سخرية على قديمه
#241|دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
يستخرج معاذ محمد من الأرشيف جوهرة منسية من تسعين عامًا وعامًا، تدّلنا كيف لاعبت مجلة «آخر ساعة»، في أول أعدادها، باشوات الحكومة الفاسدين منهم والخائنين بحرفنة وسخرية، لتكشفهم أمام القراء عبر إعلانها عن تدريب على فنون الموالسة والطرمخة والصهينة، وعلّت من اللعب وحبكته أكثر بذكرها الوزراء بالأسماء دون مواربة، حيث ذكرتهم دولة باشا ينطح صاحب سعادة، ولنتأمل زمن تمسخر الصحافة على قديمه.
#دليل
يُعرف مجمع اللغة العربية في القاهرة «المسخَرة» بأنها «ما يجلب السُخرية»، وبالعودة إلى زمن الباشوات والبهوات نجد أن جرعة السخرية على أيامهم كانت أعلى من أيامنا الهباب، مثلًا تخيلوا، بل صدقوني أن ما نُشر قبل نحو 90 عامًا في «آخر ساعة» في باب «التعليم بالمراسلة» لا يمكن أبدًا أن يُنشر هذه الأيام، لما فيه من تمسخر على كبار الموظفين والسياسيين والاقتصاديين، أصحاب الذوات المنتفخة بالسلطة والجاه المنتفعين والفاسدين.
في العدد الأول من «آخر ساعة» الصادر في يوليو 1934، والذي طُبع منه اثنا عشر ألف نسخة ونفد من السوق خلال ساعات، ظهر مقال ساخر بعنوان «التعليم بالمراسلة» وجه نقدًا لاذعًا وغير تقليدي للوزراء والسياسيين ورجال الاقتصاد، خصوصًا أولئك الذين ينتمون إلى الطبقة العليا ويسعون لاستغلال علاقاتهم بأصحاب النفوذ لتحقيق مكاسب شخصية. التعليم بالمراسلة، سيُستكمل في عددين لاحقين، لتتشكّل سلسلة من ثلاثة مقالات في بدايات المجلة التي أسسها محمد التابعي، النجم اللامع في الشارع المصري، والتي أحدثت كتاباته نقلة في الأساليب الصحفية المُستخدمة في الربع الثاني من القرن العشرين من خلال استحداث واستعارة تقنيات «تريندية» على الصحافة المحلية حينها، مستفيدًا من تجربة العمل في صحيفة «ذا إيجيبشيان جازيت» البريطانية في بداية حياته المهنية التي تطورت سريعًا، حتى أن بائعي «روز اليوسف»، المجلة التي عمل بها قبل تأسيسه لـ«آخر ساعة»، كانوا ينادون عليها بعبارة «اقرأ التابعي».
[pdf-embedder url="https://www.madamasr.com/wp-content/uploads/2025/03/e3dc89c4-a7cc-40ae-bd89-1a0a149c17a1-1.pdf" title="e3dc89c4-a7cc-40ae-bd89-1a0a149c17a1"]
ظهر «التعليم بالمراسلة» في صورة إعلان خيالي لدورة تدريبية تهكمية مقدمة للسياسيين المصريين غير القانعين بمراكزهم والراغبين في الترقي. تُقدم لهم الفرصة لإتقان مهارات متعددة مثل: كيفية مخاطبة أصحاب النفوذ، وطرق الانحناء، وكتالوج ممارسة الصهينة والطرمخة. مواد التعلّم متنوعة بين التعريف بـ«طبقات الشعب وأقسامه»، لأنه ميصحش تحكمنا من غير تعارف، وقسمّته إلى «عناصر رشيدة مسؤولة»، و«عناصر رعاع غير مسؤولة». والوطنية الحقيقة، والقومية، وآداب السلوك السياسي، وحسن العلاقات الدولية، وأخيرًا مادة الكرامة وفروعها، وتدريس هذه المواد يعني افتقار المتقدمين لهذه الأمور. ربما نعيد إنتاج الدورة بمناهج مُحدَّثة، مثل الكرامة المستدامة، أو الطرمخة التطبيقية، أو الوطنية الديناميكية، أو الانحناء المتدرج.
[pdf-embedder url="https://www.madamasr.com/wp-content/uploads/2025/03/التعليم-بالمراسلة-2.pdf" title="التعليم بالمراسلة - 2"]
في العدد الثاني، الذي صدر بعد أسبوع من الأول، تطورت الدعوة لمقال بلسان عميد «كلية آخر ساعة للعلوم السياسية» يشكر فيه القراء على التفاعل الكبير الذي اضطر الكلية إلى زيادة المقاعد وبناء جناح إضافي لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب. انتفخ بريد الكلية بالرسائل، اختارت الكلية منهم رسالة وهمية باسم محمد حلمي عيسى باشا، وهو شخصية سياسية حقيقية، كان حلمي يشغل وقتها منصب وزير للمرة الخامسة، تولى الرجل القادم من أشمون بالمنوفية عشرة مناصب وزارية تنوعت بين «الداخلية» مرة، و«المواصلات» أربع مرات، و«العدل» مرتين، ومثلهما لـ«الأوقاف»، و«المعارف» مرة واحدة. استغل التابعي تنقلات عيسى بين الوزارات بشكل دوري وكونه موظفًا «ميديوكر» مثالي يسعى لإرضاء مرؤسيه، للسخرية من طموحات حلمي السياسية ورغبته في رئاسة الوزراء، وكتب رسالة ساخرة باسمه يشتكي فيها عدم تطور «كاريره» وحسرته من تولي «عبد الفتاح يحيى باشا» رئاسة الوزراء رغم أن ذكائه من «الصنف العادي الرخيص»، ثم رد على الرسالة باسم عميد كلية «آخر ساعة» ببيان حالة وإدانة للوضع السياسي في مصر في الثلاثينيات، لا وجود لسلطة واحدة بل عدة سلطات ولكل منها نفوذها. ويجب على عيسى إذا أراد نيل مراده واقتناص لقب «دولة الرئيس» إرضاء جهات السلطة المتعددة وخصوصًا الانجليز. قبل تاريخ المقال بعامين تقريبًا في 1932 كان عيسى قذيفة مدفع حكومة صدقي في صراعها مع عميد الأدب العربي، طه حسين. لمحبي العميد ومن يمتلكون فضول القطط يمكنهم القراءة عن الموضوع بالتفصيل من هنا.
[pdf-embedder url="https://www.madamasr.com/wp-content/uploads/2025/03/التعليم-بالمراسلة-3.pdf" title="التعليم بالمراسلة 3"]ستكمل «آخر ساعة» حبل السخرية في عددها الثالث بنفس طريقة «التعليم بالمراسلة» بتقديم رسالة وهمية/ منسوبة إلى إسماعيل صدقي، الذي لم يمر الكثير على تنحيته عن رئاسة الوزراء، كُتبت الرسالة بأسلوب ساخر يُظهر صدقي وكأنه يشتكي من تجاهل الجميع له بعد ترك المنصب، متحدثًا عن حاجته للعمل كأستاذ جامعي لتدريس مواد مثل «فنون التساهل والليونة والانحناء»، يرد عميد «آخر ساعة» بسحب عرض التدريس في الجامعة، والسخرية من حالة صدقي الحالية بعد افتقاده للسلطة والنفوذ الذين استخدمهم في عهده لأقصى حد.
يزين حائط كلية «آخر ساعة» للعلوم السياسية نخبة من خريجيها الأفذاذ، وتتباهى بخبرتها الطويلة التي مكنتها من صقل شخصيات «لها شأن عظيم ودراية تامة بكافة أساليب الترقية، وسبل الحظوة عند جميع الجهات» مثل:
- أحمد زيور باشا الذي وُلد بالإسكندرية عام 1864 وينحدر من أسرة شركسية الأصل، تلقى تعليمه بالمدرسة الفرنسية في الإسكندرية ثم كلية الجيزويت في بيروت ثم تخرج من كلية الحقوق باكس بفرنسا، أما مسيرته المهنية فوصلت لمستشار في محكمة الاستئناف لينتقل للعمل السياسي عند توليه منصب محافظ الإسكندرية ثم وزيرًا لعدة وزارات مثل «المعارف العمومية»، و«المواصلات»، و«الخارجية»، و«الداخلية».. إلخ. ثم أخيرًا رئيس وزراء مرتين بين عامي 1924 و1925، طغى على وزارتيه التبعية للقصر وغياب الدعم الشعبي، يصف السياسي والأديب المصري، محمد حسين هيكل، توغل القصر في تعيين وزراء في غيبته أثناء وجوده في مصيفه في ايفيان الفرنسية:
«وما باله يعود وهو يعلم أن الأمور تجري في غيبته وفي حضوره على حد سواء، ثم ما باله يحضر وفي مقدوره أن يوافق بالتلغراف على كل ما يطلب منه أن يوافق عليه!»
يبدو أنه خريج نجيب.
- الخريج الثاني هو إسماعيل صدقي باشا الذي وُلد في 1875 وتخرج من مدرسة الحقوق الفرنسية، بدأ مسيرته المهنية كاتبًا في النيابة، ثم مساعدًا في ايتاي البارود والمحلة وطنطا ثم رئيسًا لنيابة الإسكندرية، تولى منصب سكرتير عام لوزارة الداخلية ثم أصبح وكيلها في 1910، بدأ مسيرته الوزارية في 1914 عندما تولى «نظارة الزراعة» ثم تنقل بين الوزارات حتى 1930 عندما نال رئاسة الوزراء للمرة الأولى في يونيو 1930 والتي استمرت لعامين ونصف حتى يناير 1933، ثم يشكّل الثانية من يناير 1933 حتى سبتمبر من نفس السنة، ثم شكل وزارته الأخيرة في 1946، تميزت وزارته الأولى بتركيز السلطة في يده، فتولي بجانب رئاستها وزارتي الداخلية والمالية، «كومبو حكومي معتبر»، واشتهر عصره عمومًا بالديكتاتورية الأمنية، والمراوغة السياسية فقد استبدل دستور 1923 بدستور 1930، وحل البرلمان الوفدي، وصنع برلمان «على المقاس». يتحدث المؤرخ يونان لبيب رزق عن وزارته الأولى:
«لم تحظَ وزارة منذ 1922 حتى يوليو 1952 بما حظيت به وزارة إسماعيل صدقي الأولى من عداوة شعبية تفجرت في أعمال عنف بالغة».
خريجون وزراء لم يصلوا لرئاسة الوزراء بعد مثل:
- محمد علام باشا : تولى وزارة الزراعة من مارس 1933 حتى سبتمبر من نفس العام.
- توفيق دوس باشا: تولى وزارة الزراعة في وزارة أحمد زيور الثانية 1925، ومن أعضاء حزب الوفد.
- أحمد عبود باشا: أكبر رجل أعمال مصري في النصف الأول من القرن العشرين، بعد الحرب العالمية الأولى أنشأت شركاته سكك حديد العراق وسوريا وفلسطين، وأنشأ أول أسطول بحري للنقل من مصر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وله استثمارات أخرى في السكر وخدمات البريد وتصدير القطن وكان له علاقات ممتازة بالجيش الانجليزي، وأنهى مسيرته بتولي رئاسة النادي الأهلي من 1946 حتى 1961.
لم يستدل على الشخصين الآخرين باسم «الشيخ التفتزاني»، و«الأستاذ المحترم السعيد حبيب»، إذا كان لديك معلومات عنهم يرجى المراسلة.
وعلى الرغم من «الدخلة» الجريئة والإبداعية، لم تكتمل السلسلة بعد ثالث حلقاتها. راجعت الأعداد اللاحقة من «آخر ساعة» ولم أجد لها أثرًا. حدث شيء ما جعل المجلة تلغي الباب دون توضيح. ربما تعرضوا لضغوط، لأن هنالك سقفًا للسخرية و«للصبر حدود»، وهذا الباب استخدم أسماء سياسيين الدرجة الأولى صراحةً، وهذا يُعتبر تجاوزًا أو قد يراه البعض تطاولًا أو تزويرًا، لكنه جرى في إطار إحكام جرعة السخرية، وحبك الملعوب. ربما كان من حسن حظ «التعليم بالمراسلة» أنها نُشرت في زمنها، لا لأنه زمن الاحتفاء بالحرية وتقبّل السخرية، بل لأن ما سُمِح به قبل واحد وتسعين عامًا يبدو في أيامنا كرماد آثارٍ غابرة، في زمنٍ لا يحتفى فيه بالسخرية ولا يُفضَّل وجودها، وإن كان لا بد من الضحك فليكن همسًا، وليضحك القارئ وحده.
وسلام.
مصادر المقال
- «تاريخ الوزارات المصرية» يونان لبيب رزق
- «مذكرات في السياسة المصرية» محمد حسين هيكل
- أعداد مجلة آخر الساعة 1-2-3
- الفيلم الوثائقي «التابعي .. أمير الصحافة»
- «محمد التابعي» صبري أبو المجد
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن