محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
بعد أقل من ساعة من انتهاء مناقشة فيلمه الروائي الطويل الأول «المستعمرة» مع الجمهور بافتتاح عرضه التجاري في 8 أبريل الجاري بسينما زاوية في القاهرة، كان المخرج محمد رشاد يستعد للتوجه إلى الواحات بصحبة زميلته ومساعدة الإخراج الأولى في الفيلم، المخرجة نادين صليب، إذ يشارك بصفته منتجًا في فيلمها الروائي الذي تدور أحداثه هناك.
لم تكن هذه مشاهدتي الأولى لـ«المستعمرة»، ولا حواري الأول حوله مع مخرجه. لكن الأفلام الحية هي تلك التي تفتح بابًا لمزيد من الأسئلة مع كل مشاهدة، وتكشف طبقات إضافية للتأمل.
وصفت إحدى لجان التحكيم الفيلم فيما تمنحه جائزة بأنه «عمل قوي، يخلو من أي زخارف جمالية قد تشتت تركيزه على ما تبقى من الطبقة العاملة المصرية داخل مصنع تقلصت الحياة بداخله إلى حدودها الدنيا». مع ذلك لا يخلو الفيلم من جماليات لكنها تلك التي تولد من قلب الواقع عندما تتأمله عيون محب.
في «المستعمرة» يسمح رشاد لنفسه بامتلاك واقع عاشه منذ طفولته، ربما دون وعي كامل بانتمائه إليه. كأن الفيلم بكل تفاصيله البصرية، هو إعلان واع بانتمائه لسكان المصنع، ومساءلة دون صخب لواقع مأساوي يعتصرهم ويحاصرهم بماكينات حديدية تئن بدورها من الإهمال.
يجبرك الفيلم على التعاطف مع الضحايا الذين تفترسهم الماكينات، دون أن يسلبك تعاطفك مع الماكينات نفسها، بصفتها كائنات حديدية عملاقة وعمياء تجبر على الدوران في ظروف تبدو خارج التاريخ.
تنبع جماليات «المستعمرة» من هذه العلاقة الحميمية والعميقة التي تربط المخرج بكل شخصيات الفيلم، البشر والآلات. لكنها تنبع أيضًا من علاقة أخرى ممتدة خارج الفيلم، من فريق عمل اتفق قبل 15 عامًا على أن يستمر في صناعة الأفلام معًا دون توقف.
قبل نحو 15عامًا، تكونت «حصالة» كتجربة إنتاجية مستقلة على يد فريق فيلم «الخروج للنهار» (2012) لهالة لطفي، وكنت ضمن هذا الفريق مساعد مخرج ثان، إلى جانب مدير التصوير، محمود لطفي، والمونتيرة، هبة عثمان. قامت الفكرة على وعد جماعي بأن يدعم كل منكم الآخر في إنجاز أفلامه. اليوم، تعود هالة لطفي كمنتجة لفيلمك الطويل الثاني، ويضم فريق العمل مجددًا محمود لطفي وهبة عثمان، إضافة إلى نادين صليب كمساعدة مخرج أولى، فيما تشارك أنت كمنتج في فيلمها الجديد.
يبدو أن الفكرة الأساسية لـ«حصالة» -صناع أفلام يساندون بعضهم بعضًا لإنتاج أعمالهم- أثبتت قدرتها على الاستمرار في واقع إنتاجي يزداد تعقيدًا. برأيك، ما الذي سمح لهذا الوعد أن يصمد لأكثر من عقد؟
الفكرة وراء وجود حصالة لم تكن في أننا عقدنا اتفاقًا على أن نكون معًا، بل لأننا اكتشفنا كمجموعة من خلال العمل معًا أننا متفقون في الرأي والرؤية والذوق. لست متأكدًا إلى أي مدى يدرك الناس أن هذه التجربة لا تزال مستمرة بنفس الوعد الذي قطعناه لأنفسنا من البداية، لكن ما يهمني هو أننا ننتج أفلامًا. وبرأيي أن اتفاقنا في الرؤية، هو أساس استمرار التجربة. بمعنى أنني عندما أشارك نادين صليب مشروعها الروائي الأول منتجًا، لا يحركني أنني مدين لها باتفاق، بل أن مشروعها يلمسني فعلًا ويعبر عني وهذا ما يحمسني لأن أكون جزءًا منه.
تقصد أنه ليس التزامًا…
بالضبط ليس التزامًا بل اتفاق في الرؤية، وهي نقطة مهمة جدًا في صناعة الفن، لا يمكن أن تواصل مجموعة صناعة الأفلام معًا لأنهم ملتزمون باتفاق، أو مدفوعون بالرغبة في إنجاح أو استمرار تجربة، لكن استمرارها نابع من شعور كل شخص أنها لا تزال تعبر عنه وأنه قادر على أن يكون جزءًا من تطويرها. دعمت هالة فيلمي بكل قلبها لأنها سعيدة بوجود اسمها عليه منتجة، وهو ما فعلته معي نادين مساعدةً إخراج في فيلمي، وما أفعله أنا في فيلمها منتجًا. الاتفاق في الرؤية يتضمن أيضًا أن نتناقش معًا وصولًا لمساحات مشتركة. مثلًا عندما أنتجت فيلم الشغلة (2019) لرامز يوسف، ورغم اتفاقنا في الرؤية كان من الضروري أن نتناقش كثيرًا حول «إحنا بنعمل الفيلم ده عن إيه وعن مين» حتى وصلنا إلى مساحة وسط، في النهاية هو المخرج والفيلم يعبر عنه، لكنه بطريقة ما يعبر عني أنا أيضًا.
افتتح فيلمك عروضه الدولية في مهرجان برلين، وحصد النجمة البرونزية في مهرجان الجونة، والوهر الفضي في وهران، إلى جانب مشاركات أخرى في مهرجانات عربية ودولية. ومع ذلك، ذكرت أنك شعرت بقلق كبير تجاه عرضه أمام جمهور القاهرة. ما الذي يجعل هذا الجمهور مختلفًا بالنسبة لك؟
بالتأكيد كان عرض الفيلم في برلين مقلقًا لأنه أول عرض في العالم. في العروض التي تلته كان إحساسي «خلاص، عملتها قبل كدة» ثم في مهرجان الجونة عاد القلق من جديد، سيعرض الفيلم لأول مرة في مصر، وفي الجونة تحديدًا حيث لا يمكنك توقع طبيعة جمهور المهرجان في مدينة لها طبيعة خاصة. لكن العرض مر بسلام. كانت هناك ردود أفعال جيدة، بالإضافة إلى جائزة مهمة صنعت زخمًا حول الفيلم.
لكن أن يعرض الفيلم تجاريًا على الجمهور بالسينمات في القاهرة فهذا قلق من نوع مختلف. جمهور القاهرة متنوع جدًا. فهناك الذين يعرفونك وينتظرون فيلمًا حصل على جوائز وعرض في مهرجانات وبالتالي لديهم توقعات وهذه التوقعات تقلقني جدًا. ورغم أن سينما زاوية لها طبيعة خاصة إلا أنها صارت تجذب قطاعًا أوسع من الجمهور. وبالتالي فإن هناك أيضًا جمهورًا لا يعرفك وهو يتوقع أن يشاهد فيلمًا «عاديًا» لكنه قد يكتشف أن الفيلم لا يشبه توقعاته في الفرجة على الأفلام. لكن ليلة العرض الأولى كانت جيدة، إذ بدد قلقي تفاعل الجمهور خلال العرض، وطمأنتني أسئلتهم وتعليقاتهم وابتساماتهم في المناقشة.

إجابتك تفتح سؤالًا حول طبيعة الفيلم نفسه. هو عمل روائي يعتمد على ممثلين غير محترفين في أغلبهم، ويتبنى إيقاعًا وأسلوب سرد بعيدًا عن القوالب التقليدية. لكنه في المقابل، يطرح حكاية بسيطة وقريبة. صراعًا يوميًا يعيشه أشخاص من الطبقة العاملة داخل مصنع في حي سكندري فقير، وهو سياق يبدو أكثر جذبًا لجمهور واسع. كيف فكرت في هذه المعادلة بين أسلوب غير تقليدي وحكاية شعبية؟
أتعامل مع كل الأفلام على أنها حواديت. ولا أميل في فيلم روائي، إلى أن أحكي حدوتة خاصة تنتمي للفئة أو الطبقة الاجتماعية التي أعيش وسطها حاليًا.
تقصد الطبقة الوسطى أو أوساط المثقفين والفنانين؟
بالضبط.
وعندما صنعت فيلمًا يحاول التغزل بهذه الفئة في «النسور الصغيرة» انتهى بك الحال إلى اتخاذ موقف نقدي تجاهها في آخر رحلة الفيلم..
بالضبط. حتى عندما تعاملت مع الطبقة التي أعيش حولها حاليًا في «النسور الصغيرة» كان بطل الفيلم هو أبي، الذي لا ينتمي لهذه الطبقة. أعتقد أنني أميل أكثر للتعبير عن عالم أوسع وأكبر. ولا يعني ذلك أنني أعبر عن أشياء لا تمسني شخصيًا. بالعكس. أنا أصلًا ابن هذه الطبقة، وهي ليست غريبة عني ولم أنقطع عنها. هناك أهلي وأقاربي، كما أنني أحاول دائمًا أن أكون شبكة علاقات تتيح لي دائمًا أن أرى الأمور بشكل أوسع من الحدود الضيقة لصانع أفلام ينتمي لمجتمع صناع الأفلام. لهذا فإن اختيار قصة الفيلم والعالم الذي تنتمي له الشخصيات في المصنع وفي الحي السكندري الفقير ليست بعيدة عني. أما اختيار أسلوب الفيلم فينتمي للطريقة التي أرى بها العالم. إيقاع الفيلم بطيء لكنني أرى العالم بنفس هذا الإيقاع. كان لدي أيضًا خيارات فنية لها علاقة بالممثلين، إذ لا يعتمد الفيلم على وجود نجوم أو حتى ممثلين معروفين، وربما لا يكون ذلك الخيار الأكثر تفضيلًا للجمهور. ولكن هذا -على ما تحمله العبارة من تكرار- سلاح ذو حدين. فمن ناحية أرى أنه من الجيد أن يجد جمهور أوسع فرصة لمشاهدة قصة تشبههم بأسلوب مختلف، وبالتالي ينفتح على طرق أوسع للفرجة ويقتربون من نوع السينما الذي أحبه. لكن الوجه الآخر أنك تفقد قطاعًا من الجمهور. اخترت في تجربتي الأولى في فيلم روائي أن أجرب وأن أختبر فرص أن تصنع فيلمًا عن قصة تشبه الناس بطريقة تشبهك.

أتوقف قليلًا عند العلاقة بين فيلميك. إذ يبدو لي أن بطل «النسور الصغيرة»، الذي حاول التمرد على عالم الأب والابتعاد عنه لشعوره بعدم الانتماء، يعود في «المستعمرة» عبر شخصية حسام في رحلة معاكسة، يسعى فيها إلى فهم هذا العالم والتعاطف معه، وربما الوصول إلى درجة من النضج.
حسام في المستعمرة هو ضحية التوارث، فهو محمل بكل إرث الأب، في حين لا أرى نفسي ضحية لإرث أبي، لأنني في النهاية تمكنت من أن أكون نفسي بطريقة مختلفة. أكيد أن الأهل كان لهم دور في ذلك بطريقة أو بأخرى، لكنني استطعت أن أكون نموذجًا مختلفًا يشبهني. أنا أنظر الآن لأبي بطريقة مختلفة عن تلك التي بدأت بها رحلة «النسور الصغيرة»، وهذا ما جعلني أكثر تصالحًا معه. أما حسام فعلى العكس من ذلك لم ينل هذه الفرصة، واضطره المجتمع لحمل إرث الوالد حتى النهاية. هربت أنا من حمل هذا الإرث فيما لم يستطع هو. بطل المستعمرة هو نموذج أقل حظًا من بطل النسور الصغيرة. حسام أقل حظًا مني.
خلال المناقشة بعد العرض، ذكرت أن «المستعمرة» بدأ كمشروع فيلم تسجيلي قبل أن يتحول إلى فيلم روائي. كيف حدث هذا التحول؟
عندما انتهيت من «النسور الصغيرة» كانت النية أن أبدأ في مشروع فيلم روائي أبطاله مجموعة من الشباب هواة رفع الدراجات النارية. كان الفيلم يتطلب بحثًا، وخلال عملية البحث عرفني زميل سابق في كلية الهندسة على مجموعة من الأصدقاء الشباب جميعهم من عمال المصانع من منطقة نجع العرب في الورديان على أمل أن يوصلوني بالشباب الذين أبحث عنهم وهو ما لم يحدث أبدًا. لكنني وجدت نفسي ألتقي بهم على المقهى أسبوعيًا على مدى ستة أشهر متواصلة ولم تعد تشغلني قصة الدراجات النارية. كان هناك شيء ما يدفعني لمواصلة لقائهم. سحرتني المنطقة، وحكاياتهم. كان كل منا ينكشف أمام الآخر دون اضطرار لإخفاء شيء. أنا كنت على طبيعتي وهم لم يحاولوا التجمل أمامي. كنا نتكلم كثيرًا في كل شيء وأحيانًا كنا نختلف في طريقة التعبير أكثر من الجوهر. مثلًا عندما أثيرت قضية تحرش أحد لاعبي الكرة بالفتيات كنت أعبر عن استنكاري قائلًا إن هذا تصرف ذكوري، فيعلق أحدهم وكان أقربهم إلى قلبي واسمه عمرو قائلًا: «لا أعترف بموضوع ذكورية والكلام ده، لكن اللي حصل من اللاعب ده ما يصحش وعيب». كانوا يشبهون نموذج ابن البلد التقليدي في مسلسلات أسامة أنور عكاشة. كنت أشعر بشيء مشترك يجمعني بهؤلاء الشباب.
ذات يوم سألت نفسي هل يمكن أن يختفي عمرو أو أي واحد منهم بسبب الإهمال في المصنع. وهنا فكرت في أن أصنع فيلمًا تسجيليًا عن هذه المجموعة. بدأت التنفيذ بالفعل لكن كانت هناك صعوبات لوجيستية في التصوير في المنطقة أعاقت المشروع. ثم تذكرت قصة شخص يعمل في شركة بناء حكى لي أن والده مات بسبب إصابة عمل، وأنهم وظفوه في شركة والده الراحل مقابل ألا يلجأ للقضاء. وهكذا تكونت حدوتة «المستعمرة». أشعر دائمًا أن فكرة الفيلم لا تأتيك دفعة واحدة وإنما على مراحل. يبدأ الأمر بتخيل صورة أو موقع تصوير أو مشهد. مثلًا كان والدي عاملًا في مصنع وكان يصطحبني معه أحيانًا. رأيت بنفسي رحلة أتوبيس العمال الذي يقلهم إلى المصنع يوميًا وبينهم أبي، حيث لكل عامل كرسي مخصص داخل الأتوبيس. صورت كل ذلك في الفيلم كما رأيته تمامًا. بالقرب من الحي الذي نشأت وعشت فيه بالإسكندرية منطقة تسمى الشونة كانت موقعًا لمحالج القطن. مشاهد المصنع من الداخل وآلات الرفع الضخمة التي ظهرت في الفيلم كلها مطبوعة في ذاكرتي من هذا المكان، اعتدت على هذا العالم وأحببته بصريًا. أشعر أن الأفلام تتكون داخلنا عبر السنين دون حتى أن نشعر بذلك.
لماذا اخترت نهاية واقعية حزينة لحسام؟
ربما لأن سؤال الإرث لا يزال يشغلني. حسام كان محملًا بإرث والده كاملًا حتى النهاية، فهل سيواصل شقيقه الأصغر مارو حمل الإرث ذاته؟
هل شعرت في أي لحظة أن استبدال وجوه أصدقائك من شباب نجع العرب بممثلين محترفين قد يفقد العمل صدقه أو أن ذلك قد يعتبر نوعًا من الخيانة لذاكرتك عنهم؟
بالطبع. صحيح أن البطل لا يشبه أي واحد من عمال نجع العرب الذين عرفتهم، لكنني اخترت لمجموعة أصدقاء حسام الذين كان يلتقيهم على سطح منزله نفس أسماء شباب نجع العرب ميدو وبيسو ونوار، هكذا كتبتها في السيناريو، وكنت في موقع التصوير أنادي الممثلين بها، وكأنني كنت أستعيد مجموعة عمال الورديان طوال الوقت في عالم الفيلم. وجه ممثل معروف كان من الممكن أن يكون خيانة لهذا الخيال. أحد شباب مجموعة نجع العرب كانت لديه سيارة نقل، تشبه تلك التي كانت لدى صديق حسام في الفيلم، والتي ساعده على الهرب بها.

ذكرت سابقًا أن كثيرين نبهوك أيضًا للشبه بينك وبين حسام بطل الفيلم؟
صحيح. لم أكن منتبهًا لوجود هذا الشبه حتى نبهتني هبة عثمان خلال عملها على مونتاج الفيلم أن حسام في بعض المشاهد يتكلم بنفس طريقتي. ثم سمعت كثيرًا عن هذا الشبه بعد ذلك، لدرجة أنه في أحد عروض الفيلم في ألمانيا ظن أحد المشاهدين أنني أنا بطل الفيلم. لكن ربما بطريقة غير واعية أكون قد وجهت بطل الفيلم بطريقة تشبهني، وهذا يحدث في علاقة الكثير من المخرجين بأبطال أفلامهم ربما لأن المخرج يرى نفسه جزءًا من القصة وأن البطل يعبر عنه بشكل أو بآخر. لكن في الحياة الحقيقية ملامح أدهم شكر لا تشبهني، حدث هذا في الفيلم فقط.
كيف خضت تجربة إدارة ممثلين غير محترفين في فيلمك الروائي الأول؟
بنيت تاريخًا لكل الشخصيات وطلبت من الممثلين أن يتشبعوا بهذا التاريخ دون أن يكون جزءًا من أحداث الفيلم. مثلًا حكيت لحسام بطل الفيلم عن الطريقة التي تعرف بها والده سيد الديب على والدته، وكيف قدم من كفر الدوار للعمل في الإسكندرية وكيف تزوجا. لذا كان حسام يدرك كيف وصلت شخصيته إلى ما وصلت إليه وفي أي ظروف وأين كان عندما ولد شقيقه مارو وأنه هو الذي أسماه عمرو. وكنت أترك بعض الفراغات ليبنيها معي الممثل من واقع عالمه هو. عملنا بروفات على مشاهد ليست موجودة في الفيلم وإنما في عالم الشخصيات حتى يعيش الممثلين داخل هذا العالم وتصير الشخصيات جزءًا منهم. أيضًا العلاقة بين حسام وشقيقه مارو كانت محورية في الفيلم، فكنت أتركهما معًا في أوقات كثيرة، وكنت أطلب من كل منهما على حدة أشياء معينة، مثلًا كنت أطلب من مارو أن يقلد حركات ومشية حسام، وأطلب من حسام أن يدرب مارو، وأن يبتعد عنه أحيانًا وأترك لهما مساحة لأداء المشاهد معًا. في الحقيقة كانا متجاوبين جدًا. أدهم شكر كان صبورًا وحمولًا في علاقته بطفل، وكان الطفل زياد إسلام ذكيًا جدًا وموهوبًا بالفطرة.
هل كانت لديك مرجعيات سينمائية أثناء العمل على «المستعمرة»، سواء على مستوى الأسلوب أو بناء العالم؟
ليست مرجعيات وإنما أفلام أحبها لمخرجين أحبهم. هناك مثلًا علاقة الأب بابنه في سارق الدراجة «Bicycle Thieves» لفيتوريو دي سيكا، والذي أعتقد بشكل ما أنني تأثرت بها في بناء علاقة حسام بمارو. لا يوجد تشابه لأنك في النهاية تنتج نسختك الخاصة، لكن أعتقد أن هذا الفيلم كان في ذهني. مثلًا اللحظة العظيمة في سارق الدراجة للابن وهو يشاهد والده ينهار أمامه عندما يأخذ الدراجة ويهرب ويقبض عليه ويتعرض للإهانة، تشبه اللحظة التي تأمل فيها مارو كيف ينجر حسام في طريق الخنوع أمام سلطة مدير المصنع. لكن شخصية مارو في «المستعمرة» تختلف عن شخصية الولد في سارق الدراجة. مارو شخص متمرد ولن يقبل لأخوه حسام الذي تربطه معه هذه العلاقة أن يكون خانعًا، لهذا يواجهه بوضوح وصراحة. أحب أيضًا فيلم «Kes» لكين لوتش. لكن بشكل عام أنا أحب الواقعية الإيطالية وتأثيرها موجود في «المستعمرة».
أحد مشاهد «المستعمرة» وبالتحديد لحظة دخول العمال إلى مصنعهم تذكر بـ«خروج العمال من المصنع» للأخوة لومير؟
طبعًا طبعًا. قبل عام عندما عرض فيلم «The Girl with the Needle» في مهرجان كان، قرأت مقالًا يقارب بين أحد مشاهده التي تتشابه وفيلم «خروج العمال من المصنع»، وشعرت بالغيرة لأن فيلم الأخوة لومير كان بالتأكيد في ذهني وأنا أصنع «المستعمرة»، لكنني قدمته في أحد مشاهد فيلمي بطريقة مختلفة.
شعرت أن «المستعمرة» يحمل أيضًا نوعًا من النوستالجيا ليس فقط لعالم والدك وذكريات الطفولة في الشونة، ولكن للمصانع والماكينات وهيئة العامل بشكلها الكلاسيكي الذي ظهر في فيلمك والذي ربما ينتمي أكثر لحقبة مختلفة، حتى أن مصنع «المستعمرة» بدا في كثير من المشاهد كموقع تصوير مهجور لأطلال مصنع. هل دار في ذهنك هاجس الاحتفاظ بالصورة الأخيرة لمصنع في طريقه للإندثار؟
لا أظن أن هذه الفكرة كانت حاضرة في ذهني بهذا الوضوح خلال كتابة أو تنفيذ الفيلم، لكنني ربما بشكل ما كنت أحاول فهم اللحظة.
من بين كل التحديات التي واجهت صناعة فيلمك الروائي الطويل الأول ما أكثر هذه التحديات صعوبة؟
أكيد جمع المال الكافي لإنتاج الفيلم، وهو أمر استغرق خمس سنوات. فهو فيلم مكلف يعتمد على عدد كبير من المجاميع وعلى السفر، لكنه ليس من نوع الأفلام سهلة الإنتاج.
هل تعني أنه ليس من النوع المغري لصناديق الدعم؟
طبعًا. هناك شيء لا أدري إن كان ينبغي قوله، لكن جزءًا من عدم سهولة الفيلم إنتاجيًا أنه فيلم عن مجموعة من الرجال. وإلى حد كبير ليس من السهل إنتاج مثل هذه الأفلام.
أيضًا الأزمة أو الصراع في الفيلم ليس من النوع الحاد الذي يؤشر على قضية بعينها بصخب؟
بالضبط، فأنا لا أحب التعامل مع الأشياء بشكل مباشر. وبالتالي فإن الفيلم لا يتناول قضايا واضحة بشكل مباشر وحاد، وهو ما يجعل التعبير عنها أو اختصارها في قضية قاطعة أمرًا صعبًا.
كيف تجاوزتم صعوبات التمويل؟
اعتمدنا على طريقين: التعاونات والتعاونيات. من جهة بعنا الفيلم قبل التنفيذ لشركاء إنتاج لنتمكن من الحصول على أموال لتنفيذه، وبالتالي لن يكون لنا نصيب في أي مكاسب قد يحققها الفيلم بعد توزيعه. من ناحية أخرى، تعاونا كفريق للعمل بأقل متطلبات مالية ممكنة. البعض عمل بأجور أقل بكثير من الأجر الطبيعي، وعلمنا جميعًا في ظروف صعبة وغير مريحة. حصلنا على بعض الدعم المالي لكنها لم تكن كافية بالتأكيد.
بعد فيلمك الطويل الثاني هل تشعر أنك اقتربت أكثر من اكتشاف لغتك ورؤيتك كصانع أفلام، أو صرت أقرب لتصورات عن الخطوات القادمة حتى ولو بشكل غير واضح تمامًا؟
«ماعرفش…» أشعر طوال الوقت أنني لا أزال أبحث ليس فقط عن فكرة الفيلم القادم، ولكن عن نفسي كصانع أفلام. هناك أشياء أعرفها بشكل واضح مثل أنني أريد دائمًا أن أتحدث عن أمور أوسع مني ومن محيطي، أن أواصل من خلال الأفلام التفاعل مع هموم شخصية وليس مشاكلي الشخصية وهناك فارق بينهما. وأن تنتمي هذه الهموم لعالم أعرفه جيدًا، عالم أهلي والمكان الذي تربيت فيه. أنا من الإسكندرية وأعيش في مجتمع هو مزيج ما بين الشعبي والمتوسط، لذا فأنا محاط طوال الوقت بعالم قد يكون مختلفًا تمامًا عن العالم الذي من الممكن أن تتخيل أنني أنتمي إليه. وهذا هو العالم الذي أرغب في مواصلة التفاعل معه في أفلامي.
لكن من ناحية أخرى ما أزال أعتبر نفسي في مرحلة اكتشاف، وأشعر أنه من المبكر جدًا الوصول. «فيلمين مش كفاية». التحدي الذي يواجهه صانع الأفلام في الوقت الحالي هو أن صعوبات الإنتاج تجبرنا على قضاء سنوات طويلة لإنتاج فيلم، تسع سنوات أو خمس لإنتاج فيلم وقت طويل جدًا. أعتقد أن الأجيال السابقة كانت لديها فرص أفضل وأسهل لاكتشاف أنفسهم عندما يصلون إلى سني، لأنهم كانت لديهم فرص لإنتاج أفلام أكثر. مثلًا عندما صنع يوسف شاهين فيلم «باب الحديد» الذي يعتبر أول علامة حقيقية في تاريخه السينمائي كان أصغر مني حاليًا، لكن «باب الحديد» كان الفيلم رقم 11 لشاهين. أي أنه توافرت له الفرصة لسنوات ليصنع أفلامًا ويكتشف نفسه كصانع أفلام. وهو أمر لا يتوافر لي ولا لصناع الأفلام من حولي.
تقارير ذات صلة
«عاشت لتمنح الأمل».. مقابلة مع زبيدة فارسي
منذ مقتل فاطمة في 16 أبريل/نيسان، قُتل عشرات آخرين. ولم يقتصر الأمر على الصحفيين فحسب
سينما تناضل ضد الاستعمار| حوار مع ماتي ديوب
عن فيلمها «داهومي» الفائز بـ«الدبّ الذهبي لأفضل فيلم» في مهرجان برلين السينمائي
الفيلم أداة مقاومة| مقابلة مع باسل عدرا ويوفال أبراهام
حول «لا أرض أخرى» الفائز بجائزتين في الدورة الـ74 من مهرجان برلين السينمائي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن