نيران على بحر النفط.. وصول القصف إلى محطات تحلية مياه الخليج يهدد الملايين
خطوط سوداء ثقيلة من النفط تشقّ البحر على امتداد الساحل الكويتي، ناتجة عن بقايا ملايين البراميل من الخام التي انسكبت في الخليج، مكوّنة بقعة نفطية تمددت بطول تسعة أميال. كانت تلك هي الصورة الأبرز التي خرجت من غزو العراق للكويت في 1991 لأكبر تسرب نفطي شهده العالم على الإطلاق.
رغم أن الكارثة البيئية وُصفت آنذاك في الإعلام بأنها ذات «أهمية عسكرية محدودة»، فإن التسرب الذي تسببت به القوات العراقية شكّل، لأسابيع، تهديدًا مباشرًا لحياة السكان في الكويت والسعودية اللتين تعتمدان بدرجة كبيرة على محطات تحلية على الساحل الغربي للخليج لتحويل مياه البحر -وقد لوّثها النفط- إلى مياه صالحة للشرب.
بعد مرور 30 عامًا، وجدت بعض تلك المحطات نفسها في مرمى نيران صراع جديد في الخليج، اندلع هذه المرة قبل 13 يومًا مع الهجوم الذي شنّته إسرائيل والولايات المتحدة على إيران.

ومع رد طهران بإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل والقواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، تساقطت شظايا القصف الذي جرى اعتراضه فوق دول الخليج، لتضرب مجددًا الموانئ والمراكز اللوجستية والمناطق الصناعية ومنشآت الطاقة على طول الساحل -وهي المواقع التي تشكّل العمود الفقري لمدن صحراوية يعيش فيها ملايين السكان والعمال.
طالت الأضرار هذه المرة محطات تحلية المياه على جانبي الخليج. ففي 7 مارس، أعلن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن الولايات المتحدة استهدفت محطة لتحلية المياه في جزيرة قشم قبالة الساحل الإيراني، حيث يُعتقد أيضًا أن مدنًا مرفئية ومراكز لوجستية تعرّضت لأضرار. وقال عراقجي إن الضربة أثّرت على إمدادات المياه لنحو 30 قرية.
لكن متحدثًا باسم القيادة المركزية الأمريكية نفى أن تكون القوات الأمريكية قد استهدفت محطة تحلية إيرانية.
وبعد أقل من 24 ساعة، أعلنت وزارة الداخلية البحرينية أن نيرانًا مصدرها إيران تسببت في «أضرار مادية» لمحطة تحلية في البحرين، مشيرة إلى هجمات «عشوائية» من إيران قالت إنها استهدفت مواقع مدنية.
في ظل قيود إعلامية صارمة في إيران ودول الخليج، يصعب التحقق من حجم هذه الهجمات وطبيعتها، وما إذا كانت المنشآت قد استُهدفت عمدًا، أو معرفة أثرها الفعلي على السكان الذين يعتمدون على هذه المحطات.
لكن نمط الأضرار الذي طال هذه المحطات وغيرها من منشآت التحلية خلال الحرب يطرح تهديدًا واضحًا أمام الدول الفقيرة بالمياه والغنية بالنفط، التي تعتمد بدرجة كبيرة على التحلية لتأمين احتياجاتها المائية.
لفهم طبيعة هذه المخاطر ووضع نمط الأضرار الناشئ في سياقه، سواء في الخليج أو في منشآت المياه الأخرى، تحدث «مدى مصر» إلى جواد الخراز، مدير شبكة خبراء المياه والطاقة والمناخ، وإلى مارك زيتون، الباحث في مركز جنيف للمياه، وهو معهد بحثي معني بالسياسات يركز على دبلوماسية المياه من أجل السلام.

في الأيام القليلة الأولى من الحرب، تصاعدت أعمدة الدخان فوق ميناء «الدقم» التجاري في عُمان، وميناء «جبل علي» في دبي، أحد أكثر المراكز البحرية ازدحامًا في المنطقة، والذي لا يبعد سوى نحو 12 ميلًا عن محطة تحلية تزود المدينة بأكملها بالمياه. تلا ذلك استهداف منطقة «الفجيرة» للصناعات النفطية، المجاورة بدورها لمحطة تحلية أخرى.
أينما تجد المناطق اللوجستية ومنشآت الطاقة الخليجية -التي غالبًا ما تُقام على الساحل لتسهيل الوصول إلى خطوط الشحن- سترى عادةً بالقرب منها محطات تحلية، إذ تحتاج هذه المحطات الضخمة إلى إمداد ثابت ومستمر من النفط والغاز لتشغيل عملياتها وإنتاج المياه العذبة، لذا من المعتاد أن تتجمع تلك المواقع معًا على امتداد السواحل، بحسب الخراز.
كل محطة من تلك المحطات يعتمد عليها ملايين السكان لتوفير مياه الشرب، في ظل نُدرة الموارد المائية في مناخ الخليج القاسي.
يقول الخراز إن احتياطيات المياه الجوفية تدهورت، ما جعل تحلية مياه البحر «المصدر الوحيد المستدام للحياة الحضرية والنمو الاقتصادي» في دول مجلس التعاون الخليجي. فعلى سبيل المثال، توفر محطة تحلية الجبيل في السعودية نحو 90% من احتياجات مياه الشرب للعاصمة الرياض.
لكن «الإنتاج يتركز في منشآت عملاقة»، بحسب الخراز، ما يجعل تعرضها للهجمات خطرًا بالغًا، موضحًا أن «استهداف محطة واحدة كبرى في دول صغيرة المساحة مثل البحرين أو قطر قد يؤدي إلى فقدان فوري لأغلب المخزون الاستراتيجي المحدود في هذه الدول».
توفر مياه التحلية 96% من المياه غير المخصصة للزراعة والصناعة في البحرين، ونحو 42% من إجمالي احتياجات الإمارات من المياه العذبة، و70% في السعودية، و86% في عمان، و90% في الكويت، و61% في قطر.

كما أن اعتماد هذه المحطات الكثيف على النفط والغاز يعني أن «أي استهداف لمنشآت النفط والغاز يؤدي تلقائيًا إلى توقف إنتاج المياه»، بحسب الخراز، في حين أن قربها من محطات الطاقة يجعلها عرضة لخطر الحرائق.
يقول زيتون إن اعتماد السكان الكبير على هذه المنشآت يجعل استهداف محطات التحلية «انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني». بل يتجاوز ذلك إلى كونه «انتهاكًا للأعراف غير المكتوبة للحرب»، والتي عادةً ما تمنع حتى المعتدي من إلحاق الضرر بمصادر المياه أو بنيتها التحتية، نظرًا لأهميتها البالغة للحياة، والتي قد يؤدي استهدافها إلى معارضة أشد للمعتدي، بحسب زيتون.
ومع ذلك، شهدت المنطقة خلال السنوات الأخيرة نمطًا من الهجمات المشابهة. في 2016، قال الحوثيون في اليمن إن التحالف الذي تقوده السعودية قصف محطات تحلية، بينما ردت وسائل إعلام سعودية الاتهام ذاته تجاه الحوثيين بعد سنوات قليلة.
كما استهدفت إسرائيل مرارًا البنية التحتية للمياه العذبة في هجماتها. فبعد غزو قطاع غزة في 2023، استخدمت محطة تحلية مياه البحر في غزة كقاعدة عسكرية، ما أدى إلى القضاء على 90% من قدرتها الإنتاجية، بحسب سلطة المياه الفلسطينية.
وفي لبنان، استهدفت 30 هجمة إسرائيلية البنية التحتية للمياه بين 2023 و2024، وفق تقرير صادر في 2024 عن المجلس الوطني للبحوث العلمية.
يرى الخراز أن هذه الحروب السابقة، إلى جانب الغزو العراقي للكويت، قدّمت «دروسًا قاسية» لدول الخليج، إذ عززت إدراكها بأن «تدمير منشآت المياه هو سلاح عسكري فعال يتجاوز أثره فقدان أي سلعة أخرى».
اتخذت بعض الدول خطوات للتخفيف من حدة هذا الاعتماد. فالإمارات، على سبيل المثال، تمتلك مخزونًا مائيًا يكفي لمدة 45 يومًا ضمن استراتيجيتها لعام 2036، كما أدت الهجمات الأخيرة على منشآت الطاقة والمياه إلى تسريع مشروع «شبكة الربط المائي الموحدة» بين دول الخليج، المصمم لتبادل المياه في حالات الطوارئ.
ومع ذلك، يؤكد الخراز أن الوضع المائي الهش في الخليج يتطلب «تغييرًا شاملًا في نموذج الإدارة»، مشيرًا إلى ضرورة تعزيز أنظمة الأمن السيبراني المتقدمة لتفادي هجمات من هذا النوع، إلى جانب تنويع مصادر الطاقة، إذ أن ربط محطات التحلية بالطاقة الشمسية أو طاقة الرياح قد يكون حاسمًا في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري سريع الاشتعال في أوقات الهجوم العسكري.
كما أن توسيع إعادة استخدام المياه عبر تطوير أسواق لمياه الصرف المعالجة لأغراض زراعية وصناعية، بحسب الخراز، من شأنه أن يخفف الضغط على المحطات الكبرى، ويوفر في الوقت نفسه مصدرًا مائيًا محليًا «موزعًا» بعيدًا عن السواحل.
لكن الأضرار الأخيرة التي لحقت بمحطات التحلية في السعودية وقطر والبحرين تُظهر كيف أصبحت هذه المنشآت، بوصف الخراز، «رهينة» في صراع الردع المتبادل بين معسكري الحرب.
ويخلص الخراز إلى أنه مهما بلغت قدرة الدول على تخزين المياه، فإن «الأثر النفسي هو الأعمق؛ فالخوف من انقطاع المياه قد يسبب ذعرًا جماعيًا وفقدان الثقة في الاستقرار الاقتصادي والنمو» -وهي السمعة التي أمضت دول الخليج نصف قرن في بنائها، فوق رمال غنية بالنفط لكن قليلة الماء.
من جانبه، يحذر زيتون من أن التكيف مع هذا النوع من الهجمات دون اتخاذ إجراءات لوقفه قد يؤدي سريعًا إلى ترسيخه كقاعدة جديدة. ويقول: «إذا لم يُتخذ أي إجراء لمواجهة هذا النمط من الحروب، فسيُصبح نقطة انطلاق نزاعات مستقبلية -وهو ما يحدث فعلًا».
تقارير ذات صلة
تأخَّر من أجل مكالمة هاتفية لم تحدث.. واشنطن تُعلن وقف إطلاق النار في لبنان
أُعلن وقف إطلاق النار، مساء أمس، دون أن يتم الاتصال بين عون ونتنياهو
كيف تهبٌّ علينا عواصف الاقتصاد العالمي؟ | حوار مع عمرو عدلي
يبدو من المناسب التوقف للتساؤل عن الدروس المستفادة من تجربتنا مع الحرب التي لم نكن طرفًا فيها
ما تحتاجه المفاوضات ويفتقر إليه ترامب: تقييم الجولة الأولى للمباحثات مع إيران
حتى وصول الوفد الإيراني إلى إسلام آباد ثارت شكوك حول إمكانية انعقاد المحادثات من الأساس،
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن