نحو مجهول
من يوميات النزوح السادس عشر
هذه اليوميات المكثفة يكتبها محمود الشرقاوي، بالتزامن مع نزوحه السادس عشر مغادرًا مدينة غزة إلى الجنوب، يدوّن شذرات من أيام تتساقط بين خيمة وأخرى، كلمات مُتقطعة، محاولات بقاء، تدوين كنبض صغير في زمنٍ يبتلع كل شيء.
يومًا ما
الصباح في المُخيم بطعم التراب ورائحة موقدٍ لا يخبو. أفتح عيني على صوت محمد عسّاف يتسلل من هاتف جاري عبر قماش الخيمة الرقيق: «"نزوحٌ وجوعٌ وقهر الخيام...»، تضربني الجملة كحجر في الصدر.
من باب الخيمة، أمد رأسي بحذر، فأرى الطابور الطويل يتلوى أمام صهريج الماء. يكمل عسّاف: «لنا الله رغم ليالي العنا وهول المآسي وحجم الألم»، كأنه يرسم المشهد أمامي: رجال يجرّون خطواتهم مثقلة بالحزن، نساء يخفين دموعهن تحت الشالات، وأطفالٌ يلهون على حافة الطابور، وكأن اللعب انتصار صغير على الجوع.
عند فتح قنوات المياه، كلٌ يركض، يسبق الزمن والماء. فجأة يخترق الصخب صوتٌ ينادي: «مناشير. مناشير!».
أسرعُ، أرجو أن يكون مقلبًا جديدًا من شباب المخيم، فقد اعتدنا ألعابهم الصغيرة: يطلقون زغاريد كأن وقف إطلاق النار وُقِّع للتو، أو ينسجون إشاعات من خيوط الوهم. أفراح من سراب لأن الفرح غاب.
لكن هذه المرة هناك منشور، تفرّق الناس عن شاحنة المياه ليتجمعوا حول شابٍ اعتلى صخرة، يقرأ بصوتٍ مبحوح: أمرٌ من الاحتلال بالإخلاء نحو الجنوب. يقرأه وكأنه بيت شعرٍ حزين، تفرّق الجمع بعدها بصمتٍ ثقيل لم أعرفه من قبل؛ منذ التاسع من أكتوبر 2023، لم يتوقف نزوحنا، هل نرحل من جديد؟
ببطء مرّ النهار كشوطُ كرة قدم ممل، نتمنى صفارة نهاية تجلب يومًا مختلفًا، في الليل، جلست مع عائلتي نناقش مصيرنا. قالت ابنتي: «يا بابا، ما صدقنا رجعنا على غزة، أنا ما بدي أروح على الجنوب». قاطعتها أمي بصوتٍ واهن: «يمّا، عندي مراجعة في العيادة، وعملية يوم السبت… وين أروح أتبهدل في الجنوب؟».
تعددت الأصوات بين مؤيدٍ ومعترض، لكني كنت أعرف أن القرار ليس بأيدينا، من ذلك الأحمق الذي يختار أن يسير إلى موته طوعًا؟ وبينما تشتعل النقاشات، كان ذهني مشغولًا فقط بما يمكن أن نحمله معنا في رحلة موتٍ جديدة.
اليوم التالي
لم يعد هناك صوتٌ للعصافير، ابتلعها هدير المدافع. الندى على أوراق الأشجار غطّاه غبار القنابل. حزمت كل العائلات حقائبها للنزوح. وفي الباص، ومن مذياع السائق، ارتفع صوت عساف من جديد: سلامٌ لغزة… سلامٌ… سلام.
الطريق مزدحم من جديد بالنازحين، المشهد ذاته يتكرر كأنه لا يعرف نهاية. هذه المرة تتدفق قوافل بشرية جنوبًا في صمت ثقيل؛ كلٌ بما تيسّر له من وسيلة نقل. شاحناتٌ محمّلة حتى الانفجار تجرّ خلفها البيوت على هيئة أثاثٍ مبعثر، وعرباتٌ تئن بأحمالها، وأقدامٌ عارية تمشي بمحاذاة الحديد، تحمل على ظهورها ما تبقى من حياة. كلنا نمضي نحو المجهول بلا صوت.
في باص مكتظ، نجلس متلاصقين كأننا قطيع، سائقه يشعل سيجارة ويلعن كل مَن حوله، يسبّ السائقين الآخرين، ويشتم الساعة التي قبل فيها أن ينقلنا. خمسة آلاف شيكل سرقها من جيوبنا لم تشفع له ليطيق وجودنا حتى نهاية الطريق. تغيّرت النفوس كما تغيّرت الطرق، الحرب لم تُبقِ شيئًا على حاله.
قبل الحرب، كانت الرحلة من غزة إلى النصيرات لا تستغرق أكثر من سبع دقائق. سبع دقائق من المتعة: على يمينك البحر يعانق الكورنيش، الناس يتنزهون بأُلفة، ومراكب الصيادين تتحدى الموج. ما زلنا في بداية الطريق، بعد مرور ثلاث ساعات، نختنق من دخان مولدات السولار التي تحرق الهواء، ومن السائق الذي ينفث دخانه في وجهي ثم يقول: «شعب بدّه حرق».
يمتد الوقت حتى يذوب النهار في دخان المدينة خلفنا، والريح تحمل إلينا رائحة بيوتنا المحترقة. على تلة النويري، تتوقف الشاحنة لتفقد العجلات والوقود، وهي آخر نقطة يمكن رؤية غزة منها، نظرة أخيرة على المدينة التي لم تعرف السلام يومًا. بلا وعي، تمتمتُ: سلامٌ لغزة… سلامٌ… سلام.
الليل في خيمة النزوح أطول من أي ليلٍ آخر. النجوم متباعدة مثلنا، كل واحدة تلمع وحيدة في السماء، كأنها تعكس تناثرنا. حالنا المتناثر. انتهينا للتو من نصب الخيام، لكن الأفكار لم تهدأ؛ تتصارع في رأسي مثل أمواج هوجاء، غير أن جسدًا أنهكه النزوح لا يملك ترف التفكير. غلبني التعب، فأغمضت جفوني دون مقاومة.
ثالث الأيام
يتسلل الصوت ذاته من راديو الجارة: «شَهِدنا صنوفَ العذابِ الزؤام، كتبنا بصبرٍ حروفَ التاريخ، وما اهتز جِفنٌ لشعبِ الكِرام»، كأنها تعويذة تحرس المخيم. أغمض عيني للحظة، أستدعي صورة غزة كما كانت: شوارعها المزدحمة بالحياة، رائحة البحر التي تسبقك إلى الكورنيش، ضحكات المقاهي، أهازيج الأفراح. لكن الأغنية تعيدني قسرًا إلى واقعي: «نزوحٌ وجوعٌ وقهر الخيام»، حتى الأغاني باتت تحفظ يومياتنا عن ظهر قلب.
طوابير الماء، التكايا، جمع الحطب، وشد أوتاد الخيمة التي تميل مع الريح. نلعب مع الشمس لعبة القط والفأر؛ نهرب من حرّها ونبحث عن ظلٍ قصير خلف خيمةٍ أو بجانبها. تبقى الخيمة هي الخيمة: زنزانة من قماش، نهرب إليها من الجحيم، ومع ذلك… خيمة فوق ركام البيت أهون من نار النزوح.
ومع غروب اليوم الثالث، أغفو على وقع الأغنية، كأنني أتركها تحرس بقايا أحلامنا من الانكسار. لكنني أعرف أن غدًا لن يكون نهاية الحكاية، بل يومٌ آخر يُضاف إلى سجل النزوح الذي بدأ منذ خرجتُ من بيتي في غزة، في التاسع من أكتوبر 2023، إلى تل الهوى، ومنه إلى النصيرات جنوب الوادي، ثم المخيم الجديد، قبل أن تدفعني المجازر إلى خان يونس، حيث تنقلت بين المعسكر والبلد والقرارة، فعدتُ للبلد مجددًا حتى قُصف البيت الذي احتميت فيه، فهربت إلى مواصي خان يونس. ومع توغل الاحتلال وصلت آلياته إلينا وحاصرونا ليلة كاملة، فواصلت الرحلة نحو رفح حيث بتُّ في الشارع بأقسى ليالي يناير، قبل أن أُجبر على النزوح مرة أخرى مع دخول الاحتلال البري، نحو دير البلح: من البلد إلى المعسكر ثم الحكر، حتى لحق بنا الاجتياح مجددًا، فعُدت هاربًا إلى مواصي خان يونس. هناك انتظرت حتى وقف إطلاق النار المؤقت، الذي سمح لي بالعودة إلى غزة، حتى نزحنا مجددًا نحو الجنوب.
في النزوح لا تُقاس الأيام بالوقت، بل بعدد مرات التنقل، 16؟ أم أكثر؟ بكم خيمة نُصبت، وستُنصب، وعدد الحقائب التي يُعاد حزمها، والوداعات التي لا تنتهي.
كل صباح يفتح صفحة جديدة على المجهول بإيقاع النزوح، وكل مساء يختمها بكلمة واحدة تتكرر في قلبي: سلامٌ لغزة؟
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن