تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
يحب الخفية

يحب الخفية

كتابة: أحمد وائل، ياسمين زهدي 6 دقيقة قراءة
بابلو بيكاسو

#جو عام

قُسمت الحياة بين شغل وعطلة. الغلبة للأول على الأخيرة التي لا تخلو من عمل أيضًا، تلك الأعمال الخفيفة الواجب إنهاؤها قبل بداية الأسبوع.

يحضر العمل في العُطل، كلامًا أو كفكرة مؤرقة أو ذكرى مزعجة. هكذا يغزو كل ويك إند. لكن دع بواقي عمل الأسبوع الماضي، واستسلم لقراءة حكايتين عن موال الشغل والعطلة: يُقال في التفاسير إن السمك في المنام يبشر بالرزق. وفي عالم الصحو، يُحكى أن صحفيًا باع أسماكًا ففطن إلى حلّ لأزمة شغله التي امتدت لأربع سنوات ونيف، كتب هذه الحكاية أحمد وائل. أما الحكاية الأخرى فتبدو أكثر حسمًا، فقد أفلتت صاحبتها من موال الشغل واستنزافه لروحها بأن شقت طريق الـ «كاريير شيفت». ومن هذه الحكاية تستخلص ياسمين زهدي نصائح لا تتجاهل العكوسات الممكنة.

#قراءة

موال الشغل والعطلة

«مُدير نفسي.. وغير كده مش متابع لا أخبار ولا أهرام.. ولا عارف النهارده إيه من أيام ربنا»، يقول* وهو يرصّ الأسماك داخل كتل الثلج. جرى اللقاء العابر داخل محل سمّاك، كنتُ زبونًا وهو شريك في المحل.

ترددتُ كيف أدير الحوار، حين أحدثه عن مقاله الذي نشره أحد المواقع مؤخرًا، يبتسم دون تعقيب. بسلاسة ينقل الكلام إلى السؤال عن الصحة والحال، ثم مباشرة صرت في عرض لأكثر الأسماك طزاجة لديه. لكن أردت الاطمئنان أنه وأسرته جميعًا بخير، طلبت الطعام، ثم استأذنته في التحدث بعيدًا عن المحل قليلًا لاطمئن أن كله تمام؛ «ما أنا شغّال اهو، وبرُوح الجرنان يوم أو يومين في الأسبوع».

زيارة وراء الأخرى بدأتُ أفهم على مهل ما جرى لصاحبي، جامعًا شذرات تحكي كيف أنقذ نفسه من دوامة موال الشغل والعطل بينما يمضي في النصف الأخير من عقده الثالث بعد أن وصل لمرتبة اجتماعية آمنة؛ صحفي نقابي يعمل في مؤسسة مملوكة للدولة، وأبًا لطفلتين جميلتين.

تقاطعت سُبل صداقتنا كثيرًا، اعتدنا على حدوث انقطاع كل فترة.. هكذا هي الحياة. تزاملنا صغارًا في تدريبات رياضة التجديف في نهارات المراهقة، كُنا نركض حول النيل في نهارات مبكرة، ثم نحمل المراكب ونجدف، كانت تمارين شاقة. لم نحترف، وإن اكتسبنا معرفة مختلفة بالمدينة عبر اكتشاف سحرها بالإبحار داخل شريانها الممتد والكاشف.

ثم انقطع السبيل أول مرة، حتى تزاملنا مجددًا طالبين يدرسان الصحافة، كتبنا ونُشرت أشعارنا في مجلات طلابية، ثم تدربنا في أماكن مختلفة كصحفيين أو كاتبين يمارسان الصحافة مع التجريب الأدبي على استحياء. ومع تجدد اللقاء سعدت بينما أراه يناضل في عالم جديد تاركًا مجاله المستقر. يبدو آمنًا ومرتاحًا بينما نتقلب على سطح ساخن مثل أسماك تُشوى.

«الاحتياج.. كله بسبب المصاريف». مع تعويم الجنيه صار راتبه كموظف في مؤسسة صحفية مملوكة للدولة بلا قيمة، بعد أن فقد أكثر من نصف قيمته الشرائية فجأة. التجارة في الأسماك كانت مرساه بعد تيه في مشاريع متعثرة خلال رحلته في بحر العمل.

«بعت بلح بالجملة». أول مرة مشى الحال، كسب مالًا، ثم مُنّي بخسائر كبيرة.. هكذا اكتسب خبرة في السوق بثمن غالٍ، وحين بدأ مشروع بيع السمك أفادته خبرات خسائره السابقة.

تذكرتُ صورة نشرها عبر فيسبوك على مركب ممسكًا بصنارة وقد حظى بسمكة شعور كبيرة، لكنه ينفي علاقة شغله الحالي بهوايته الأثيرة.

«بحب السمك جدًا، لو شُفت سمكة بتلعب في البحر بفرح.. لكن الصيد محتاج بال رايق» لكنه فقد روقان البال على ما يبدو، وإن ظل حكيه يحتوي على لقطات ذكية يحكي عن مواقف عايشها في سوق العبور، حيث يشتري الأسماك لتجارته. يقول إنها حكايات لا بُد أن تُكتب، لكنه لا يفعل؛ «الكتابة محتاجة مكان رايق.. وقراية رايقة ومزيكا». ثم يستأذن في الرد على الموبايل، يجلب بأصابعه كومة من الأوراق البيضاء في قطع مربع صغير من ركن الطاولة المُستقرة أمامه. ألاحظ أن تلك الطاولة منظمة مثل مكتب

مُعتنى به، وأنه ينظم الورقة بدقة؛ في ركن الورقة العلوي جهة اليسار يؤطر موعد التسليم بمستطيل صغير، ثم يكتب السمك المطلوب النوع والوزن وطريقة الطهي والسلاطات المطلوبة، وعلى خلفية الورقة يدوّن العنوان. ثم تأخذ الورقة طريقها في دولاب العمل تنفيذًا لما كتب؛ يزن موظف الأسماك، ويقدر السعر، ثم التنظيف، وبعد ذلك تُشوى أو تقلى أو تدخل الفرن مع الزيت والليمون. ثم يُلف الطلب ويُوصل.

يحدثني أيضًا عن هاجس يشغله؛ ماذا كانت أديان شبه الجزيرة العربية فترة ما قبل الإسلام، يتبحر في قراءة أعمال وأبحاث في هذا المضمار، ثم يخبرني بأنه موضوع الكتابة عنه صعبة.

وبينما أكتب الآن، أعود لأحدث ما نُشر لصديقي، والذي لن أشاركه هُنا لأنه لا يريد أن يعرف أحدًا بشغله الموازي. الكتابة بالفعل رائقة -وإن نفى عن باله تلك الصفة. لا يزال يتجول بين كتب متنوعة مستخلصًا حكايات، ثم يكتبها -وإن بدا عزوفًا في كلامه معي- بأسلوب حكائي ممتع.

https://www.youtube.com/watch?v=4erOz5Nk3Ng&feature=youtu.be

ست نصائح ستغيّر حياتِك

كانت صديقة* في طريق عودتها من العمل إلى منزلها عابرة الدائري في الساعة الرابعة فجرًا، مُتسائلة كيف ستقوى على الاستيقاظ في غضون ساعات قليلة لعبوره مرة أخرى من أجل بدء يوم عمل جديد. وجدت نفسها تبكي بحرقة، حينها علمت أنها لن تعود إلى مكتبها مجددًا. بشجاعة، تركت وظيفتها في إحدى شركات الدعاية متجهة إلى العمل بتصميم الديكور، والذي اكتشفت حبها له حين استمتعت منهمكة في فرش مسكنها الجديد قبل عامين. تذكرت كيف رغبت سابقًا في الالتحاق بكلية الفنون الجميلة قبل أن ينتهي بها الأمر في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية تحت ضغوط والديها. ما زالت تعافر كي تثبت أقدامها في مجالها الجديد، ولكنها أسعد وأخف، حسبما تقول. تطوعت صديقتنا الشجاعة بتقديم بعض النصائح للراغبات في الإقدام على خطوة الـ«كارير شيفت»، في محاولة لتخفيف وطأة الخوف من المجهول:

أولًا: أنتِ شجاعة.

 تغيير مجال العمل قرار شجاع للغاية، والإقدام عليه يتطلب منكِ الكثير من الصراع الداخلي، ومع الـ«إتش آر» في وظيفتك القديمة، ومع أهلك أو المقربات منكِ أو أحبابك. كما سيُقال لك إن ما نعرفه أفضل مما نجهل، لكن تذكري أن إقدامك على هذا القرار سببه رغبتك في الحفاظ على صحتك النفسية، وهي أهم. لا قيمة لأي استقرار إن كان تلف الأعصاب ووجع القلب ثمنًا له.

عليكِ أن تكوني مستعدة لكل هذه الحوارات، وألا تتراجعي بسهولة.

ثانيًا: تصوري الحياة بعد الاستقالة.

يفضل أن يكون لديكِ فكرة عما تودين فعله، حتى وإن لم تكن خطة مُحكمة للغاية. حددي شغفك قبل ترك العمل؛ لا يترك الناس وظائفهم للبحث عن شغفهم إلا في الأفلام الأمريكية. سيساعدك هذا على الثبات في وجه الصراعات المذكورة أعلاه، وفي أيام الشك (والفقر المحتمل، والمؤقت لا سمح الله) اللاحقة لترك العمل؛ لا بد أن تكون لديكِ إجابة على سؤال: «أنا عملت في نفسي كده ليه؟»

ثالثًا: هذه النصيحة وثيقة الصلة بالنصيحة السابقة، وهي الادخار. 

ادخري من مرتبك الحالي مبلغ يمكنك من النجاة لبضعة أشهر في حالة عدم العثور على وظيفة جديدة في الحال (وهو ما سيحدث في الأغلب). لن تندمي على قرار الاستقالة، ولكنها حتمًا ستندمين في حال عدم الادخار.

رابعًا: لا بد من عُطلة، وإن اقتصرت على شهر واحد. 

تنفسي، سافري إلى البحر، تعرّفي على نفسك دون عمل، مارسي الرياضة، اقضِ أيامك مع مَن تحبين. قريبًا سوف تصيرين مشغولة مرة أخرى، ولكن إن كنتِ محظوظة هذه المرة ستتمكنين من خلق إيقاع عمل لا يجعلك تتوقين إلى الإجازات بنفس القدر: ستكون عطلاتك فترات راحة مُستحقة، لا محاولات للهرب.

خامسًا: هذا أوان اختبار قوة علاقاتكِ.

العمل الجديد سيتجلى عبر واحدة من صلاتكِ، أحد معارفك سيقدم لك ما تحتاجين. لا تخجلي من طلب المساعدة؛ الناس لبعضيها.

سادسًا: عليكِ تنحية الإيجو. 

في الغالب لن تفيدك خبراتك القديمة والمزايا المتراكمة خلال سنوات عملك في عالم الوظيفة الجديدة. أنتِ مبتدئة، وهذا يتطلب قبول الكثير من التعليم والتدريب، والاعتذار عن الكثير من الأخطاء المتوقعة.

وسلام

*طلب صاحبا الحكايتين عدم ذكر الاسم.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن