تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ورقة أخرى من ملف الحركة الشيوعية: رفعت السعيد من العمل السري إلى دولاب الصحافة

ورقة أخرى من ملف الحركة الشيوعية: رفعت السعيد من العمل السري إلى دولاب الصحافة

الحلقة السابعة من برنامج قراءة «شهود عيان»

كتابة: محمود الورداني 14 دقيقة قراءة

«كوكبة» هي سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة.

راعيتُ عدة اعتبارات في برنامج القراءة الذي اخترته هنا. فليست السير العشر التي أوردتها هي أهم السير، كما أنها ليست لأهم الكُتّاب، والوقائع والأحداث الواردة في ثناياها ربما ليست هي أيضا أهم الأحداث.

راعيتُ في المحل الأول التنوع، وأن تمتد هذه السير على مساحات زمنية مترامية وتغطي حقبا تاريخية مختلفة. ليست كلها مشهورة ومعروفة، بل ربما كان بعضها غير معروف كثيرًا، أو مضى على نشرها سنوات طويلة، لكنها مع ذلك كانت مؤثرة وجاءت في مفصل من المفاصل التاريخية الكبرى. 

في الحلقة الأولى تناولت «مذكرات عباس حلمي الثاني» آخر من شغل منصب الخديوية. وفي الثانية مذكرات هدى شعراوي، وفي الثالثة «الأيام» لطه حسين التي لا يمكن تجنبها، و«مذكرات عريان يوسف سعد» أقدم سجين سياسي في الرابعة. أما في الخامسة والسادسة تناولت مذكرات خالد محيي الدين. وهنا ورقة أخرى من ملف الحركة الشيوعية، مع مذكرات رفعت السعيد الذي التحق بمنظمة حدتو (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) وهو لا يزال صبيًا، وأمضى عمره في قلب الحياة السياسية، واعتقل في كل العهود، كما أنه بذل مجهودًا هائلًا في التأريخ للحركة الشيوعية المصرية.

caption

ظل د. رفعت السعيد (أكتوبر 1932 – أغسطس2017) المؤرخ والكاتب، والأمين العام لحزب التجمع -على الأقل بالنسبة لكاتب هذه السطور- شخصية تثير التناقضات، فهو واحد من أكثر المؤرخين دأبًا وعملًا متواصلًا، وأصدر عشرات الكتب السياسية والتاريخية، وأسدى للحركة الاشتراكية خدمات جليلة، بعكوفه على تأريخ دورها منذ بداياتها الجنينية، وحتى حل التنظيمات الشيوعية عام 1964. على الرغم من أنه أمضى نحو ثلاثة عشر عامًا خلف القضبان من أجل اختياراته ومواقفه، إلا أنه انتهى باعتباره من أبرز الممثلين لجناح في اليسار المصري، بحثَ دائمًا عن الممكن، وما تمنحه الشرعية -حتى لو كانت هذه الشرعية مكبلة ومقيّدة للحركة- كما عُرِف أيضًا باحتفاظه بعلاقات متينة، مع مختلف أجنحة النظام ومؤسساته.

يمكن الاختلاف مع الكثير والكثير، من مواقف وأفكار رفعت السعيد -وهذا طبيعي وعادي وصحي بطبيعة الحال- إلا أن ما لا يمكن الاختلاف عليه، هو أن الرجل صادق وقوي الحجة ومتسق مع ذاته، وفوق كل هذا هو نموذج لاشتراكي من طراز خاص.

من جانب آخر، حرص عدد كبير من مناضلي ومفكري الحركة الشيوعية في مصر، من مختلف الأجيال والمنظمات، على كتابة سيرهم الذاتية، منذ محمود حسني العرابي، أحد قياديي الصف الأول في الحزب الشيوعي عام 1922 (صدرت طبعة جديدة من مذكراته «89 شهرا في المنفى» عن دار المحروسة عام 2019)، وحتى بعض ممثلي المنظمات، التي تأسست في أواخر ستينيات القرن المنصرم، وأوائل سبعينياته.

وعلى الرغم من هذا الكم الكبير من المذكرات، إلا أن مذكرات رفعت السعيد تحتفظ بمكانة خاصة. وأعتمد هنا على الطبعة الأخيرة للجزء الأول «مجرد ذكريات» والصادرة عن هيئة قصور الثقافة، والطبعة الأخيرة أيضًا، للجزء الثاني الصادرة في مكتبة الأسرة.

أيام المنصورة

البدايات الباكرة لرفعت السعيد، كانت في واحدة من أجمل مدن الدلتا، وأكثرها بهاءً ونظافة، وهي المنصورة، التي تميزت في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي بالحدائق الشاسعة، وأكشاك الموسيقى التي تعزف فيها فرق موسيقية متنوعة.

وعلى الرغم من أن جده، كان صاحب ورشة ميكانيكية، تعج بأغنياء الريف الذين يتوافدون لإصلاح آلاتهم الزراعية، إلا أنه كان في الوقت نفسه صاحب ثقافة رفيعة، ويحتفظ في مكتبته بدواوين المتنبي، والمعري، وكتاب الأغاني للأصفهاني، وأعمال طه حسين، والعقاد، ودوريات ومجلات العصر، مثل «المقتطف» و«الرسالة» و«اللطائف المصوّرة».. وكل ذلك كان الزاد الحقيقي الذي ساعد على تفتحه مبكرًا.

وعندما كانت مصر على أعتاب انتفاضة 1946 ضد الاحتلال، بدأ طالب الثانوي رفعت السعيد رحلته الطويلة، التي استمرت حتى رحيله، مرتبطًا بالسياسة ومكتويًا بنارها ومشتغلًا ومشغولًا بهمومها. وفي ذلك الوقت كانت كل القوى السياسية فاعلة ومؤثرة في الشوارع والقرى والمدن، مثل جماعة الإخوان المسلمين، وتنظيمات الشيوعيين، والوفديين، ومصر الفتاة، غير أن المطاف انتهى به إلى صفوف اليسار، وتحديدًا في الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني المعروفة باسم «حدتو».

بسبب اشتراكه في المظاهرات، استضافه أولًا، في بلدته المنصورة، وهو لم يزل في الخامسة عشرة السجن المحلي، الذي دخله مرتديا «شورت»، ومنه تم ترحيله إلى المعتقل ليكون أصغر معتقل سياسي، وهو الأمر الذي قاده إلى اكتشاف عالم معقد ومثير، أمام صبي لا يزال محدود التجربة، واعتقاله كان تجربته الأولى.

على أي حال، بعد الإفراج عنه، لم يتوقف عن المشاركة في المظاهرات وتوزيع المنشورات وممارسة العمل السياسي، شأنه شأن الآلاف من الناس، فمصر بكاملها كانت تغلي، بعد فشل المفاوضات بين الحكومة والاحتلال. وزاد من التهاب الوضع السياسي، الهزيمة الكارثية للجيش المصري -وكل الجيوش العربية- أمام إسرائيل عام 1948.

بعد خروج السعيد من اعتقاله الأول، أمضى ثلاث سنوات فقط، ثم صدر أمر اعتقاله مرة أخرى، على خلفية حريق القاهرة عام 1952، وقبل أن يقوم الضباط الأحرار بانقلابهم بعدة شهور، غير أن اعتقاله هذه المرة، كان مع مجموعة أكثر عددًا وانتماءً لكل ألوان الطيف السياسي، من أقصى اليمين لأقصى اليسار. وبعد عدة شهور، وبسبب حرص أسرته على استكمال تعليمه، وعدم إضاعة سنة أخرى خارج المدرسة، توسط أحد التجار من أصدقاء الأب، لدى حافظ عفيفي باشا، رئيس الديوان الملكي، وتم الإفراج عن السعيد مقابل 500 جنيه، وهو مبلغ ضخم بأسعار ذلك الزمان، كرشوة للباشا رئيس الديوان!  

في ضيافة معتقلات الضباط

في العام التالي، التحق رفعت السعيد بكلية الحقوق، فانتقل إلى القاهرة، وتحرر تمامًا من رقابة الأسرة، وانخرط في العمل السري، بكل قوته وجهده. وحسبما ذكر، فإن «حدتو» شكلّت من طلابها جناحًا تزايد أعضاؤه، وبالتالي نشاطه وتأثيره، ويقدّم السعيد، ملامح وبعض تفاصيل العمل الطلابي، وما قامت به الجبهة التي تشكّلت من طلاب ينتمون لاتجاهات سياسية مختلفة، في مواجهة حركة الجيش.

وعاد إلى المنصورة بعد انتهاء العام الدراسي، وواصل عملًا كان رفاقه قد بدأوه من قبل، وتولى مسئولية قيادة إحدى خلايا «حدتو»، وكان من بين أعضائها ناهيد أبو زهرة -شقيق الفنان عبد الرحمن أبو زهرة- الذي كان رئيسًا للمحكمة، وهو ما أفاد التنظيم بشدة، حيث أتاح له منصبه التعرف على المطلوبين للاعتقال، وتسريب الخبر لهم، حتى يتسنى لهم الهروب.

كما يكشف أيضًا، عن أن عددًا كبيرًا من الأعضاء السريين في الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني، كانوا في الوقت نفسه منخرطين في تنظيم الضباط الأحرار، الذين كانوا قد استولوا على السلطة لتوّهم، ومن أبرزهم البكباشي يوسف صديق، الذي قام بالدور الأساسي في ذلك الانقلاب، وأحد حمروش، الذي لعب دورًا أساسيًا في تأمين مدينة الإسكندرية أثناء الانقلاب، وعبد المجيد نعمان، ضابط اللاسلكي، بطائرة الملك فاروق الخاصة (انتقل فيما بعد إلى العمل بالصحافة، وكان رئيسًا للقسم الرياضي بأخبار اليوم، وأحد أشهر النقاد الرياضيين) وضابط آخر حرص السعيد على تجنب ذكر اسمه، وكان يعمل بسكرتارية مجلس قيادة الثورة، وهو ما أتاح لـ«حدتو» أن تكون على علم أولًا بأول، بالتطورات والقرارات، التي كانت تصدر من أعلى سلطة في البلاد.

  وبعد شهور قليلة من اعتقاله الثاني، جرى اعتقاله الثالث الذي استمر خمس سنوات كاملة، بين عامي 1953 و 1958. وإذا كان الاعتقال الأول والثاني في ضيافة النظام الملكي، فإن الأخير كان في ضيافة «الضباط الأحرار» الذين كشّروا عن أنيابهم سريعًا. «نزهة» السعيد على مدى خمس سنوات توزعت بين عدة سجون: سجن الاستئناف، وسجن مصر، وليمان طُرة، وأخيرًا معتقل «جناح» في أقصى الصحراء الغربية، وهو المعتقل«الرومانسي» حسبما وصفه السعيد، وحراسه مجرد جنود يستلقون بجوار المعتقلين، والمعتقل نفسه مجرد خيام وحُفر وسط الصحراء، ومن يجد في نفسه الشجاعة ليهرب، فليحاول وسيدفع الثمن، وسط صحراء ممتدة بلا بداية أو نهاية، ولا مهرب منها.

  كتب رفعت السعيد: «ما من مهرب أو سبيل. كل شيء ممكن نظريًا. أن تجتاز السلك.. هذا سهل وممكن. فهو فعليًا بلا حراسة. ولكن أين تذهب؟ مئات الكيلومترات من الرمال، تفصلك عن البشر.. أي بشر. وكما أقام السجانون حاجزًا رمزيًا من الأسلاك الشائكة بينهم وبين المعتقلين، كذلك فعل السجناء، سواء كانوا إما إخوانًا وإما شيوعيين».

أما اعتقاله الرابع، فلم يفصل بينه وبين اعتقاله الثالث إلا بضعة أيام فقط، حيث تم القبض عليه خلال حملة 1959  الشهيرة.. وهكذا أمضى خمس سنوات، بالإضافة إلى ماسبق. غير أن الحملة الأخيرة، شهدت أقسى أنواع التعذيب، وأكثرها انتهاكًا لآدمية الإنسان.

مجموعة اشتراكية في السلطة

أود هنا أن أشير إلى مسألة بالغة الأهمية، لم يتناولها السعيد وحده، بل إن أغلب الكتابات السياسية تناولتها على هذا النحو أو ذاك، وهي أن التغييرات العاصفة المنحازة للأغلبية، مثل التأميمات، والبدء في تنمية شاملة، ووفق خطة تقودها الدولة، وبناء المصانع، والسد العالي، وغيرها وغيرها من المشروعات، مع سياسة خارجية، تقف ضد الأحلاف، والرجعية العربية، وتتحالف مع دول ماكان يُعرف بالمنظومة الاشتراكية والاتحاد السوفييتي؛ كل ذلك وغيره وغيره، جرى بينما كان كل الشيوعيين بلا استثناء تقريبًا في المعتقلات، وما فعله نظام عبد الناصر، هو ما سبق أن طالب به الشيوعيون وناضلوا من أجله طويلًا.

إذا أخذنا في اعتبارنا ما كان الشيوعيون، قد تعرّضوا له على مدى خمس سنوات، من تنكيل وتعذيب وحصار إلخ إلخ، فإن الأرض كانت ممهدة لظهور تنظيرات جديدة، (ويجب التأكيد هنا أنهم قاوموا ببسالة، على الرغم من استشهاد عدد منهم نتيجة التعذيب الوحشي، وعندما كان ثمن الإفراج مجرد ورقة يستنكر فيها المعتقل الشيوعية، لم يستسلم منهم إلا واحد أو اثنين، من بين مايزيد على ألف معتقل).

من بين هذه التنظيرات أن هناك مجموعة اشتراكية في السلطة، ينبغي التحالف معها وتأييدها، أو أنه من الواجب تأييد النظام الجديد، ما دام يقوم بتحقيق مطالبنا وما نادينا به.

 بطبيعة الحال، أدى ذلك إلى انقسامات داخل المعتقلات، وإلى حل المنظمات الشيوعية بعد الإفراج عن أعضائها، إلى جانب تداعيات أخرى، ومن بينها مثلًا دخول بعض الشيوعيين التنظيم الطليعي. وهو تنظيم بالغ الغرابة. المفروض أنه سري (على النمط المعمول به في المنظمات السرية، ويرأسه جمال عبد الناصر، وأغلب الوزراء وكبار سدنة النظام أعضاء فيه، ومهمته غامضة، من بينها مراقبة الاتحاد الاشتراكي، التنظيم السياسي الوحيد، المترهل، والذي يعج بالطفيليين والمتملقين والمنتفعين). ومن بين التداعيات أيضًا، السماح باشتغال عدد من الشيوعيين بالصحافة بعد عقود من الصحافة الرسمية التي تشبه النشرات الحكومية، وفي أعقاب الإفراج عنهم ثم حل تنظيماتهم.

  كانت فترة بالغة الكآبة والغموض والالتباس. لماذا معارضة عبد الناصر ونظامه، الذي يحقق تلك الإنجازات، والجماهير ملتفة حوله وتؤيده؟، والمنظمات تعاني من التآكل والانقسامات والانفراط، بعد السنوات الخمس الدامية، وأسر المعتقلين وأغلبها بلا مورد رزق تعاني الأمرين، وأرهقتها الزيارت المتباعدة لمعتقل يبعد عن القاهرة 900 كيلومترا وسط الصحراء. وعندما بدأ الإفراج عن المعتقلين، لم يكونوا على نفس القدر من الصلابة بطبيعة الحال، وكان ما تعرّضوا له يفوق الاحتمال، وما واجهوه بعد الإفراج من إنجازات، يفوق أحلامهم في الوقت نفسه.

الولوج إلى دولاب الصحافة

 من جانب آخر تكتسب شهادة السعيد عن الصحافة، في تلك الفترة أهمية خاصة، وتزيح الستار عن تفاصيل ووقائع عاشها بنفسه. كان قد قرر استكمال دراسته في كلية الحقوق، وبذل جهودًا شديدة من أجل أن يسمح له الأمن، وبواسطة محمود المناسترلي صديق خالد محيي الدين وزميله، والذي كان قد تولى آنذاك رئاسة مجلس إدارة مؤسسة أخبار اليوم، بل وبعد إلحاح منه، تم تعيين السعيد بمرتب 30 جنيهًا، وهو مبلغ جيد في ذلك الوقت، سمح له بمواصلة دراسته في الجامعة، وعمل في قسم يدعى «أبحاث»، مهمته الأساسية مراقبة ما يُنشر، وخصوصًا فيما يتعلق بترجمة المصطلحات إلى «اللهجة الجديدة» على حد تعبيره، أي استخدام القاموس الشعبوي الجديد: مثل الجماهير الثورية، وبناء الاشتراكية، والاتحاد الاشتراكي، وغيرها وغيرها. هذا إلى جانب إعادة النظر في الموضوعات قبل نشرها، ومدى ملائمتها مع التوجهات الجديدة، وهو ما كان ثقيلًا على قلب أصحاب ومحرري المؤسسة القدامى.

كان صاحبا الدار مصطفى وعلي أمين -بعد التأميم- لا يزالان يحتفظان بنفوذهما، وكان عبد الناصر يعشق التوازنات، وترك مساحة محسوبة للنفوذ القديم. وسعى الأخوان أمين بكل الطرق لعرقلة مسيرة محيي الدين، بالترويج والتحريض ضد التتار الحُمر من اليساريين الذين التحقوا بالمؤسسة.

وكان خالد محيي الدين، المعروف بميوله اليسارية، على الرغم من ثقة عبد الناصر فيه، يتولى أعلى منصب في مؤسسة معروفة بوصفها مؤسسة يمينية، وقد بدأ يتعرض لمؤامرات حقيرة ووشايات، بل وبدأ الدس له عند عبد الناصر وتسريب أوراق من مكتبه مما دعاه -بناءً على ترشيحات ممن يثق فيهم خالد- لنقل السعيد من قسم الأبحاث، إلى العمل مديرًا لمكتبه، باعتباره شخصًا مؤتمنًا. رفض السعيد بكبرياء، فهو ليس سكرتيرًا لأحد على حد تعبيره، لكن لقاءه بخالد ومناقشة خالد له، جعلته يوافق في نهاية الأمر، ولم يندم، فقد أحب محيي الدين لصفاته الشخصية وسماحته، وحسبما ذكر بالنص: «إن عملي مع خالد محيي الدين قد فتح لي آفاقًا من الصداقة والمعرفة، وفرصًا من التقدم لم أكن أحلم بها».

ويضيف السعيد، أن مصطفى أمين اعتاد أن «يُمتع عبد الناصر» كل صباح بأكوام من المعلومات، عن الزواج والطلاق والعلاقات الغرامية وأخبار النميمة، لذلك كان المأذونون الشرعيون مثلًا، وفي المناطق الراقية، مثل الزمالك، ومصر الجديدة يحصلون على مبالغ منتظمة، لقاء ما ينقلونه من معلومات عاجلة، عن زواج وطلاق  المشاهير، إلى جانب العلاقات الوثيقة بأقسام الشرطة، وبعض الوزارات، والمؤسسات. كان هناك جيش من جامعي المعلومات في كل موقع، يتلقون مبالغ أو حتى اشتراكات مجانية، في صحف ومجلات «أخبار اليوم»، ليس بغرض النشر، بل لاستخدامها لأغراض أخرى. وعلى سبيل المثال، استطاع مصطفى أمين، أن يكون أول من ينقل خبر زواج عبد الحكيم عامر، من الممثلة برلنتي عبد الحميد، إلى عبد الناصر، وحصل عليه من مأذون شرعي، كان ممن يحصلون على مبالغ شهرية منتظمة، من «أخبار اليوم».

ويضيف أيضًا في شهادته تفاصيل جديدة عن الدور الذي لعبه محمد حسنين هيكل، ولطالما خصّه عبد الناصر وخص الأهرام، المنافس التقليدي، بأخبار ينفرد بها ويُمنع نشرها في الأخبار من جانب الرئاسة «كان هناك خُطة آمرة حاسمة بإعطاء الأهرام مساحة للنشر محرمة على الآخرين» على حد تعبيره.

عندما قال عبد الناصر لخالد: «أوكى»!

وتطور الأمر بعد قضية التجسس لصالح أمريكا، و التي قُبض فيها على مصطفى أمين، واعترف، بينما هرب شقيقه علي أمين إلى الخارج. لم يكن هيكل قادرًا على مواجهتهما، وبعد التخلص منهما «تصاعدت مطامعه في استبعاد خالد وأن يحل محله فيستولي على رئاسة الأخبار والأهرام معا.. في واحدة من أغرب غرائب الصحافة الناصرية» على حد تعبير السعيد.

شهادة السعيد، على أحوال الصحافة لها أهمية خاصة، فقد شارك من موقعه كمدير مكتب خالد محيي الدين، رئيس أكبر دار صحفية، وكان على علم بما يدور سرًا وعَلنًا. فعلى سبيل المثال بدأ الترويج لأن «المشير والجيش غير راضين عن وجود خالد على رأس أخبار اليوم، وهيكل يغذي كل ذلك بحماس» حسبما كتب.

وعندما قرر عبد الناصر، في اجتماع أمانة الصحافة بالاتحاد الاشتراكي، تخفيض عدد صفحات كل جريدة، بسبب صعوبة توفير ثمن الورق المستورد من الخارج، امتثلت كل الجرائد بينما انفرد «الأهرام» بصدوره بنفس عدد الصفحات، وهو ما أدى لتصاعد الاحتجاجات، ووجد محيي الدين نفسه في موقع بالغ الصعوبة، والتقى بعبد الناصر. تجاهل الأخير احتجاج محيي الدين، الذي قدّمه بوصفه أمينا للصحافة في الاتحاد الاشتراكي، وبدلًا من الموضوع المطروح، تحدث عبد الناصر، عن غضب عبد الحكيم عامر من وجود خالد في منصبه، كذلك أكد له أن «المشاكسات مع هيكل غير مقبولة».. وهنا اضطر خالد لأن يقول: «إذن أستقيل. وببرود أجاب عبد الناصر: أوكى». كان الكمين المعد لمحيي الدين واضحًا جدًا، واتفقا على أن يرسل استقالته مع السعيد.

وبالفعل حمل السعيد الاستقالة إلى بيت عبد الناصر، ولم يقابله طبعًا، إلا أنه لم يغادر البيت، إلا بعد أن طُلب منه ذلك.

أما في داخل المؤسسة، التي كان يُعامل فيها باحترام ويتملقه الجميع بوصفه مديرًا لمكتب رئيسها، تغيّر الوضع تمامًا وانفجر بالإدانة وسبّ العهد السابق، الذي سيطر فيه "الحُمر الملاعين»! وما إلى ذلك.

وجاء هيكل بالطبع «متباهيًا والسيجار بين أصابعه، بابتسامة مترفعة صافحني، تأملني ببطء سينمائي مفتعل». وهكذا بدأت مرحلة جديدة، ووجهت ضربات متتالية لرفعت، انتهت إلى أن يطلب بنفسه العودة لموقعه القديم، وبالطبع نفّذ هيكل رغبته، بل وما لبث أن أصدر قرارًا بعدم حضوره المؤسسة.

المشهد الأخير

تدخل خالد محيي الدين، عند عبد الناصر، بسبب إلقاء هيكل بالسعيد إلى الشارع، على ذلك النحو المهين، وماطل عبد الناصر قليلًا، ثم قرر نقله إلى مؤسسة الكِتاب. وبعد فترة لم يحددها السعيد، تلقى مكالمة من سكرتيرة هيكل، تطلب حضوره لمقابلة هيكل، وبعد المقابلة أصدر هيكل قرارًا آخر بعودته للعمل في «أخبار اليوم».

بعد ساعات عرف السبب الحقيقي، وهو صدور قرار بمغادرة هيكل لـ«أخبار اليوم»، وأن يحلّ محله محمود أمين العالم، وكان أول قرار أصدره العالِم، إلغاء قرار هيكل بعودة السعيد! الأكثر غرابة في الحقيقة، هو إصدار هيكل، لقرار في اليوم نفسه بتعيين السعيد في الأهرام، في مجلة الطليعة، القفص الذي كان عبد الناصر ،قد أعده ليغرد الشيوعيين فيه، بإشراف ورقابة هيكل.

 إلى ذلك الحد كانت الصحافة تُدار، باستهانة وبألعاب رخيصة.

وأخيرًا.. ظلّت الصحافة بالنسبة لحكام يوليو لعبة وأداة، فعبد الناصر لم يكن يقرر أسماء المسؤولين عن الصحف المختلفة، بل أيضًا يقرأ الطبعات الأولى، فور صدورها قبل منتصف كل ليلة، بل ويصدر تعليماته بأي تعديلات أو تغييرات، ويتم تنفيذها في الطبعة الثانية. وبعد أن تولى السادات، اعتبر نفسه صحفيًا ضلّ طريقه إلى الرئاسة، ويتردد أنه كانت بينه وبين رؤساء تحرير الصحف خطوطًا هاتفية مباشرة، يوبخهم ويصدر لهم تعليماته اليومية من خلالها، وقام بتصفية «روز اليوسف»، وتغييرها تمامًا، بعد أن أيّدت بخجل وأدب انتفاضة الطعام عام 1977، وتابع ذلك بنفسه، ومبارك كان حريصًا على اللقاءات المباشرة مع رؤساء التحرير. أما العهد الحالي فقد تحولت فيه الصحافة إلى أن تكون أقل مستوى من النشرات الحكومية، وانفضّ الناس عنها وهوت أرقام توزيعها إلى الحضيض.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن