تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ولكن قلبي: ملحق العوم

ولكن قلبي: ملحق العوم

#119 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

كتابة: يوسف رخا 6 دقيقة قراءة
تصوير: سهير شرارة

#جو عام

عبر هذا الديتوكس يكتب يوسف رخا ملحقًا لكتابه «ولكن قلبي: متنبي الألفية الثالثة*»، ويدلنا في هذا الملحق على أسرار السباحة، فهي استراحة وعقيدة باطنية، ويشاركنا الطريقة الأمثل لعمل شقلباظ في العوم، والكثير من الخبرات الأخرى. 

#دليل #قراءة

«الحياة مجهِدة لدرجة أننا نحتاج أن نموت قليلًا كل يوم.»

 الجملة الأكثر رواجًا على تويتر من نص كتاب «ولكن قلبي».

ضحكتْ باستهزاء صديقتي الشابة يوم أخبرتُها أنني قادر على السباحة باحتراف، نعم، لكنْ حتى الآن لا أعرف كيف أؤدي «التِرن».

لا أذكر متى أدركتُ أنّ شيئًا ناقصًا. أنْ أَعوم كما يعوم سبّاح إنجاز، حتى لو لم أمارس إلا السباحة الحرة. على مدى سنتين كنتُ تعلّمت أن أحرّك ذراعي ورجلي كما ينبغي، بشق الأنفس. تدرّبت على سحب الهواء دون الإخلال بسرعتي كل ثلاث «كاتشات»، وتفريغه تحت الماء بحيث لا أحتاج إلى التقاطه ثانية حتى تعود اللحظة المقررة. 

وكنت أحس أن المسألة تتجاوز تحريك العضل منذ البداية. حين تبدأ الرياضة بعد الأربعين تكون أقرب إلى اعتناق عقيدة باطنية. لكن للسباحة أبعادًا ما ورائية بالفعل.

الإنسان لا يتنفس تحت الماء، والإنسان لو لم يتنفس يَنفَق. هكذا يمكن النظر إلى سطح حمام السباحة كخط فاصل بين الحياة والموت. لو سلّمنا بذلك -لو نظرنا إلى وجه الماء على أنه كائن نتعامل معه أو مكان ندخله، منفصلٌ عما هو تحته وفوقه- يمكن الكلام عن العوم باعتباره لقاء عالمين. لقاء أشبه بذلك الذي يحدث عندما يشطح الوعي في النوم أو في الصحو تحت تأثير أشياء. يمكن النظر إلى العوم على أنه زمن حلمي أو رقص على الحافة، مشروط بالمجهود العضلي. 

الإنسان عندما يموت أو ينام يصير في وضع أفقي وهكذا يكون أيضًا وهو عائم، الأمر الذي لا يحدث بنفْس القدر مع أي رياضة أخرى. ولو تخيلنا أن المساحة التي يشغلها أثناء عومه هي لوحُ زجاجٍ يقسم جسمه نصفين، سيكون عندنا مجاز قوي للبقاء في وجه الفناء. 

يبدو تنظيم النَفَس مع الحركة المتواصلة تحاشيًا للغرق خلال زمن محدد معادلًا دقيقًا للتعب المتواصل المطلوب من أي شخص يقضي مُدته على الأرض. 

في السباحة شيء حزين مثل النعاس والفجيعة، لأنها تَخَلٍ طوعي عن أوضاع الجسد المرتبطة بالعيش والفرح. 

***

كانت الدنيا تضيق أو تنشف، بلا سجاير. 

في غياب موبقات أو نوبات هوس من النوع الذي عشت عليه طوال عشريناتي ونصف ثلاثيناتي -أنا الآن أب لم تعد صحته تتحمل السمنة، أُساق إلى الخامسة والأربعين كملاك نُزع جناحاه، ولا إمكانية للفَرَح بلا «هانغ أوفر»- عادت الحاجة إلى نشاط يُسكِر. لا بد لهذا النشاط أن يُجهد الجسد ويوقف الزمن لكنه لا يجب أن يهدد بالانهيار. 

مع كل التزاماتي لم يكن عندي وقت لشيء. هذا في حد ذاته أمر غير مفهوم. حين كان عندي الوقت لم يكن في رأسي مساحة لأي رياضة أو تعلم. والآن بعد أن ضاق وقتي تفتقت الأيام عن فراغ يطالب بما يملأه. حالًا.

في البداية جريتُ. كنت أجري خمس عشرة أو عشرين دقيقة بلا توقف. جسمي المشطوف بالسُكر والدخان يعرف سَكرة الانطلاق والسرعة للمرة الأولى منذ بداية المراهقة. بدا لي إيقاع اللهاث أشبه بطقوس الذكر، وكانت تمر لحظات أحس فيها أني طائر. 

لكن -بصرف النظر عن خُمار وجع الساقين- لم يستطع هذا النوع من السُكر أن يضع بيني وبين وعي الحياة واليقظة مسافة كافية. 

السباحة لم تكن إلا هربًا من وجع الركبة في البداية لكنها باتت موتًا. كانت الموت الذي يتيح مواصلة الحياة: الموت اللذيذ، الضروري، الذي لم أمارسه طَوال خمسة وعشرين عامًا -بخلاف الموبقات ونوبات الهوس، يعني- إلا عبر النوم. 

خلال فترة قصيرة جدًا، ومن قبل أن أتقنها، فهمتُ أن في السباحة ما هو أعمق وأهم من طريقة أَحَن لتشغيل العضلات وعلاقة أقل مباشرة بالجاذبية ثم «هانغ أوفر» أخف وطأة في النهاية. 

السباحة كانت الموت كما أريده وأبحث عنه، الذي لم يكن خطر لي أن هناك طُرُقًا «صحية» لممارسته. 

في المياه تنعزل الحواس عن مثيراتها تمامًا. يتقلص السمع والبصر، ويقتصر اللمس على ذلك البلل الأشبه بأجساد تتلاطم. ينتظم اللهاث بصورة مميكنة حتى يصبح المجهود المبذول في تكرار حركات بعينها هو غاية البقاء ووسيلته. 

وعندما يحدث ذلك، عندما تنسى كل ما هو فوق وجه الماء وقد تعلّمت ألا تسقط في ما هو تحته، تتوافد الصور والخبرات بشفافية لا تحضر إلا في تلك اللحظات الخرافية التي تفصل بين النوم واليقظة، والتي طالما اعتقدتُ أنها طريقة حياة الأموات. 

إذا كان للأموات وعي، أقصد، فلابد أنه كذلك: بلا ضوابط زمنية أو حدود، وبحدة عاطفية مميتة كل مرة.

في المياه أيضًا تتبخّر الحواجز لألتقي بأحباب انقطعت صلتي بهم من سنين، وأعيش مواقف انقضت من قبل أن أصبح أنا. مجرد لحظات لكنها تترك أثر حيوات كاملة. كأن الماضي يحدث أمامي من جديد. أحيانًا تزورني مشاهد من المستقبل. 

أثناء العوم كنت أحدّث الموتى أو أولئك الذين فقدناهم -كما يقول كفافي- وكأنهم ماتوا. ومن جديد أعيش كل خبراتي الموجعة. وخز الخزي في رأسي وفي بطني حرقة الخذلان. أي فشل أو سقوط قادر أن يتركني صريعًا أعيشه وكأنه يحدث. بل أي خجل عابر من استهزاء فتاة. 

بشق الأنفس أتقنت «الكرول» والترن لا تعنيني في الحقيقة -هذا أيضًا يتجلى وأنا عائم- فلماذا تضحك علي صديقتي؟

***

كل يوم أعوم ستمئة متر أو أكثر. أقطع حمام السباحة بالطول أربع مرات في الطلعة الواحدة، بلا استراحة. لكن عندما أصل إلى الحافة أتوقف وأدير جسمي وأنا في وضع رأسي. 

فضلًا عن كل ما يحققه لي الاستسلام للحركة المتنظمة المتماهية مع المياه، أقنعني عَقدان من العوم الكلابي إثر تجربة غرق صبيانية أن هذا أكثر من كاف. ومع ذلك، بت أنتبه إليهم حين أراهم: 

لا يصل الواحد منهم إلى الحافة حتى يغطس رأسه بين رجليه. وفي حركة واحدة سريعة يلتف جسده حول نفسه كعجلة فإذا به منساب بسرعة في الاتجاه المعاكس دونما يتوقف لحظة. أي سحر! 

في السباحة شيء حزين وروحاني لكن فيها مهارات، لا تفتح الماورائيات المقترنة بممارسة السباحة أبوابها تمامًا إلا بعد بلوغ حد أدنى منها. 

هكذا تعمّقتُ في فِقْه الشقلباظ من قبل أن أتشقلب. بات للترن منزلة أعلى على سلّم التسامي الروحاني من منزلة الكرول المنضبط بلا ترن. وبينما أتساءل عن «السباحة البرية» كما ينعتون ممارسة العوم في الطبيعة، كنت أواظب على طقوس السمو متى أمكن كل يوم. نعم لا ضرورة للتشقلب وأنت تعبر نهرًا يقطعه شلال أو تجابه شط بحيرة متجمّدة، لكن هل يعني هذا أن الترن أقل سحرًا؟ 

لست بصدد أي شيء برّي على كل حال. 

حين عدتُ إلى التدريب رجوت الكابتن أن يركّز معي حتى أتمكن من تأدية الترن قبل أي شيء. قلتُ له إني خجلان من العيال وهم يقومون بكل سلاسة بما لا أتخيل حتى القدرة عليه. ضحك الكابتن من قلبه وغمز لي. لكنني لم أخبره بعمق وخطورة الحكاية. 

لم يكن الأمر مجرد مهارة جسمانية تُضاف إلى سواها من المهارات المتراكمة عبر ما يقارب أربعة أعوام من تعلم العوم. 

في الترن تحول تاريخي لا يكتمل بوضع الذراعين وحركتهما مع دفعة الشقلباظ ذات نفسه، ولا بخروج الهواء من الأنف أثناء الالتفاف الأفقي تحت الماء، ولا حتى باستقرار الكعبين على حافة حمام السباحة بما يتيح الاندفاع بقوة مع الالتفاف الرأسي استعدادًا لمواصلة السباحة.. لا. 

شرط التحول التاريخي أن تفتح عينيك.

على مدى أسابيع ومحاولات -هذه الحكاية- أدركت أن هذا أصعب شيء في الترن، وأنه الضمان الوحيد لتأديتها صحيحة. أن تكون عيناي مفتوحتين من أول الحركة إلى آخرها.

بصي يا ست الكل، أنا دلوقتي بأتشقلب أحسن من أي حد ويعني حكاية الترن دي ما طلعتش صعبة قوي ولا حاجة. كل القضية إني أموت ومغمضش. 

و#سلام.

*الكتاب مبني على قراءة رخا لشِعر المتنبي، وقد جاء في قسمين أولهما يضم قصائد نثرية كتبها رخا كأنها معارضة لأبيات الشاعر المولود في الكوفة العراقية عام 915، أما القسم الثاني فهو نص سردي ممتع عن حياة رخا والتحوّلات الحادث فيها بعد الأربعين ومنها الامتناع عن التدخين وتعلّم السباحة. وطبعًا نرشحه للقراءة.

عن الكاتب

يوسف رخا

يوسف رخا مصري يكتب بالعربية والإنجليزية، ويعمل في الصحافة الثقافية منذ 1999. صدرت أولى رواياته «كتاب الطغرى» عام 2011. آخر أعماله كتاب «ولكن قلبي: متنبي الألفية الثالثة (شعر/سرد)».

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن