تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حوار | وزير البترول الأسبق أسامة كمال عن انقطاع الكهرباء وفجوة الطاقة

حوار | وزير البترول الأسبق أسامة كمال عن انقطاع الكهرباء وفجوة الطاقة

كتابة: بيسان كساب 14 دقيقة قراءة
تصوير: حسابه الشخصي على فيسبوك

أدت انقطاعات التيار الكهربائي المتكررة والطويلة، في أغسطس الماضي، إلى غضب واسع بين المواطنين، بعدما عاشوا طقسًا شديد الحرارة غير مسبوق دون ثلاجات أو تكييفات هواء أو إضاءة أو إنترنت. وبدا السؤال الذي يطغى على تفكير الجميع: لماذا لا يوجد ما يكفي من الكهرباء؟

مع تزايد التساؤلات بشأن حقيقة تناقص إمدادات مصر من الغاز الطبيعي، وهو الوقود الرئيسي المستخدم لمحطات الكهرباء، وخاصة المزاعم بشأن تضرر حقل «ظهر» وانخفاض إنتاجه، سارعت الحكومة إلى النفي، مُرجعةً أزمة انقطاعات التيار إلى زيادة مفاجئة في الاستهلاك. 

وأشار رئيس الوزراء إلى الطلب الموسمي على الكهرباء، والذي ارتفع هذا الصيف بشكل غير عادي في موجة حر استثنائية، والتي قال إنها دفعت الضغط على الشبكة الوطنية إلى ما هو أبعد مما كانت الحكومة مُستعدة له. 

لكن، في حواره مع «مدى مصر»، كان لوزير البترول الأسبق، أسامة كمال، رواية مختلفة تمامًا. فهو من ناحية يقول إن ارتفاع الطلب المحلي كان متوقعًا، ومن ناحية أخرى يكشف سببًا مختلفًا لتفجر أزمة الكهرباء فجأة: نقص إمدادات المازوت مع نهاية بروتوكول مُيسَر لإمداد مصر بالمازوت من المملكة العربية السعودية، دون تعويض لهذا النقص. 

وهي رواية تصف جانبًا من الصورة يخص زاوية نظر مسؤولي وزارة البترول، في مواجهة زاوية أخرى ينظر منها مسؤولو وزارة الكهرباء.

في الخلفية، ومن نفس الجانب من الصورة الذي ينظر منه مسؤول حكومي بارز سابق في قطاع البترول مثل كمال، الذي شغل مناصب عدة قبل أن يصل لمنصبه الوزاري، يحكي رواية سياسية حول قصة تصدير الغاز، تتقاطع مع كيفية تطور نُظم تسعيره، وصولًا للمرحلة الحالية، التي ارتهنت فيها عودة الاستثمارات الأجنبية بتعديل الاتفاقات معها على نحو يرفع الأسعار. 

كمال، الذي لا يزال نشطًا سياسيًا عبر دوره كرئيس للجنة الطاقة في حزب «مستقبل وطن» المُتحالف بشكل وثيق مع الدولة، أجاب في هذا السياق بوضوح عن السبب وراء ما كشفت عنه الأزمة الأخيرة من «صراع» بين وزارتي البترول والكهرباء، وهو الصراع الذي أظهرته التصريحات المتضاربة لمسؤولي الوزارتين على خلفية الأزمة الأخيرة. 

***

في تشخيصه  لجذور أزمة الكهرباء، ينظر كمال للأمر كأحد رجال قطاع البترول: «تباطؤ وزارة الكهرباء في تنويع مصادر الطاقة وإصرارها على الاعتماد بالنسبة الأكبر على البترول والغاز، بالرغم من تأكيد وزير الكهرباء على قدرات مصر الكبيرة لتوليد الكهرباء من الرياح والطاقة الشمسية». 

«لكن، تريدين طبعًا أن تعرفي لماذا انفجرت الأزمة فجأة على هذا النحو»، يبادر كمال موضحًا: «السبب المُباشر ببساطة هو أن مصر كانت قد وقّعت بروتوكولًا عام 2017 مع السعودية بشأن تزويدنا [مصر] بمواد بترولية لمدة خمس سنوات مقابل 30 مليار دولار بواقع ستة مليارات سنويًا، على أن نسدد أول قسط بعدما نبدأ سحب تلك المنتجات بخمس سنوات. هذا البروتوكول انتهى في أكتوبر 2022. وكانت احتياجات المازوت الزائدة للمحطات تُوفَر عبر هذا البروتوكول».

هذه الفجوة في الطاقة، سواء بسبب نهاية البروتوكول أو غيره، تعذر على ما يبدو تعويضها عبر زيادة كميات الغاز المتوفرة لمحطات الكهرباء، في ظل التزامات مصر التصديرية طويلة الأجل من ناحية، وارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد من السوق الفورية (الشراء عبر صفقات فورية بناءً على الحاجة، غير قائمة على اتفاقات مسبقة) على نحو لا تحتمله الحكومة، الأمر الذي كانت نتيجته الحتمية «تخفيف الأحمال»، كما يرى السفير محمد نصر، الذي يقود فريق دبلوماسية المناخ في وزارة الخارجية، في تصريحاته لـ«مدى مصر». 

أما عن الزيادة «المفاجئة» في الاستهلاك كجانب من الرواية الشائعة حول أسباب أزمة الكهرباء، فالأمر لا أساس له من وجهة نظر أسامة كمال: «وزارة الكهرباء تحصل على أربعة مليارات قدم مكعب من الغاز وستة آلاف طن مازوت يوميًا من وزارة البترول، وهو معدل لم ينخفض، لكنها تريد كميات إضافية في الصيف بسبب 7 إلى 8 جيجاوات إضافيين، تمثل أحمالًا إضافية بسبب تشغيل التكييف، لكن الحقيقة أن هذه الأحمال الإضافية مُتوقعة مُسبقًا لأنها تمثل نفس المعدل سنويًا، بالإضافة لانخفاض -معروف مسبقًا- في كفاءة محطات الكهرباء من حيث استخدام الوقود بواقع 1% مع ارتفاع درجة الحرارة عن 35 درجة وحتى 45 درجة وبعدها تنخفض الكفاءة بواقع 5%». 

وبحسب كمال، فالاحتياجات الإضافية من الوقود التي قد تحتاجها «الكهرباء» -بعد انقضاء البروتوكول- لا يمكن لـ«البترول» توفيرها، لأن تلك الاحتياجات مستوردة وتحتاج عملة أجنبية. وبالتالي، فإذا كانت «الكهرباء» تحتاجها فعليها أن تسدد ثمنها بالعملة الأجنبية ولا يمكن توقع أن تقترض «البترول» بالدولار لشراء احتياجات الوزارة الأخرى، «الأمر يختلف عن بقية احتياجات وزارة الكهرباء، والتي توفرها وزارة البترول بالعملة المحلية، وبها أيضًا مستحقات متأخرة للغاية على الوزارة الأولى سدادها للأخيرة». 

هذا الجانب بالضبط من الصورة -المتأخرات الثقيلة على «الكهرباء»- هو جوهر «الصراع الدائم بين الوزارتين، والذي يعود إلى الحاجة الماسة لدى وزارة البترول لجمع مستحقاتها لدى أطراف الدولة المختلفة وعلى رأسها وزارة الكهرباء في ضوء الانتقادات التي توجه لها على الدوام من الجهاز المركزي للمحاسبات حول حجم المتأخرات الكبير للغاية التي تعجز عن جمعها خاصة في ظل وجهة نظر شعبية تنتقد ارتفاع رواتب العاملين فيها»، يقول كمال. 

***

 كانت مصادر في قطاع الطاقة قالت لـ«مدى مصر» في تصريحات سابقة إن إنتاج الغاز قد انخفض في حقل «ظهر»، الذي يمثل مصدرًا لـ38% من إنتاج الغاز في مصر. 

ينفي كمال تراجع الإنتاج في «ظهر» عمومًا، كما يرفض وجهة النظر التي ترى أن الحقل تعرض لتراجع كبير في إنتاجه نتيجة تسرب المياه إليه بسبب زيادة الإنتاج على نحو غير مدروس. 

يوضح كمال أن تسرب الماء عمومًا إلى الحقول لا يُعد حدثًا استثنائيًا، بل تكرر كثيرًا في تاريخ مصر مع حقول الغاز والبترول، ويحدث في حال الإنتاج الزائد في بعض الحالات، وفي هذه الحالات كان يكفي تخفيض الإنتاج لإصلاح هذه الأوضاع، لكن الإنتاج الزائد الذي يتجاوز حدًا معينًا، والذي يؤدي لتراجع الإنتاج على النحو الحاد الذي يتصوره البعض، كان سيؤدي لانهيار خزان الغاز بالكامل، لو صحت هذه الافتراضات.

يوضح كمال في المقابل أن إنتاج «ظهر» انخفض على نحو طبيعي بالفعل عن ذروة الإنتاج التي وصل إليها عام 2018، والتي بلغت ثلاثة مليارات قدم مكعب يوميًا، موضحًا: «من الطبيعي بعد الوصول لذروة إنتاج أي حقل أن يبدأ التراجع التدريجي في الإنتاج بمعدل يبلغ في المتوسط 10%»، وبناءً عليه، «كان ينبغي أن يصل الإنتاج من الحقل حاليًا إلى 1.4 مليار تقريبًا»، يضيف كمال. 

لكن ما حدث فعليًا هو «أن الإنتاج من حقل ظهر يبلغ حاليًا 2.1 مليار قدم مكعب بسبب الإنتاج من آبار جديدة في نفس الحقل، في ظل ضخ استثمارات، وهو ما يعني أن النقص الطبيعي التدريجي من الآبار القديمة جرى تعويضه بنسبة كبيرة من الزيادات الجديدة في الإنتاج»، يقول كمال. 

***

يعود إتمام صفقة امتياز «ظهر» لنهاية عام 2013، حين مررها أسامة كمال، قبل مغادرة منصبه بأسبوعين، لصالح شركة «إيني» الإيطالية، وهو ما جاء بعد سنتين من التعطل بسبب تردد الشركات الأجنبية في التقدم للحصول على الامتياز، بحسب كمال، نتيجة ظهور مطالب -لم تتطور لخطوات رسمية- من أطراف مرتبطة بجماعات «الإسلام السياسي» وقتها، بإعادة ترسيم الحدود البحرية مع قبرص، وهو ما يعني بالنسبة للأجانب ضرورة انتظار ما سيسفر عنه ترسيم الحدود الجديد، كما يقول كمال. 

ويوضح: «لم يكن من الممكن إتمام الصفقة إلا بنفي رسمي من وزارة البترول لأي اتجاه مصري لإعادة ترسيم الحدود، ولهذا السبب نظمتُ مؤتمرًا صحفيًا عام 2012 لنفي هذا التوجه رسميًا». 

***

إنتاج حقل ظهر بدأ مع انتهاء مرحلة التراجع في إنتاج الغاز الطبيعي الممتدة من 2011 إلى 2014، وتراجع استثمارات الشركاء الأجانب بسبب الخلاف مع مصر حول تسعير الغاز الطبيعي، كما يقول كمال. 

في هذه المرحلة بدأ تعديل اتفاقات التسعير في مواجهة إحجام الشركاء الأجانب، وبدأت التعديلات بالتحديد في الاتفاق مع شركة «BB» في حقل شمال الإسكندرية، والذي بدأ الإنتاج في عام 2012، وتحول الاتفاق الجديد إلى حصول الشركة على مقابل الاستخراج الذي يبلغ أربعة دولارات لكل مليون وحدة حرارية بدلًا من 2.6 دولار في الاتفاق السابق، وفي المقابل تحصل مصر على كل الإنتاج، بحسب كمال، الذي أضاف أن بعد ذلك جرى تعديل اتفاقات كثيرة على نحو متفاوت يرتبط بتكلفة الإنتاج.

***

جانب كبير من فهم هذا الخلاف الذي انتهى بتعديل الاتفاقيات، يكمن في تاريخ اتفاقات الاستكشاف والتسعير في مصر، والذي تخلله تصدير الغاز الطبيعي. 

بحسب كمال، لا يمكن فصل تاريخ استكشاف الغاز الطبيعي عن تاريخ استكشافات البترول، وهو تاريخ يعود إلى 120 سنة تقريبًا. 

هذا التاريخ ينقسم إلى مراحل كل منها يمتد 30 سنة: «المرحلة الأولى من بداية الاستكشافات وحتى بدء العشرينيات، وهي مرحلة هيمن عليها الأجانب وتخللها تأسيس أول معملين للتكرير في مصر والشرق الأوسط عامي 1911 و1913، وتبعتها مرحلة دخلت فيها الشركات المصرية لهذا المجال». 

المراحل الأهم هي اللاحقة، كما يتضح من حديث كمال، فبدءًا من الخمسينيات حتى الثمانينيات «بدأ عصر نهضة قطاع البترول في مصر، مع ثورة 1952 والتي تلتها ولادة خطة خمسية للبترول، امتدت من سنة 1953 وحتى 1958، حين بدأت الحكومة في وضع تصور احتياجات مصر منه في ظل احتياجات الصناعة، لكن نتج عن 1967 استيلاء إسرائيل على آبار البترول في سيناء. في هذه الفترة قدم الإيطاليون خدمات جليلة لمصر، وهو السبب في بدء العلاقة القوية بيننا وشركة إيني الإيطالية التي تحولت إلى شريك استراتيجي لمصر، لأنهم ساهموا في التحول السريع نحو التنقيب عن البترول خارج سيناء، وبالتحديد في وسط الدلتا واكتشف الغاز هناك بالفعل…وبدأ إنتاج الغاز بجانب البترول»، يضيف كمال، موضحًا «بدأ هنا عصر تنوع مصادر البترول، وكذلك أماكن البحث والاستكشاف، ولاحقًا في نفس المرحلة بدأ الاستكشاف في البحر المتوسط، وبدأ الاهتمام بمنطقة الغرب بعدما كانت الاكتشافات تتركز في سيناء».

حتى هذا التوقيت، «ركزت الاتفاقيات على اقتسام البترول بين مصر وشركة البترول الأجنبية على أن تحصل الأخيرة على نصيبها في صورة بترول، وبالنسبة لاكتشاف الغاز كانت مصر تحصل عليه كله. ولكن جرى تعديل هذه القاعدة لتشجيع الشركات على البحث ليبدأ حقها في الحصول على ثمن نصيبها من الغاز المُكتشف أو تحصل عليه عينيًا في صورة بترول»، يوضح كمال. 

في الثمانينيات، مع بدء الحقبة الجديدة (حتى 2010) زادت اكتشافات الغاز بشدة، لأن تعديل الاتفاقات على هذا النحو شجع الشركاء الأجانب على الاستكشافات، لكن هذا الأمر كان من شأنه قلَب الميزان التجاري [البترولي] ضد مصر، لأن الإنتاج من البترول لم يكن كافيًا لتسديد فاتورة الغاز المكتشف، فجرى تعديل جديد يسمح باحتفاظ الشركاء الأجانب بنصيبهم من الغاز المكتشف والذي كان يزيد عن احتياجات مصر، والتي لم تكن في المقابل تمتلك تكنولوجيا التصدير التي تحتاج إلى محطات لإسالة الغاز، كما يقول كمال. 

ومع زيادة اكتشافات الغاز في الفترة بين 2004 و2005 على وجه التقريب، اقترحت «البترول» على «الكهرباء» تحويل محطات الأخيرة العاملة بالمازوت إلى استخدام الغاز، لتتمكن الوزارة الأولى من تصدير المازوت الذي كان يمكن تصديره بعكس الغاز، فأصرت «الكهرباء» على أن تتحمل الوزارة الأخرى تكلفة هذا التحول لأنها المُستفيدة من هذه العملية، وهو ما وافقت عليه «البترول» بالفعل. ثم اتضح لـ«الكهرباء» أن استخدام الغاز أفضل وأسهل. 

في هذه المرحلة، بدأت مصر تصدير الغاز لإسرائيل والأردن. «لأن خطوط الغاز إليهما كانت لا تحتاج لتكنولوجيا عالية، إذ كانت تعتمد على خطوط الأنابيب، وهي تكنولوجيا أبسط وأقل تكلفة. لكن في المقابل، ظهرت أزمة التسعير المنخفض لعقود التصدير لإسرائيل بالذات»، كما يقول كمال. 

«السؤال الذي قد يتبادر إلى الأذهان هنا، هو كيف قررت مصر تصدير الغاز مقابل دولار وربع للمليون وحدة حرارية؟» يبادر كمال متسائلًا، في إشارة للمعدل الذي اعتُبر منخفضًا جدًا وأثار معارضة واسعة النطاق. 

يقوم هذا المعدل على منطق يعتبر أن نصيب مصر من الغاز المكتشف (70%) تحصل عليه مجانًا، في حين أن نصيب الشريك الأجنبي تحصل عليه مصر مقابل 2.6 دولار، وهو ما يعني وفقًا لهذا المنطق أن متوسط تكلفة ما تحصل عليه مصر من الغاز يصل إلى 0.8 دولار، حسبما يقول كمال، معترفًا بأن «هذه المعادلة غير دقيقة طبعًا، لأن نصيب مصر في حقيقة الأمر ليس مجانيًا فهذا الغاز ثروة مملوكة للشعب، مثلها كمثل قطعة أرض تبيعها الدولة بمقابل». 

ومع ذلك، «فقد ساهم في تبني هذه المعادلة حقيقة أن روسيا كأكبر منتج للغاز كانت تبيع الغاز لأوروبا مقابل 0.7 دولار، فبدا أن سعر الغاز المصري مجزٍ، لكن طبعًا هذا المعيار أيضًا كان غير صحيح، لأن خط الغاز الروسي كان قديمًا جدًا ما يعني أن تكلفة إنشائه قد تمت تغطيتها بالفعل»، حسبما يوضح. 

وبالتزامن مع ذلك، كان تعديل الاتفاقات يعني بالنسبة للشركاء الأجانب بدورهم ظهور الحاجة لتصدير أنصبتهم. ولهذا السبب، أسس الشركاء الأجانب محطتي إدكو ودمياط لتصدير الغاز، كما يوضح كمال. 

«لكن مصر طالبت بنصيب من ملكية محطتي الإسالة، دون تسديد أي مقابل مالي مسبق، بل من خلال تسديد هذا النصيب لاحقًا عبر خصمه من نصيبها من الأرباح باعتبارها شريكًا في الملكية»، يقول كمال، «وهنا بدأ تصدير جانب من حصة مصر أيضًا في بعض الأحيان عبر محطات الإسالة تلك»، حسبما يضيف. 

وتبعًا للوزير الأسبق، فقد «عُدّلت الاتفاقات مجددًا، ليصبح لمصر أولوية في حصة الشريك الأجنبي في حال احتاجتها مقابل سعر تفضيلي للمليون وحدة حرارية، وهو سعر يتغيّر على نحو يرتبط بسعر خام البترول في السوق العالمي، بحد أقصى 2.6 دولار للمليون وحدة حرارية في حال وصلت أسعار البترول إلى 30 دولارًا». 

لكن «الأزمة الاقتصادية العالمية صاحبها ارتفاع كبير في سعر البترول وصولًا إلى 120 دولار تقريبًا [للبرميل]، ما دفع الشركاء الأجانب للمطالبة بتعديل الاتفاقيات، وهددوا فعلًا بوقف الاستثمارات الجديدة، وشهد عام 2008 آخر الاتفاقات الجديدة». 

بعد ذلك، ظهرت ضرورة وجود اكتشافات جديدة، لأن استمرار الإنتاج عند نفس المستوى حتى ولو دون زيادة يحتاج استثمارات جديدة؛ فالآبار القائمة تتعرض لانخفاض في إنتاجها بواقع 10% في المتوسط سنويًا، وفي المقابل «تحتاج الاستثمارات الجديدة لتعديل في النموذج المالي وإلا سيُحجم الشركاء الأجانب عن الاستثمارات الجديدة». 

***

يرفض كمال وجهة نظر خبير طاقة ومستشار سابق لدى الحكومة المصرية تحدث لـ«مدى مصر» طالبًا عدم ذكر اسمه، منتقدًا بشدة «الاندفاع الشديد» من قِبل سامح فهمي، وزير البترول الأسبق، في هذه المرحلة نحو تصدير الغاز، ويرى هذا الاندفاع نابعًا من رغبته في بناء صورة سياسية عن وزارته عبر المبالغة في ترويج أخبار استكشافات الغاز -مستخدمًا علاقاته الوثيقة مع الصحفيين لهذا الغرض- والمبالغة في تقدير الكميات المناسبة للتصدير.

يبرر كمال صفقات التصدير الكثيف في هذه المرحلة قائلًا: «مصر كانت ترغب بشدة في تصدير الغاز من حيث المبدأ، وهو ما شجعها على تبني هذا النموذج التسعيري»، وبعبارة أخرى: «كنا نرغب في أن نكون جزءًا من سوق تصدير الغاز، كانت الدولة ترى ضرورة أن تكون ذات مركز وثقل ضمن مُنتجي ومُصدري الغاز في منطقة الشرق الأوسط، بحيث لا تكون قطر والجزائر وحدهما جهتي تصدير الغاز لأوروبا مثلًا، ولهذا السبب رأت الدولة ضرورة طرح نفسها ضمن قائمة مصدري الغاز بما يعنيه ذلك من ثقل سياسي. في نفس المرحلة كانت قطر ترغب في مد إسرائيل بالغاز عبر خط كان سيمتد 4300 كيلو في الوقت الذي كان الخط المصري لا يتجاوز 350 كيلو تقريبًا». 

وفي المقابل بحسب كمال، كان هناك أيضًا هدف سياسي، هو أن تلعب مصر دورًا في القضية الفلسطينية في اتجاه التهدئة عبر ربط إسرائيل بفلسطين بخط غاز واحد، وهو ما يجبر الطرفين على حماية الخط نفسه، ما يعني تراجع «العنف» بينهما. «لكن لم تسر الأمور كما كان مُخططًا لها، لأن إسرائيل عدّلت مسار الخط الأصلي الذي كان يُفترض أن يمر عبر رفح، ونفذت فيما بعد خطًا يمر عبر العقبة، وعدّلت مساره في النهاية ليمر عبر المياه الإقليمية الفلسطينية -دون توقيع اتفاق في هذا السياق» بحسب كمال، الذي كان مسؤولًا تنفيذيًا لمشروع شركة «إنبي» لتنفيذ الجزء المصري من خط الغاز. 

لكن في كل الأحوال، «فلو كانت قطر قامت بهذا الدور، فقد كان ذلك سيُضعف من استجابة إسرائيل لمصر في الجلوس على طاولة المفاوضات مع الفلسطينيين لأن جانب من مصالحها المشتركة مع مصر سيكون قد انتفى»، يقول كمال. 

نفس الهدف تقريبًا -لعب دور سياسي والتمتع بثقل- كانت مصر تصبو إليه عبر منتدى غاز شرق المتوسط. وفي هذا السياق، جاء تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي، مؤخرًا، مخاطبًا طارق الملا، وزير البترول: «إنت جبت جون»، وكان يعني هنا أنه استخدم «غاز شرق  المتوسط» لإقناع إسرائيل بالتراجع -عبر المفاوضات- عن مسعاها لتأسيس محطة لإسالة الغاز، وهو مسعى كان من شأنه أن يمثل منافسة للمحطتين المصريتين. 

***

يعود بنا كمال للحديث عن التسعير المنخفض للغاز المصري المُصدّر للخارج، قائلًا إن الأمر عمليًا لم يسر كما نص الاتفاق الأول مع إسرائيل، موضحًا: «لم يُصدّر الغاز لإسرائيل مقابل دولار وربع، بالرغم من أن الاتفاق الأول وقع على هذا النحو، لكن الاتفاق عُدّل مع بدء التصدير عمليًا، ووصل السعر إلى 2.6 دولار، واستخدم سامح فهمي الضغط الشعبي وحملة 'لا لتصدير الغاز' وقتها في مفاوضاته مع إسرائيل»، ولهذا السبب «تمكن سامح فهمي من الإفلات من العقوبة بعدما أثبت ذلك أمام القضاء». وتبعًا لكمال، فقد سرى نفس التعديل في سعر التصدير على الاتفاق مع الأردن. 

يستدعي ذلك التساؤل حول السبب الذي منع سامح فهمي من الإعلان عن هذا التعديل بما يتضمنه ذلك من تخفيف للضغوط الشعبية عليه. بحسب كمال «كان فهمي يرى أن التجاوب مع تلك الضغوط الشعبية بتقديم تفسيرات سيشجع تلك الضغوط لاحقًا مع كل صفقة تصدير جديدة». 

أما المسار الآخر، وهو المرتبط بتصدير الغاز المُسال عبر محطات الإسالة، «فقد كان خاضعًا لنفس تسعير الشركاء الأجانب لنصيبهم من الغاز المُصدر عبر هذه الأنابيب، وبالتالي لم يكن هناك مجال لتسعيره بشكل مخفض أو غير عادل»، مضيفًا: «والأهم هو أن تصدير الغاز المُسال أصلًا لم يكن قائمًا على عقود تصدير سارية لفترة محددة مقابل سعر مُحدد، بل كان قائمًا على نمط مختلف من التصدير وهو نمط الصفقات الفورية أي التصدير بناء على الطلب الحالي من المشتري».



عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن