هل ستتجاوز الحكومة الصيف دون «تخفيف أحمال»؟
منذ فجر الجمعة، 13 يونيو الجاري، قطعت إسرائيل عن مصر والأردن إمدادات الغاز الطبيعي، إثر سلسلة هجمات إسرائيلية على إيران، بحسب ما أعلنته الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، قبل أن تستأنف اسرائيل التوريد، بعد أسبوع من القطع، بكميات هامشية تصل إلى 80 مليون قدم مكعب يوميًا، مقارنة بمستوى 900 مليون قدم مكعب يوميًا، بحسب مصدر حكومي، لم يرد ذكر اسمه لـ «مدى مصر».
بعد ساعات من إعلان إسرائيل بقطع الإمدادات، أعلنت الحكومة قطع الغاز عن بعض الأنشطة الصناعية، الجمعة الماضي، ضمن ما أسمته الحكومة «خطة الطوارئ المُعدة مسبقًا بشأن أولويات الإمداد بالغاز الطبيعي».
في اليوم التالي، 14 يونيو، قال رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، في مؤتمر صحفي: «إحنا قلنا إن الصيف ده بالذات خطتنا إنه مش هيكون فيه أي تخفيف أحمال والدولة مستمرة في هذا التعهد».
على مدار عامين، تسببت أزمة انقطاع التيار الكهربائي في حالة استياء واسعة النطاق، إذ وصلت مدد انقطاع التيار لأكثر من عشر ساعات في بعض القرى، وكانت الأزمة سببًا في اعتذار استثنائي للمصريين من مدبولي، وبداية ظهوره في مؤتمرات خاصة متوسطًا وزيري الكهرباء والبترول، محمد شاكر، وطارق الملا، اللذين أطاحت بهما الأزمة.
مصدران حكوميان، أحدهما حالٍ والآخر سابق، إلى جانب نائب برلماني، أكدوا أن أزمة انقطاع تيار الكهرباء العنيفة، التي ضربت البلاد العامين الماضيين، مثّلت ضغطًا اجتماعيًا كبيرًا، لذا تسعى الحكومة بشتى الطرق لتفادي الأمر خلال الصيف الحالي.
تعي الدولة ضرورة تجنب أزمة انقطاع الكهرباء نظرًا لحجم الغضب الواسع التي تسببه، كما أن واحدة من أولى إنجازات الرئيس عبد الفتاح السيسي، منذ توليه الرئاسة 2014، كانت القضاء على أزمة الكهرباء، بعدما كان أول صيف له رئيسًا «مُعتمًا».
يدفع ذلك الحكومة، الآن، إلى بذل كل الجهود الممكنة لتوفير الكهرباء وعدم اللجوء إلى سياسة تخفيف الأحمال، التي اتبعتها سابقًا، بحسب المصادر، حتى وإن كانت الحلول مكلفة، خاصة مع احتدام الحرب بين إسرائيل وإيران.
في ظل أزمة نقص الغاز، وكي لا تنقطع الكهرباء، رفعت الحكومة حدود استخدام المازوت والسولار في محطات التوليد إلى المستويات القصوى، وذلك وفقًا لخطة الطوارئ.
الحد الأقصى الممكن للاعتماد على المازوت في إنتاج كهرباء في المحطات هو 24% بحسب ما يوضحه الرئيس السابق لمرفق تنظيم الكهرباء، حافظ السلماوي، لـ«مدى مصر». أما فيما يتعلق باستخدام السولار، فإن المسؤول الحكومي السابق يوضح أنه توجد محطتا إنتاج فقط تعتمد كُليًا على السولار، بجانب سبع محطات تستخدم السولار جزئيًا لإنتاج الكهرباء.
الوصول إلى الحد الأقصى لإنتاج الكهرباء من المازوت يتطلب استهلاك 35 ألف طن يوميًا، فيما لا تنتج معامل التكرير في مصر سوى 17 ألف طن فقط في اليوم. لذلك، تستورد مصر باقي الكميات.
وتوجد كميات كبيرة من المازوت إلى جانب مواد بترولية أخرى بخزانات عملاقة بميناء سوميد بالعين السخنة تعود للشركة العربية لأنابيب البترول، ما يُتيح المازوت غير المحلي داخل مصر وجاهز للتوريد بأسرع ما يمكن، بحسب السلماوي ومصدر سابق في الهيئة العامة للبترول، ما يجعل المازوت وقودًا مثاليًا بأوقات الطوارئ، عندما لا يتوفر الغاز الطبيعي بالكميات المطلوبة، وذلك ما اعتمدت عليه حكومة مدبولي، الصيف الماضي، لتخفيف حدّة قطع الكهرباء.
ومع ذلك، يظل الغاز الطبيعي أرخص وأكثر كفاءة بنحو 30% إذا ما قُورن بالمازوت، بحسب السلماوي، وما قاله مدبولي، السبت الماضي.
على مدار الشهور الماضية، كثّفت وزارة البترول جهودها أملًا في صيف هادئ، أهمها المفاوضات لتوفير سفن تغويز، لتحويل الغاز من صورته المُسالة القابلة للشحن والنقل إلى صورته الغازية مرة أخرى، ليصبح قابلًا للضخ في الشبكة القومية المصرية ومن ثم توليد الكهرباء، وهي العملية التي تسارعت وتيرتها خلال الفترة الماضية، حيث أبرمت الحكومة ثلاث اتفاقيات لتأجير ثلاث وحدات تغويز في أسبوع واحد، خلال مايو الماضي.
كانت مصر استقبلت، خلال الفترة ما بين نهاية مايو وبداية يونيو الجاري، وحدتيّ تغويز، الأولى، سفينة «ِEnergos Power» المُستأجرة من ألمانيا، وترسو في ميناء الإسكندرية، والثانية هي «Energos Eskimo»، القادمة من الأردن إلى ميناء السخنة، ونتقاسم قدراتها التشغيلية مع الجانب الأردني.
لكن عدم جاهزية أرصفة الموانئ المُستقبِلة لسفن إعادة التغويز، لم يسمح باستبدال سريع وفعال للغاز الإسرائيلي بالغاز المُسال، رغم وجود ما بين أربع إلى سبع سفن تحمل شحنات غاز مُسال بموانئ السخنة، بحسب المصدرين الحكومي والحكومي السابق لـ«مدى مصر».
مدبولي أوضح أن سفينة التغويز «Hoegh Galleon»، التي ترسو الآن بأحد أرصفة ميناء سوميد بالعين السخنة، هي الوحيدة التي تعمل وتضخ الغاز إلى الشبكة القومية حاليًا. هذه السفينة كانت أولى وحدات التغويز التي تعاقدت الحكومة عليها في وقت مبكر، بعد التراجع الكبير في الإنتاج المحلي من الغاز الذي شهدته مصر خلال السنوات الأخيرة.
وأضاف مدبولي أن السفينتين حديثتي الوصول لمصر لا تعملان إلى الآن، لأنهما تحتاجان «تظبيط للمواسير وأمور فنية أخرى شديدة التعقيد». وصرح مدبولي أنه بحلول 27-28 يونيو، ستكون وحدة «Energos Eskimo» قيد التشغيل، بينما السفينة «ِEnergos Power»، سيتم نقلها إلى ميناء السخنة أيضًا لربطها بأحد الأرصفة هناك، على أن تدخل حيز التشغيل بحلول الأسبوع الأول من الشهر القادم.
دخول سفن التغويز الثلاث حيز التشغيل سيوفر قدرات ضخ غاز طبيعي تُقدر بـ2.250 مليار قدم مكعب يوميًا إلى الشبكة القومية، بحسب ما ذكره مدبولي، أي نحو ثلث الطلب المحلي، مُضيفًا: «وبكده هنكون مش معتمدين أو مش مُعرَضين لأي مشكلة أو انقطاع بالشبكات الأخرى بالدول المربوطة بينا».
هذه السفن، تعاقدت عليها الحكومة لفترة طويلة الأجل تصل إلى عشر سنوات في حالة «Energos Eskimo» الأمريكية، التي أبرمت الحكومة، ديسمبر الماضي، عقد استئجارها، وسبع سنوات لـ«ِEnergos Power»، بعد شهرين من المفاوضات مع الجانب الألماني.
كذلك اتفقت الشركة القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» مع شركة «هوج آفي» النرويجية، خلال مايو، على تمديد بقاء وحدة التغويز «Hoegh Galleon»، المملوكة لإحدى الشركات النرويجية، عام إضافي. الوحدة الموجودة بمصر منذ العام الماضي ستغادر في 2027 بدلًا من فبراير 2026.
وحين تغادر «Hoegh Galleon»، ستحل محلها سفينة «Hoegh Gandria» المملوكة لنفس الشركة، وفقًا لما تعاقدت عليه «إيجاس»، مع الشركة النرويجية.
أما سفينة «Ertuğrul Gazi»، المملوكة لشركة الطاقة «بوتاش»، التابعة بدورها للحكومة التركية، فقد استعارتها الحكومة بشكل موسمي، لمدة الأشهر الستة الأخيرة من العام الجاري، لدعم ضغوط الطلب على الغاز، على أن تعود مرة أخرى لتركيا، لكنها حتى الآن لم تتحرك إلى الموانئ المصرية.
وبينما ستعمل السفن الثلاث «Energos Eskimo» و«ِEnergos Power» و«Hoegh Galleon» من أرصفة العين السخنة بمينائيّ «سوميد» و«سونكر»، ليس واضحًا إن كان هناك رصيف رابع مُجهز لاستقبال سفينة التغويز «Ertuğrul Gazi»، القادمة من تركيا.
التعاقدات طويلة الأجل لسفن التغويز تعكس بوضوح أزمة الطاقة، رغم نفي الحكومة السابق أننا نتجه لمزيد من الاعتماد على استيراد الغاز من الخارج، سواء المُسال أو الطبيعي الذي يصل في حالته الغازية عبر أنابيب من إسرائيل. دون استيراد غاز «مش هيكون فيه كهرباء لا صيف ولا شتاء»، يقول السلماوي.
يعود ذلك مباشرة إلى انكماش الإنتاج المحلي من الغاز لأدنى مستوى له منذ سبع سنوات، مقابل نمو الطلب على الكهرباء، بالأخص خلال أوقات الذروة في فصل الصيف، ليصل الطلب المحلي على الغاز بين 6 و7.5 مليار قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميًا، بحسب تقديرات وزارة البترول والمصدر الحكومي.
سجّل معدل استهلاك الكهرباء، خلال العامين الماضي والسابق عليه، نموًا بحوالي 8%، إذ سجّل الحمل الأقصى خلال العام الماضي 37 جيجا واط، مقارنة بـ34 جيجا واط، بحسب بيانات آخر تقرير سنوي للشركة القابضة للكهرباء.
هذا النمو يمكن رصده بوضوح خلال العام الماضي، الذي سجّل فيه يناير نموًا في استيراد الغاز بـ21%، وصولًا إلى الذروة في أكتوبر بنسبة 383% وانتهاءً بفبراير الماضي، الذي ارتفعت خلاله الواردات لـ 151% ، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء الشهرية.
خلال العام الماضي، شكّل الغاز المُسال نحو 28% من إجمالي واردات الغاز (10.6 ألف طن) مقابل 72% من الغاز الإسرائيلي، ووصلت حصة الغاز المُسال إلى 43% من إجمالي واردات الغاز خلال الربع الأول من العام الجاري. ومثّلت تكلفة شراء الغاز الإسرائيلي العام الماضي 58% فقط من إجمالي فاتورة الغاز المستورد (نحو خمسة مليارات دولار). وجاء متوسط ما دفعته الحكومة لكل ألف طن من الغاز القادم من إسرائيل 338 دولارًا، مقابل 685 دولارًا لكل ألف طن غاز من شحنات الغاز المُسال، بحسب ما تُظهره بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.
ولكن الضغوط على التكلفة تزيد، في حالتيّ الغاز الطبيعي والمُسال، في ضوء المواجهات العسكرية بين إيران وإسرائيل، التي رفعت أسعار النفط والغاز الطبيعي، بحسب تصريحات المحلل المالي بشركة «عكاظ» للاستثمارات، سعد علي. كما أصبح يتوجب على مصر الآن استيراد كميات أكبر من شحنات الغاز المُسال لتعويض نقص الغاز الإسرائيلي. كما ترجح المصادر أنه في حال تفاقم الوضع بين إيران وإسرائيل، إلى إقدام الأولى على غلق مضيق هرمز بالخليج العربي، ستتعرض أسعار الوقود إلى قفزة غير مسبوقة.
قبل اندلاع المواجهات الأخيرة بين إسرائيل وإيران، كانت هناك مفاوضات بين مصر وإسرائيل، ضمن المراجعة الدورية لاتفاق استيراد الغاز الإسرائيلي، تسعى خلالها إسرائيل لزيادة السعر 25%، ليصبح 9.5 دولار للمليون وحدة حرارية. في المقابل، تريد مصر زيادة توريد الغاز الطبيعي ليصل لمستوى 1.5 مليار قدم مكعب يوميًا، مقارنة بواردات أقصاها حوالي 900 مليون قدم مكعب يوميًا حاليًا، بحسب المصدرين الحكوميين الحالي والسابق.
المصدر البرلماني يلفت النظر إلى الرغبة المصرية في تنويع محفظتها من الغاز الطبيعي، تجنبًا للاعتماد فقط على الغاز الإسرائيلي، وذلك في ضوء التطورات الإقليمية منذ اندلاع الحرب الاسرائيلية على غزة، في أكتوبر 2023، حينما تراجعت إمدادات إسرائيل من الغاز لمصر ثلاث مرات بسبب تهديدات أمنية وصيانة الحقول، إلا أن ذلك لا يتعارض مع سعي مصر لزيادة كميات التوريد من الغاز الإسرائيلي.
الغاز الإسرائيلي مَثّل 72% من إجمالي واردات الغاز، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء عن العام الماضي. لكن تغيرًا بدأ يظهر خلال الربع الأول من العام الجاري، إذ تقلصت حصة إسرائيل إلى 57%، لصالح نمو حصة التوريد من الغاز المُسال، القادم من دول عدّة أبرزها الولايات المتحدة، وإسبانيا ونيجيريا، وفرنسا، وغينيا، وانضمت إليهم هذا العام النرويج، بحسب بيانات التجارة الخارجية الصادرة عن «التعبئة والإحصاء».
وبحسب المصدرين الحكوميين الحالي والسابق والنائب البرلماني، أهم تحدٍ يواجه الحكومة في هذا الملف، حاليًا هو تمويل شراء الوقود، خاصة أن فاتورة استيراده المُتوقعة هذا العام قفزت بأكثر من 50% لتتجاوز 19 مليار دولار مقارنة بـ12 مليار دولار العام الماضي، بحسب أحد تقارير وزارة البترول التي اطلع عليها «مدى مصر». الرقم مُرشح أن يصل إلى 21 مليار دولار، وهي التقديرات السابقة للتصعيد الأخير، بحسب المصدرين الحكوميين الحالي والسابق.
حاولت الحكومة البحث عن حلول تمويلية، خلال الجولة التي أجراها السيسي في عدة دول خليجية، أبريل الماضي، اصطحب خلالها وزير البترول. ولطالما اعتمدت مصر على الدعم الخليجي فيما يتعلق بالوقود، وبتقديم تسهيلات في الدفع، كتحمل السعودية شراء عدد من شحنات الغاز المُسال الصيف الماضي، حسبما قال المصدر البرلماني لـ«مدى مصر».
ذهبت مصر إلى قطر لبحث عقد اتفاق توريد شحنات غاز مُسال طويلة الأجل، وما زالت المفاوضات جارية حتى الآن، وتدور بشكل أساسي حول الأسعار، خاصة أن قطر تعتمد على المؤشر الآسيوي في التسعير، في حين تعتمد مصر على المؤشر الأوروبي «TTF». الأول أكثر تقلبًا لارتباطه بأسعار النفط، بحسب المصدر البرلماني، الأمر الذي لن تقف مصر عنده كثيرًا، نظرًا لميزة تقديم تسهيلات في الدفع المؤجل، في ظل وعي حكومي باستمرار حاجة مصر لاستيراد كميات كبيرة من الوقود والغاز الطبيعي لفترة طويلة، إلى أن تتعافى مستويات الإنتاج المحلي.
بالإضافة إلى قطر، تتجه مصر أيضًا إلى تركيا، بالتوازي مع تحسن العلاقات الثنائية بينهما، بعد أن كان الخلاف وصل إلى حدّ القطيعة السياسية.
في المقابل، يواصل الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي التراجع، ولم يعد يوفر سوى 4.1 مليار قدم مكعب يوميًا، وهو المستوى الأدنى منذ سبع سنوات، بحسب المصادر الثلاثة، وهو ما تؤكده أيضًا مبادرة البيانات المُشتركة «JODI» المتخصصة في الغاز والنفط، حتى نهاية مارس الماضي.
تدهور الإنتاج المحلي من حقول الغاز يعود إلى سببين رئيسيين: الأول، أسباب طبيعية تتعلق بدورة بعض الحقول، وأحيانًا بعض الآبار بالحقول، والثاني تراجع نشاط الشركات الأجنبية في الإنتاج من الحقول التي يؤول لها امتياز استغلالها، نتيجة تراكم مستحقات الشركات لدى الحكومة إثر الأزمة الدولارية التي مرت بها البلاد منذ فبراير 2022 .
يُقسّم الغاز الطبيعي المُنتَج من أي حقل، بحيث تُستقطع حصة منه تُعرف بـ«حصة الاسترداد»، أي أن تتمكن الشركة الأجنبية من استرداد تكاليفها الاستثمارية من خلال هذه الحصة التي تؤول إليها، كلما زادت حجمها، استردت الشركة سريعًا تكاليفها، ما يأتي على حساب حصة الحكومة. بالإضافة إلى ذلك، استرداد الشركة كل تكاليفها سريعًا، قد لا يضمن استمرارها في الإنتاج بالمستوى الذي يلبي الطلب المحلي لاحقًا لأي ظرف، بحسب المصدر السابق بالهيئة العامة للبترول.
الغاز المُتبقي بعد استقطاع «الاسترداد»، يُقسّم مرة أخرى بين الحكومة والشركة الأجنبية بنسب يُتفق عليها ضمن التعاقد: جزء تستحقه الحكومة، وآخر هو نصيب الشركة الأجنبية ويُمثل أرباحها. وتشتري الحكومة المصرية حصتيّ الأرباح والاسترداد المُستحقة للشركات، لتلبية الطلب المحلي، فوق حصة الحكومة المُستحقة لها من الغاز الُمنتج.
حين تتراكم مستحقات الشركات، ينعكس ذلك سلبًا على الإنتاج، لأن المصروفات التشغيلية تُصبح أكبر من العوائد خلال فترات التأخر، فتعتمد الشركات على تقليص المصروفات مثل الاستغناء عن حفّار لتتوقف فاتورة إيجاره اليومي، ومن ثمّ يتضاءل الإنتاج، حسبما شرح المسؤولان السابقان في الحكومة والهيئة العامة للبترول لـ«مدى مصر».
أقر مدبولي بدور تأخير المستحقات في تراجع الإنتاج المحلي، الذي توقع أن يعود لمستويات ما قبل الأزمة بعد عامين «إن شاء الله»، بحسب ما صرح به في مؤتمره الأسبوعي، 28 مايو.
ما جرى خلال الأشهر الماضية، بحسب اتفاق أبرمته الحكومة مع شركة «BP» ووافق عليه البرلمان، هو زيادة حصة «غاز الاسترداد» لتصل إلى 40%، وكذلك حصة الأرباح أو ما يُعرف بـ«حصة الإنتاج» لتصل إلى 21%، وكذلك رفع سعر شراء الحكومة المصرية الغاز الذي تؤول ملكيته إلى الشركات الأجنبية. يُنتج ذلك في المحصلة تكلفة أعلى، على مصر، لإنتاج الغاز، بحسب المصدر السابق بالهيئة العامة للبترول.

كما منحت الحكومة الشركات مكاسب إضافية، تعكس ضعف موقفها، حسبما يرى المسؤولون، من خلال إبرام عقود تتضمن «تحسينًا لشروط التعاقد». هذا التحسين يتمثل في نقطتين: الأولى رفع سعر شراء الغاز من الشركات المُنتجة، وأيضًا زيادة حصة الشركات من الغاز المُنتج، وتخفيف الالتزامات عليها، مثل عدد الآبار المُلزمة بحفرها.
تحاول الحكومة عكس منحنى الإنتاج المحلي، أولًا بالتفاوض مع الشركات الأجنبية حول جدولة المتأخرات، أملًا في دفع الشركات لمزيد من النشاط. أسفرت هذه الجهود عن تقلص المتأخرات من 5.5 مليار دولار، مطلع العام الجاري، لتصل حاليًا إلى حدود 3.8 مليار دولار، حسبما يؤكد المصدرين الحكوميين الحالي والسابق.
بدأت شركة «BP»، إحدى كبريات شركات البترول وثاني أكبر شركة لديها متأخرات لدى الحكومة، فبراير الماضي، الإنتاج من بئرين إضافيين بحقل «ريفين» بالبحر المتوسط، ستُنتج إجمالًا حوالي 220 مليار قدم مكعب، بحسب بيان للشركة، أوضحت فيه أن الانتهاء من أعمال الحفر تم قبل الموعد المُحدد سلفًا لتلبية الطلب المحلي.
الانتهاء من أعمال الحفر بـ«ريفين» سمح بانتقال الحفّار «فولاريس» إلى منطقة «الكينج» (كينج مريوط) للبحث عن الغاز لصالح «BP»، بحسب وزارة البترول. كما انتهت الشركة البريطانية كذلك من أعمال حفر البئر الأخير بمنطقة غرب دلتا النيل، «الفيوم 5».
كذلك أعلنت «البترول»، نهاية فبراير الماضي، عن عودة «إيني» المُشغّلة لحقل «ظُهر» لأعمال تنمية الحقل، وذلك بعد وصول الحفار «سايبم 10000»، وذلك لإضافة بئرين جديدين بالحقل بقدرة إنتاجية تبلغ 220 مليون قدم مكعب يوميًا، وفقًا لتصريحات كريم بدوي، وزير البترول، في نوفمبر الماضي.
تتوقع «البترول» تحسن كميات الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي، وصولًا إلى 5.1 مليار قدم مكعب يوميًا بحلول نهاية العام الجاري، حسبما ذكر بدوي في أحد تقاريره إلى رئيس الجمهورية، مارس الماضي، إلا أن شركات الإنتاج ترى أنها توقعات متفائلة أكثر مما يجب، بحسب المصدر الحكومي.
واحدة من أبرز مشكلات إدارة ملف الوقود في مصر هي عدم دقة تقديرات وزارة البترول، التي قدمت ثلاثة تقديرات حول إمدادات الغاز لوزارة الكهرباء منذ مطلع العام، بحسب المصدر الحكومي.
ينعكس ذلك على خطط استيراد الغاز، بحسب المصدر الحكومي الذي أوضح أن مايو فقط كان مُقررًا له خمس شحنات، ثم زادت إلى ثمانٍ، ثم مرة أخرى إلى عشر شحنات غاز مُسال استهلكناها، ورُُفعت التقديرات ليونيو إلى عشر شحنات بدلًا من خمس، وعشرين شحنة خلال يوليو وأغسطس وسبتمبر كلٌ على حدة.
تقارير ذات صلة
سوق الطاقة الشمسية يستعيد «صافي القياس» بشروط جديدة
هدد قرار وقف العمل بـ«صافي القياس» بقتل الطلب على بناء وتركيب وحدات طاقة شمسية
«سفينة تغويز جديدة».. الحكومة تسير عكس وعودها
الاتفاق يضمن لشركة الكهرباء الوطنية الأردنية الاستفادة من بواخر الغاز المسال لدى الجانب المصري
حوار | وزير البترول الأسبق أسامة كمال عن انقطاع الكهرباء وفجوة الطاقة
لماذا لا يوجد ما يكفي من الكهرباء؟
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن




