تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«ولاد الشمس».. الأبناء والآباء والمجاز 

«ولاد الشمس».. الأبناء والآباء والمجاز 

كتابة: رحمة الحداد 8 دقيقة قراءة

«لكي يخرج عربة تسمى الرغبة  كان على إليا كازان اكتشاف أن ستانلي كوالسكي يمثل البربرية الانتقامية والحسية التي ابتلعت ثقافتنا، وأن بلانش دوبوا هي الحضارة الغربية، الشعر والمظهر الرقيق والمشاعر المهذبة، أصبحت ميلودراما تينيسي ويليامز السيكولوجية شيئًا مفهومًا، أصبحت عن شيء، عن انحدار الحضارة الغربية»

سوزان سونتاج، «ضد التأويل ومقالات أخرى»، 1966.

في عام 1966 نشر مقال «ضد التأويل» لسوزان سونتاج ضمن كتاب يضم مجموعة من المقالات منها «ملاحظات عن الكامب»، و«حول الأسلوب»، المقال الذي يعد أحد أشهر ما كتبت الكاتبة والناقدة الأمريكية يقف بحزم ضد فعل تأويل الأعمال الفنية، باعتبارها نصوص تتضمن «محتوى» يحمل معنى آخر غير ما يظهره. عارضت سونتاج فكرة المعنى المختبئ داخل النص، الذي يعطيه قيمته الحقيقية وكأن العمل الفني غير قادر على القيام وحده دون تفسير/ ترجمة. بالنسبة لسونتاج يُفقر التأويل النص، كل عمل فني يحوي معناه ظاهرًا لا يحتاج إلى تنقيب تحته. لا ينفصل التأويل عن تناول الأعمال الفنية من خلال عدسات منهجيات التحليل مثل التحليل الفرويدي أو الماركسي، أو يساهم في إعادة استكشاف الأعمال المساء فهمها في أزمانها باعتبارها تحمل أكثر مما تظهر أو بوضعها تحت عدسة شكل تأويلي ما يعيد لها جدية التناول.

لخطاب سونتاج ضد التأويل وجاهة وثقل ثقافي بالطبع، فهو مجابهة لشكل محدد من التأويل يسعى لقلب معنى كل ظاهر في العمل الفني أو إلغاؤه باعتباره سطحي/غير حقيقي، أو يفصل الشكل عن المضمون،  لكنه كذلك فعل يمكن استخدامه في أزمنة الرقابة واستحالة صناعة فن يمس الجوانب السياسية والدينية والاجتماعية، فن مدجن تمامًا، ينتقد كل شيء عدا العوار المؤسسي. يمكن عن طريق التأويل التنقيب عن معنى داخل النص الظاهري أو بموازاة معنى باطن بالظاهر بإيجاد وسيلة للتحايل على القيد وعلى حالة انعدام الفن المسيس، دون هدم ظاهر العمل أو محاولة إلغاؤه.

ضمن الأعمال الدرامية المعروضة في النصف الأول من موسم رمضان 2025 لفت مسلسل «ولاد الشمس» الأنظار، لتناوله عالم غير مطروق بكثرة وهو عالم دور الأيتام، ولانغماسه في بيئة وطبقة شخصياته، وخلقه ثنائي مميز من الأصدقاء أثار تعاطفًا جماهيريًا. يدور «ولاد الشمس»، من تأليف مهاب طارق وإخراج شادي عبد السلام، حول ولعة (أحمد مالك) ومفتاح (طه دسوقي)، صديقان منذ الطفولة تربيًا ونضجا سويًا في دار للأيتام تسمى «الشمس»، فأصبح من يخرج منها يسمى «ابن الشمس» لأنه لا يعلم من والديه.

caption

في الدار أصبح الصديقين مثل الأخوة تجمعهما أكواد الأخوة وحب جارف يعبر بهم الأزمات اليومية، لا تقتصر الأخَوة على علاقة الصديقين الأساسيين بل على كل أبناء الدار من الأولاد الصغار الذين يتضاعف وجودهم في حياة ولعة ومفتاح كأخوة صغار وأبناء في عملية دائرية تتكرر مع النضوج والخروج من كنف الدار، يهيمن على الدار/ المؤسسة وعلى حياة ساكنيه رجل يبدو وكأنه كلي القدرة: ماجد أو بابا ماجد (محمود حميدة)، لا يقبل ماجد بغير الأبوة كأداة نداء، يعمل كأب وحاكم وصاحب عمل لأطفاله الصغار والكبار وكذلك لموظفين الدار، خاصة عبيد (مينا أبو الدهب) الرجل الذي استأصله من العمل في السيرك، حيث كان يقدم فقرة تسخر من قصر قامته، فأصبح ابنًا مخلصًا دون حدود لأبيه الجديد، ولأمينة (دنيا ماهر) الموظفة والراعية التي تبدي علامات للتمرد على ماجد وعلى نظام الدار.

التأويل يعني استئصال مجموعة من العناصر (أ وب وج ود وهكذا) من العمل ككل، مهمة التأويل هي في حقيقة الأمر ترجمة، المؤول يقول: انظر ألا ترى أن «أ» هي.. أو في الحقيقة تعني «ب؟»، وأن «ج» هو «د»؟ سوزان سونتاج، «ضد التأويل ومقالات أخرى»، 1966.

يخلق العمل عالمين تتحرك خلالهما الشخصيات، عالم داخلي رمزي وعالم خارجي أكثر واقعية، العالم الداخلي المنغلق على ذاته وهو عالم دار الشمس، حيث يعمل كل شيء وكأنه جزء من حكاية خرافية، بأشرار خرافيين وأخيار خرافيين وخدم يقعون في المنتصف، تصل أسطورية العالم الداخلي إلى تسميات رمزية لشخصيات تلعب أدوار محددة داخل العالم مثل عبيد الذي يكن حب وموالاة تامة لجلاده، والعالم الخارجي هو القاهرة التي نعرفها، حيث يتعاطى ولعة ومفتاح مع تحديات خارجة عن الدار، يطورا علاقات عاطفية مع نساء في العالم العام ويعودا للدار محملان بخبرات قاسية وحنونة، كأبوين عائدان بوجبة دسمة لأطفالهم بعد أيام من طعام «السجن القاسي».

تعتمد حبكة «ولاد الشمس» الرئيسية على محاولة كسر الاحتجاز والتحرر من سجن الدار التي يحكمها أب/ حاكم ظالم متجبر، طيلة الحلقات الـ15، حيث يتمحور صراع الصديقين اللذين يمثلان قوى تحريرية للأطفال المجبرين على عمل غير قانوني ولا أخلاقي في تجارة الحبوب المخدرة، تتعقد الأحداث وتنفرج مع مرور الحلقات، بجانب محاولات التحرر، يؤطر ولاد الشمس ديناميكات صداقات أخوية رجالية مقربة، يشارك ولعة ومفتاح بطولتهما داخل الدار وخارجه شخصية قطايف (معتز هشام) الذي يقوم بدور الشاب المثقف بشكل ساخر، يردد أبيات الشعر ويرتدي النظارات، وألمظ (فليكس) الذي يسعى للانعتاق من الدار تاركًا أصدقاءه وراءه، تصاحب الأربع شخصيات مسارات جانبية تخفف من قتامة الأحداث وتغير النبرة المزاجية tone باستمرار من جدية ثقيلة إلى خفة ساذجة.

caption

من خلال محاولات الانعتاق المستمرة وديناميكات البنوة/ الأبوة، الجمهور/ الحاكم يمكن رسم جسور بين النص الظاهر أي تحرر الأيتام من سلطة رئيس الدار/ سلطة الأب مجازيًا، وتحرر محكومين من سلطة الحاكم، يعمل «ولاد الشمس» على مستوى ما كحكاية خرافية مجازية لفكرة الثورة أو الإطاحة بالحاكم، خاصة الحاكم الفاشي الذي يعتبر نفسه أب بطريركي على شعبه، يعزز من إمكانية تأويل العمل كمجاز أو صورة للثورة تكرار أيقنوغرافيا الثورات وصورة وحركة الجماهير بشكل عام: تظاهرات، وهتافات، وإحالات للسجن والعود الأبدي للطاغية، لكن الخيارات الفنية تحيل كذلك إلى ثورات أو حراكات مصر الشعبية بشكل خاص، بتكرار استخدام أشعار أحمد فؤاد نجم التي غناها الشيخ إمام، يموضع العمل تلك الاستخدامات ويبرر معرفة الأطفال بها من خلال تعاليم قطايف الشاب القارئ بينهم عن طريق التلقين الشفهي.

يستخدم جمهور الأطفال في أحد المشاهد أغنية «بقرة حاحا» ليس كأغنية لرثاء الحال لكن كهتاف غاضب بعدما عُثر عليهم بعد تحريرهم وأرغموا على الرجوع عنوة مرة أخرى إلى السجن/ الدار، يبدأ أحدهم في قيادة الهتاف «والدار له أصحاب وحداشر باب غير السراديب وجحور الديب..» ليرد عليه الهاتفون بعد كل جملة «حاحا». يسير بقية الأطفال خلفه عائدون إلى الدار مارين ببوابته ومتخللين ممراته بمسيرتهم وأصواتهم، مارين بالمخزن الذي يعملون به في تغليف الأدوية، حيث يبدأون في تخريبه وإلقاء الحبوب والصناديق وتمزيقها في فعل عصيان مدني ورفض للعمل والاستعباد، يمكن حتى الجدال بأن التأويل الناتج عن التضييق والرقابة ينطبق على قصيدة «بقرة حاحا» نفسها التي فسرت على أنها «عن النكسة» أي أن لنصها معنى باطني سجن بسببه كاتبها وملحنها.

تستخدم أشعار نجم وألحان إمام في مواضع أخرى لكنها رثائية أكثر منها غاضبة، في مشهد رثائي لأخيهم قطايف الذي لقى نهايته على يد بابا ماجد، يؤدي «إذا الشمس غرقت» صوت طربي شجي وليس صوت غاضب هتافي، يموضع العمل نصوص سياسية بطبعها داخل إطار غير سياسي ظاهريًا، وهو ما يفتح مساحة أكبر للتأويل، في هذه الحالة «أ» لا تعني في الحقيقة «ب» لكن «أ» تشبه «ب» إلى حد يصعب إغفاله، مشاهد مثل تلك تضفي إمكانية وجود نص تحتي، سواء كان مقصود أو لا، تصبح هنا إمكانية التأويل بسبب انعدام التسييس شكل من استجداء المعنى من خلال استدعاء ظلم مؤسسي أكبر من خلال ظلم مؤسسي أصغر، من داخل جماليات وخيارات العمل نفسه، ذلك الشكل من التأويل/ التفسير الذي ترى سونتاج أنه يفقر العمل، يجعل «ولاد الشمس» ذو تأثير أكبر، بل أنه يسهل التجاوز عن ضعف بعض خطوطه الفرعية وسطحية كتابة شخصياته الرمزية بطبيعة الحال.

يعتمد «ولاد الشمس» على حبكة بسيطة وشخصيات بسيطة تؤخذ كما هي وهو ما يجعل تأويله أو إسقاط المعاني عليه عملية أسهل، بجانب الخطوط الرئيسية لماجد كطاغية نمطية والأطفال والصديقين الرئيسيين، فإن ما يحرك الأحداث هو تدخل شخصية من خارج عالم الدار طبقيًا ومكانيًا: تهاني (مريم الجندي) الصحفية التي تسعى لكشف صحفي يجعلها الأهم في محل عملها، تستكمل الصورة النمطية الخيالية لشكل الصحافة المحلية بمدير تحرير أبوي، وتجمعه ديناميكة مرحة مع موظفته، تتخلل تهاني عالم الدار باحثة عن ملفات تدين مالكه، ويتضح أن تلك الملفات تحمل إثباتات لبطلان ملكية الدار لماجد، وتكشف الحقيقة التي يخفيها، فهو عم «ولعة»، وفصله عن والدته ويتمه عنوة بادعاء أنه لقى حتفه مع والده في حادث للاستحواذ على ورثه.

تحيل تلك الكشوفات العمل لقصة هاملتية كلاسيكية، تحول بطله المغلوب على أمره إلى أمير مسلوب الحق، مما يغير شكل الصراع الرئيسي من ثورة مظلومين على ظالم إلى محاولة لاسترداد الملك/ الحكم، يهدد ذلك عالم المسلسل بالتداعي، لكنه وعلى سذاجة الخط الرئيسي والكشف التقليدي يحتفظ بأيقنوغرافيا طبقية وثقافية دون إدانة أو أحكام فوقية، حتى بعد تملك الأمير المسلوب لملكه فإنه يحتفظ بنظامه البيئي الأصلي بجمالاياته الشعبية وحبيبته وطريقه تقديمه لذاته. يتعامل «ولاد الشمس» مع الثيمات الشعبية المتواترة في الأعمال الدرامية المصرية بشكل محب، تصبح المهرجانات الشعبية المعاصرة ثيمات احتفالية والرقص الشعبي الآني «التعقيب» وسيلة للاحتفال بالنصر والترابط بين الأصدقاء والأخوة، بل حتى أنه يتم رمنستها Romanticize  فتخرج من كونها ظواهر ثقافية سيئة السمعة إلى شكل من أشكال التعبير عن الذات. 

يعمل «ولاد الشمس» على المستويين الحرفي والمجازي من خلال المفردات نفسها، سواء في الحبكة الرئيسية المتعلقة بانعتاق الأيتام بقيادة أخين كبيرين وثورتهم على مدير الدار الظالم، أو كون كل ذلك مجاز مباشر للثورة على السلطة الأبوية والفاشية فإن ما يقدمه العمل بصريًا وصوتيًا يسير على المستويين، الأدوات التي يحاول من خلالها الأخوين الكبيرين والأيتام تفكيك مفردات قهرهم وحبسهم الخاص، وأخذ قرار واضح باستبدال نظام قائم وراسخ بنظام آخر تستخدم مصطلحات الاحتجاج الشعبي وتتبنى أساليبه. يقدم العمل قصة أسطورية شعبية عن الصداقة والأخوة والحب، عن البحث عن الأمومة وحتمية انتصار الحق في القصص الخرافية التي عادة ما تحوي داخلها إشارات إلى العالم الحقيقي.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن