تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
لا يُؤخذ بجدية

لا يُؤخذ بجدية

#267| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: منى يسري 12 دقيقة قراءة

#جو عام

بعدما أكملت سكة السلامة، واكتسبت عادة يومية جديدة؛ المشي بالساعات، تستعيد مُنى يسري تجربتها مع تنميط الطب لحياة المرأة، فالأطباء لا يحبون إخبار النساء بتطورات صحتهن بزعم توهمهن للألم، فلا تؤخذ آلامهن على محمل الجد، فهن يتوهمن، وتُعتبر آلامهن أعراضًا جانبية لا تستحق علاجًا، بل إذا صبرت المرأة على الألم حتى تتوج بلقب الأم فإن كله حيبقى تمام. 

#دليل #قراءة

ترددت كثيرًا قبل البوح بما جرى، في انتظار الوقت ليطوي تلك المرحلة من حياتي، التي استمرت خمس سنوات، لكنها أعادت تشكيل كل ما أعرفه عن جسدي والعالم، بل عني كامرأة، وآلام النساء المسكوت عنها، آلام لا نجرؤ على البوح بها، لأننا نعلم جيدًا أنها غير قابلة للتصديق. 

بعد الشفاء، تنهار الحياة مؤقتًا في طريقها نحو التركيب، يتجاوز الأمر كونه حدثًا بيولوجيًا، بل يتحول إلى تجربة ترميم، الشفاء إعادة تكوين للذات والوجود عبر البناء الجديد، لا من خلال استرجاع النسخة القديمة التي تحطمت فعليًا بطول المعاناة. 

يزول الألم الجسدي، تبقى جذوره عالقة في الروح والذاكرة والتفاصيل، لكن طعم الزوال يضفي على الحياة مذاقًا مختلفًا، يعلمك أن تعيش هنا والآن، بعد الشفاء يتغير معنى الإنجاز بعدما تتبدد قوة الضغط المتولدة من السعي نحو إثبات الجدارة الاجتماعية والحصول على اعتراف من أي نوع، يتحول المعنى إلى نبع داخلي يتدفق من الذات المتعافية، ويطبخ على مهل في رحلة عسيرة، لكنه حين يولد يصبح للحياة أبعاد وألوان أخرى أكثر ثراءً لم تكن لتخطر على بال الذات القديمة المتحللة بفعل الألم. 

كثيرًا ما شعرت بالخجل قبل الكتابة عن تجربة شخصية، كون كل هذا يجعلني امرأة ذات امتيازات لا تحظى بها ملايين من النساء على نفس الأرض، ما يكبح جماح البوح عما اعتبره تجربة إنسانية/نسائية في المقام الأول، لا ترتبط بالذات بقدر ارتباطها بالنوع الاجتماعي والسلطة الطبية/الأبوية على الجسد الأنثوي باعتباره ساحة للضبط الاجتماعي، وإذا كان شرط وجودنا في هذا العالم هو الجسد، فالمرأة تعيش داخل جسد محمّل بالدلالات الأخلاقية، خاضع للتقييم الدائم، ما يحول ألمها من مجرد حالة بيولوجية ينكسر فيها انسجامها الصامت مع جسدها، إلى ثقل مضاعف تحت سطوة جسد متألم محمّل بالدلالات الاجتماعية. 

في رحلتي لمحاولة استيعاب ما حدث، عثرت على أجندة اليوميات، وقلبت بين صفحاتها، لأجد نفس النمط يتكرر كل شهر على مدار سنوات، أريد إنهاء حياتي، لم أعد أتحمل الألم، هذا ملخص تدوينات شبه يومية استمرت لسنوات، بعدما عجز كل الأطباء الذين زرتهم عن تشخيصي، لكن جميعهم اتفقوا ضمنيًا أن ما أعانيه لا وجود له في الفحوصات، كان هناك شبه يقين من كل الأطباء أن ما أعانيه أوهام ناتجة عن مرض نفسي، وتحولوا جميعًا إلى أطباء نفسيين، يأخذون النقاش حول أعراض الألم، إلى السؤال عن أفكاري وما إذا كنت أعاني نفسيًا، بل إن أحدهم وكان الأكثر جموحًا، أخبرني أنني تعرضت لاعتداء جنسي في الطفولة لا أتذكره، فيما اختزنه العقل الباطن، وعاود زيارتي في صورة آلام لا وجود لها، بلغت صدمتي من حديثه مداها، ولم أتدارك نفسي إلّا وأنا أرد عليه: «مش عشان معندكش تشخيص، تطبق عليا نظريات فرويد إللي بقت أضحوكة الأطباء النفسيين».

بدأ كل هذا مع بداية 2020، بالتزامن مع حظر كورونا، حين التوى كاحلي وسرعان ما تحول إلى ورم كبير، مع آلام غير محتملة أسفل الظهر، تمنعني من الحركة، بعد الفحوصات شُخصت بانزلاق في فقرتين بالعمود الفقري، وكان الدواء مجموعة من أدوية الأعصاب تتركني جثة ممدة، مع ثقل لا يحتمل في اللسان والأفكار، ثم جلسات منتظمة من العلاج الطبيعي، وإجراءات وقائية مثل تخفيف الوزن، وغيرها مما يقوي عضلات الظهر ويعدل المايل. 

التزمت التزامًا صارمًا بتعليمات الأطباء، بعد شهر ونصف بدأت حالتي في التحسن، معتقدة أن نوبات الألم لن تعود، لكنها فعلت، ومع كل زيارة ملف جديد من الفحوصات، دون أي اختلاف عن تشخيصي الأصلي. لكن بعد أسابيع قليلة، تعرضت لآلام دورة شهرية مُخيفة، ليست آلامي المعتادة وهي شديدة بالفعل، فتبدأ قبل أسبوع على الأقل، وحين يأتي اليوم الموعود، تنهار قواي تمامًا، ولا أقوى على أي حركة لثلاثة أيام، ومع كل شهر كان الألم يزداد، حتى تحول إلى كابوس، وكأن أحدهم شق أسفل بطني نصفين وأخرج ما بها، مع زيادة الألم كانت التبعات تشتد، أصبحت لا أقدر على تناول أي طعام، ولو فعلت ترده أمعائي سريعًا ويتحول الأمر إلى ألم مضاعف، حتى وصل الأمر إلى الماء، بعدما فشلت كل المسكنات في ترويض ألمي، وسرعان ما تحولت أيامي الثلاثة إلى غيبوبة شبه كاملة عن الوعي، أنا خارج الزمان والمكان، في عالم آخر لا أتذكره، ولا أريد. 

***

في رحلتي بين الأطباء، زرت 19 طبيبًا من تخصصات مختلفة دون جديد، مع تأكيد الجميع أن ما أصفه من ألم أمر «مبالغ فيه»، ولا وجود له في الفحوصات، ومع كل استراحة قصيرة/كانت دورة ألم الأعصاب تعاود زيارتي كل عام مع بداية فصل الشتاء، ومرة في الصيف لخمس سنوات متتالية. 

في «جسد متألم: صنع العالم وتفكيكه»، تناولت ألين سكاري الألم بوصفه أمرًا غير قابل للاستماع ولا الوصف، إذ يتحول يقين المتألم من حقيقته الخاصة، إلى حالة من الشك المقوضة للغة والهوية، ويخلخل المعنى المرتبط بالذات والآخرين.

ومع يقيني الداخلي أن الأمر يرتبط بطب النساء، كل فترة أذهب إلى طبيبة نساء مختلفة، بعد أن تفشل سابقتها في مساعدتي، فأجد نفسي بين صفوف من الحوامل وأزواجهن، قادمين لمتابعة الحمل، أو للسعي وراء الإنجاب، أمّا أنا فموجودة لسبب أتفه كثيرًا من وجهة نظرهن «ألم دورة.. فين المشكلة؟»، اعتقدتُ أن طبيبة نساء ستكون أكثر استيعابًا لمثل هذا النوع من الألم الساكن بجسد نتشاركه معًا، لكن لم يكن لهذا أي تأثير، ربما كن أكثر بلادة من كل الأطباء الرجال الذين زرتهم. 

كل مرة أزور فيها طبيبة، كانت تفترض مسبقًا أنني حامل أو أسعى للإنجاب، وكأنه لا مبرر لوجود امرأة في سن الخصوبة داخل عيادة طب نساء إلا إعادة الإنتاج، وبعد إحباط افتراضها، أحكي عن طبيعة الألم ودورته وما يخلفه على جسدي، تظهر على ملامحهن بلادة، فألمي مستخف به، جميعهن يخبرنني أنني إذا ما أنجبت ستنتهي كل مشكلاتي، اختبرت هذه البلادة من قبل في مراهقتي، حين كانت أمي تأخذني لزيارة طبيبات لمعرفة سبب ألمي العنيف الذي لا يهدأ إلا بالمسكنات الشديدة، وكان الرد سرعان ما يأتي، سيذهب الألم عندما تتزوج، لكنه توحش بعد الزواج!

كان ألم المراهقة يُروض قليلًا مع كبسولات كيتوفان أو أقراص بروفين، لكنه اليوم بات وحشًا يهاجمني معظم أيام الشهر، وأنا عزلاء، دون أي أداة لمقاومته.

***

شعرت عائلتي بالخطر من تطورات الألم، كنا نركض بين الأطباء، لا أحد يصدقني، أطباء مخ وأعصاب يؤكدون أن ما بي أعراض نفسجسمانية لأن انزلاق الغضاريف بريء من هذا الألم، وطبيبات نساء أجمعن أنني أعيش حالة من الدلع، وهذا لا يقع في نطاق تخصصهن، لكن للأمانة المرة الأولى التي قدمت إحداهن تشخيصًا مختلفًا، ابتسمت ببرود قائلة: «الموضوع واضح، كل دي أعراض نفسية والألم في دماغك مش في جسمك»، شكرًا على التشخيص المبتكر، ودعتها وبدأت بالفعل الشك في عقلي، هل يمكن أن أتوهم كل هذا الألم؟ هل يمكن أن أكون تعرضت لاعتداء جنسي في الطفولة ولا أتذكر؟ قطعًا لا، طفولتي كانت محمية أكثر من اللازم، لدرجة أفقدتني حتى المناعة. 

في «أنثربولوجيا الألم»، يشرح دافيد لو بروتون كيف يحطم الألم التجربة المعيشة للفرد، بتحطيمه لبداهة أن يكون المرء نفسه، يشبهه بموجة عاتية تجرف كل شيء في طريقها، فلا شيء يعود كما كان، وكل ذكرى سابقة لوجود الألم مفعمة بحنين إلى وقت لن يعود أبدًا، ويقطع معه المسار المعتاد للمعاني التي تغذّي العلاقة بالذات والعالم. 

حين تأكدت أنني وصلت أول محطة في قطار الجنون، ذهبت إلى طبيبي النفسي، الذي وجد نفسه محاصرًا بملفات من الأشعة والتحاليل وروشتات الأدوية التي تناولتها، وقصة حياتي مع عشرات الأطباء، وانقلبت الجلسة إلى درس أحياء، فأمسك الرجل بالورقة والقلم، يحاول إقناعي أن ما أحكيه يستحيل أن يكون نفسيًا، صحيح أن بعض الحالات النفسية تسبب أعراضًا جسمانية لا تكشفها الفحوصات، لكن كل هذا العبث لا يمكن للمرض النفسي أن يفعله. طلبت مضاد اكتئاب، مهدئ، مخدر، أي شيء يقوض جنوني، تململ الرجل متضامنًا معي: «بس أنا كده بكتب دواء نفسي لحد بيعاني من حاجة جسدية مش نفسية»، لا يهم، أرجوك ساعدني، أنت الأمل الأخير.

***

كانت التناحة المفرطة أهم أعراض الدواء، لا أريد أن أشعر بشيء، اختفى الغضب، وحين غاب علمت أنه ليس غضبًا، بل ألمًا مفرطًا يخرج على هيئة نار لا تنطفئ، حتى عادت دورة الألم لا تبرح مكانها، حتى الدواء النفسي لم يقدر على تخديرها، لم يغمرني اليأس سريعًا، لكن على الأقل، لا أشعر بفقدان عقلي، لا أشعر بشيء على الإطلاق!

يفصل لوبروتون، بين الألم والمعاناة، فالألم الذي يستمر أشهر وأحيانًا سنوات يشكل عائقًا شديدًا أمام الوجود ويتحول بدوره إلى معاناة، ويقود في الغالب إلى ضرورة التخلي عن فكرة الشفاء، أو خفض احتمال العودة إلى الزمن السعيد الخالي من الألم، وبين حواشي الألم، كانت تمضي الأيام أعيش ألمًا مستمرًا تعودت على احتماله، في انتظار الألم العظيم، ومع مرور الوقت أخذت حياتي شكلًا جديدًا لم أختره.

كان الغضب من كل شيء يلتهمني بشكل يذهل من حولي، تحولت إلى كُرة لهب متحركة، كانت درجة حرارة جسدي تختل في اليوم بين البرودة والسخونة مرتين في أحسن الأحوال، هبات ساخنة، وبرودة حتى التجمد في أحر أيام الصيف، تركيزي وذاكرتي ينحدران بشكل ملحوظ، غير الاضطرابات الهضمية العنيفة، واضطرابات في الكلى، وكل هذا لا وجود له في الفحوصات، ناهيك باضطرابات النوم، والكوابيس المنتظمة. 

أصبحت على يقين أن كل ما أمر به، يؤوّل ثقافيًا من موضعي كامرأة، تجربة من الألم المتواصل غير المعترف به، وهنا ازدوجت المعاناة ليدخل فيها عدم التصديق، الذي كان يزيد العبء ويجعل من الموت حلمًا جميلًا بعيد المنال.

مع مرور الوقت، لم أعد قادرة على إدارة المنزل، استعنت بسيدة تساعدني في إكمال المهمة، وبشكل أساسي للاهتمام بي خلال أيام الألم العنيف، توطدت علاقتنا، حكيت لها ما بي، وبنظرة تعاطف نسائي، نعرفه جيدًا كشفرة سرية بيننا: «هما الدكاترة اللي بهايم مش عارفين فيكي إيه عشان كده عايزين يطلعوكي مجنونة ويقولولك ده نفسي، ولا يمكن حد عاملك عمل متستبعديش». 

تصدقي ممكن..هاودتها، بعدما قدمت لي أثمن شيء يمكن أن يقدمه لي غريب أنها صدقتني. من وقت لآخر باتت تراودني فكرة تشكك في قدرتي على وصف الألم، ربما لم أعرف بعد الوصف الصحيح وهذا ما يمنعهم من تشخيصي، كنت أبذل من الجهد الذهني لمحاولة صياغة الألم دون جدوى، حتى قرأت ما كتبته فرجينيا وولف عن المرض، وكيف تعجز اللغة عن خلق الكلمات المناسبة للتعبير عن الألم، فالأمر لا يخص المتألم، بل اللغة نفسها التي لم تمنحه أدوات يصيغ بها ألمه كما طموحه أو سعادته. 

بعد الكثير من التفكير، وصلت إلى جملة افتتاحية أقدّم بها سرديتي للطبيب: «أنا حاسة إن فيه شيء بياكل في جسمي من جوه، رغم إن وزني بيزيد وحاسة بانتفاخ في كل جلدي، كل عضلة وكل مفصل وكل عضمة بيوجعوني».

لم تفلح سرديتي في إيجاد تشخيص، ومع نهاية العام الرابع قررت العيش بهذا الألم، توقفت عن البحث، وعن الأمل ارتضيت بإبقاء الألم إلى جانب ما أمارسه في حياتي، استسلمت وتركته يصبغ حياتي صبغة أبدية، تعاملت معه كالموت، قدرًا محتومًا.

كان يقين بداخلي يزيد مع الوقت، أن أمرًا خطيرًا يقف وراء ألمي، كما حدث مع أمي حين حملت بي، وكان حملًا عسيرًا لم تقدر خلاله على القيام بأبسط الأشياء، وصالت وجالت بين الأطباء الذين شخصوها ما بين «الدلع المزمن» أو «الحمل الأول متعب»، لتكتشف أمي بعد وضع طفلها الثالث بعامين أنها مريضة قلب منذ كان عمرها ست سنوات، ولم تجد طبيبًا يصدق شكواها، وكانت تلك لحظة مفصلية في حياتي، حين كنت أستمع آنذاك لحديث العائلة عما حل بأمي قبل أن أكمل ثماني سنوات.

رفضت تصديق أن الله كتب عليّ الألم، كما صدقت أمي عن مرضها، لكنني اخترت التقبل، وبدأت تأهيل نفسي أن الجحيم أبدي. باغتتني دورة صيفية من الألم بعد أقل من عام، ذهبت لطبيب جديد، أخبرني لأول مرة أن كل الأشعات تظهر ورمًا، ومر عليه دون تعليق، وحينما سألته أخبرني أن تلك الأورام تعيش بها معظم النساء، وهي جزء من أنسجة الجسم، وقع في قلبي شيء ما تجاه ذاك الورم الذي لم يخبرني به أحد من قبل. 

بعد العلاج الطبيعي ساءت حالتي وتحولت إلى جحيم من نوع مختلف، عدت لزيارة نفس الطبيب، لمناقشة احتمال أن يكون الورم سبب هذا الألم، نفى قصة الورم من الأساس، أخبرني أن الأطباء لا يحبون إخبار النساء بتفاصيلهن الصحية لأنهن يتوهمن الألم، كما أفعل أنا الآن، ونصحني بالعلاج النفسي. 

خرجت من عيادته، وعاصفة من الجنون تتلبس بي، لن أنام اليوم حتى أعرف ماذا يحدث، دخلت مستشفى أخرى وطلبت طبيب نساء، بعد السونار أخبرني أنني بخير، وأن كل هذا أوهام، حينها صرخت في وجهه وطلبت استدعاء طبيب أشعة تشخيصية، صدم انهياري الرجل، ربما هذا ما دفعه لتلبية طلباتي، بعد أن أنهينا الأشعة وكتب التقرير، استدعى طبيب عمود فقري، ووجدتهم يجلسون متأهبين لإخباري بحدث يبدو أنه جلل. 

أخبرني طبيب النساء أنه يملك خبرًا سيئًا وآخر جيدًا، أما الجيد أنني غير مريضة بانزلاق غضروفي مطلقًا، وأما السيئ أن ورمًا كبيرًا هو ما يضغط على العمود الفقري ويسبب لي كل هذا الألم، وهو بالفعل يظهر في أول أشعة منذ 2020. 

لا يمكنني وصف اللحظة التي انتظرتها طويلًا، لكن المفاجأة كانت أنهم يفضلون في مثل هذه الحالات استئصال الرحم، لكن ما دمت لم أنته بعد من تحقيق تارجت الإنجاب الخاص بي، فعليّ أن أفعل سريعًا لاستئصال كل هذا وبعدها يمكنني أن أنعم بالراحة. كانت الحقيقة التي قدمها ذاك الطبيب أكثر مرارة من الألم، نحن لسنا سوى آلة لإعادة الإنتاج، وأرحامنا ليست إلا أداة لتحقيق ذلك، لا يهم ما سيفعله استئصال غير ضروري لرحم امرأة في صحتها العامة ووظائفها الحيوية، ما دامت انتهت من وظيفتها البيولوجية. 

بذات البساطة، استأصلوا رحم جدتي في سن السادسة والخمسين، لأن دورتها الشهرية لم تتوقف رغم الأورام الليفية، وبدلًا من إزالة الأورام فضلوا انتزاع أحشائها، لتُصاب بعد أشهر قليلة ببدايات هشاشة عظام، وخلل في وظائف الكلى، وخشونة في المفاصل لم تعرفها من قبل. 

بدأت جولة جديدة بدليل دامغ في يدي، حتى وجدت الحل. بعد شهرين كنت على موعد مع الجراحة، سيشقون بطني 12 سنتيمترًا وأنا مستيقظة وينتهي كل شيء، بالتأكيد لا، أنا لا أومن بالنهايات السعيدة. 

أجريت الجراحة، ليستخرج طبيبي ستة أورام في مواضع مختلفة، بوزن 2.400 جرام، أي طفل مكتمل النمو. يضغطون على الأمعاء والمثانة والكلى والعمود الفقري. بعد انتهاء مفعول المخدر، لم يكن الألم هو المسيطر كما تخيلت، بل الدهشة لأنني اختبر ألمًا أقل من سابقه، وأمضيت ليلتي في المستشفى لا أفكر إلا في شيء واحد: «هل كان عليّ الانتظار 5 سنوات عشان تخلصوني يا ولاد الكلب». 

ثالث أيام العملية، استعدتُ قدرتي على الحركة البسيطة، دهشت بإحساس الفراغ داخل بطني، رغم عدم التئام الجرح، كنتُ أكثر خفة، هل هكذا تشعر النساء بعد الولادة؟ صحيح أن طفلي كان ستة أورام، لكن دهشتي باختبار الحياة بلا ألم الجائزة الكبرى كانت كبيرة. وفيما تحتفي الأم بالندبة التي جاءت بوليدها إلى الحياة، احتفي بها لأنها أغلقت فصلًا عسيرًا من المعاناة وعدم التصديق.

وسلام

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة
#ديتوكس

خلاصة الكتب

#265| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

بلال حسني 5 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن