إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
في رسالة سارة يونس، عن التصوير، تحاول الاطمئنان على عُمر (9-10 سنوات)، تتخيل الصورة التي كان عليها أن تلتقطها له، فلا هي تعرف، ولا نحن، إن كان عُمر سيقرأها أم لا. تحكي عن أعباء المهنة، وأفكار أخرى أينعت مع جذوة الكارثة المشتعلة في لبنان، حيث قابلت عُمر دون تصوير.
#دليل
عُمر،
أفكر فيك، كلما رأيت صور بيروت تحت القصف. أتذكر لقاءنا الوحيد هناك، قبل الحرب بأسبوعين، عند زاوية الشارع التي يُطل عليها المطعم الذي قضيت فيه سهرتي ليلتها.
منتصف الليل، بعضنا خرج ليدخن، وآخرون ابتعدوا قليلًا ليتحدثوا بعيدًا عن صخب الداخل، أما أنا فخرجت لأن البقاء طويلًا في مكان مغلق يوترني. أردت رؤية السماء.
ثم جئت أنت، وشاركتنا المساحة.
ما الذي شجعك على الحديث معنا؟
ربما لأنك سمعت لهجة محمد فعرفت أنه سوري مثلك.
تحدثتما قليلًا عن الشام قبل أن تعرض عليه التحدي، 100 ألف ليرة منه مقابل عشرة دولارات منك إذا استطاع أن يفعل حركة واحدة فقط من حركاتك، وقبل أن يوافق أو يرفض، فاجأتنا بحركتك، فكسبت الرهان.
عندما رأيتك تقف على يد واحدة، تذكرت لاعبي الباركور في الإسكندرية الذين يحاولون التوازن، مثلك، بتجاوز الحواجز بأجسادهم لكنهم لا يراهنون أحدًا.
خطر لي حينها أن أصورك كما صورتهم، لكنني تراجعت عن الفكرة ورأيت الأفضل أن أصفق لك تشجيعًا على الحركة.
بعدها مازحك علي، عرض عليك تحديًا آخر حين أشار إلى مصطفى قائلًا: «هو من الصومال، تعرف بقى فين الصومال؟» هززت رأسك في صمت مشيرًا إلى أنك لا تعرف.
ابتسم لك مصطفى: «جنب القمر».
لمعت عيناك كأنك سمعت معلومة عن الفضاء. لكن مصطفى كان يحاول أن يخبرك أن الصومال ليس بعيدًا عن بلد آخر اسمه جزر القمر، مكان على الأرض مش القمر اللي في السما.
انتهت السهرة، ولم أصورك.
يحدث أحيانًا أن يُفرض على المصور نوع من الاختيار بين الانغماس في اللحظة التي يعيشها والتفاعل مع الأشخاص والأماكن دون أن يضع الصورة كأولوية، أو الوقوف على مسافة مناسبة مما أو مَن يصوره بحيث يكونوا ضمن نطاق رؤية العدسة لضمان وضوح الصورة والتقاط اللحظة، ويتقبل أن تلك المسافة الضرورية تقنيًا تصنع بالتبعية مسافة أخرى بينه وبين مَن يصورهم. لهذا أفضل العمل على مشاريع فوتوغرافية لأنها تتيح للمصوّر أن يجعل المسافة بينه وبين مَن يصورهم مساحة أمان واكتشاف، إذا أراد، لأن الوقت الذي يستلزمه العمل على مشروع يسمح للثقة أن تُبنى. لكن الوقت الذي قضيناه معًا لم يتجاوز دقائق، فظننت أنني اتخذت القرار السليم عندما صفقت لك بدل التصوير.
لكنني نادمة الآن (طبعًا لست نادمة على التصفيق لك.. أنت شاطر أوي)، بل ندمت على عدم تصويرك، لم أسجل نظرة عينيك وهي تتحرك بين كل ما تراه حولك في ارتباكٍ يتظاهر بفهم ما يحدث، وملامحك المُرهقة بمحاولتك أن تبدو أكبر من عمرك، وابتسامتك المتسائلة التي كانت تحاول تخمين ردود الفعل تجاهك.
أكتب إليك الآن، لأنني كان عليّ أن أصوّرك ولم أفعل.
أريد أن يصلك هذا الجواب، رغم أنني لا أعلم كيف يمكن أن يصل، لكنني أتمنى فعلًا أن تعلم أنني أعتذر يا عمر.. آسفة جدًا.
كنت في بيروت أصلًا لعرض ما أنجزته حتى الآن في العمل على كتابي الأول ضمن زمالة برنامج التصوير الفوتوغرافي الوثائقي العربي. مشروعي يحكي للمفارقة عن لاعب باركور لبناني يعيش في الإسكندرية. كان في مثل عمرك تقريبًا حين قابلته لأول مرة. اسمه داني.
أفكر الآن: أنت سوري تعيش في بيروت، وهو لبناني يعيش في الإسكندرية، ربما دون أن تعرف ما تفعله، فهو بطريقة ما باركور أيضًا. والإسكندرية ليست بعيدة عن بيروت، إذا عبرت البحر بينهما سترى كم تتشابهان بشكل مربك أحيانًا يصعب معه أن تصدق أن هناك ما يُسمى بالصدف.
***
عُمر
تحدثتُ مع داني البارحة، على فكرة، كنت قد شاهدت فيديو لقصف بيروت شمل المنطقة التي تعيش فيها خالته التي قابلتها خلال أول مرة سافرت فيها إلى هناك. خالة داني امرأة طيبة جدًا. عندما شاهدت الفيديو ورأيت نفس الشارع الذي مشيت فيه معها، وقرأت اسم المنطقة على وصف الفيديو، هلعت من الاحتمالات، حدثت داني فورًا لسؤاله عنها، فطمأنني أنها بخير، لكنها خائفة جدًا، ووالدته وهو أيضًا قلقين عليها، لأن القصف كان قريبًا.
علاقة الشخص ببلده لا تنقطع ببُعده عنها، بالعكس المسافة في تلك الحالة تخبئ جزءًا من روحك في الأرض التي غادرتها وقلبك مقسم مشتت. كل خبر يتحكم في أنفاسك، يمكن أنت أيضًا تشعر هكذا تجاه سوريا؟
في بيروت، على مدار أيام الورشة شاهدت مشاريع فوتوغرافية لمصورين من بلاد عربية مختلفة، التعرف على قصص من بلادنا يجعلك ترى وجوهًا متعددة للعنف الذي نعيشه كمواطنين ورواة قصص، وكيف يحاول كل منا أن يواجه العنف. أحد المشاريع التي شاهدتها لمصور سوداني يحكي عن معنى الوطن بالنسبة له بعد إجباره على ترك السودان، هو وعائلته، وفي أثناء النقاش حول مشروعه حكى نكتة عن شخص قُبض عليه في شوارع السودان ووُجهت له تهم حيازة منشورات، وخلال التحقيق فحصوا الورق فوجدوه أبيض لم تُكتب فيه ولا كلمة. سألوه لماذا كان يحمل ورقًا فارغًا، فأجاب بأنه لا داعٍ للكتابة أصلًا فالجميع يعرف ما يحدث.
***
عُمر،
أفكر في تلك اللحظات التي قضيتها في لبنان، أفكر في الزملاء والأصدقاء، في أشخاص أحببت الوقت الذي قضيته معهم، تمر في ذاكرتي تلك الصور كأنني أعيشها الآن، بينما تمر أمام عيني أخبار عن تهجير الناس وقصف المنازل والشهداء والجرحى، و100 غارة على مناطق مختلفة في أقل من عشر دقائق، كيف يمكن أن تتحول أماكن تحمل ذكريات إلى كومة تراب في دقائق. عشرات الفيديوهات والصور تنقل جزءًا من بشاعة ما حدث. صديقة تنعي صديق طفولتها، وعمة تأسف أن ابنة أخيها تعيش نفس طفولتها التي كانت تظن أنها لن تتكرر أبدًا، ظنت العمة أن العالم سيكون أكثر عدلًا. فيديو يوثّق وجه طفل فقد أهله، مدته دقيقة، لكن نظرته بكل ما تحمله من ألم وصدمة لن تحكي كيف ستكون العشرين عامًا التالية في حياته، كيف سيمر كل يوم عليه، أشعر بالعجز وأتذكرك دائمًا.
رغم ذلك، أحاول التوازن -مثلك يا عمر- في هذا العالم غير الموزون أصلًا، لكن على طريقتي.
في السنوات الأخيرة، غيّرت طريقة تعاملي مع الصور، بعد التقاطها أطبعها وأقصها وأُعيد تشكيل تكوينها يدويًا. كنت، وما زلت، أدافع عن الصور الناتجة عن هذه العملية ضد الاستبعاد من تعريفها كصورة وثائقية. إصراري كان سببه حقيقة أن كل صوري من الأصل اُلتقطت من الواقع ومحاولات إعادة تشكيل الصورة اختيار لعرض الواقع كما أراه، والتصوير الفوتوغرافي بشكل أساسي ليس بعيدًا عن تلك الممارسة حتى دون التدخل في الصورة، لأن مجرد اختيار لحظة محددة وتثبيتها لكي تكون قادرة على تجاوز حاجز الزمن هو في حد ذاته نوع من أنواع التدخل وإعادة تشكيل الواقع من زاوية محددة، بل رفض لقبول حركة الزمن كما هي، وما أفعله لا يختلف كثيرًا عن فعل التصوير الفوتوغرافي في جوهره، وبالتالي هو توثيق طالما أنه صُور عن هذا الواقع.
أدرك الآن أن طريقتي في التعامل مع الصورة هي تجسيد لطريقتي في التعامل مع الواقع، أحاول موازنة الواقع على يد خيالي (تمامًا كما كنت تفعل وأنت تتحدانا).
في إطار واقع يتزلزل دائمًا بشكل يكسر كل محاولاتنا للتوازن فيه، يصبح تعاملي مع الصورة هو ملجأي الوحيد للاتزان، فلماذا نكون ممنوعين من التفاعل مع صورنا بينما تنتهك حدود حياتنا يوميًا، وكل ما نملكه الآن هو صورنا، ربما علينا أن نمدّ حدودها مثلما نشاء كمحاولة لتسجيل رفضنا للخضوع أمام ما يُفرض علينا كأمر واقع أو كمقاومة لهذا الأمر.
***
عُمر،
صورتك التي لم أصورها تدفعني لإعادة التفكير في الأسئلة الأساسية لعملي كمصورة:
هل ما زال لعمل المصوّر نفس الأهمية بعد أن أصبح من الممكن لأي شخص -حتى لو لم يكن مصورًا- أن يلتقط عشرات الصور لنفسه أو لغيره أو لأي مكان أو أي حدث في أي وقت؟ أو حتى لمجرد نماذج مبرمجة للنبش في ذكرياتنا وصورنا أن تكون قادرة على إعادة تشكيلها في توليد صور لم تحدث أبدًا، لكنها تخلق داخل إطارها واقعًا يبدو حقيقيًا لدرجة يصعب معها تصديق عدم وجوده خارج تلك الصور؟
الصور مساحة للتذكر يا عمر، لكنها ليست محايدة، مثل ذاكرتنا، هل يمكن أن تتذكر شيئًا بمعزل عن مشاعرك تجاهه؟ هكذا هي الصور، يتداخل فيها الواقع مع إحساسنا تجاه ما يحدث فيه، وبمرور الوقت تصبح ذاكرتنا الفردية إذا ما سجلناها في صور جزءًا من ذاكرة بصرية جماعية، وفي تلك اللحظة التي نعيشها بالتحديد تصبح الصورة هي الإرادة الوحيدة الباقية لنا التي تمكننا من الحكي عن كل ما يحدث رغمًا عن إرادتنا، وما لا نريد أن يُمحي بمرور الزمن.
أن تكون سرديتنا هي المركز في مواجهة سردية تريد لنا «الظلام الأبدي» والسكوت الدائم، لتخلق ذاكرة مُصابة بالعمى عنّا، وتستخدم خوارزميات الترتيب والظهور في منع صورنا من أن تُرى، يعطون لأنفسهم الحق في الحجب، في اختيار ما يستحق أن يُرى، مثلما يحاولون أن يختاروا ما يُعرّف كجريمة حرب وإبادة وتطهير عرقي، وما يظل مجرد صراع حتى لو تجاوزت بشاعته كل التعريفات والمنطق الإنساني أصلًا.
التصوير الفوتوغرافي ليس مجرد أرشفة لما حدث، بل فعل حيّ يُعيد فيه الوعي إعادة تشكيل كل ما حدث، وأحيانًا يتدخل اللاوعي في ذلك كنوع من المواجهة لأشكال مختلفة من السلطة، يحررنا من السردية الواحدة والرواية الواحدة التي تُفرض دائمًا على ذاكرتنا.
أنا لا أعرف ماذا يحدث للصور التي لم تُصور، ولا الحكايات التي لم تُروَ، فقط أعرف أن صورتك التي لم أصوّرها ستظل حاضرة في ذهني كلما ترددت أو سألت نفسي هل أصور أم لا؟
وإذا كان من الممكن يومًا أن نلتقي مرة أخرى سأطلب منك أن أصوّرك، وإذا وافقت سأذهب في اليوم التالي لأطبع صورتك بالأبيض والأسود، وسأشتري لك علبة ألوان بدرجات مختلفة من كل لون. ربما نلتقي في نفس الشارع الذي تقابلنا فيه أول مرة، أو في مكان آخر تختاره أنت. سأحب أن أرى بيروت من عينيك، وأن أتعرف على الأماكن التي تفضلها في المدينة، وحين نصل، ونجلس، سأطلب منك أن تلوّن صورتك بالألوان التي تحب أنت أن تراها في الصورة.
وسلام.
تقارير ذات صلة
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن