نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
نستكشف هنا برامج فنية ومبادرات وتعاونيات ومجموعات عمل وصفحات تحاول المساهمة في رفع أسقف الخيال الثقافي والوعي النقدي حولنا.
لا يعلم المرء ما يفعله في سن السابعة عشرة، يبدأ المرء في استكشاف ذاته قرب تلك السن، ويستمر في ذلك أحيانًا للأبد. تتقاذفك الأحلام والأوهام، والتجارب الشعورية الأولى العنيفة، تبدأ في اختبار الأشياء بدءًا من الحب الأول القصير، مرورًا بالتنمر حتى هجمات القلق والاكتئاب. وتعرف أيضًا ماذا تريد أن تصنع. فقرب هذه السن، على الأقل في مصر، يأتي كابوس الطلبة الأول: الثانوية العامة، ومعها الضغط الرهيب «هتخش إيه» و«هتطلع إيه». بالنسبة لي كنت قد حددت ذلك سلفًا بالفعل: مخرج سينمائي.
قررت في تلك السنة أنها لن تمر قبل أن أشارك في شيء ما سينمائيًا، أن أتعلم وأجرب قبل أن أتخرج من الثانوية. وبالضبط، قبل بدء دروس الثانوية بيوم واحد فقط حققت ذلك، أصبحت عضوًا رسميًا في «نادي المنتجين المصريين»، الشيء الذي لم أعرف كنهه بالضبط وقت التقديم به؛ فقط استفزتني أسئلة استمارة التقديم، ودخلت لأكتشف الإنتاج بعين الإخراج. شعرت بنزق المراهقة بالتحدي فكتبت أجيب بلا أي خبرة سابقة ولكن فقط بهذا النزق، والشغف البسيط بالسينما؛ شغف كنت أبحث عمن يشاركني إياه. بمعنى آخر، كنت أحاول ألا أكون وحيدًا.
هذا الشعور بالوحدة، هو نفسه ما حرك المنتج السينمائي محمد تيمور في بدء مشروع «نادي المنتجين المصريين. «كنت حاسس إن أنا لوحدى عايز أقعد أتكلم مع الناس بصوت عالي عن الإنتاج» فبعد سنوات من العمل في حقل الأفلام القصيرة والمستقلة وأفلام الفيديو وتجارب متنوعة ما بين الإخراج والإنتاج، صنع تيمور إنجازًا كبيرًا بفوز فيلم «ستاشر» (سامح علاء- 2020) الذي شارك في إنتاجه، وفاز بالسعفة الذهبية أكبر جوائز مهرجان كان في دورة استثنائية في العام نفسه، ليتقدم له الكثير من الأفلام القصيرة من صناع أفلام في بداية مسيرتهم، بنفس طموحه. مع مرور الوقت شعر تيمور أن الحل لا يمكن أن يكون بالاعتماد على شخص أو اثنين ولكن بالتفكير بصوت عال، وإيجاد حلول بأشكال جماعية.

أن تكون صانع أفلام في مصر، يعني أن تدخل عالمًا من الأبواب المغلقة. تطفو صناعة السينما في مصر على بنية هشة، بالاعتماد على مؤسسات قليلة غير مستقرة. والغياب التام لأي بنية تحتية في استطاعتها مساعدتك، غياب المجتمعات التي في استطاعتها دعمك وتشجيعك، غياب التمويل والذي بدوره يقودك إلى دوامة المنح اللانهائية، وأخيرًا غياب المنافذ التي تعرض فيلمك في النهاية، وإن حالفك الحظ وعرضته قد يفاجئك جهاز الرقابة بمنعه دون إبداء أسباب، ناهيك عن تركز كل الفرص في القاهرة وحدها.
تحاوطك صناعة السينما كصانع افلام مستقل بالإحباط والسأم وحتى الغضب. كثير من صناع الأفلام يتركون السينما تمامًا في نهاية المطاف، وكثير من الصناع يستمرون حتى إن أخذ الفيلم الواحد منهم سنوات لصنعه، وتظل التجارب المضيئة في السينما المصرية في السنوات الأخيرة هي محاولات هؤلاء الصناع «المعافرين»، ولكنها في نهاية المطاف تصبح محاولات فردية، ليست دليل على أي بنية قد تساعد على تكرارها.
تلك الحالة الفردية في الصناعة، هي ما استفزت تيمور في البدء لإيجاد مؤسسة قد تستطيع على الأقل خلق مجتمع تشاركي للصناع. شعر بالحاجة للمزيد من الإتاحة والوصول إلى المعرفة بأشكال قد تكسر احتكارها أو حصرها حتى في المعاهد والأكاديميات. يتذكر تيمور: «فيه عدم معرفة كبيرة كان موجود وكنت حاسس إن أنا متغاظ وغضبان، لإن فيه ناس كتير ممكن يعملوا أفلام زي "ستاشر" وأحسن، لكن محتاجين يتعلموا وكنت بحاول أخلق مكان يفرز ناس كتيرة تعرف تعمل ده».
الإنتاج هو أقل الوظائف فهمًا في السينما، فعلى مدار عقود اعتاد الناس أن يروا المنتِج هذا الرجل ذي البدلة الأنيقة وربما كمعادل آخر لرجل الأعمال، ذو الأموال الضخمة أيًا كانت مصدرها. أو بمعنى آخر «شوال فلوس». على خلاف ذلك، يعرف تيمور المنتِج بأنه: «مدير الفيلم والشخص اللي بيحل المشاكل». يبني ذلك التعريف صورة أوسع للمنتج عن صورة «شوال الفلوس». فهو ربما لا يمتلك أموال أصلًا، ولكنه يعرف من أين يأتي بالأموال، وكيف يستخدمها ويوزعها بشكل ملائم، ليساعد في ظهور الفيلم كما هو في مخيلة المخرج والمؤلف. يلخص تيمور دور المنتج كما يفهمه في مقابل دور المنتج «الكليشيه» التقليدي: «لو معاك فلوس مشاكلك هتتحل، لكن لو معاك فلوس ومبتعرفش تدير هتبقى مصيبة».
انطلاقًا من هذا العجز في فهم دور المنتِج رغم الاحتياج الدائم له ودوره الأساسي في عملية صناعة الفيلم خرجت فكرة النادي لأول مرة في «ستوري» على انستجرام في 14 مايو 2021، عمّا إذا كان هناك أي مهتمين بالإنتاج يريدون التعلم وتبادل الخبرات سويًا. فكر تيمور في البداية في إيجاد منتدى للمشاركة أكثر منه كيانًا أو مؤسسة، فهم تيمور «النادي» بمفهومه الإجتماعي، مكان لنتقابل ونتحدث ونتشارك معرفة وتجارب الإنتاج سويًا.

في البداية أصبح جمهور النادي وأعضاؤه 50 شخصًا، آتين من اهتمامات مختلفة من السينما وحتى الموسيقى، ما يجمعهم جميعًا هو الاهتمام بمحاولة فهم هذا الشيء الغامض: الإنتاج. في محاولة تذهب أبعد من المفاهيم التقليدية عن الإنتاج.
وضع تيمور شرطًا وحيدًا هو الاجتماع كل يوم سبت، في مكان أجره بماله الخاص وهو عبارة عن سطح بيت صديق له. ظلت اللقاءات تتوالى كل سبت، وحدث ما يشبه «التصفية الطبيعية»، فمع كل سبت كان العدد يتناقص، حتى لم يتبق غير 15 شخصًا، وهم من أصبحوا لاحقًا الأعضاء المؤسسين في النادي.
آمن هؤلاء الـ15 بفكرة تيمور الأساسية، أن يكون هناك منتدى أوسع، يجتمع فيه الناس للتحدث عن الإنتاج وفهمه أكثر. لم تكن هناك قوة محركة لفكرة النادي ككيان كبير غير شغف تيمور والمؤسسين بشكل شخصي. غير ذلك لم يكن شيًئا مضمونًا ولا أي وعود بربحية المشروع، «الصعوبة كانت إننا نصدق في حاجة عمياني، وتطلع حاجة أو ما تطلعش مش عارفين لسه».
يؤمن تيمور بفكرة الاستمرارية، وعدم الاعتماد على شخص أو مؤسسة واحدة، شعر بشكل شخصي بأن هذا هو دافعه وراء النادي، يتذكر: «كنت بحاول أدي للناس التانية كتير عشان الناس دي تكمل هي الرحلة بطريقتهم»، ومع ذلك لم يكن النادي بفكرة سهلة، فعلى الرغم من بساطتها لم يجد المؤسسون الـ15 أي شبيه لها سواء سابقًا أو وقت التأسيس، وهو ما يصفه: «كان شيء محبط قوي لأن ليه فكرة قديمة زي دي ما اتعملتش لغاية 2021».
في غياب البنية التحتية الداعمة، تصبح حتى أبسط الأفكار أحيانًا مستحيلة، وتقع المؤسسات الفنية والثقافية المستقلة تحت وطأة المنح بشكل دائم، كانت تلك مشكلة النادي الأولى، كمكان اجتماعي بالأساس لا يعتمد على المشاريع، وبالتالي فطبقًا لـ«كتالوجات» المنح هو غير مؤهل لها بشكل نموذجي، بجانب أن طبيعة النادي تحتم الاستمرارية في اللقاءات والتواصل بشكل دائم. ولذلك توصل المؤسسون الـ15 إلى فكرة الاشتراكات، التي يدفعها أعضاء النادي في فترات محددة كل دورة تستمر لمدة ستة أشهر، ويوزّع عائدها على إيجار مكان اللقاء بشكل أساسي، وما يتبقى يعاد تدويره ليوضع في صناديق دعم صغيرة تفتح بعد ذلك لدعم مشاريع أعضاء النادي. بمعنى آخر وسيلة للاكتفاء الذاتي تضمن الاستقرار.
ولكن هذا الإكتفاء لا يتحقق إلا بضمان استمرارية الأعضاء. ليس للنادي قواعد معينة للاستمرارية غير دفع الاشتراك بشكل دوري، ولكن الضمان الحقيقي يأتي من المحتوى المقدم، فعلى مدار الأشهر الستة -مدة الدورة- ينظم النادي لقاءً واحدًا كل سبت، ويختلف شكله، ما بين نقاشات دورية بين الأعضاء، وعروض أفلام مصحوبة بنقاش وتحليل لتحدياتها الإنتاجية، أو استضافة عاملين بصناعة السينما للتحدث عن تحدياتهم. تلك الفعاليات وفائدتها هي الضامن الوحيد لاستمرارية الأعضاء وأيضًا الإدارة «الصعوبة هي أننا نستمر في عمل حاجات بتزود قيمة للناس مش مجرد كلام إنشا».
تصميم الفعاليات الشهري
تتضح تلك الرغبة أكثر في تصميم الفعاليات داخل النادي وتغطيته لجوانب مختلفة من عملية صناعة الفيلم خلال مدة كل دورة، فكل شهر خاص بـ«تيمة» معينة واستكشاف مساحة ودور المنتج بها، بدءًا من التطوير الذي يرى تيمور أنه أصعب التحديات بالسينما في مصر. فالتحدي الأكبر الآن لأي صانع أفلام شاب هو أن تحافظ على قصتك في مناخ مليء بورش الكتابة الغث منها والسمين، والعديد من المدربين باختلاف آرائهم، تقع على عاتق صانع الأفلام، وخاصة المستقل، أزمة أن تظهر قصته في النهاية كما يريدها. «التحدي الأكبر في مصر إنك تلاقي فكرة حلوة وبتطلع ع الورق وتحافظ عليها زي ما هي لحد الفيلم النهائي من غير ما تاكل الفلاتر دي من القصة الحلوة بتاعتك».

الشهر الثاني في النادي يكرّس للتمويل، في ظل قلة صناديق الدعم في المنطقة، وعلاقة المنتج الشائكة بالمال، يحاول النادي أن يسلط الضوء أكثر في هذا الشهر على نقاشات عن تمويل الأفلام بطرق مختلفة، منها التمويل الجماعي (crowdfunding) أو التمويل من خلال مستثمر او شركاء، أو حتى فهم أعمق للمنح ومحاولة الحصول عليها دون خسارة فيلمك أو تنفيذه على مقاسها. ثالث شهر يكرس للتنفيذ، ومشاكله وتحدياته بداية من استخراج التصاريح اللازمة للتصوير حتى إتاحة المعدات المناسبة، واختيار فريق العمل المناسب، ورابع شهر يكرّس لمرحلة ما بعد الإنتاج وهي مرحلة غير مطروقة عادة.
يرى تيمور أن أدوار ما بعد الإنتاج خصوصًا الخاصة بالصوت والمونتاج أو التلوين مظلومة في فهمها نفس ظلم دور المنتج وبحاجة لإبرازها أكثر، وفهم دور المنتج فيها بشكل أعمق، فكما يسير المنتج العمل في مرحلة ما قبل الإنتاج ومرحلة الإنتاج والتصوير، تظل له نفس السلطة في مرحلة ما بعد الإنتاج، وإن كان بأشكال مختلفة. خامس شهر يكرس للمتفرقات، التي غالبًا ما تدور حول القانونيات، العقود والتصاريح وما يلزم للمنتج معرفته شكل أساسي، وسادس شهر والأخير يكون عن التوزيع، حلم كل صانع أفلام، أن يعرض فيلمه في السينمات ولكن كيف؟.. يرى تيمور أن التوزيع هو أقل الأدوار فهمًا مباشرة بعد دور المنتج «إحنا بنعرف نعمل أفلام ونطلعها بس مش بنعرف نوزعها».
بنهاية الأشهر الستة (مدة الدورة الواحدة للنادي)، يُفتح التقديم لدورة جديدة لستة أشهر أخرى، بأعضاء جدد، مع الحرص على وجود أعضاء الدورات القديمة في نفس اماكنهم، وتتكرر الفلترة الطبيعية مرة أخرى فيخرج البعض ويدخل البعض، ويعاد تقديم نفس التيمات ولكن بمستويات أكثر تقدمًا، فيصنع النادي تلك الخلطة من الاستمرارية بأعضائه القدامى وفتح الباب لدم جديد دائمًا.
التشبيك كوسيلة للحركة
مجال السينما من أصعب المجال في دخولها، دائمًا هناك تلك الحواجز، التي منها «الشللية»، وعدم الاعتراف، والمحاولات الدائمة لإثبات الذات. في حواري معه استخدم تيمور كلمة «الإتاحة» أكثر من مرة أثناء الحديث عن أهداف النادي واتجاهاته، الإتاحة ليست فقط للمعرفة ولكن للفرص وللتشبيك. بشكل شخصي ساعدني النادي أنا وغيري في أن نتحول من أشخاص ليس لهم أي علاقة بالأفلام، إلى تكوين شبكة علاقات جيدة في عالم الأفلام القصيرة، فضلًا عن المعرفة نفسها عن مراحل صنع الفيلم.
يعد مفهوم «التشبيك» أهم جزء من تجربة النادي. قد نجدها في كل تجاربه، فبداية من الطريقة التي يستخدمها النادي للتعلم، وهي ليست بشكل أكاديمي بل بشكل تشاركي او كما يصفه تيمور «أوضة إحنا بنتكلم فيها بصوت عالي عن الإنتاج، هو ده النادي».

في الكثير من الأيام تتحول الجلسة إلى كراسي مصطفة في نصف دائرة، أشبه بجلسات «الجروب ثيرابي»، ونتبادل الكلام بهذا الشكل، كذلك صناع الأفلام، يجدون في النادي مكانًا ومساحة آمنة للحديث، فيكون من المبهر مثلًا أن تسمع شكوى منتجة وموزعة شهيرة من أنها لم تستطع توزيع الفيلم الذي أخرجته هي نفسها، أو أن تعرف «الليمبو» غير المتناهي لخطوات استخراج تصاريح التصوير وحتى كيفية التحايل عليها في الأفلام القصيرة، قد يكون ذلك بفضل ضيف أو بفضل الأعضاء ومشاركة تجاربهم سويًا بلا أي قيود.
يؤسس النادي مساحات آمنة للمشاركة بشكل أولي ويمتد ذلك إلى مشاريع الأفلام، فالنادي بمرور السنين أصبح فرصة للتشبيك مع صناع شباب من مختلف المناحي (مستقل أو تجاري)، ومنتجين وغير منتجين. في النهاية الأعضاء ليسوا منتجين بالضرورة، فقواعد الاختيار في النادي تتغير باستمرار، ولكن القاعدة الثابتة هي البحث عن أشخاص يريدون التعلم بشكل عام حتى وإن لن يمتهنوا الإنتاج. «بندور على ناس عندها فضول وبندور الفضول ده هيروح بيهم فين». كثيرًا ما يحدث أن يعمل عضوان أو أكثر في النادي على فيلم سويًا، ويكون أحدهم منتجًا والآخر مخرجًا دون أي إدارة من النادي، فقط بالتشبيك واستمرار العلاقة، حتى خارج لقاءات النادي الأسبوعية. يخبرني تيمور «بتبسط قوي لما ألاقي ناس من النادي اشتغلوا مع بعض من غير ما أعرف وعملوا حاجات وراحت حتت كويسة. بحس ده النادي».
النادي نفسه ككيان يتحرك في إطار هذا التشبيك، فهو لا يفرّق بين مستقل وتجاري، فكل معرفة عن إنتاج الأفلام وكل طريقة هي مفيدة، وليست هناك طريقة هي الأصح أو الصح «هو مش كورس أو دبلومة، هو مشاركات وإنت بتاخد حاجات وتسيب حاجات». بهذه الطريقة قد يحدث أن يستضيف النادي ضيوفًا كالمخرجين محمد حماد وأمجد أبو العلا أو منتجين مثل صفي الدين محمود ومارك لطفي وجميعهم محسوبون بشكل أو بأخر على السينما المستقلة، وعلى الجانب الآخر قد يستضيف مخرجين من خلفيات مختلفة أكثر تجارية، مثل عمرو سلامة وتامر محسن. يفسر تيمور ذلك «بنحاول منبقاش محسوبين على شلة أو حتة معينة ولكن على أشكال مختلفة من الصناعة».
بنفس المنطق تتنوع مشاركات النادي خارج إطار المقابلات الأسبوعية، يصنع شراكات دائمة مع المهرجانات مثل «ميدفيست» ومهرجان الجونة السينمائي الدولي، بجانب وجوده السنوي في مؤتمرات كـsync summit الأقرب لعالم الإعلانات. في شرع نادي المنتجين يعتبر كل ما هو تشبيك وله علاقة بالسينما وصناعتها بأشكال مختلفة فهو حلالًا.
في غياب بنية تحتية كافية تدعم صناعة السينما في مصر، يوفر النادي إطارًا يمكن التحرك فيه، للمتخصصين وغير المتخصصين على السواء، ما بين التجاري والمستقل وما بينهما، يتحرر من السمت الأكاديمي التقليدي فهو ليس مدرسة ولا أداة تعليمية ولكنه يوفر الأدوات اللازمة لصنع الأفلام دون أن يدعي تبني أو صحة أي منها. يقف النادي في وضع رمادي. يراه الأنسب، ليساعده على الوصول إلى مختلف الصناع بمختلف اتجاهاتهم.
الدعم على طريقتك
في 2018 وبعد رئاسته لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، أطلق المنتج محمد حفظي برنامج «أيام القاهرة السينمائية»، والذي يقع في إطاره منصة مهرجان القاهرة للإنتاج المشترك «ملتقى القاهرة السينمائي»، قد يكون ذلك ردًا على مهرجان الجونة، الذي أطلق منصة الجونة السينمائية لدعم الأفلام في العام السابق 2017. فتحت هاتان المنصتان الطريق لأشكال مختلفة للدعم، بعيدًا عن المنح وتعقيداتها، ولكن بدلًا من ملء استمارة طويلة كما في حالة المنح، تتطلب تلك المنصات في حالة قبولك ان تقف امام حشد من المنتجين وتقدم لهم ملف فيلمك المصنوع بعناية وتقف لتحكي لهم عن أهمية فيلمك ولماذا يجب صنعه الآن. أملًا في النهاية أن يهتم أحدهم ليصبح منتج مشارك سواء بالتمويل، أو العلاقات أو حتى الدعم العيني.
تلك الطريقة في العرض هي «البيتشنج»، وهي أيضًا أهم برنامج يقيمه النادي. «البيتشنج» هي الوظيفة الأقرب الى المبيعات منها إلى السينما، ولكن على عكس المبيعات، تتطلب عملية البيع في حالة الأفلام أن تكون صادقًا أيضًا. «البيتشنج» هو المساحة الأكبر لإخراج أفكار الأعضاء ومشاريعهم بحرية، وأيضًا هو «اللغة اللي متعارف عليها في المهرجانات لعرض الأفلام دايمًا»، يخبرني تيمور. يتمحور برنامج «البيتشنج» حول التدريب على تلك الطريقة من العروض، ويستمر بموازاة أنشطة النادي على مدار الستة أشهر، وتخصص له جلسة شهرية.

في البداية كان الأمر يتوقف على مجرد التدريب بين الأعضاء سويًا. يتبادلون الأدوار، جزء يعرض أفلامه والآخرون يستمعون بأذن المنتج، يسألون عن كل تفاصيل الفيلم من طاقم العمل والممثلين والأماكن حتى الرؤية البصرية. بنمو النادي نما «البيتشنج» أيضًا، وأصبح في إمكان النادي أن يدعم الصناع بجوائز بشراكات وجوائز عينية ومادية يوفرها غالبًا من اشتراكات الأعضاء أنفسهم.
ولكن أكبر تطور طرأ على برنامج «البيتشنج» هو إمكانية دعوة مخرجين من خارج النادي بشرط أن يكون المنتج من داخله، ودعوة لجان تحكيم منفصلة عن إدارة النادي تفلتر الأفلام على مراحل على مدار الأشهر الستة حتى يختاروا الأفلام التي تستحق الجوائز في النهاية.
تعد منصة «البيتشنج» هي منصة الدعم الخاصة بالنادي، منصة أصغر كثيرًا من منصتي الجونة والقاهرة ولكن يكمن تميزها في كونها تستمد من طابع النادي التشاركي، فتظل مساحة تشاركية للتعلم المستمر، «البيتشنج هو المكان اللي إنت تقدر تتكلم فيه عن نفسك وتقول أنا عايز أعمل فيلم»، وكونها من منصات الدعم القليلة في مصر المكرسة حصرًا للأفلام القصيرة، بجانب ذلك فدائمًا ما تستفيد الأفلام من لجان التحكيم وتعليقاتهم حتى وإن لم تفز بجوائز في النهاية. يعود ذلك لاختيار تلك اللجان نفسها «بيبقوا صناع أفلام عندهم وجهة نظر خاصة أكتر بتطوير الأفلام بتخلينا نفكر شوية في علاقات الإنتاج، وعن اهمية الأفلام، وصدقها».
على مدار سنوات النادي دعمت منصة «البيتشنج» قرابة خمسة أفلام أغلبها عٌرضت عروضها الأولى في مهرجانات كبرى مصرية أو دولية، وتتنوع المراحل التي يحصل بها الفيلم على الدعم؛ ففيلم الأنيميشن «خائنة الأعين» إخراج عبدالله دنوار وإنتاج إحدى عضوات النادي مريم خضير، الذي عرض بمهرجان كليرمون فيران للأفلام القصيرة، حصل على دعم من منصة نادي المنتجين في مرحلة متأخرة من مراحل الفيلم. ولكن في المقابل مثلًا فيلم «عند الكشك» إخراج بسنت غنيمي وإنتاج ليلى كمال حصل على دعم مادي من النادي في مرحلة مبكرة قبل أن ينال عرضه الأول بمهرجان منصات للأفلام القصيرة. وبين ذاك وذاك قد يساعد «البيتشنج» في إيجاد حلول جديدة كما حدث مع المخرج أحمد الشبيني، في فيلمه الأول «جذور»، والذي قرر تمويله بطريقة التمويل الجماعي «crowdfunding» على مستوى صغير، حيث لم يعلن عن حملة التمويل إلا لأعضاء النادي وعدد صغير من أصدقائه، وأتاح الخيار أمامهم لمن يرغب في المشاركة ماديًا في الفيلم. بهذه الطريقة المختلفة في التمويل صنع شبيني فيلمه، ليعرض عروضه الأولى بمهرجاني الإسكندرية ومنصات 2024.
لا يتضح أثر «البيتشنج» الأكبر في عدد الأفلام التي تنتج فقط، فعملية إنتاج الأفلام عملية مرهقة وطويلة تدخل فيها عوامل كثيرة أكبر من دعم النادي الصغير، ولكن يبقى أثر «البيتشنج» الأكبر في تطوير قدرات أفراد النادي على مهارات العرض. مما يوفر فرص كبيرة لأفلامهم فيما بعد. يخبرني تيمور: «أثر ده بنلمسه في الناس اللي بتعمل "بيتشنج" في مهرجانات برا النادي ونحس إنهم اتعلموا كويس»، وبالفعل فعلى مدار السنوات الأخيرة، تنامى عدد المشاركين في منصات الدعم في المهرجانات من أعضاء النادي.
رغم ذلك الأثر، لكن لا يقدم النادي نفسه كبديل أو فقط كمنصة دعم، ولكن كوسيلة لفهم طريقة عمل منصات الدعم، وطرق الإنتاج بشكل مستقل، بإدراك عام بصعوبة إصلاح المشهد او تقديم بدائل بإمكانيات محدودة «النادي بيقدم أدوات ومصادر ممكن تساعد، بننور على المشاكل ونعرفها لكن ما بنعالجهاش».
الخروج من المساحات الآمنة
مع كل تلك البرامج يظل النادي يواجه تحديًا صعبًا، وهو اقتصار برامجه على الأعضاء فقط، الذين في أقصى اتساع للنادي لم يتعدّ عددهم 150 فردًا، لا يحضرون جميعهم كل الجلسات بالطبع. وبينما يتيح النادي في أغلب جلساته اصطحاب ضيوف من خارج النادي باستثناء جلسات «البيتشنج» للحفاظ على سرية المشاريع؛ يظل حصره على الأعضاء عقبة في طريق فهم أوسع لطبيعة دور النادي في المشهد السينمائي المصري. وحتى في المشاهد الأبعد ذات الاهتمام الأقل بالسينما كمحبي السينما على سبيل المثال أو صناع الأفلام ذوي الإهتمام البعيد بالإنتاج.
حاول النادي التغلب على تلك العقبات في البداية بصنع «محتوى» على السوشيال ميديا أو رفع بعض جلساته على يوتيوب. ولكن التطور الأكبر جاء ببرنامج الورش، بعدما أصبح للنادي مقره الإداري القادر على استضافة مثل هذه البرامج، بعيدًا عن الأماكن المؤقتة التي تنظم بها الجلسات مثل مساحة start up house أو الجريك كامبس.
«وسيلتنا اننا نوصل لناس من برا النادي» هكذا يلخص تيمور برنامج الورش. غالبًا ما يكون نمط الورش في مصر هو «كيف تصنع كذا». وغالبًا ما تنتهي الورش بمنتج، تبدو الورش في مصر، وخاصة في مجال السينما، كأنها دلائل صنع الأشياء، بسرعة أو بأموال قليلة وليست بجودة عالية.
يأخذ نادي المنتجين منهجًا أكثر تخصصًا، فيبحث عن موضوعات أعمق، لا يسهل تلخيصها في كيف تصنع فيلمك، ولكن عن صعوبة أن تحافظ على فيلمك من مرحلة الورق حتى منتجه النهائي على سبيل المثال، أو استخدام المونتاج ليس بشرح البرامج ولكن بفهم فلسفة القطع والزمن. أو باستخدام أدوات الأنثروبولوجيا لتحليل الأفلام وصنعها. تمثل الورش زاوية أخرى لمفهوم النادي لصناعة السينما كمجتمع، وكتعليم تشاركي. يلخص تيمور مفهوم الورش بشكل أكثر دقة: «ابتدينا حرية إننا نتكلم في مواضيع مش لازم نتكلم فيها جوا النادي مع الأعضاء». من هذا المنطلق قد لا تختلف مواضيع الورش أو معالجتها كثيرًا عن معالجة المواضيع الخاصة بالإنتاج عدا أن ليس لها أي علاقة بالإنتاج
قد يكون برنامج الورش أيضًا محاولة لبسط نظرة النادي أكثر بألا تقتصر جهوده على الإنتاج فقط، فإذا ظل النادي هو وحده فيما يفعله لن يؤدي هذا إلا لأن يعيدنا للحالة الفردية التي بدأنا منها مرة أخرى. «محتاجين حاجات شبه النادي في كل قسم له علاقة للسينما. محتاجين مجتمعات في أقسام كتيرة، عشان الأقسام تعرف تتكلم عن بعضها. وتشارك مع بعضها الجديد وتتعلم من بعضها».
ومع ذلك لا يرى تيمور أن النادي هو المخول به أن يصنع تلك المجتمعات. فهو يرى أن جزءًا من نجاح النادي منذ البداية هو التركيز على جانب وحيد من الصناعة وهو الإنتاج. ولكن يجب أن تكون تلك المجتمعات مستقلة تمتد من القاهرة حتى المنيا: «عايزين ننقل تجربة النادي في أماكن تانية، مش بشكل إنه نادي منتجين، ولكن إيه اللي نجح عندنا فننقله هناك، مش عايزين نخلق نسخ من النادي عايزين نخلق مجتمعات شبيهة».
ولكن في مقابل تلك الطموحات يظل النادي وحيدًا في منطقته، بدعم مولد ذاتيًا من اشتراكات الأعضاء ومؤخرًا من الورِش. يرى تيمور إمكانيات لا نهائية يُمكن أن تُصنعها مؤسسات شبيهة بالنادي، ليواجه فقط بفقر البنية التحتية التي تدعم ذلك. ومع ذلك فهذه البنية التحتية الهشة تصنع ما يمكن أن يكون شبكة من الدعم تساعد بعضها البعض على الاستمرار. يشير تيمور تحديدًا لمنصة «أفلامنا» اللبنانية، ولمؤسسة «سيماتك» (مركز الفيلم البديل)، وجود أماكن مثل تلك يساعد على الاطمئنان قليلًا يصنع بوادر بنية تحتية، حتى وان كان يصعب اكتمالها. «قادرين دايمًا نساعد بعض ونبقى في نفس الخريطة، ونزود حاجة في بازل صناعة الأفلام لكن كل واحد في حتته.. بس لسه فيه أكتر كتير».
في عمل مثير للإحباط واليأس مثل العمل السينمائي تحديدًا، وفي وضع غائم كالوضع في مصر، تصبح أماكن مثل النادي محورية تمامًا في المشهد السينمائي، ليس فقط بإتاحة المعرفة ودعم صناعة السينما القصيرة والمستقلة تحديدًا، ولكن بوجودها واستمراريتها بالأساس. الاستمرارية التي يعزيها تيمور لاستمرارية الأعضاء أنفسهم، لأنه ربما في أحيان كثيرة، أن تجد من هم مثلك يشاركون، يفكرون ويحاولون يؤازرون، قد يصبح أفضل عزاء يمكن للعالم تقديمه.
تقارير ذات صلة
«أدينا بندردش» وبنكتب التاريخ: عن أرشيف شبرا
لا تتسع الكتابات الأكاديمية وغير الأكاديمية التي تناولت شبرا، على كثرتها، لحوار مع أهلها
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن