أعلنت مصلحة الجمارك في مطلع فبراير الماضي، استمرار قرار حظر تصدير الأرز، القائم منذ أكثر من ثماني سنوات للحفاظ على الموارد المائية الشحيحة. بعد ستة أيام فقط من البيان الحكومي، أعلنت شركة أبناء سيناء، التابعة لمجموعة العرجاني، عن «فخرها» بتصدير الأرز لـ18 دولة حول العالم.
إعلان الشركة جاء بعد شهر من نشر بيانات رسمية تشير إلى ارتفاع قيمة صادرات الأرز المصرية 3808% خلال الشهور العشرة الأولى لعام 2024 مقارنة بنفس الفترة من 2023، وهو ما أرجعه تجار ومزارعون إلى استثناءات غير مُعلنة مُنحت لشركة «أبناء سيناء» المملوكة لرجل الأعمال إبراهيم العرجاني، الذي تنامى دوره السياسي والاقتصادي بالتعاون مع الدولة خلال الأعوام القليلة الماضية، لتصدير الأرز خلال العامين الماضي والجاري، وهو ما استغلته الشركة في تحصيل رسوم جبرية عن كل طن أرز يصّدر، حسبما قالت مصادر بالقطاع لـ«مدى مصر».
بالتزامن مع تأكيد الدولة استمرار حظر التصدير، تؤكد بعض المصادر الرسمية أن الصادرات مخصصة كمساعدات إنسانية، لكن مصادر من قلب قطاع تجارة الأرز تحكي رواية مغايرة عن تجارة مبنية على تشابكات سياسية واقتصادية، ينتفع منها قلة مختارة. فكيف تتحول القيود إلى امتيازات حصرية؟
***
في ظل معاناة البلاد من الفقر المائي، فرضت الحكومات المصرية المتعاقبة على مدار العقدين الماضيين قيودًا على تصدير وزراعة الأرز، نظرًا لاستهلاكه العالي للمياه، والذي تُقدره الحكومة بنحو 25% من حصة مصر من مياه النيل البالغة 55 مليار متر مكعب سنويًا. ورغم ذلك، كانت الحكومة تسمح من حين إلى آخر بالتصدير تحت ضغط المصّدرين، مقابل فرض غرامات لصالح وزارة التموين تصل إلى ألفي جنيه على كل طن يتم تصديره.
إلا أن النهج الحكومي بات أكثر تشددًا منذ عام 2016، بعدما حظرت الحكومة تصدير الأرز بكل أنواعه، واستمرت في تمديد قرار الحظر سنويًا، خصوصًا مع تصاعد القلق من تأثير سد النهضة الإثيوبي. وفي 2018، قلصت الحكومة مساحات زراعة الأرز، وحددت مناطق يسمح لها بالزراعة بناءً على قرار سنوي، معظمها في مناطق مرتفعة الملوحة، ومنعت الفلاحين من زراعة الأرز خارج هذه الحدود، كما فرضت غرامات وعقوبات تصل إلى الحبس للمخالفين.
ورغم أن المساحات المقررة التي تزيد على مليون فدان، تُنتج أربعة ملايين طن أرز أبيض سنويًا، وهو ما يتجاوز الطلب المحلي البالغ 3.6 مليون طن، يواصل الفلاحون توسيع رقعة زراعة الأرز، متجاوزين الحدود المفروضة، بسبب عائده المرتفع مقارنة بتكاليف إنتاجه، مع ضمان تسويقه، فضلًا عن مخاوفهم من ارتفاع ملوحة التربة حال التوقف عن زراعة الأرز الذي تخفف مياه ريه ملوحتها، ما يخلق فائضًا سنويًا وصل العام الماضي إلى مليون طن، وفقًا للتقديرات الرسمية، تستورد مصر بجانبه 130 ألف طن أرز بسمتي سنويًا.
في يوليو الماضي، وقبل شهر واحد من بدء موسم الحصاد الذي ينطلق في أغسطس، انتشرت معلومات داخل دوائر التجار والفلاحين عن السماح بتصدير الأرز. وبينما نفى البعض هذه المعلومات، أكد تجار السماح به واستعدادهم لجمع كميات من السوق لتصديرها، فيما ألمح آخرون إلى استثناءات مُنحت لتجار بعينهم، في حين وصف البعض ما يجري بعمليات «تهريب منظمة» على نطاق «أوسع من كل عام».
امتدت التساؤلات إلى البرلمان، بعدما تقدم نائب حزب «مستقبل وطن»، محمد عبد الله زين الدين، باستفسار رسمي إلى الحكومة في الشهر نفسه، حول صحة الأنباء المتداولة بشأن تصدير الأرز لصالح «بعض الشركات»، محذرًا من تأثيره المحتمل على الأسعار محليًا.
تواصل حينها «مدى مصر» مع كبار تجار الأرز، الذين نفوا السماح بالتصدير رسميًا، موضحين أن الكميات التي تخرج من البلاد تكون عبر مسارين أساسيين: الأول عمليات تهريب، والثاني مساعدات إنسانية تُصدّرها الدولة رسميًا، وهي مستثناة من قرار الحظر، وتكون إما مجانية، وإما تبيعها إلى منظمات إغاثة عالمية تعيد توزيعها كمساعدات. غير أن مصدرًا وحيدًا بالقطاع كشف لـ«مدى مصر» أن شركة واحدة حصلت على استثناء يسمح لها بالتصدير لأغراض تجارية، مؤكدًا أنه يتجاوز حدود المساعدات الإنسانية. وقال إن اختيار الشركة يعود إلى صلتها بما أسماها «جهات سيادية».
بعد فترة من الهدوء، عاد الحديث عن تصدير الأرز إلى الواجهة بعدما نشر جهاز التعبئة والإحصاء بيانات رسمية، في يناير الماضي، اطلع عليها «مدى مصر»، كشفت عن ارتفاع قيمة صادرات الأرز خلال الأشهر العشرة الأولى من العام الماضي لتصل إلى تسعة ملايين دولار، مسجلة قفزة بلغت 3808% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2023. وفي أكتوبر وحده، كانت الزيادة تتجاوز 4527%.

رغم تأكيد مصلحة الجمارك استمرار سريان قرار حظر التصدير، فإن ستة مصادر بقطاع تجارة الأرز كشفوا لـ«مدى مصر» أن الدولة سمحت بالتصدير لشركات معينة، على رأسها «أبناء سيناء»، وبكميات أقل «الشركة المصرية السودانية للتنمية والاستثمارات المتعددة»، التي أُسست عام 2021، وتملكها الشركة القابضة للصناعات الغذائية وجهاز الخدمة الوطنية، وشركة «اتجاهات» السودانية، التابعة لمنظومة الصناعات الدفاعية المملوكة بدورها للقوات المسلحة السودانية.
«أي تاجر عايز يصّدر بيروح لشركة أبناء سيناء، يدفعلهم 150 دولار عن كل طن، ويدوني تصريح، وأقدم تنازل عن الشحنة، واستلم فلوسها منهم وهما بيصدروا تحت اسمهم»، يقول تاجر أرز تحفظنا على ذكر اسمه حرصًا على سلامته.
على الجانب الآخر وقبل أسابيع من إعلان شركة «أبناء سيناء» فخرها بالتصدير، تمسك عدد من المصادر، خصوصًا من يشغلون مناصب رسمية، باقتصار الصادرات على المساعدات الإنسانية، لدول مثل ليبيا وفلسطين والسودان وسوريا.
النائب البرلماني وعضو غرفة الحبوب باتحاد الصناعات، مجدي الوليلي، قال إن التصدير يقتصر على «جهات معينة» تحصل على تصاريح خاصة، وغالبًا ما تكون على صلة بمؤسسات رسمية مثل «وزارة الدفاع»، ما يجعل الملف «غير قابل للنقاش»، على حد تعبيره.
لكن بعد إعلان «أبناء سيناء» بنفسها عن تصديرها الأرز، عاد الوليلي وقال لـ«مدى مصر» إن الدولة اختصت الشركة المملوكة للعرجاني بتصريح لتصدير الأرز إلى غزة في البداية بسبب ظروف الحرب، «وبعدين الأمر تطور للتصدير لسوريا والأردن والعراق والدول اللي عندها مشاكل سياسية، وبعدين اتفتح لدول عادية زي تركيا والمغرب».

تصدير الأرز من مصر التي تعاني من أزمة اقتصادية طاحنة ونقص مائي حاد، لصالح دول لا تبدو في احتياج للمساعدات، أرجعه بعض المصادر إلى الاعتبارات والحسابات السياسية.
من بين هؤلاء كان رئيس شعبة الأرز باتحاد الصناعات، رجب شحاتة، الذي قال إن التصدير يحمل أبعادًا سياسية مرتبطة بالعلاقات الخارجية لمصر، في إطار سياسات إقليمية تهدف إلى توطيد النفوذ السياسي والتعاون الأمني، خصوصًا مع وجود فائض من الأرز، وأوضح شحاتة لـ«مدى مصر» أن تصاعد الأزمات السياسية في المنطقة دفع الحكومة إلى إعادة النظر في سياسات التصدير، سواء لأغراض إنسانية أو لمكاسب دبلوماسية، كما شدد على نفيه أن تكون الصادرات ذات طبيعة تجارية.
تواصلنا مع شحاتة مجددًا بعد أيام من إعلان «أبناء سيناء»، الذي فسره قائلًا: «ممكن موظف غشيم عندهم نشر، أنا هكلمهم أقولهم يشيلوا البوست لأنه هيعمل مشاكل والأسعار هتعلى بسببه لو اتنشر»، كما نصحنا: «لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم.. حتى لو هما نشروا الأحسن نغض البصر».
أحد كبار تجار الأرز الذي صدّر عبر شركة «أبناء سيناء»، قال لـ«مدى مصر» إن التصدير مفتوح للشركة منذ شهور كمكافأة على دور العرجاني في سيناء، لكنه كان غير معلن، معتبرًا أن إعلان «أبناء سيناء» «استفزازي» بحسب وصفه، مضيفًا: «الشركة واخدة الاستثناء ده بصفة خاصة في ظروف خاصة، وإحنا في دولة قانون وعندنا دستور ينص على المساواة، ما ينفعش أخص حد دون آخر، وهما كده بيقولوا علنًا إن الدولة اختصته، وده هيعمل مشاكل».
بخلاف الصادرات شبه الرسمية، يخرج الأرز المصري من البلاد عبر التهريب الذي تزايد خلال السنوات الأخيرة بالتزامن مع حظر التصدير عام 2016، إما عبر مسارات غير رسمية عبر الحدود، وإما عبر المواني، لكن تحت اسم حبوب أخرى مسموح بتصديرها، حسبما قال ثلاثة مصادر لـ«مدى مصر»، أحدهم تاجر حبوب، وثانٍ مسؤول بوزارة الزراعة، والثالث أحد كبار المزارعين بالدلتا.
وتظهر هذه البضاعة المهربة في الأسواق الخليجية على وجه الخصوص، بسبب زيادة الطلب عليها هناك. «قبل حظر التصدير كنا بنصدر حوالي مليون طن أرز مصري لـ64 دولة، وده بسبب نوعه المميز اللي مفيش حاجة تضاهيه غير نوع أمريكي غالي جدًا، وده زود التهريب. ده غير الكميات اللي بتطلع بشكل ودّي بموافقة الدولة»، يقول المصدر المسؤول بوزارة الزراعة، الذي رفض الإفصاح عن مزيد من التفاصيل.
***
تاجرا الأرز اللذان صدّرا العام الماضي والجاري كميات عبر شركة «أبناء سيناء» قالا لـ«مدى مصر»، إن الحكومة سمحت للشركة بتصدير مئة ألف طن منتصف العام الماضي، ثم رفعت الكميات لـ250 ألف طن العام الجاري، بعدما اتضح زيادة الفائض من الأرز نتيجة تجاوز زراعته المساحات المقررة، وهو ما يعني أن الصادرات لن تؤثر على أسعاره أو على توافره في السوق المحلي، حسبما قال أحدهما.
وفي حين اعتبرت الحكومة أن فائض الأرز يمكن الاستفادة منه بتصديره، حذفت وزارة التموين الأرز من البطاقات التموينية في أغسطس عام 2023، لأسباب اختصرها الوزير السابق، على المصيلحي، في أن «نصيب الفرد من الدعم يساوي 50 جنيهًا، وهو غير كافٍ لشراء الأرز، ويكفي فقط لشراء الزيت والسكر، متسائلًا: «هنزّل الرز يتبهدل في التموين؟».
استئثار جهة غير حكومية -على الأقل رسميًا- بعوائد تصدير فائض الأرز لا يأتي فقط على حساب 61 مليون مصري مستفيدين من الدعم التمويني، يضطرون منذ نحو عامين لشراء الأرز من السوق الحر بسعر يصل إلى 35 جنيهًا للكيلو، بدلًا من 12.5 جنيه في التموين، بعد حذفه من البطاقات، بل يأتي أيضًا على حساب الفلاحين الذين باعوا الأرز بأسعار منخفضة مقارنة بمكاسب التصدير، بسبب ضغوطات كبار التجار لمضاعفة مكاسبهم من التصدير بأسعار وصلت إلى 750 دولارًا للطن.
«عدد كبير من الفلاحين خصوصًا اللي عندهم مساحات صغيرة باعوا إنتاجهم في أول الموسم للتجار أو المضارب بـ14 ألف لإن ما عندهمش مساحات تخزينية. دلوقتي الطن وصل 18 ألف نتيجة السحب اللي بيحصل في السوق، في حين إن التجار اللي اشتروا من الفلاحين في أول الموسم وخزنوا الأرز بيحاولوا يستفيدوا بأكبر قدر ممكن ويرفعوا السعر بعد ما عرفوا إن فيه تصدير»، يقول أحد كبار مزارعي الدلتا.
كما يشجع التصدير على التوسع في زراعة الأرز بشكل غير مدروس، يستنزف موارد طبيعية محدودة مثل المياه، التي تقلص نصيب المواطن منها وصولًا إلى 500 متر مكعب سنويًا في عام 2024، وهو الحد الذي تعرّفه الأمم المتحدة بـ«النُدرة المطلقة».
وتروُى معظم مساحات الأرز بنظام «الغمر» الذي يستهلك كميات هائلة من المياه، تقتطع من حصة المحاصيل المزروعة في الأراضي المجاورة، وتؤثر على توزيع المياه في شبكات الترع، وتتسبب في عدم وصول المياه الكافية للعديد من الأراضي، حسبما أعلن وزير الري، العام الماضي.
وتتصاعد منذ أكثر من عقد شكاوى الفلاحين من جفاف مئات الأفدنة، بسبب نقص مياه الري الذي أدى إلى تلفيات دورية في المحاصيل، ما يكبدهم خسائر سنويًا.
النائب محمد عبد الله زين قال لـ«مدى مصر» إنه لم يتلق حتى اليوم ردًا على استفساره البرلماني، الذي تقدم به في يوليو الماضي، بشأن تصدير الأرز، مبررًا طرحه للسؤال بـ«لو فيه رخصة من مصر تطلع للسودان أو غزة كمساعدات يبقى تمام، لكن اللي بيطلع شركات مصرية بتصدّر لشركات أجنبية ودول زى تركيا، هي تركيا محتاجة مساعدات؟ ولو القرار هدفه خدمة الدولة بشكل سياسي يبقى ما حدش يقدر يتكلم، بس مهم نعرف»، مختتمًا: «في ناس نصحتني ما أتكلمش، وبلاش أنبش في الموضوع».
تواصل «مدى مصر» مع وزارتي الاستثمار والتجارة الخارجية والتموين، ومصلحة الجمارك، لكن لم نتلق ردًا حتى موعد النشر.
تقارير ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ليالي قطاف الياسمين
ذهبنا إلى حقول شبرا بلولة ليلًا وسجّلنا تجربة قطاف الياسمين الشاقة كما هي في الواقع
+%170 زيادة في إيجارات أراضي «الأوقاف» و«الإصلاح الزراعي».. «تعظيم إيرادات الدولة» يهدد صغار المزارعين
هدف الزيادات كان تعظيم العائد من الأصول التي تديرها الدولة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن