تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«چريان» يروي الصحراء بعطش الدلتا     

«چريان» يروي الصحراء بعطش الدلتا     

كتابة: ندى عرفات 21 دقيقة قراءة

في  ظهر أحد أيام يونيو الماضي، وقف الحاج عبد الوهاب، فلاح سبعيني من مركز دسوق في كفر الشيخ، عند طرف أرضه ينظر إلى ترعة جفّ ماؤها منذ أكثر من 15 يومًا. كانت الشقوق بالأرض تعلن عن عطشها، والزرع يميل نحوها ذابلًا. قال الرجل: «بيقولوا هيودوا النيل الصحراء، طيب يجبهولنا إحنا الأول».

وعلى بُعد أقل من 200 كيلومتر من أرض الحاج عبد الوهاب، وحيث لم يصل النيل من قبل، يُسحب الآن جزء من مياهه لتُضخ في مسار مائي جديد يخترق الصحراء الغربية. يمر أولًا بمدينة جديدة في غرب القاهرة «چريان» المصممة لتبدو كواحة حضرية، حيث تطل شرفات الأبراج الفاخرة وملاعب الجولف والمناطق الترفيهية والحدائق على النيل، قبل أن يواصل المجرى المائي الجديد طريقه غربًا ليروي آلاف الأفدنة ضمن المشروع الزراعي القومي «الدلتا الجديدة»، فيما تُنتزع المياه بعيدًا عن دلتا قديمة مثقلة بالبشر والزراعة. 

caption

ما يحدث ليس مجرد توسع عمراني أو زراعي، بل لحظة فارقة يُعاد فيها توزيع الماء، وبالتالي الحياة، ويتحول فيها النيل من مورد تشاركي إلى أداة استثمار في مشاريع الاستصلاح الجديدة التي تراهن عليها الدولة لتحقيق الأمن الغذائي بإنشاء ريف جديد خارج الوادي والدلتا.

مدينة چريان 

في مشهد احتفالي في يونيو الماضي، أعلن رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، عن إطلاق مشروع «چريان»، واصفًا إياه بـ«ثورة حضرية وتنموية». يمتد المشروع على مساحة أكثر من 1600 فدان، ويعد سكانه المستقبلين بالسكن على ضفاف النيل في الشيخ زايد في وحدات سكنية فاخرة وناطحات سحاب، يتراوح عرض مجرى النيل أمامها بين 50- 240 مترًا. 

مع الإعلان الرسمي عن مدينة «چريان»، اجتاحت الشوارع وشاشات التليفزيون حملة دعائية ضخمة، رافقتها أغان من كبار المطربين، يتصدرهم محمد منير، الذي غنّى للنيل وحكاياته القديمة، قبل أن يروي له حكاية جديدة عنوانها «چريان».

ورغم الزخم الإعلامي والانتقادات التي رافقت إطلاق مدينة «چريان» حول توصيل النيل إلى الأثرياء في منتجعاتهم الصحراوية، في ظل أزمة مائية متفاقمة مع ما يتردد عن آثار سد النهضة الإثيوبي، فإنها ليست أصل الحكاية. «چريان» مجرد محطة على مسار «ترعة مستقبل مصر» أو «تحيا مصر» الممتدة بطول 41 كيلومترًا في قلب الصحراء الغربية، لنقل عشرة ملايين متر مكعب من مياه النيل يوميًا نحو مشروع «الدلتا الجديدة»، الذي يديره «جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة». 

تمثل «چريان» الوجه العقاري للمشروع لتمويل البنية التحتية المكلفة من خلال بيع وحداتها الفاخرة بأسعار مرتفعة. وقع الاختيار على موقعها لأنه غير صالح للزراعة وفي الوقت نفسه قريب من الامتداد العمراني لمدن غرب القاهرة، ما جعله مثاليًا لتسويق مشروع فاخر يساعد على تمويل المشروع الزراعي الأكبر، بحسب رئيس الوزراء. 

خلال توقيع عقود «چريان»، والذي أعلن عنه كشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، ظهر ممثلو شركات خاصة مثل «بالم هيلز» و«ماونتن فيو»، إلى جانب شركة جديدة ظهرت في 2024 هي «نيشنز أوف سكاي»، فيما بقي الطرف الحكومي في الظل، باستثناء حضور رئيس الوزراء، ومدير جهاز «مستقبل مصر»، العقيد بهاء الغنام، الذي يقول الرئيس التنفيذي لشركة بالم هيلز للتعمير، إنه سيشرف على المنطقة بأكملها.

caption

وتوسعت «نيشنز أوف سكاي» خلال أقل من عام في عدد من المشروعات العقارية، من بينها مدينة المنصورة الجديدة أو ما يُعرف بالساحل الشرقي، بالإضافة إلى مشروع سكني في القاهرة الجديدة. ويتحدث باسم الشركة في الفعاليات نائب رئيس مجلس الإدارة، في حين لم يعلن عن اسم رئيسها.

وبحسب مصدر حكومي في قطاع الري، ومصدرين من المسوقين في القطاع العقاري، فإن «نيشنز أوف سكاي» هي المالكة الفعلية للمساحة الأكبر من أرض المشروع، فيما تحصل «بالم هيلز» و«ماونتن فيو» كلا منهما على مساحات متقاربة، في حين يخصص لمجرى النيل نحو 20% من مساحة المشروع.

وتوضح المصادر أن وجود أكبر شركات عقارية في البلاد هدفه الاعتماد عليهم في تسويق «چريان». وبحسب المصادر الثلاثة، تتبع «نيشنز أوف سكاي» جهة سيادية بالشراكة مع «مستقبل مصر» الذي بدأ نشاطه كمشروع زراعي تابع للقوات الجوية، وتحول لاحقًا إلى جهاز، إلا أن تبعيته القانونية تبقى غير واضحة، إذ لم يُنشر حتى الآن قرار تأسيسه في الجريدة الرسمية، رغم صدوره منذ عام 2022. 

ترعة «مستقبل مصر»

في باطن الأرض، وأسفل خطوط القطار الكهربائي والبنية التحتية، تمتد شبكة هائلة أشبه بشرايين عملاقة تنقل الحياة إلى الصحراء. على أعماق كبيرة، وداخل أنابيب خرسانية ومعدنية بقطر يتجاوز ثلاثة أمتار، ستتدفق يوميًا ملايين الأمتار المكعبة من المياه، وفقًا لمهندسين عملا بالمشروع. 

تبدأ المياه رحلتها من رشيد، الفرع الغربي لنهر النيل، والبالغ طوله 239 كيلومترًا. ويتحكم في تدفقه قناطر الدلتا جنوبًا وإدفينا شمالًا، ويغذي محافظات القليوبية، كفر الشيخ، الغربية، المنوفية، الجيزة، والبحيرة. ستضخ المياه اعتمادًا على ست محطات رفع عملاقة في المرحلة الأولى، وست محطات أخرى قيد الإنشاء. 

تحتوي كل محطة على 11 مضخة تزن الواحدة 40 طنًا، وتضخ المياه بقدرة تكفي لدفعها عكس اتجاه الانحدار الطبيعي، بحسب المهندسين، لتتجاوز تلالًا وتصل إلى أراضٍ مرتفعة عن مستوى النيل. 

caption

المجرى المائي الجديد هو المسار الجنوبي لخدمة مشروع «الدلتا الجديدة». بدأ تنفيذه في عام 2022، وتم تشغيله جزئيًا في يوليو الماضي. يمتد المسار على طول 41 كيلومترًا حتى بداية منطقة الزراعة قبل أن يتفرع إلى شبكة من الخطوط المكشوفة والمدفونة بطول 500 كيلو متر. وتتولى التنفيذ عشرات الشركات من بينها أوراسكوم، والسويدي، والغرابلي، تحت إشراف الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وفقًا لثلاثة مهندسين عملوا بالمشروع. 

وبحسب قرار نُشر في الجريدة الرسمية في أبريل 2022، يُسحب يوميًا عشرة ملايين متر مكعب من المياه أو 3.65 مليار متر مكعب سنويًا، بحد أقصى، لتُضخ نحو الصحراء الغربية لزراعة مليون فدان. 

لا يوجد تقدير دقيق حديث رسمي مُعلن لحجم تدفقات فرعي النيل منذ تصاعد أزمة سد النهضة، إذ تعتبرها الحكومة من «أسرار الأمن القومي»، حسبما يؤكد ثلاثة باحثين في قطاع المياه والري لـ«مدى مصر».

لكن؛ وفقًا لبحث نشر عام 2014؛ فإن مياه فرع رشيد تصل إلى 21 مليون متر مكعب يوميًا، ما يعني أن كمية المياه التي ستحول إلى الدلتا الجديدة قد تصل على أقصى تقدير إلى 47.6% من متوسط تدفق المياه من الفرع. فيما تشير دراسة منشورة عام 2010 إلى أن التدفق يصل إلى 29 مليون متر مكعب يوميًا، ما يجعل الحصة المسحوبة تقترب من الثلث وفقًا لهذا التقدير.  

مشروع بهذا الحجم واحتمالية تأثيره على جريان النيل يُفترض أن يقدم دراسات تُعرف بتقارير تقييم الأثر البيئي، لكشف مدى تأثيره على البيئة المحيطة به والإجراءات التي ستوليها الجهة المنفذة للحد من التأثيرات السلبية الحتمية مع أي مشروع بهذا الحجم. 

تواصل «مدى مصر» مع وزارة البيئة للحصول على هذه التقارير؛ إلا أن الوزارة اكتفت بالرد بأنها «معندهمش فكرة، اسألوا الجهة المنفذة». وبعودتنا لجهاز «مستقبل مصر» المشرف على المشروع لم نتلق رد حتى موعد النشر. 

مخطط إيصال المياه العذبة لتحقيق حلم «تخضير الصحراء» لم يعتمد على مسار واحد فقط. فإلى جانب ترعة «مستقبل مصر»، يجري تنفيذ مسار شمالي يعتمد على مياه الصرف الزراعي المعالج.

في هذا المسار تُبنى واحدة من أضخم شبكات إعادة استخدام المياه. تُجمع مياه الصرف الزراعي من مصارف شمال الدلتا، وتُنقل إلى محطة معالجة الدلتا الجديدة في منطقة الحمام بالساحل الشمالي، أكبر محطة من نوعها عالميًا. هناك، تُنقّى المياه وتضخ في نهر صناعي جديد، يعبر الصحراء لمسافة 174 كيلومترًا، مدعومًا بـ12 محطة رفع، ليوّصل 7.5 مليون متر مكعب من المياه يوميًا إلى «الدلتا الجديدة».

يقود تنفيذ هذا المسار تحالف من كبرى الشركات مثل أوراسكوم، وحسن علام، والمقاولون العرب، ضمن خطة أُطلقت بتوجيه مباشر من الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2021.

لم يبدأ التفكير في مد مياه النيل إلى الصحراء الغربية مع الطموح الرئاسي الحالي لبناء «مصر جديدة». تعود جذور الفكرة إلى عام 2007، حين طرحت وزارة الري مشروع «تحسين الري بغرب الدلتا» لدعم التوسع في استصلاح أراضٍ الصحراء الغربية عبر مد 1.22 مليون متر مكعب يوميًا من مياه النيل، في محاولة لتعويض التدهور الناتج عن الإفراط في سحب المياه الجوفية لزراعة أراضي الاستصلاح، إذ وصل معدل استخراجها في عام 2000 إلى 870 مليون متر مكعب سنويًا، بارتفاع قدره 36.2% خلال أقل من عشر سنوات. 

آنذاك، كان المشروع يهدف لاستصلاح مساحات لا تتجاوز 90 ألف فدان، مع تعويض المياه المسحوبة عبر تحسين كفاءة شبكات توزيع المياه والري في الدلتا القديمة، وتكثيف الاعتماد على مياه الصرف الزراعي المعالج.

لكن، تعثّر المشروع الذي احتاج إلى تمويل كبير. وسعت الحكومة وقتها للحصول عليه من البنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية والحكومة الهولندية. ومع اندلاع ثورة يناير 2011، توقفت المفاوضات. لاحقًا، قالت وزارة الري في بيان إنها أوقفت التفاوض لأسباب مختلفة على رأسها «عدم إمكانية توفير المقننات المائية اللازمة له في ضوء محدودية الموارد المائية».

بعد أكثر من عقد، عادت الفكرة إلى الواجهة مع بعض الاختلافات. في عام 2018، ظهر حديث إعلامي عن «ترعة الكرامة» ضمن مشروع «مستقبل مصر» التابع للقوات الجوية، لتوصيل مياه النيل إلى مليون فدان في الصحراء الغربية، مع خطط توسع تصل حتى الحدود الليبية. ردًا على ذلك، أصدرت وزارة الري بيانًا نفت فيه وجود مشروع بهذا الاسم، أو أي خطط معتمدة لمد ترع في المنطقة. وحذّرت من الترويج لأوهام مشروع «غير قائم أساسًا»، مشددة على عدم وجود «مقننات مائية إضافية من مياه النيل لمشروعات جديدة». 

ومع ذلك، وبعد أربع سنوات، بدأت الحكومة تنفيذ ترعة «مستقبل مصر»، بعدما تحول جهاز مستقبل مصر من مجرد مشروع استصلاح أراضي إلى جهاز وكيان ضخم يقود قطاع الأمن الغذائي. 

تغيّر موقف الدولة من ندرة الموارد المائية، ومنح وزارة الري الضوء الأخضر لمد مسارين مائين إلى الصحراء، يفسره أربعة من المستثمرين الزراعيين بأنه نتيجة لتدهور مستمر في نوعية المياه الجوفية بمحيط مشروع الدلتا الجديدة، بعد أكثر من 20 عامًا من السحب المكثّف من الآبار، ما أدى إلى تملّح المياه وانخفاض إنتاجية آلاف الأفدنة، في الوقت الذي تسعى فيه الدولة لإنجاح مشاريع الاستصلاح التي ضخت فيها مليارات الجنيهات. 

وتعاني الخزانات الجوفية في الصحراء الغربية من ارتفاع في ملوحة المياه نتيجة عوامل متداخلة؛ في مقدمتها تسرّب مياه البحر إلى طبقات المياه الجوفية، خاصة بالمناطق المحاذية لفرع رشيد وترعة النوبارية، فيما يتسبب تزايد السحب من الآبار في توغّل المياه المالحة من البحر المتوسط. في بعض المناطق، تجاوزت ملوحة المياه 27 ألف ملليجرام/لتر، وهي النسبة التي تساوي 18 مرة الحد الأقصى المسموح به للزراعة والبالغ 1500 ملليجرام/لتر، في حين يبلغ المتوسط العام غرب الدلتا نحو 3800 ملليجرام/لتر.

ما يزيد الوضع سوءًا استمرار السحب العشوائي وغير المراقب من الآبار، ما يخلّ بالتوازن الطبيعي للخزان ويدفع بمياه أكثر ملوحة من الأعماق إلى السطح.

ورغم ربط الخطاب الحكومي مشروع «الدلتا الجديدة» بتحقيق الأمن الغذائي في ظل تزايد السكان، تشير تقديرات مصادر مطلعة ودراسات علمية إلى أن الواقع قد يفرض معادلة مختلفة لا تترك مجالًا إلا لزراعة محاصيل تصديرية مرتفعة القيمة، تعوّض تكاليف رفع المياه وتشغيل المحطات، خاصة مع أزمات مزمنة في قطاع الكهرباء في مصر. 

في مشروع مشابه شمال غرب الدلتا، قدّرت دراسة صادرة أبريل الماضي، عن كلية الهندسة بجامعة الإسكندرية، وشارك فيها وزير الري الأسبق، حسام مغازي، أن تشغيل خمس محطات رفع يكلف بحد أقصى نحو 17 دولارًا لكل ألف متر مكعب من المياه. ورغم أن هذا الرقم لا يعكس بالضرورة كلفة تشغيل المحطات في مشروع «مستقبل مصر» نظرًا لاختلاف مواقعها الجغرافية وأحجام المضخات وظروف التشغيل، إلا أنه يقدّم تصورًا لحجم الكلفة.

بحسب هذه التقديرات، قد تتجاوز تكلفة تشغيل 12 محطة رفع على مسار النيل تسحب يوميًا عشرة ملايين متر مكعب من المياه، 170 ألف دولار يوميًا على أقصى تقدير، أو 20 ألف دولار على أقل تقدير، حسب الدراسة. وعلى نفس المنوال، كلفة تشغيل 14 محطة رفع على المسار الآخر من محطة المعالجة التي تضخ نحو 7.5 مليون متر مكعب من مياه الصرف الزراعي المعالج، قد تكون 127 ألف دولار يوميًا، أو في أحسن الظروف 15 ألف دولار. أي أن تشغيل شبكة ضخ المياه وحدها في المشروع، بمساريها، قد يصل إلى 300 ألف دولار بحد أقصى يوميًا. 

«من حق المصريين أن يعرفوا من يتحمل تكلفة إنشاء شبكات ري بهذا الحجم؟ هل تُموّل من موازنة الدولة؟ أم عبر قروض محلية ودولية؟ وإن كان كذلك بأي صفة تُمنح؟ هل تُعامل مستقبل مصر وهي الجهة المشرفة على المشروع ككيان حكومي تضمنه الخزانة العامة؟ أم كجهة خاصة تحصل على التمويل بضمان أصولها؟ وإن كان فما هي الأصول؟ وكيف حصل عليها؟ وهل لدى الجهاز قوائم مالية أو سجلات محاسبية منشورة؟» يتساءل أستاذ اقتصاد زراعي بجامعة القاهرة، طلب عدم ذكر اسمه، مضيفًا: «ومع اكتمال المشروع، من سيتحمّل كلفة تشغيله وصيانته؟ وهل هناك دراسات جدوى منشورة توضّح كيف ستُسترد التكاليف؟ وإذا انسحب المستثمرون، هل تتدخل الدولة؟ وإذا تدخلت، فبأي كلفة؟ ومن الذي يدفع الثمن؟ المواطنون الذين حُرموا من حقهم في اتخاذ القرار بشأن مشروع بهذا الحجم؟» 

أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، عباس شراقي، يقول لـ«مدى مصر» إن التكلفة المرتفعة للمشروع تعني بالضرورة زراعة محاصيل مجدية اقتصاديًا بالتأكيد ليس منها القمح والذرة، مضيفًا: «نزرع قمح بس لو في حالة حرب، لكن بخلاف كده تُخصص الصحراء لزراعة الفاكهة والخضروات والنباتات الطبية والعطرية». 

الصحراء كذلك تفرض شروطها. فالتربة الجديدة تحتاج من ثلاث إلى سبع سنوات من الزراعة بمحاصيل استصلاح، مثل الفول السوداني والفاصوليا، حتى تصبح قادرة على احتضان محاصيل تقليدية. ووفقًا للرئيس الأسبق لقسم بحوث الأشجار الخشبية والغابات، أحمد عبد الدايم، فإن زراعة القمح في هذه الظروف «غير عملية»، مدللًا على ذلك بأن محصول القمح الذي عُرض خلال افتتاح موسم الحصاد في «مستقبل مصر»، مايو الماضي، لم يتجاوز طوله 30 سنتيمترًا، مقارنة بالارتفاع الطبيعي الذي يصل بحد أدنى متر ونصف، ما يدل على فقر التربة وضعف التغذية المائية.

ويضيف باحث بمعهد المحاصيل الحقلية، طلب عدم ذكر اسمه، أن خطة الدولة حتى إن كانت تستهدف زراعة المحاصيل الاستراتيجية بنفسها عبر «مستقبل مصر»، لن يكون هذا عمليًا لوقت طويل، تدريجيًا ستكون تكلفة إنتاج محصول مثل القمح أعلى من عائده، وبالتالي ستبدأ الخسائر، ومعها تعديل التركيب المحصولي ليكون أكثر ربحية.

المقارنة الأقرب لزراعة الصحراء الغربية بمياه النيل هي مشروع توشكى، الذي بدأ كحل لأزمة الغذاء واكتظاظ السكان في الدلتا، عبر مد ترعة من مياه النيل للصحراء، وانتهى كنموذج لزراعة استثمارية تُهلك المياه وتستنزف الموارد وتخدم السوق العالمية. بعد عقود من تبوير الأراضي أو زراعتها بمحاصيل شرهة للمياه مثل البرسيم الحجازي، حاولت الدولة مؤخرًا تعديل المسار بزراعة محاصيل تصديرية، فيما ظلت زراعة القمح محدودة وضعيفة الجدوى، وفقًا للباحث بمعهد بحوث الأراضي. 

الدلتا القديمة

وفي الوقت الذي تتحرك تحت الأرض أنابيب عملاقة تحمل النيل بعيدًا عن الفلاحين، ليسقي أراضٍ أخرى، لا يملكون فيها قدمًا ولا قرارًا، تعاني قرى الدلتا التي تطعم البلاد بإنتاج نحو 60% من إجمالي المحاصيل، وتتركز فيها زراعة المحاصيل الأساسية، من العطش. فعلى مدار أكثر من عقدين، ترصد عشرات الأبحاث والتقارير الصحفية  والإحاطات البرلمانية أزمة مياه متفاقمة تضرب الدلتا. 

caption

تصل موارد مصر المائية إلى نحو 60 مليار متر مكعب من المياه سنويًا، معظمها من النيل، وأقل من خمسة مليار متر مكعب من المياه الجوفية والأمطار، فيما يتجاوز استهلاك مصر من المياه  114 مليار متر مكعب، بحسب وزير الري. يُغطّى العجز  عبر إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، بالإضافة إلى استيراد منتجات غذائية كانت ستحتاج نحو 34 مليار متر مكعب من المياه لزراعتها. 

بالتوازي، انخفض نصيب الفرد من المياه في مصر (كمية المياه المتاحة مقسومة على عدد السكان) من 2,000 متر مكعب سنويًا في عام 1959 إلى 560 مترًا مكعبًا في عام 2021، وصولًا إلى 500 متر مكعب في 2024، ما يُصنَّف كــ«ندرة مطلقة» وفق معايير الأمم المتحدة.

caption

ظلت حصة مصر ثابتة من مياه النيل عند 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، منذ توقيع اتفاقية تقاسم مياهه مع السودان في عام 1959. إلا أن الزيادة السكانية المتسارعة والتوسع الزراعي والعمراني فاقما الضغط على الموارد المائية المحدودة. لكن الأزمة لا تتعلّق بالوفرة فقط، بل أيضًا بالتوزيع والجودة. تشير دراسات إلى وجود فاقد كبير في مياه الري لأسباب مختلفة، من بينها الفاقد الناتج عن البخر الطبيعي الذي قد يصل إلى 25%. ومن المتوقع أن تزداد احتياجات الري مع ارتفاع درجات الحرارة، في وقت تؤكد فيه الحكومة حاجتها إلى مليارات الجنيهات لتطوير وتحسين شبكة الري في الدلتا.

تدهور وضع مصر المائي ظهر في الدلتا بأشكال مختلفة مثل انخفاض تدفق مياه الري في الترع الموصولة بالنيل، وانقطاعها لفترات طويلة. لذا تكثف الحكومة جهودها للتعامل مع الأزمة المتوقع تفاقمها خاصة مع تغيرات المناخ التي تزيد من معدلات الجفاف، والتأثيرات المحتملة لسد النهضة. كان أبرز هذه الجهود مشروع تبطين الترع الذي انطلق في عام 2020 لتغطية الترع الترابية بطبقات عازلة لمنع التسرب وتحسين كفاءة الري، بتكلفة تجاوزت 90 مليار جنيه. 

لكن المشروع واجه انتقادات ومشكلات مختلفة، أهمها غياب دراسات تقييم الأثر البيئي قبل التنفيذ، وتجريف الأشجار التي نمت لعقود على ضفاف الترع وأسهمت في الحد من تبخر مياهها، حسبما يقول أستاذ بكلية العلوم بجامعة الأزهر، طلب عدم ذكر اسمه. 

لاحقًا، اعترف وزير الري، أن تبطين الترع «بشكل موحّد» ومن دون دراسة كل حالة على حدة، كان هدرًا للمال العام. بعدها، صححت الوزارة المسار، وتباطأت في تنفيذ المشروع، وبدأت في تبطين بعض الترع بمواد صديقة للبيئة، وأزيلت طبقات الخرسانة من بعض الترع، لتنتهي حتى يوليو الماضي من تبطين سبعة آلاف و700 كيلو متر من أصل 20 ألف كيلو متر كان يستهدفها المشروع في لحظة إطلاقه.

مهندس سبق له العمل في المشروع، يوضح لـ«مدى مصر» إن الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، المشرفة على مشروع التبطين، تعثرت في سداد مستحقات شركات المقاولات من الباطن، ما دفع بعضها لاستخدام مواد أقل جودة وإبطاء التنفيذ، مضيفًا أن شركته لم تتقاضَ ملايين الجنيهات المستحقة بعد نقل إدارة المشروع إلى مبادرة «حياة كريمة»، التي بدورها حمّلت المسؤولية للهيئة. 

على المدى الأطول، تعمل الدولة على ما يسميه وزير الري، هاني سويلم «الجيل الثاني» من مشاريع إدارة المياه، يشمل ذلك تحسين منشآت التحكم في توزيع المياه، ورفع كفاءة شبكات الري، واستخدام تقنيات الري الذكي بالاعتماد على الأقمار الصناعية والطائرات المُسيّرة، وخطة لصيانة محطات رفع المياه، إلى جانب التوسع بالشراكة مع القطاع الخاص في إنشاء محطات معالجة الصرف، ما يوّفر نحو 22 مليار متر مكعب من المياه سنويًا.

أبرز هذه المشروعات، محطة «الدلتا الجديدة» بالحمام، و«المحسمة» شرق قناة السويس، و«بحر البقر» في بورسعيد، والتي تهدف لتوفير خمس مليارات متر مكعب من المياه لاستخدامها في زراعة أراضٍ جديدة في مناطق أخرى مثل الدلتا الجديدة وسيناء، بحسب تصريحات الوزير في يوليو الماضي. 

أما انظمة الري الموفرة مثل الري بالتنقيط الذي تعول عليه الدولة لتخفيض استهلاك المياه، يواجه استخدامها تحديات فنية واقتصادية خصوصًا في مناطق شمال الدلتا، حسبما يؤكد وزير الري نفسه في لقائه الأخير حيث تتطلب الأراضي المتأثرة بالملوحة بسبب قربها من البحر المتوسط ريًا بالغمر لتخفيف تركّز الأملاح، بينما تعيق الحيازات الصغيرة تطبيق الأنظمة المتطورة في معظم أراضي الدلتا بسبب ارتفاع التكلفة وتفتت الحيازات، بحسب مصادر بالقطاع الزراعي

لكن حتى مع هذه المحاولات، فإن المساحة المتاحة للمناورة تظل ضيقة. تشير دراسة علمية نُشرت في يونيو الماضي، شارك فيها باحث من قطاع التخطيط بوزارة الري ومعهد «دلتارس» الهولندي، إلى أن قدرة مصر على توفير كميات إضافية كبيرة من المياه من خلال مشاريع إعادة استخدام الصرف الزراعي لاستخدامه في الصحراء تعتبر محدودة للغاية، لأن كفاءة استخدام المياه في مصر أصلًا من بين الأعلى عالميًا (نحو 75.6%). 

ويرجع ذلك إلى اعتماد الدلتا منذ عقود على إعادة استخدام مياه المصارف الزراعية والمياه الجوفية الضحلة. وتشير النماذج الواردة في البحث إلى أن كل متر مكعب يُستخدم في الزراعة يُعاد استخدامه لاحقًا داخل نفس النطاق الجغرافي (على مستوى المحافظة أو أقل).

ولذلك، فإن تحويل هذا «الفائض الظاهري» إلى مشروعات زراعية جديدة في الصحراء مثل «الدلتا الجديدة»، يعني سحب المياه من الدلتا مرتين؛ مرة من حصتها من فرع رشيد النيل، ومرة أخرى من المياه المعالجة التي نعتمد عليها لتغطية عجزها المزمن أصلًا.

تشمل خطط الدولة لتوفير المياه دعم روابط مستخدمي المياه، وهي كيانات تعاونية تضم المنتفعين من شبكات الري والصرف في منطقة واحدة، لتنظيم توزيع المياه بين الفلاحين، إلا أنها محدودة الإنتشار ولا يتجاوز عددها ست آلاف رابطة، بمتوسط من سبع إلى 20 مزارعًا في الرابطة، بحسب رئيس مجلس إدارة الاتحاد، رائف تمراز. 

وبسبب هذا الانتشار المحدود، لا توجد لها آثار ملموسة على الأرض حتى الآن، بحسب ما يؤكده خبير المياه بغرفة الصناعة الألمانية العربية وأستاذ مساعد بقسم الري بكلية الهندسة، جامعة القاهرة، بيتر رياض لـ«مدى مصر». 

في مسار موازي تحاول مصر التوسع في استنباط أصناف بذور مقاومة للجفاف، لكن هذا المسار يصطدم بواقع هش لمراكز البحوث الزراعية، التي تعاني من نقص مزمن في التمويل. 

المصدر: من ورقة للباحث وائل رشيد

لم نتلق ردًا من وزارة الري على أسئلة «مدى مصر» بشأن كيفية تعويض نقص المياه في الدلتا، لكن باحثًا في قطاع الري، يقول إن الحكومة تراهن حاليًا على ارتفاع تدفقات مياه النيل خلال السنوات الأربع الأخيرة، إلى جانب انخفاض كبير في السحب من السودان نتيجة الحرب هناك، مما ساعد في تأجيل بعض الضغوط الناتجة عن التوسع في المشروعات الجديدة.

وتشير بيانات مبنية على صور أقمار صناعية إلى انكماش المساحات المزروعة في «مشروع الجزيرة» وهو أكبر المشروعات الزراعية في السودان بمساحة تتجاوز 2.3 مليون فدان، إلى نحو 20% فقط من المساحة، بفعل الحرب المندلعة منذ عام 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

لكن هذه المراهنة، بحسب المصدر بـ«الري»، قصيرة المدى ومحفوفة بالمخاطر؛ إذ يمكن أن تنخفض تدفقات النيل خلال السنوات القادمة. كما أن استقرار الأوضاع في السودان سيعيد النشاط الزراعي إلى سابق عهده أو يدفع إلى توسعه خاصة أن السودان قبل الحرب بدأ في استخدام 17.8 مليار متر مكعب وهو ما يقرب من كامل حصته من مياه النيل، فضلًا عن المخاوف المستمرة من آثار تشغيل سد النهضة على مصر أثناء فترات الجفاف الممتد لفترات طويلة.

شح المياه عامل أساسي في رفع تركيز معدلات التلوث، وبالأخص في فرع رشيد الذي ستروي مياهه ريف مصر الجديد. 

caption

بشكل عام، تؤكد دراسات علمية متعددة أن فرع رشيد من أكثر قطاعات نهر النيل تلوثًا، بسبب التراكم المزمن لمخلفات الصرف الزراعي والصحي والصناعي، وغياب الرقابة الكافية على مصادر التلوث، فيما يؤدي نقص المياه إلى تفاقم معدلات التلوّث نتيجة زيادة تركّز الملوّثات، خاصة إذا لم تُعوّض الكميات المحوّلة إلى المشروعات الجديدة. 

وعلى مدار العقد الماضي، تزايدت مؤشرات تلوث مياه الفرع. وتحول ظهور الأسماك النافقة وتغير لون المياه ورائحتها إلى مشهد متكرر في مناطق مختلفة بشمال الدلتا بالأخص. تقارير رسمية من المحليات، كالتقرير الصادر عن الوحدة المحلية بالمحمودية، بمحافظة البحيرة، عام 2018، وتصف الوضع قائلة: «المياه السطحية شكلها العام سيئ، وبها رغوة بيضاء وخضراء، ولونها داكن وغير صافية، وتطفو على سطحها كميات كبيرة من الأسماك المريضة نتيجة نقص الأكسجين المذاب في الماء». وضع مشابه توثّقه تحاليل رسمية في مركز تلا بالمنوفية، حيث رُصد انخفاض شديد في مستويات الأكسجين وارتفاع في نسب الأمونيا والأملاح، وبالمثل في مراكز محافظة كفر الشيخ.  

ورغم محاولات الحد من التلوث بفتح القناطر لزيادة ضخ المياه، فإن الأزمة تفاقمت مع مرور الوقت. في عام 2024، رصدت وزارة البيئة استمرار تصريف مخلفات بعضها غير معالجة من أربع مصارف زراعية، و25 محطة صرف صحي، فضلًا عن مصانع ومنشآت صناعية تصب نفاياتها مباشرة في مياه الفرع، والتي تعتبر نفاياتها أخطر ومعالجتها أعقد من مياه الصرف الزراعي.

انقطاع المياه لفترات طويلة دفع بعض الفلاحين لقطع الطرق أكثر من مرة أحتجاجًا. وتسبب الانقطاع المتكرر للمياه في تقليل جودة التربة وإنتاجية المحاصيل وبوار الأراضي. ونتيجة لذلك، اضطر مئات المزارعين إلى تبوير أراضيهم أو في أفضل الأحوال التوقف عن زراعتها خلال بعض المواسم، حسبما يقول وكيل وزارة سابق بوزارة الزراعة، بالبحيرة، لـ«مدى مصر»، «وبعدين يدفّعوهم غرامات لتبوير الأرض»، يضيف وكيل الزراعة الذي طلب عدم ذكر اسمه. يحظر قانون الزراعة المصري ترك الأرض غير مزروعة لمدة عام، أو«ارتكاب أي فعل أو الامتناع عن أي عمل من شأنه تبوير الأرض الزراعية أو المساس بخصوبتها».

بعض الفلاحين بدأوا في حفر آبار مياه جوفية لتوفير المياه، حسبما يقول ثلاثة فلاحين لـ«مدى مصر». «المناوبة (أدوار الري) بتتأخر وبتوصل أوقات لـ25 يوم. جربنا نستنى ونسمع كلام بتوع الري والمحصول خرب. السنة اللي بعدها حفرنا بير»، يقول معاطي السيد، فلاح بمحافظة الشرقية لـ«مدى مصر». تُقسَّم وزارة الري المياه على فترات تُعرف بـ«مناوبات»، لضمان وصول المياه للمزارعين في نهايات الترع، إذ غالبًا ما يستهلك مزارعو أول الترع حصتهم كاملة قبل أن تصل المياه للآخرين. 

لكن البئر لم يكن حلًا مستدامًا، «بعد كام سنة، المية بقت شينة (سيئة)، وبوظت الزرعة، لقينا الملح على وش الأرض، حفرنا أعمق، صرفنا أكتر على الجاز، وبرضه المية شينة». 

مشكلة معاطي ليست فردية. تحذر دراسة نُشرت عام 2020 من تسرُّب مياه البحر إلى الخزان الجوفي في دلتا النيل نتيجة السحب المفرط، خاصة في محافظة الشرقية، التي تسحب وحدها أكثر من 680 مليون متر مكعب سنويًا من المياه الجوفية، وتعد من أعلى المحافظات إنتاجًا للمحاصيل في مصر. ورصدت الدراسة كذلك ارتفاعًا حادًا في ملوحة المياه داخل المحافظة، ما يُنذر بفقدان خصوبة أراضيها.  

وبينما تتقلص خيارات فلاحين الدلتا المحاصَرين بندرة المياه وتلوّثها، تتبدل أدوارهم في المعادلة الزراعية الجديدة. فبعد عقودٍ كان فيها الخروج إلى أراضٍ صحراوية جديدة مثل قرى شباب الخريجين ملاذًا للفلاحين الباحثين عن الاستقرار وحفاظًا على بقاء طبقة متوسطة منهم، تغلق السياسات الحالية هذا الباب، بعدما خُصص مشروع الاستصلاح الأكبر في البلاد «الدلتا الجديدة» لكبار المستثمرين فقط، بدعوى منع تفتت الحيازات وتكرار مشاكل الأراضي القديمة. فيما يقول اثنان من صغار المستثمرين الزراعيين لـ«مدى مصر» إن شركة «الريف المصري» وهي شركة حكومية مساهمة، تدير مناطق من مشروع الدلتا الجديدة، بدأت خلال العامين الماضي والجاري في رفع أسعار الأراضي بالتوازي مع ازدياد إقبال المستثمرين الخليجيين على شراء مساحات واسعة في المنطقة.

أما الفلاحين الأكثر فقرًا، فكانوا أمام خيارين، إما بوار أرضهم وقطع أرزاقهم، أو استخدام مياه المصارف بكل أنواعها، ودون معالجة، وبموافقة وزارة الري أحيانًا. فيما يقول عدد من الفلاحين في محافظات كفر الشيخ والغربية والبحيرة لـ«مدى مصر»، إن عددًا كبيرًا من الفلاحين اضطر مؤخرًا لترك أرضهم أو بيعها، ليعودوا إلى الزراعة كعمالة يومية في مزارع الغير، داخل الدلتا أو في مشاريع الصحراء. العمل شاق، غير منتظم، ولا يتجاوز أجره 130 جنيهًا في اليوم. وغالبًا ما تكون النساء في مقدمة هذا الصف. 

«أنا مقدرش أبيع أرضي لو هرويها من المصرف، دي أرض أبويا، الناس تاكل وشي وتبقى فضيحة لو بعتها»، يقول سيد، مزارع يملك فدان ونصف في البحيرة.  

ومن يصرّ على البقاء في أرضه مثل سيد، فسيواجه عزلة متزايدة. مع تزايد الاعتماد على مياه ملوثة أو مالحة، تتدهور صحة التربة والفلاح، الذي يُدفع نحو تكلفة أعلى ومحاصيل أضعف وأمراض أكثر، سواء لمن يزرع أو لمن يأكل. 

وبينما تزداد صعوبة الوصول إلى المياه، تتفكك الروابط التقليدية التي حافظت على تماسك الريف لعقود. في بعض القرى، تحولت مناوبات الري إلى نزاعات دامية بين الفلاحين، وصلت حد إطلاق النار.  

في قلب هذه التحولات، يبدو أن مشروع «چريان» لا يمثل فقط تحولًا في وجهة المياه، بل في تعريف أولويات التنمية في مصر. فبينما تُضخ استثمارات هائلة في البنية التحتية لنقل المياه إلى أراضٍ جديدة، تبقى الأراضي القديمة تواجه تحديات متراكمة من العطش والتلوث والتهميش. 

«في الوقت ده السؤال الأهم مش هو البلد تعرف تعمل مشروع بالحجم ده ولّا لأ. لكن السؤال الصح هو عن قدرتها على حفظ التوازن بين الطموح القومي وحقوق المجتمعات المحلية، بين زراعة الصحراء لمواكبة زيادة الطلب، والحفاظ على الحياة في الدلتا، اللي الحفاظ عليها وعلى استقرارها مش رفاهية»، يقول أستاذ الاقتصاد الزراعي.  

تحديث: تم تعديل رقم عدد المرات الذي يمثل نسبة الملوحة حاليًا للمناسبة للزراعة

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن