«موندوف»: الطبيعة كأداة نقد سياسي
فيلم المخرج اللبناني كريم قاسم، ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي
تتلقى الأفلام السينمائية مهما بلغت درجات تجريبها تعريفات نوعية جديدة، وتنبثق تعريفات فرعية من كل نوع وصيغة أساسية تم الاصطلاح عليها، في محاولة لخلق سياقات جامعة تعريفية حتى مع ميل صناعها الدائم لهدم ما تم إرسائه، فتصبح الأنواع وسماتها موتيفات تُخلق لكي تهدم وتفقد التصنيفات ثقلها وقدرتها على التحديد.
يصنف «موندوف/ Moondove» الفيلم الرابع للمخرج اللبناني كريم قاسم، والمعروض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي بأنه دوكيودراما/ Docudrama، وهو التصنيف الذي عادة ما توصف به الأفلام التي تستخدم صيغ توثيقية -شخصيات وأحداث حقيقية- ممزوجة مع أشكال حكائية وتمثيلية روائية أو فيلم روائي يتصدر لبطولته مجموعة من الأفراد غير المحترفين يمثلون نسخًا من أنفسهم، يتبعون سيناريو مكتوبًا مسبقًا ويستحضرون حيواتهم اليومية أمام الكاميرا دون تعاطي مباشر مع من خلفها. يتسلل «موندوف» خارج التعريفات والأشكال السينمائية المعتادة، أو حتى تلك الهادمة والمتمردة على قواعدها الأصلية بمزيج من الارتجال والإحكام السردي، وميل نحو التقاط التكرار والرتابة وتجريد القصص مما يجعلها تنفصل عن الأحداث الحياتية العادية، يمثل «موندوف» شكل سينما هادمة لتعريف هيتشكوك اللاسياقي أن الدراما هي الحياة مع قطع الأجزاء المملة، في حالة «موندوف» الدراما هي الحياة مع قطع الأجزاء المثيرة.
تناوب السكون والحركة
تدور أحداث «موندوف» في قرية غريفة في لبنان، قرية جبلية تغطيها الخضرة من كل جانب، ذات طرق متعرجة طويلة ومنازل متناثرة على القمم المنخفضة، ندلف إلى عالم الفيلم دون تقديمات توثيقية تعريفية بشخصياته. وهو يتمحور حول ثلاث مجموعات من الشخصيات/ الأشخاص الذين يمثلون نسخًا من أنفسهم، وهم أبو عبده الذي يعمل ميكانيكي سيارات وابنه وابنته، وغسان عامل شركة المياة الذي نعلم القليل عن حياته الشخصية إلا أن له قصة حب قديمة يسكن إليها من صعوبات الحياة اليومية، وسونا التي تدير مشغل للنول العربي، ونعرف بتمهل أنها وزوجها نبيه بلا أولاد بعد حوالي 50 عامًا من الزواج.
بالتدريج نرى كل شخصية في عالمها ومحيطها، بداية من أبو عبده الميكانيكي الذي لم يعد يقدر على العمل باستمرار، بسبب حالته الصحية، ثم غسان عامل شركة المياه الذي يدور من الصباح محاولًا إصلاح المواسير دون طائل. تعمل قلة المياه وهي حقيقية عيْش القرية وأزمتها كرابط مجازي سائل ومحرك للفيلم. ثم ننتقل إلى سونا وزوجها نبيه وهما زوج مسن يعيشان وحدهما في منزل شاسع المساحة في ترقب دقيق لعوالمهما الداخلية والخارجية. يتجنب «موندوف» اختيار بناء درامي واضح أو التركيز على مسار تلتقي به الشخصيات، عوضًا عن ذلك يختار مشاهد طويلة ومتمهلة لكل شخصية، بينما تتحرك أو تسكن في محيطها، لكي يكون الهدف الأساسي هو قضاء الوقت معهم، أي قضاء الوقت في مشاهدتهم يقضون أوقاتهم بشكل يومي وطبيعي. فعلى مدار ساعتين يصعب تحديد حادث محفز يحرك الأحداث أو شخصيات الفيلم، يستعاض عن ذلك بتنقية الأحداث من الإثارية والتركيز المضني على التكرار.

يمكن حصر كل شخصية في فعل جسدي متكرر وصيغة محددة من الحركة، أبو عبده الذي يتعامل مع مجموعة من المشكلات الصحية والعائلية يميل للمشي، لتصفية عقله وتحريك جسده، يتحرك وسط التلال المزهرة ويلقي التحية على من يقابل في طريقه، يجلس برهة لاحتساء الشاي في ورشة صديق ويرفض توصيله بالسيارة. بينما تؤطر السيارة وجود غسان العامل بشركة المياه، يتحرك من مكان لآخر بسيارته لفحص المواسير والصنابير، ويتلقى مكالمات يعتذر فيها مرارًا عن عدم وجود المياه، في حركة دائمة يستدعي تكراراها نوع من السكون الروتيني. بينما يؤطر وجود كل من سونا ونبيه الجلوس بشكل رئيسي، سويا أو كل على حدة، لمشاركة الشاي والوجبات أو لقضاء الوقت بشكل مجرد، نادرًا ما يتجولا في الخارج في شوارع القرية، ليس لكبر سنهما فكلا من أبو عبده وغسان في أعمار مقاربة لكن لطبيعة طبقتهم الاجتماعية التي تترك لهما مساحة للسكن والانتظار، ينظر نبيه إلى العالم الطبيعي من الداخل للخارج، ويقضي وقته في رسم لوحات دقيقة لطيور ملونة من مرجعيات فوتوغرافية من كتبه القديمة، بينما تتعامل سونا مع الطبيعة بري نباتاتها وزهورها بشكل يومي.
الطبيعة كمدلل سياسي
تركز كاميرا قاسم الذي تولى تصوير فيلمه على المساحات الخارجية للقرية، بلقطات واسعة وكاميرا متجولة خلف الشخصيات، تجعلهم جزءًا من بيئة شديدة الجمال والقسوة في الوقت ذاته، طبيعة غير عابئة ويصعب ترويضها، فبينما تسري المياه في الجداول وبين الصخور يصعب توليدها في المواسير وتوصيلها للبيوت والمصانع والورش. تتابع الكاميرا طوبوغرافيا القرية بتمهل جاعلة وجودها يطغى على الحدث حينًا ويكون جزءًا منه أحيانًا أخرى، في تناوب بين تناغم سكان القرية مع بيئتهم وظواهرها وتحديها لهم. يعمل التركيز البصري المكثف على أشكال عناصر الطبيعة المختلفة كمدلل سياسي، بوجودها الهامشي وكأنها جزيرة على أطراف العالم تمتد تعرجاتها وسكانها المحدودين دون نهاية دون تدخلات خدمية أو حكومية واضحة، فهي متروكة لمن يسكنها، لا نرى بها أي شكل خدمي مؤسسي إلا في زي غسان الذي يحمل تعريف شركة مياه بيروت. في الوقت نفسه تمثل الطبيعة ما تمثله بشكل جمالي مجرد، حيث تتحدى الوفرة الخضراء الخصبة قفر وصعوبة حياة القرية وقلة خدماته.
بتمهل تُرسم الخطوط التي ستربط الشخصيات أثناء جولاتها اليومية التكرارية في نقاط متفرقة ومقتضبة، كأن يتوقف غسان أمام منزل أبو عبده بسبب تعطل سيارته أو أن يذهب لمنزل ساونا ونبيل لمعاينة حالة المياه، لكن يربطهم كذلك عنوان لمسرحية لا ترى على الشاشة يشترك بها غسان بعنوان «فراقات/ departures». يتمتم غسان بكلمات من سيناريو المسرحية لنفسه، تقطع تأمله مكالمة تليفونية جديدة لشخص يشكو انقطاع المياه، يصبح الفيلم كله نصًا مُبطنًا للنص الأصلي دون محاولات ظاهرية لتسييسه أو جعله فيلم واقع اجتماعي، ليميل بشكل أكبر للتركيز على مجموعة من الحركات والملامس والعناصر الطبيعية. ويستعيض عن النقد المجتمعي الواضح أو الاستقصائي بالغمس في التكرار اليومي، ومراقبة الصعوبات المعيشية وتداعياتها دون تعليقات خارجية أو استنتاجات، وإعطاء المساحة للشخصيات بالعيش والتنفس، بنزع الشكل التقليدي للحدث وإعطاء المساحة للمعايشة.
تمتد تلك المعايشة للشخصيات الفرعية بالتركيز على المحادثات القصيرة التي لا تولد معلومات تحرك الأحداث إلى الأمام بل تسهم في جعل المغزولة الحياتية أكثر ثراء وعادية، تظهر التيمة التي يلمح لها «موندوف» بتمهل وهي الفراق في خط عبده الابن الأكبر لأبو عبده الذي يسعى للسفر خارج البلد ويبيع حماماته في طريقه لذلك، بينما يتناوب كل من نبيه وساونا على الاستعداد لفراق الآخر في ألاعيب سردية وبصرية بسيطة حيث نرى كل منهما في مشهد من المشاهد ينادي اسم الآخر أو يتحدث إلى الآخر لتظهر الكاميرا الجانب المقابل من الغرفة فارغًا، في شكل تجسيدي وحرفي لمخاوف الفناء وترقبه، يحرر ذلك الفيلم للحظات من إخلاصه للواقعية المفرطة التي تصاحب الشخصيات الخارجية، ليصور مخاوف ساونا ونبيه بشكل أكثر ميتافيزيقية من غسان وأبو عبده.
بزغ فيلم «موندوف» من سيناريو مختلف لم يتم تصويره بسبب اعتذار الشخصية الأساسية ومدير التصوير قبل البدء، لكنه انبثق من المكان والشخصيات نفسها في تغيرات جعلت قصته أكثر سيولة وأقل إحكامًا وسينمائية. دار الفيلم الأصلي حول شاب يعود لقريته بعد أعوام في الخارج، وهو ما كان سيضفي شكلًا سينمائيًا أكثر تصاعدية، لكن الناتج النهائي إذا اعتمدنا على أوصاف السينمائيين في وصف الوسيط فهو أشبه بالنحت ليس فقط في الزمن كما يفضل تاركوفسكي تسميته، لكن في الشخصيات والحياة المعاشة والمساحات المصورة، بقضاء عامين مع الأشخاص والتماهي مع إيقاعهم اليومي وبيئتهم، ينحت الفيلم قصة ليس من الأحداث الأكثر تأثيرًا في الحياة بل من الأحداث التي تصنع الحياة نفسها لا التي تغيرها. تسري العناصر المبدّلة لشكل الحياة في الخلفية والمشهد الرئيسي. لكن «موندوف» لا ينزع نحو خلق رومانسية من صعوبات حياة شخصياته ولا يصنع منها مشهدية مبكية، بل يقف أمامهم بشكل محايد يشاهدهم مثلما يشاهد سريان المياه وتحريك الرياح للأشجار وإضاءة الشمس للوجوه المتعبة.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
سينما صيفي| فقراء في المنيو
بيحاول بسام مرتضى يخلينا نفكر في البني الآدمين
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن