيين.

«بن سلمان يتطلع إلى دعم ترامب في  البرنامج النووي السعودي السلمي، كذلك سيجري مناقشة ملف التطبيع السعودي-الإسرائيلي والبنود التي سيطلبها الطرفان السعودي والأمريكي في هذا الملف»، يقول المصدر السعودي.

يتفق دبلوماسي إقليمي يشارك في محادثات مباشرة مع مسؤولين سعوديين مع المصدر السعودي، قائلًا: «هذه الزيارة تتمحور حول رغبة بن سلمان في إقناع ترامب تمامًا باتفاق الدفاع الضخم واتفاق التعاون النووي. هذا هو جوهر الزيارة».

لكن هذا لا يعني غياب القضايا الإقليمية عن جدول الأعمال، وفقًا للدبلوماسي الإقليمي، ويضيف أن «الشق الإقليمي من النقاش محدود نسبيًا، وسوف يتمحور في الغالب حول ما سيطلبه ترامب. سيطلب من بن سلمان تمويل قوة الاستقرار الدولية وإعادة إعمار غزة -وسيوافق. وسيطلب منه الضغط على الشرع، الذي لا يزال مترددًا بشأن الاتفاق الأمني مع إسرائيل - وسيوافق. وبخصوص لبنان، فالطرفان على نفس الرأي في ما يخص دعم نفوذ سُني أكبر على حساب حزب الله. وبخصوص السودان، فقد أصبحا الآن متفقين بشأن ضرورة وقف إنساني كامل ومستدام لإطلاق النار».

وفقًا للدبلوماسي الإقليمي، كان حصول قوة الاستقرار الدولية -وهي الائتلاف العسكري الدولي المزمع نشره في غزة تحت ولاية الهيئة الدولية الانتقالية لغزة برئاسة ترامب نفسه- على موافقة الأمم المتحدة قبل زيارة ابن سلمان أمرًا بالغ الأهمية بالنسبة لواشنطن.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يستقبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في واشنطن، 18 نوفمبر. المصدر البيت الأبيض.

«أول ما سيقوله ترامب لبن سلمان عندما يرى وجهه هو: ها هو القرار، ضع الأموال على الطاولة»، يقول الدبلوماسي، متابعًا: «بن سلمان حصل مسبقًا على ما يريده من ترامب بشأن غزة، وهو وقف إطلاق النار».

هذا الطابع المعاملاتي الاقتصادي يمثل جزءًا من صفحة جديدة في السياسات الدبلوماسية السعودية، وفق الدبلوماسي السعودي الذي يؤكد أن زمن الخطابات التقليدية التي حكمت السياسة الخارجية السعودية قد ولّى. فالسعودية لن تستثمر في أي دولة «حبًا في العروبة» أو «لأنها دولة مسلمة»، كما يقول.

«الهدف اليوم هو استقرار المنطقة. وفي حال استقرار المنطقة، ينعكس ذلك إيجابًا على مصالح السعودية ودول الخليج ويمتد إلى العالم طبعًا»، يضيف الدبلوماسي. «الاستقرار السياسي في السعودية يجعلها عرابة الاتفاقات في المنطقة، خاصة في سوريا. كما أنها سيكون لها دور كبير في لبنان من خلال عقد اتفاقات اقتصادية كبيرة ودعم الجيش اللبناني. الدور السعودي في لبنان مستقبلًا سيكون مميزًا تمامًا كما هو في سوريا، وحين يسأل البعض: لماذا هذا الدعم؟ لأن السعودية كأي دولة أخرى لها مصالح اقتصادية في تلك البلاد وهي تستثمر فيها كنوع من البزنس».

منذ انتخاب ترامب للرئاسة، استفادت الإدارة الأمريكية من حالة «السيولة» التي خلقها الرئيس السابق، جو بايدن، لدفع مشروع «شرق أوسط جديد» يضعف من ثقل الركائز الدبلوماسية القديمة القائمة على «الاستقرار»، مقابل شبكة من العلاقات الاقتصادية تتمحور حول إسرائيل والشركات الأمريكية.

وترى الولايات المتحدة أن دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، شركاء أساسيون في هذا المسار.

وبينما كانت مصر في السابق الطرف الرئيسي للدفع بالمصالح الأمريكية في المنطقة، بدأ هذا الدور يتضاءل بشكل متزايد لصالح دول الخليج، ما يعكس تغيرًا ملحوظًا في ميزان القوى الإقليمي.

بحسب مصدر مصري مسؤول رفيع المستوى تحدث لـ«مدى مصر» في وقت سابق،  فإن تقدم محادثات التطبيع مع السعودية، والتي جرت خلف أبواب مغلقة العام الماضي، دفعت مسؤولين أمريكيين وإسرائيليين للكشف عن أن الخليج سيحصل على امتيازات سياسية وأمنية واقتصادية «قد تقلل من تلك التي تمتعت بها مصر بعد معاهدة كامب ديفيد».

ومع شروع الولايات المتحدة في حملة جديدة للدفع باتفاقات التطبيع مع إسرائيل، في أعقاب اتفاقيات إبراهام في 2021، عملت الرياض على ضمان أن تكون هي في موقع القيادة، وليس مصر أو الإمارات.

مصدر سياسي سوري مقرب من هيئة تحرير الشام قال لـ«مدى مصر» في وقت سابق إن السعودية أصبحت «عراب المصالحة لواشنطن». وحرصًا على إبرام اتفاقية دفاع مربحة مع السعودية، والتي طالما اعتُبرت «الجَزَرة» للدفع بتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، كانت الولايات المتحدة مستعدة لتلبية ما وصفه الدبلوماسي الإقليمي بالرغبة في أن تُرى كاللاعب الأساسي صاحب الكلمة العليا في ما يتعلق بالوضع السوري في المنطقة.

ومن هذا المنطلق، شهدت الأشهر الأخيرة توسع الدور السعودي في سوريا، وهو دور يشرحه الدبلوماسي السعودي من منظور اقتصادي.

«دور السعودية في سوريا بدأ مع الرئيس السابق بشار الأسد. لم يكن بهذا الحجم، لكن بعد قطيعة طويلة مع النظام السابق بسبب جرائمه، تم التوصل إلى اتفاق حينها مع الأسد لفتح صفحة جديدة. وكانت هناك مخططات لإقامة مشاريع، لكن مع سقوطه، أكملت السعودية خطتها مع العهد الجديد»، يقول الدبلوماسي، مضيفًا أن الرياض تدعم الشرع ومقاربته، و«يهم السعودية اليوم أن تستثمر في بلد كبير ومهم جغرافيًا كسوريا، ومن حقها الدفاع عن مصالحها في هذا البلد».

ومع ذلك، لن تُخضِع السعودية مطالبها السياسية بالكامل للرؤية المشتركة الأمريكية-الإسرائيلية للمنطقة.

«سيجري مناقشة ملف التطبيع السعودي-الاسرائيلي والبنود التي سيطلبها الطرفان السعودي والأمريكي في هذا الملف»، يقول الدبلوماسي السعودي، «لكن لن يكون هناك تطبيع سعودي-إسرائيلي ما لم يكن هناك اتفاق واضح يحترم التزام المملكة التاريخي للوصول لدولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. وهذا السلام لن يكون بين سوريا وإسرائيل ما لم يكن هناك موافقة سعودية».

غير أن إسرائيل لا تزال تتمسك بمواقف متعنتة على كلا الجبهتين.

فعندما زار الشرع نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، عقدت الولايات المتحدة وإسرائيل وسوريا محادثات حول اتفاق أمني محتمل.

وقال دبلوماسي سوري والدبلوماسي الإقليمي لـ«مدى مصر» إن التوصل إلى اتفاق كان بعيد المنال في ذلك الوقت بسبب تشدد إسرائيل، مشيرَين إلى مطالبتها بإنشاء «ممر إنساني» إلى السويداء.

وقال الدبلوماسي الإقليمي آنذاك إن الشروط الإسرائيلية «أصبحت مبالغًا فيها إلى حد الإهانة والتهديد للشرع نفسه. إصرارهم على وجود ممر إنساني ليربط جغرافيًا إسرائيل بالسويداء عبر الجولان أمر لا يمكن للشرع القبول به إطلاقًا. الإصرار الإسرائيلي على فرض رأي وقيود على تسليح الجيش السوري هو أمر لا يمكن للشرع مسايرته. فلو وافق، لتعرض للتصفية من قبل العناصر الراديكالية  في قاعدته الشعبية. وقد قال هذا الأمر صراحة للأمريكيين».

وكانت «رويترز» ذكرت مطلع هذا الشهر أن الشرع أبلغ الأمريكيين بوقوع محاولات لاغتياله.

وعشية تصويت مجلس الأمن على مشروع القرار الأمريكي بشأن غزة، والذي يعطي تمريره الشرعية لإدارة دولية للقطاع، تعهد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الأحد الماضي، بمعارضة أي محاولة لإقامة دولة فلسطينية.

ومع ذلك، فإن إصرار السعودية على إعلان صوري بشأن دولة فلسطينية لا يمنعها من الانخراط في الخطة الأمريكية-الإسرائيلية للقطاع.

ويقول الدبلوماسي الإقليمي إن «مشروع ريفييرا غزة قيد التنفيذ»، مضيفًا أن السعوديين يدرسون الاستثمار في المشروع بقدر ما يفعل الإماراتيون والقطريون.

وعند سؤاله عن الدور السعودي في السودان، أشار الدبلوماسي السعودي إلى جملة من الاستثمارات والمساعدات وخطوات إعفاء الديون التي اتخذتها المملكة تجاه الخرطوم منذ 2019.

وتعاظم دور الرياض في السياسة السودانية بصفتها عضوًا في «الرباعية» التي تضم مصر والإمارات والولايات المتحدة.

وفي مطلع نوفمبر الجاري، دفعت مصر والولايات المتحدة بوقف إطلاق نار في السودان لمدة ثلاثة أشهر. 

يقول مسؤول مصري إن مصر «تحاول العمل مع السعوديين على دفعة جديدة لوقف إطلاق النار. المبادرة تتعلق بوقف إنساني لإطلاق النار. التعاون مع السعوديين مفيد جدًا. نتوقع أن نرى شيئًا ما بعد زيارة بن سلمان لواشنطن».

وفي السودان، كما في غيره من ملفات المنطقة، يبدو الدبلوماسيون السعوديون على قناعة بأن أوراق اللعبة جميعها في أيديهم. وقالت مصادر نقلت عنها وكالة «رويترز» أمس، إن ابن سلمان سيضغط على ترامب لإنهاء الحرب في السودان.

«كونها الدولة العربية الأقوى حاليًا والأكبر، من الطبيعي أن يكون لها هذا الدور والتدخل»، يقول الدبلوماسي السعودي، مضيفًا، «إن لم تتدخل السعودية فمن يتدخل إذن؟»

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن