مُغلق للذكرى
#74| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
كتابة: كارولين كامل
4 دقيقة قراءة
#جو عام
بمناسبة الويك إند السابق على الذكرى العاشرة للثورة، تكتب كارولين كامل مُتنقلة بسلالة ما بين علاقتها بالقهوة، ومكان شربها، وذلك خلال جلستها الأخيرة على المقهى قبل إغلاقه بحكم حالة الاستنفار المُعتادة بوسط البلد كل يناير.
سألت والديّ -مؤخرًا- عن سبب عدم طرح القهوة كمشروب في منزلنا بشكل عام، ولا يبدو لي أن للأمر علاقة بالكافيين لأنهما كانا يضعان الشاي لي ولإخوتي في قارورة الرضاعة، فوجئتُ بأن أمي اعتادت في طفولتها على لعق الفناجين بعد أن ينتهى منها والدها الذي كان يعشق القهوة، وهو ما فعلتُه صغيرة، رغم رفضهما المتكرر لطلباتنا صغارًا لتذوقها؛ «لمّا تكبروا تشربوا القهوة». كانت مرتي الأولى خلسة مثل أمي؛ انتظرتُ عودة الفنجان المُقدم لأحد الضيوف إلى المطبخ وتذوقتُ ثمالة المشروب المُستقرة في القاع، كان مذاقها مُرًا ومُنفرًا.
لم تمنعني تلك التجربة العابرة عن المحاولة مع القهوة مرة أخرى، لكنها جرت بشكل علني خلال حضوري عزاء خال صديقة، حين كنتُ في الثانوية العامة. ورغم حزن تلك المناسبة، لم أستطع إخفاء فرحي وحماسي لحضوري لها مرتدية ملابس سوداء لأول مرة، وذلك مع محاولات فاشلة لإبداء الحزن والتعاطف. وحين اقترب رجل يحمل صينية فناجين القهوة التركي، مددتُ يدي إلى فنجان متجاهلة نظرات النساء الأكبر سنًا.
ارتشفتُ القهوة ولم تكن ساخنة كما توقعتُ، بل كانت سميكة والتصقت بشفتي، وشعرتُ بطعمها كثيفًا في حلقي، وبسبب مرارتها عجزتُ عن ابتلاعها دفعة واحدة، مدركة كم هي مُرة، ولا ميزة لها كمشروب يهوى الكبار احتسائه واحتكاره لأنفسهم، وهي النتيجة التي توصلت إليها صديقاتي المتواجدات في العزاء، ما تسبب في ضحكنا بشدة رغم عنّا، وتلقينا نظرات التأنيب من أسرة صديقتنا بسبب سلوكنا غير اللائق.. هكذا ترسخ في ذهني أن القهوة مشروب للكبار فقط، بل للرجال وحدهم، لارتباطها بالمقاهي التي لا تجلس إليها السيدات في مدينتي، وفي حال جلوسهن يكون ذلك داخل الكافيهات المُكيفة المغلقة أو المطاعم، وهي أماكن تغيب عنها بوضوح أجواء «القهاوي البلدي».
مع انتقالي إلى القاهرة قبل 14 عامًا، تغيّرت علاقتي بالقهوة، وبالمقهى كذلك، تنقلت من شرب القهوة سريعة التحضير، لأن طعمها خفيف وإعدادها سهل لأنواع أخرى، وكان الجلوس على «قهوة بلدي» أحد مكاسبي الشخصية، فصارت مكاني المُفضّل لمقابلة الأصدقاء في جلسات تمتد إلى ساعات، وينضم إليها زملاء العمل لتتسع دائرتها بإضافة المزيد من الكراسي، مع احتمال انضمام عابرين بالصدفة دون سابق تخطيط، ثم تنفض الجلسة مع رحيلنا تباعًا بعد اكتساب كل منّا لصداقات جديدة.
غير أن هذا المكسب على قدر بساطته فُقد الآن، مع تكرار إغلاق مقهاي المُفضّل كل موسم أمني لتواجده في منطقة المنيرة، ما يُصعب من تواجدي برفقة مَن أحب والحديث معهم بحرية أو حتى الجلوس في صمت وكل منّا يحدق في هاتفه بحرية دون خوف من تفتيش محتوياته. بل صار التواجد في وسط البلد من الأساس يحمل نذير التهديد مع تشديد الإجراءات في المواسم الأمنية التي كثرت، فتُغلق المقاهي بشكل كامل، وتُلزم المحلات التجارية بالإغلاق مُبكرًا، ويتجنب الكثيرون المرور بوسط البلد، ويضطر بعض سكانها إلى الهجرة منها طوال شهر يناير.
حين توجهتُ، أمس، إلى مقهاي المُفضل أخبرني القهوجي أنهم أُمروا بإغلاقه مع الويك إند، وبينما أشرب قهوتي التي قُدمت في كوب كرتوني، كما هو مُتبع الآن، سألتُ القهوجي إذا كان الإغلاق سيستمر لما بعد الذكرى العاشرة للثورة، فقال إنه لا يعرف، «في انتظار الأوامر».
هذه ليست المرة الأولى، بل أن مقهاي المُفضل يُجبر على إغلاق أبوابه كل ذكرى منذ يناير 2015، كما خسرت مكاني المفضّل لشهور مع الإغلاق الكوروني، وبعودته التزم بالضوابط، لكنه ظل يقدم العصائر في أكواب زجاجية. «بنغسلها بميّه سُخنة وصابون زي ما الحكومة قالت لنا نعمل في البيوت» يرد القهوجي على استفساري حول تجاهل اشتراطات استخدام أدوات المرة الواحدة في المقاهي.
يحضر القهوجي قهوتي الثانية خلال الجلسة. لم أتخيّل يومًا أنني سأجد لذة في الطعم المرّ للقهوة القوية، ولكن موقفي تزحزح قليلًا مع الاختلاط أكثر بمُحبّي القهوة في جلسات المقهى، هكذا أمكنني اكتشاف إمكانية إضافة اللبن إلى القهوة فتتحوّل إلى «قهوة فرنساوي»، وذلك بقدر قليل من السكر واللبن، حتى صرت أحتسيها دون سكر.
خلال جلوسي على المقهى، الذي يحتمل إغلاقه لما بعد الذكرى، يبدو المكان أكثر وحشة، خاصة في هذا الشهر المُحمل بالذكريات والاكتشافات والخيبات، وبعد أن غيّب السجن الكثير من رفقاء جلسة المقهى التي كانت تتضمن حكيًا ورهانًا يصاحب لعب الطاولة والدومينو.
وسلام.
تقارير ذات صلة
#ديتوكس
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
سارة يونس
8 دقيقة قراءة
#ديتوكس
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
إبراهيم عبد الفتاح
7 دقيقة قراءة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن