تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«موسيقى النزوح».. عن الموجة الموسيقية السودانية الجديدة

«موسيقى النزوح».. عن الموجة الموسيقية السودانية الجديدة

كيف أصبحت هذه الموسيقى مشروعًا لصناعة صوت سوداني حديث؟

كتابة: محمد الأسواني 21 دقيقة قراءة

للاستماع أثناء القراءة: قائمة أغانٍ سودانية جديدة

فوجيء فنان الراب السوداني، سولجا، حين دخوله مصر عبر مدينة أسوان، برواج الأغاني السودانية القديمة. كان يستمع إليها في كل مكان لدرجة أنه شعر أنه ما زال في الخرطوم، ومد فترة إقامته في أسوان لهذا السبب. لم يكن يعرف أن الأغنية السودانية هي الضلع الثالث المكون للثقافة السمعية والموسيقية في أسوان، مع الأغاني النوبية والفلكلورية وأغاني الكف أو الغناء الصعيدي بشكل عام. كنا في أسوان نعامل الأغاني السودانية كأغاني البوب في نهاية التسعينيات وبداية الألفينيات، فهي الأغنية التي قد يسمعها الطرفان: نوبيون وصعايدة، لجمالياتها وكتعبير عن الذوق الموسيقي المختلف، بعيدًا عن الذوق الموسيقي القبلي أو العرقي.

كان وجه الاختلاف في الأغنية السودانية في مستوى الكلمات في المقام الأول، والقدرات الشعرية لدى الفنانين السودانيين، مقابل جمود الأغنية الأسوانية من ناحية إنتاج الكلمات والألحان الجديدة، ودورانها حول الفلكلور. ومع ذلك ظلت حدود الأغنية السودانية خارج الأفراح، وهو المسرح الرئيسي في أسوان، ربما لأنها غير مصممة للرقصات النوبية والصعيدية، ولكن مع الوقت تسربت إلى الأفراح الأسوانية من خلال وسيط، بعد ظهور أجيال جديدة من الفنانين والعازفين والذين أعادوا تقديم الأشعار والألحان السودانية بصبغة نوبية، مثل الراحل محمد فوزي وحاليًا بيبو آدم وحمو إسماعيل وغيرهم.

الفنان سولجا

وبالخروج من أسوان، تظهر الصورة الواسعة أن الأغنية السودانية نفسها في معظم تاريخها تعاني من جمود من نوع آخر، ومشكلات خاصة بمجتمعها، جعل أقصى انتشار لها على الحدود الشمالية مع مصر، ولم تدخل إلينا جنوبًا إلا بعد فلترة إيقاعية وموسيقية نوبية بها. قد يكشف هذا سبب عدم انتشار الأغنية السودانية كما هي خارج محيطها، بالنظر إليها دائمًا كمادة خام أو مجرد مادة شعرية ملحنة وتجارب غير نهائية وغير مكتملة، تحتاج فقط إلى توفيقها وتعديلها لتناسب فئات أخرى من الجمهور.

الدليل على ذلك، شهرة الأغاني السودانية بشكل كبير لدى الجمهور المصري بعد إعادة تقديمها بأصوات أخرى، مثل «الليل الهادي» لمحمد فؤاد، وهي في الأصل للفنان السوداني شرحبيل أحمد، وأغنية «إزيكم» و«وسط الدايرة» لمحمد منير، وهي في الأصل لسيد خليفة ومحمد وردي، وغيرها، حتى في التجارب الحديثة بشهرة أغاني سودانية قديمة بأصوات غير سودانية مثل «ليه يا حب» للمغنية المصرية مرام، أو تجربة فرقة «ميامي» الكويتية في تقديم أغاني سودانية وأشهرها «أودع كيف» لسيد خليفة.

التطور الدائري للأغنية السودانية

يرى البعض خاصة من جيل سولجا، أن المشكلة الرئيسية في الأغنية السودانية هي الإعلام، وأن الفن دون إعلام لن يصل، لذلك لم تصل الأغنية السودانية  بسبب غياب الدعاية، لذلك فإن نظرية أن دخول الإنترنت ساعد في انتشارها لدى الجمهور العربي والعالمي، هي نظرية صحيحة ولكنها عامل واحد فقط، لأنه لم يكن هناك سوق إنتاج قائم ومستمر وينقصه فقط الدعاية.

مشكلة الأغنية السودانية في نقطة قوتها، وهي ارتباطها الكامل بالمناسبات، مثلها مثل أزمة الأغنية الأسوانية، مع اختلاف حجم الإنتاج. الأغاني تنتج وتستهلك داخل الأعراس والمناسبات الاجتماعية، ما يُسمع في الأفراح يظل في الأفراح، حتى مع ظهور الوسائل الحديثة مثل الإذاعة السودانية والتلفزيون السوداني، أصبح الإعلام مناسبة أخرى، فهناك أغنية الإعلام الرسمي، وأغنية الأفراح، وأغنية الجلسات الخاصة وحفلات البيوت، ولم يكن هناك سوق غنائي حقيقي يقوم على أساس المنافسة في المبيعات والحفلات الجماهيرية، ربما هي مشكلات متعلقة بالمجتمع السوداني وخصوصيته وطريقة استهلاكه للموسيقى.

يصف الفنان السوداني صلاح بشير «براون»، الذي يعتبر من رواد الجاز السوداني، رحلة تطور الأغنية السودانية بـ«العملية الدائرية»، لا تسير في خط مستقيم نحو هدف ما، ولكن تدور حول نفسها. يشرح سولجا، في بودكاست «حوارات مع عباس»، نفس النظرية ولكن بطريقته، ويرى أن الإعلام السوداني كان يكرس لشكل معين من الأغنية السودانية ربما دون قصد، مما حرمها من التطور وجعلها بالفعل تدور حول نفسها، مثل ظهور برامج الموسيقى على التلفزيون مثل «أغاني وأغاني» و«نجوم الغد» وغيرها، وكانت هذه البرامج وقتها الهدف الرئيسي للفنانين وورقة الاعتماد والشهرة.

الفنان صلاح بشير

ولكن المشكلة أن الفنانين الجدد يظهرون في هذه البرامج لأداء الأغاني القديمة أو الرسمية، القصائد وأغاني الحقيبة والسيرة وغيرها من الغناء الكلاسيكي، كانت الإضافات الجديدة داخل نفس الأغاني التي يعاد تدويرها، لذلك الآن تجد صعوبة في تحديد صاحب الأغنية الأصلية لوجود عشرات النسخ من نفس الأغنية، بجانب أن القيود الاجتماعية كانت أكثر صرامة في السودان، بسيطرة النخب على شكل الأغاني المقبولة اجتماعيًا، وأخيرًا غياب الحفلات الجماهيرية غير المرتبطة بالمناسبات، سواء وطنية أو اجتماعية، كلها عوامل جعلت الأغنية السودانية لا تعرف غير جمهورها المباشر في المسرح، ولم تسمع نفسها من آذان أخرى، نتيجة لذلك ظلت بعيدة عن الاحترافية أو «القالب العالمي».

ازدهرت الأغنية النوبية مع الهجرة والتهجير، أصبح المجتمع النوبي أكثر انفتاحًا بحكم النزوح والهجرة إلى مجتمعات أخرى، شجع ذلك الفنانين النوبيين على التمسك أكثر بالتراث النوبي مع التكيف مع أذواق الجمهور الجديد حولهم، بالإضافة إلى ظهور موضوعات غنائية جديدة بعد التهجير عن الحنين والغربة وحلم العودة وغيرها، بجانب استمرار الطابع الأفراحي، نتج عن كل ذلك تجارب موسيقية احترافية وعالمية مثل علي كوبان في القاهرة، وبحر أبو جريشة في الإسكندرية، ومن بعدهما محمد منير، بالتوازي مع فنانين محليين كانوا أكثر شهرة من هؤلاء في مجتمعاتهم فقط مثل فكري كاشف وخضر العطار وحسن الصغير والبيسمبيس وغيرهم.

نفس الرحلة تخوضها الموسيقى السودانية بالنزوح، ولكن خارج البلاد بعد الحرب في السودان. أعاد العديد من الفنانين اكتشاف هويتهم الموسيقية مع أهمية الجمهور الخارجي وضرورة الاحتراف كوسيلة لكسب العيش من الموسيقى، على عكس معظم رواد الأغنية السودانية التقليدية والذي كانوا يعملون في مهن ووظائف أخرى. إضافة إلى تجدد القاموس الغنائي بموضوعات الهجرة والنزوح والحرب بدلًا من الغناء الغزلي للطبيعة والجمال والحبيب المجهول، وأصبح الجانب السياسي مكونًا في الراب السوداني والأغاني الحديثة ربما لأول مرة، وربما أيضًا المجتمع الوحيد الذي يتمتع بحرية النقد السياسي من بين المجتمعات الفنية العربية الأخرى!

لذلك من العادي جدًا أن نسمع أصواتًا سودانية نسائية تقدم أغانٍ سياسية، مثل «تيتانيك» لإيمان الشريف و«ماتقتلونا» لرؤى النعيم وغيرها، بعد أن كانت أصوات النساء الحلقة الأضعف في الموسيقى السودانية، ومقتصرة على تصنيفات دنيا مثل «أغاني البنات» و«الدلوكة» وأغاني الأفراح، وينظر إليها بصفتها أغاني خفيفة للتسلية وأحيانًا هابطة. أصبحت هذه النوعية من الأغاني فيما بعد أساس تطور الأغنية السودانية في الوقت الحالي، وسبب شهرتها المتصاعدة، بعد اكتشاف كم التنوع الإيقاعي في الموسيقى السودانية في هذه النوعية بالتحديد من الأغاني، مثل إيقاعات «التمتم» و«الرديم» و«الدلوكة» و«الجراري» بجانب موسيقى الزار والمديح وغيرها.

إيمان الشريف

إذن تطور الموسيقى السودانية إلى الوقت الحالي، هو تطور الهامش من الستينيات والسبعينيات إلى الآن، بمعنى مختزل: ما يحدث حاليًا في الموسيقى السودانية هو استكمال لما كان يحدث قبل تطبيق الشريعة في السودان، والتي عرفت بقوانين سبتمبر 1983. يعتبرها الفنان صلاح براون نقطة تحول كبيرة في الموسيقى السودانية، قبلها كانت الفرق السودانية الشبابية تعزف الجاز والبلوز والروك والريجي وكل أنواع الموسيقى في النوادي الخاصة والفنادق والكازينوهات، حتى في مسارح المدارس والمصانع والأحياء، في مجتمع موسيقي حيوي مليء بالفرق الموسيقية، إلى أن توقف كل ذلك بعد تطبيق الشريعة، التحول الذي عبرت عنه الأغنية الشعبية «الشريعة جات» بشكل ساخر: «الشريعة جات.. قفلوا البارات.. كسروا القزاز ورموه في البحر.. السمك سكر».

«الزنق» في السودان والمهرجانات في مصر

عاد أفراد العديد من فرق الهواة إلى مهنهم الأصلية، وهاجر بعضهم، والتحق البعض الآخر بالإذاعة، ومن هنا كانت قيادة الأمور في الأغنية السودانية في يد الدولة لسنوات طويلة، سواء من خلال تقرير ما هي أغنية حلال أو حرام، أو أغنية سودانية راقية أو هابطة، وكذلك السيطرة على الحفلات والفقرات التلفزيونية، حتى إن تطور الموسيقى السودانية كان على يد فرق الموسيقى العسكرية، التي كان لها الشرعية في إدخال الآلات الغربية في الأوركسترا السودانية بجانب التدوين الموسيقي، قبلها كانت الموسيقى تعتمد على التلقين والارتجال فقط.

أثمرت هذه المرحلة بتحولاتها فنانين استثنائيين في تاريخ الموسيقى السودانية مثل شرحبيل أحمد والنور الجيلاني وغيرهم، ممن عرفوا بفنانين الجاز والبلوز السوداني، رغم اعتراض صلاح براون على هذا الوصف، الذي يعتبره «تصنيف مصري»، لأن ما كان يقدم هو موسيقى سودانية خالصة بإيقاعات محلية، وربما التشابه فقط في الآلات المستخدمة. بعدها بسنوات طويلة، كانت النقلة المحورية على يد ابن صلاح براون نفسه، العازف أيمن الربع، في عام 2000، الذي ورث إيقاعات أعمال والده غير الشائعة، بجانب بقايا المارشات العسكرية من المرحلة العسكرية الموسيقية، منتجًا اختراعه الجديد «موسيقى الزنق».

تتشابه موسيقى الزنق تمامًا مع موسيقى المهرجانات في مصر، في السياق وظروف النشأة، الاثنان اختراع محلي بالكامل، فالمهرجانات نشأت بفعل التطور التكنولوجي والدي جي الشعبي في حفلات وأفراح الحواري الشعبية، عمودها الرئيسي الإيقاع والرقص، والزنق أيضًا نشأت بفعل تطور استخدام آلة الأورج في الموسيقى السودانية، وعمودها الرئيسي الإيقاع ورقصتها الخاصة الغريبة، وتعرض اللونان للهجوم والتجريم والرفض قبل الاعتراف بهما.

ذكرني أيمن الربع بمرحلة صعود أسماء مثل إسلام شيبسي وعمرو حاحا في مصر، لم تخترع المهرجانات شيئًا من العدم، وقتها كانت عبارة عن تشكيلة من الإيقاعات المحلية أيضًا مع أصوات المزمار الصعيدي والطبلة، ولم تكن إلكترونية بالكامل لوجود عازف طبلة أو درامز في هذه التوليفة الصوتية، نفس الأمر في موسيقى الزنق، أساسها الإيقاع المخلق من الأورج، مع إضافات وتنويعات أخرى بالجيتار والدرامز، قبل أن تصبح إلكترونية بالكامل فيما بعد، ويصفها الربع بأنها عبارة عن «تشكيلة من كل هذه الإيقاعات والأصوات».

فتحت موسيقى الزنق، التي عرفت بالموسيقى الهابطة لفترة طويلة، الباب لاستكمال ما بدأته فرق السبعينيات في التحرر من قيود الموسيقى الكلاسيكية، أو من الصيغة الشعرية والوترية للموسيقى السودانية. أصبحت هناك أداءات غنائية جديدة خارج التصنيف، ارتجالات على إيقاعات الزنق، رقصات جديدة، ثقافة سمعية جديدة، موضوعات مختلفة وعشوائية بلا معنى وطني أو عاطفي، تفاخر بالذات وغزل صريح ونقد اجتماعي وغيرها. كانت هذه المظلة التي خرج من تحتها الراب والهيب هوب السوداني، وربما أيضًا بداية سيطرة الأورج على الموسيقى الأسوانية واختفاء فرق العازفين وحفلات النوادي والمسارح النوبية، كحل اقتصادي في المقام الأول وتأثر بتجربة أيمن الربع وموسيقى الزنق- انتقلت موسيقى الزنق إلى الأورج بالأفراح الأسوانية بالفعل بعد ذلك.

كونت هذه الثقافة ثنائية المغني وعازف الأورج، وهي ثنائية مستمرة إلى الآن في الأفراح المصرية بشكل عام، ففي البداية كان أيمن الربع وإسلام شيبسي يقيمان الحفلات دون مؤدي صوتي، ومن بعدهم محمد عبد السلام مثلًا، قبل وجود مؤدي وغالبًا ما تكون صوتًا نسائيًا، وأحيانًا يكتفي عازف الاورج نفسه بالأداء، «one man show»، مثل الراحل محمد فوزي والآن حمو إسماعيل وغيرهم.

البحث عن أب روحي للموجة السودانية الجديدة

أشعر في الجيل الجديد من الفنانين السودانيين، بالتقدير الواضح لموسيقى الهامش في السودان، كمحاولة لإخراج الموسيقى السودانية نفسها من الهامش بالنسبة للمشهد الخارجي، مع شعور بالتجاهل قليلًا لمرحلة الموسيقى الوترية والتقليدية التلفزيونية، باعتبارها السبب في التراجع والإنغلاق، ولكن الأكثر تميزًا في الجيل الجديد هو عدم شعورهم بمسؤولية إحياء التراث الغنائي السوداني، وعدم الحزق على تسليط الضوء على رموزه وإنتاجه، مقابل الإصرار على إنقاذ تجاربهم الخاصة من نفس مصير السابقين، تاركين هذه المهمة لمغنيي الأفراح والهواة بإنتاج الكوفرات والريمكسات للأغاني القديمة مثلما كان يحدث في «أغاني وأغاني» في مرحلة سابقة.

لا يعني ذلك أنهم خرجوا بلا أساس، وهي النقطة التي كان يشتكي منها سولجا، بعدم وجود أجيال تسلم أجيال في الغناء السوداني، ولكنهم وجدوا أولًا كنزًا من الإيقاعات المحلية غير المألوفة خارجيًا، بجانب الشهرة العالمية للإيقاع الإفريقي بالتزامن مع صعودهم، وأخيرًا التفوق التاريخي لهم في الشعر والكلمات والموضوعات، وطزاجة اللهجة السودانية في الغناء والراب بالنسبة للجمهور الشاب، وجدوا الأساس أو المظلة في رموز غنائية، باعتبارها معنى أو مبدأ للرجوع إليه فقط، مثل التقدير الجماعي منهم للفنان الراحل محمود عبد العزيز الشهير بـ«الحوت»، رغم أنه لم يكن من رموز المتمردين أو المهمشين في تاريخ الموسيقى السودانية.

من وجهة نظري، محمود عبد العزيز رمز للشعبية الجارفة والاحترافية التي كانت تنقص الساحة السودانية، لكونه أقرب الفنانين إلى أغاني البوب وإطلاق الألبومات والأغاني العاطفية المسجلة، بالإضافة إلى أسطورته كشخص متواضع وطبيعي وداعم ومتحرر من صورة المطرب الوقور ذي البدلة الرسمية، وأخيرًا لوفاته المبكرة الصادمة التي زادت بريق أسطورته، هذه الصفات جعلته بمثابة الأب الروحي والمرجع، في المنهج وليس المنتج الغنائي، فالشعبية تمثل التريند الآن، والاحترافية تمثل الكسب المادي من الأغاني على المنصات، والكاريزما والأسطورة تمثل التفوق والسيطرة أو «الشبحنة» في الوقت الحالي، أو كما يلخصها نجم الراب عصام ساتي في تراك «ساري الليل»، وهو يستمد قوته من صورة محمود عبد العزيز في الخلفية: «ما بموت زي البطل في الهند.. زي شرايط الحوت كل الأغاني تريند».

محمود عبد العزيز في ساري الليل

يوجد «الحوت» في إشارات عديدة سواء في الكليبات أو الأحاديث، مثل لقطة لمغني الراب «ود المزاد» مع صورة للحوت في إحدى المقاهي الشعبية في كليب «الله فوق زوزو»، وأحاديثهم عن تأثيره وأسطورته، ورغم ذلك يظل محمود عبد العزيز مثل السابقين، مجرد إشارات ورموز في الذاكرة السودانية بالنسبة للفنانين الشباب، لا حاجة للغناء لهم بل نحن امتداد لهم. كان هذا المبدأ أساس عملية «سودنة الراب»، المصطلح الذي كان يشغل الجميع في بداية ظهور الراب على السوشيال ميديا والمنتديات والجروبات الخاصة، حين كانت البدايات مثل أي مجتمع آخر، راب أمريكي لا أساس له في السودان.

في مصر، كانت المهرجانات تمهيدًا للراب أو فيما أطلق عليه «التراب الشعبي» وموجة مروان بابلو وويجز ومولوتوف ومروان موسى وعفروتو وغيرهم، وفي السودان كان «الزنق» تمهيدًا للراب السوداني أيضًا، والذي للدقة أرى تصنيفه الآن كراب سوداني ظلمًا له، لكونه أشمل وأكثر تنوعًا، بفضل الصيغة الموسيقية الجذابة التي يطرحها الفنانون الجدد حاليًا، والتي لا تقارن بأي منتج آخر في البلاد العربية حتى الآن.

أعتبر البداية الحقيقية لهذه التوليفة مع مجموعة «موسيقى 56»، تقريبًا في 2016 و2017، بإنتاج راب يقوم بالأساس على القاموس اللغوي السوداني الشعبي والتلفزيوني والموسيقي، مثل رائعة «مزيكا حواري»، التراك الذي عرفته لأول مرة من أرشيف مجلة «الرصة» وتصفه بالنشيد الرسمي للراب السوداني- استخدم التراك موسيقى أشبه بموسيقى برامج التلفزيون الرسمية في السودان كخلفية للكلام والإيقاع والأداء الجديد، تمامًا مع ما حدث بعد ذلك، باعتبار القديم كله خلفية للجديد ونقطة انطلاق فقط، أو بشكل تقني «شات آوت للرموز» في الكلمات و«سامبلينغ» في الإنتاج الموسيقي.

وبعد عدة تجارب في إعادة إنتاج الراب الأمريكي المتأثر بالأداء الخليجي في تلك الفترة، انطلقت الموجة الموسيقية السودانية الجديدة دون الوقوف طويلًا أمام إشكالية «سودنة الراب»، لم يشغلوا بالهم كثيرًا بنقاشات السابقين في تصنيف الموسيقى وقولبتها وتحديد معاييرها ومصطلحاتها، واتخذت التجارب عدة اتجاهات، كانت أولها الانفتاح على الأفرو بيت، كتفرع عن «الزنق» وأسلوب عالمي عنه، وفي نفس الوقت أكثر ملاءمة للأصوات السودانية وأدائها ولهجتها.

الراب السوداني يعرف التريند

كانت هذه التركيبة بداية شهرة الراب السوداني الجديد في الخارج وتصدر التريند، بأغاني غزلية وساخرة وراقصة واحتفالية، بالتحديد في 2019 و2020 في ثنائية «مارسيمبا» بين «سيدو سيمبا» و«مازمارس»، اللذان أنتجا سلسلة من الأغاني بنفس الطريقة ولاقت رواج تريندي كبير مثل «ما مهم» و«كنداكة» و«كيف وكيف» وغيرها.

استمر هذا الاتجاه بأشكال أخرى في تجارب لفنانين آخرين مثل «سولجا»، الذي يقدم نفسه كـ«رحالة» غير ملتزم بشيء محدد، فهو قدم في ألبومه الأول «نوماديك» إيقاعات وموسيقى مغربية وأمازيغية، مع الاعتماد على منتج موسيقي مصري «77» ومنتج أسترالي «Bassline8»، تنوع سولجا بين الإيقاعات الإفريقية والمغاربية والغربية أيضًا مثل أشهر أغانيه في تلك الفترة «شارلستون»، وكان تميزه بجانب كاريزمته القوية في الأغاني الاحتفالية والتلاعب اللفظي والتنقل السريع بين الأشكال الإيقاعية والموسيقية، ربما تأثرًا بالقدرات اللغوية في التراب المصري ورغبة في تأكيد عالميته سريعًا، لذلك لم يتوقف هو الآخر كثيرًا أمام «سودنة الراب»، رغم إنتاج بعض الأعمال التي تحتفي بالموسيقى السودانية الشعبية مثل تراك «قصص» الذي يعتبر تراك زنق خالص.

لم تفتقد هذه الموجة الروح السودانية الأصلية فقط، ولكن أيضًا افتقدت الهموم والعمق في الطرح الغنائي، وهي عناصر هامة في الذائقة السودانية وفي الراب أيضًا، زادت هذه الجرعة فيما بعد مع اندلاع الحرب في السودان، التي أنهت سريعًا الأجواء الاحتفالية في السين السوداني بعد نجاح الثورة السودانية، وبدأت موضوعات الحزن واليأس والكآبة تأخذ طريقها في الراب السوداني، وكانت أساس تجربة مغني الراب حليم تاج السر في أعماله الأولى مثل «فوضى» و«بتتجازف» و«شرارة»، وكذلك مغني الراب ودى المزاد بأدائه الغاضب في تراكات مثل «أنا ما معاكم» و«واحد تاني» و«ما في الأرض» وغيرها.

الفنان حليم تاج السر

وصلت نبرة الغضب إلى أوجها في تراك «شبعان ثقافة» لعصام ساتي، الذي أعتبره أجرأ تراك راب عربي عمومًا، لدرجة أن ساتي لم يطرح نسخة مسجلة منه على قناته بيوتيوب، ينتقد ساتي في التراك الجميع دون حسابات: «عامل زي ناس السياسة، بفصل الوطن والدين زي القماشة.. متغدي طاعة يا فاطر حجاب.. مافي عيش؟ بنوم جعان، وبصحى شبعان كلام عن الختان.. بنشر رسايلي ومنهج التصوف، بالموسيقى ما بخوض صراعات، أنا ما بسليك.. بفتح راسك واملاه.. ما زي اللي بيغني ومافاهم غناه».

استقرت الموجة في نظري إلى النقطة الأعمق وأكثر مستوى مثالي في صيف 2022، بظهور صيغة موسيقية سودانية فريدة وأصلية، طرح وقتها أمين الهندي الشهير بـ«شيخ الطريقة» تراك «جيبولي» مع نونة العنكبوتة بالتزامن مع بداية مشروع عصام ساتي مع علي نصر الدين في تراك «أهل العمار». تلقيتُ التراكين في نفس الفترة، لم أستطع فصلهما عن بعضهما، هما مشروع واحد ولكن بطريقتي تناول مختلفتين. شعرت لأول مرة كمستمع بالتطور الطبيعي للأغنية السودانية التي كنت أفضلها في مراهقتي في أسوان: هذا هو شكل الأغنية الجنوبية الحديثة كما يجب أن يكون.

أمين الهندي- شيخ الطريقة

قدم «شيخ الطريقة» في تراكه السابق أجواء الزار وإيقاعات الذكر في صورة أغنية عصرية راقصة ومليئة بالطاقة الجديدة، خاصة من صوت نونة العنكبوتة، الذي عوض نقص الجانب الطربي والحلقي الذي تفتقده الأغنية السودانية الجديدة، كان قديمًا أساس الأغنية السودانية الآن أصبح جزءًا منها بجانب العناصر الأخرى الجديدة، ومنها الكلمات الجريئة على لسان «شيخ الطريقة»: «مسجون في غربة ممنوع اسافر، مؤمن بي ربي لكن في الشهادة كافر، ما بثق في الكاكي من قمتا ضد البوت، تسقط أيقونة تحيا نون العنكبوت»، كانت المفاجأة بعد أن عرفت في التعليقات أن نونة العنكبوتة هي مطربة شعبية وزنق سوداني، لم ألاحظ ذلك في الكليب ولكن الجمهور السوداني كان منبهرًا من هذا الاستخدام غير المتوقع للراحلة نونة العنكبوتة في تراك راب!

أما في «أهل العمار»، استمرت نفس المعادلة أو التوليفة الصوتية، ولكن بدلًا من صوت نونة العنكبوتة جاء أداء علي نصر الدين الطربي والقوي بجانب كلمات وأداء عصام ساتي، وطغت الروح الصوفية على الأغنية، التي تنقلك مباشرة إلى حلقات الذكر وفرق المديح في السودان ومستلهمة روح الفولكلور، وكان المنتج الموسيقي «mshakel beatz» العنصر المشترك أيضًا بين العملين، واستمر دوره بعد ذلك بقوة في الموجة الجديدة، واستمر أيضًا الثنائي عصام ساتي وعلي نصر الدين في ثنائيتهما الغنائية في عدة أعمال فارقة في الموجة السودانية الجديدة.

كرر «شيخ الطريقة» الطريقة نفسها في عدة تراكات أخرى، مثل «لولا» مع المطربة رؤى النعيم والمنتج «مشاكل»، وفاجأ الجميع في هذا التراك بزيادة جرعة الجرأة في التلاعب اللفظي متقمصًا شخصية «الولي» أو «شيخ الطريقة»: «بستفتي قلبي ما بتشاكل مع ضميري، انا البحدد دايما كيف يكون مصيري.. بكتب كلام مقدس ما شغل تجاري.. شيخ الطريقة الأب الروحي ف لازم تبرو، لما تنطق اسمي قولو قدس الله سرو»، ومن بعده تراك «شيوخ فقرا» مع رؤى و«مشاكل» أيضًا، وسبقها تجربة غناء سياسي خارج السياق مع رؤى في تراك «ما تقتلونا».

في حين قدم عصام ساتي مع علي نصر الدين و«مشاكل»، جرعة مكثفة من الشجن في تراك «أبوي الشيخ»، وكأنه يبرر اتجاه «الدروشة» في الأغنية السودانية: «من الجروح زرنا الشيوخ»، مع أداء علي نصر الدين البلوزي وهو يناجي الشيوخ من فرط اليأس في إصلاح الأحوال: «أبوي الشيخ جيب الفرح.. أبوي الشيخ قلبي انجرح.. يابا»، مع شكوى عصام ساتي وكآبته: «مع كل خطوة تطلع القلب بيضلم.. بلد ملعونة منفاها الشوارع، البيوت سجونها.. الغربة لا تنسي لا بتعمل زول، لسة قلب أخوك هناك في البلد دي مقتول».

الصيغة المثالية للأغنية السودانية الحديثة

عرفت بعد ذلك من أحد اللقاءات أن عصام ساتي في الأساس شاعر ومتأثر بشعراء الصوفية واتجه إلى الراب ليعبر عن أفكاره بأسلوبه الشعري المكثف المؤثر، ووجد نفسه مع صوت علي نصر الدين، القادم من الأغنية العاطفية السودانية. كون الثنائي تجربة احترافية كورشة عمل، يتبادلان الأدوار بين الشاعر والمؤدي والمنتج الفني والملحن أيضًا، بجانب تجربة إنتاج احترافية مع شركة «نيلوس» مع المنتج محمد كبلو.

عصام ساتي وعلي نصر الدين

قدمت «نيلوس» بعدها إنتاجات أخرى في نفس السياق، ومنها المحطة البارزة في تراك «ساري الليل» لعصام ساتي وعلي نصر الدين بنفس الروح الصوفية، ولكن مع المنتج الموسيقي «عمدة- Omda Beats»، حصلت الموسيقى في التراك على الدور الأكبر هذه المرة، بتوزيع موسيقي بالآلات الحية والكمان والجيتار وغيرها، واعتبر التراك أكثر أعمالهما جودة صوتية ونضج موسيقي.

طلبت من موزع ومنتج الأغنية، «عمدة»، شرح تفاصيل فكرة إنتاج «ساري الليل» بالتحديد بسبب جودتها المختلفة في الصوت والموسيقى، أخبرني أنه أدخل بالأغنية إيقاع السيرة، وهو إيقاع سوداني قديم جدًا: «إيقاع بيحبه الشعب السوداني كله، إيقاع مشهور في كل المناسبات الحزينة والأفراح والحروب والحماسة والمناسبات الكبيرة.. واتضح مؤخرًا إنه محبوب عالميًا، وكلموني ناس من دول أوروبية على ساري الليل دي تحديدًا.. وعملت معاه الإيقاع الأفرو».

قدم عمدة في الأغنية تصنيف موسيقي جديد، أطلق عليه مع زملائه في العمل «سوداني تايب بيت»: «هو توليفة جديدة وعملتها لأول مرة، والناس حبوا الفكرة والناس بقت تعمل الخلطات دي بصور مختلفة، وكان الفلكلور السوداني حاضر والأدوات والإيقاعات العالمية حاضرة في العمل».

المنتج الموسيقي عمدة

بعدها، حصل الثنائي ساتي ونصر الدين على استراحة بتراك احتفالي في «نسيم شبال» مع عمدة، مستخدمين عنوان أغنية الفنان كمال ترباس «نسيم شبال»، استعرض عصام ساتي في الكليب قدراته اللغوية متفاخرًا بتفوقه «سايق جَمل مركوب بتاع جلابة، صايغ جُمل بس تقول ولد دهاية.. إحنا الناس التقال مواليد مناطق الشدة».

أخبرت عمدة بشعوري أن هناك فكرة واحدة ورابط مشترك بين أعماله الثلاثة مع ساتي ونصر الدين «ساري الليل» و«نسيم شبال» و«ميلينا»، وأنها تبدو كموسيقى سودانية 100%، مع اختلاف التوزيع والإيقاعات في كل عمل، ورأى هو أن هذا الشعور نابع من مشروعه الشخصي المتأثر بالموسيقى الصوفية ولانه منحدر من أسرة صوفية: «اللحن الصوفي دايمًا بيلامس الوجدان، وفيه روح وطعم بلدي ودي حاجة كل الناس بيحبوها، والصوفية متجذرة في السودان والمصريين بيحبوا الموود الصوفي والوطن العربي أيضًا، أنا عامل خلطة بين الموود الصوفي والموسيقى السودانية القديمة والموسيقى العالمية الجديدة بروح فلكلور.. وده التشابه في فكرة المشروع والاختلاف في الإيقاعات والموسيقى».

وكأن الموجة السودانية وجدت أخيرًا المعادلة والصيغة المثالية، التي تجمع بين الجديد والقديم، بثنائيات مستمرة بين الاتجاهين، وبزيارة مناطق جديدة بعد الدروشة والصوفية والزار. وحاليًا عادت إلى الأغاني العاطفية والنوبية أيضًا، بعد لقاء مشروع عصام ساتي وعلي نصر الدين الطموح مع الصوت النسائي الأول في السودان حاليًا، إيمان الشريف، في تراك «ميلينا» مع المنتج عمدة أيضًا، اتسعت ورشة العمل بانضمام علي نصر الدين كملحن وكورس، وعصام ساتي كرابر، وإيمان الشريف كمطربة رئيسية، والشاعر أحمد كوستي، شريك إيمان الشريف في أعمالها، وأخيرًا مخرج الكليب عمر جامايكا.

أصبح تراك «مالينا» العمل السوداني الأبرز في 2025، عمل قُدم كأنه احتفال بما وصلت إليه الموجة الجديدة واستعراض لإمكانياتها الإنتاجية أيضًا، مثل اختيار تصوير الكليب بأجواء «قراصنة الكاريبي»، ولكن التأثير الحقيقي كان في هذه التجميعة، التي يراها علي نصر الدين كأنها مجموعة في مهمة فنية، مثلما يقول عنها على صفحته بفيسبوك بعد طرح الأغنية: «في موسيقي 56، إحنا مؤمنين إن الموسيقى السودانية تمتلك نكهة خاصة، لكن عشان توصل للعالم، لازم تتلبس ثوب جديد يناسب القوالب العالمية ويحافظ في نفس الوقت على روحه الأصيلة، ومن هنا بدأ مشروعنا في موسيقي 56 (سودنو)، مشروع بيجمع بين الإبداع السوداني المحلي واللمسات الموسيقية العالمية، في محاولة جادة لتقديم هوية موسيقية سودانية عصرية، تكون قادرة تخترق كل الآذان، وتوصل كل القلوب، وتقديم الموسيقى السودانية بلمسة حديثة قادرة على الانتشار عالميًا، وبناء مكتبة صوتية تدمج بين الجذور والحداثة، وتلهم جيل جديد من المستمعين والفنانين.. «سودنو» هو مشروع بنسودن به العالم».

أما إيمان الشريف فهي الصوت النسائي الأبرز للموجة السودانية الجديدة، بجمعها بين نشأتها بالأفراح واكتسابها للاحترافية مؤخرًا، تلتزم بحفلات الزفاف كمصدر رئيسي للعمل ولا تنسى أرشيفها بإطلاق أغاني بشكل منتظم وبجودة عالية، تتنوع بين الأنواع الموسيقية السودانية بصوتها الدافيء وطاقتها الرهيبة، من الأغاني العاطفية إلى الشعبية، ومؤخراً النوبية- السودانية في أغنية «شتيل القماير» مع المنتج «مشاكل»، منتجين تراك شعبي بطابع نوبي، وتلعب إيمان في منطقة غير مستغلة ولا ينافسها بها أحد.

هذا الطابع النوبي قدمه «ود المزاد» أيضًا في تراكاته الأخيرة مثل «سمرا» مع المغني النوبي أمجد صابر، اعتبر هذا التراك أول عمل موسيقي نوبي احترافي منذ أعمال منير القديمة، وصور أيضًا في مدينة أسوان، بالإضافة إلى تراك «الله فوق زوزو»، التي استخدم بها الأغنية المحببة للنوبيين للفنان السوداني خضر بشير، وانضم رسميًا إلى الموجة جديدة في تراك «ست الودع» مع «مشاكل» والمطربة إيلاف عبد العزيز، ليكمل مسيرة شيخ الطريقة وعصام ساتي وعلي نصر الدين، بثنائية مع إيلاف، وبدلًا من مناجاة الشيوخ والأولياء يناجي قارئة الودع.

الفنان ود المزاد

في أعماله الثلاثة قدم «ود المزاد» صور مختلفة عن مصر، بعين النازح، بداية من أسوان في «سمرا» والجيزة في «الله فوق زوزو» والقاهرة القديمة والحسين في «ست الودع». جاءت القاهرة أيضًا بعين مختلفة في تراك «مانديلا» لحليم تاج السر، برصد رحلة ومعاناة نازح سوداني إلى القاهرة. وبعيدًا عن الصورة، اعتقدت في البداية أن النزوح كفكرة كفيلة بإحياء الذكريات والروح السودانية في الموسيقى الجديدة، بجانب توافر المنفذ الغائب للأغنية السودانية في الأفراح والحفلات والنوادي -في السعودية والإمارات أيضًا- كاستكمال للحياة الموسيقية التي توقفت في الثمانينيات في السودان.

ولكن المنتج الموسيقي عمدة يضيف تأثيرات أخرى، ومنها التأثر بالسين المصري وحركة الإنتاج في مصر: «وجودنا في مصر كان له دور كبير في التكنولوجيا والتطور في الهندسة الصوتية والمعدات ومعدات التصوير.. واستفدت كثيرًا من السين المصري، هو أقوى سين في الوطن العربي بصراحة، خصوصا الهندسة الصوتية، إزاي بيطلعوا الصوت نضيف وإزاي توزيع الآلات في السماعات والمؤثرات الصوتية وبعض الإضافات.. الحاجة دي المصريين شاطرين فيها جدًا جدًا، ولما جيت هنا احتكيت بمهندسين صوت ماشاء الله عليهم».

يعتبر عمدة الثورة السودانية نقطة انطلاق الجيل الجديد لأنها «شكلت ثورة وعي للشباب، وتمردنا على الأغاني القديمة، واخترعنا أسلوبنا وثقافتنا، وخلطنا المودرن ستايل بالكالتشر ستايل، خلقنا الستايل العالمي بالستايل المحلي البحت»، والآن أصبحت الأزمة السودانية مصدر الإلهام: «المعاناة تولد الإبداع، حاليًا البلد كلها بتعاني من التهجير والبعد عن الأهل والحروب.. يخلي الناس تكتب بصدق أكثر وتعمل مزيكا بصدق أكتر.. السبب الثاني السوشيال ميديا والانفتاح على العالم وعلى الإيقاعات المصرية والمغربية والعالمية، حاولنا نطور أسلوبنا إحنا ونكون عندنا نكهة خاصة ما تكون موجودة في أي سين تاني».

يهدف عمدة في النهاية مع زملائه إلى توصيل صوت الشعب السوداني وأفكاره وأحواله وهو ما يجعل «الموضوع بالنسبة لهم أكبر من المزيكا وأكبر من الفن بكتير». وفي النهاية اختتم بما ذكره عمدة عن ما ينقص السين السوداني حاليًا:«عايزين تغطية أكبر، إنتاج أكتر، الشباب يتوحدوا أكتر ويكون في رؤية وبرامج وعايزين رعايات من الدولة، وعايزين وزارة الثقافة والإعلام السودانية تنتبه للموجة الجديدة وتدعمها، مفيش دعم نهائي من أي جهة، كل الشغل فردي، ومتأكد لسة في مواهب ما رأت النور، عايزين منابر ومسارح ويكون في منح ودعم للمشاريع الموسيقية، محتاجين ناس يحصلوا على فرص لدراسة التسجيل والتصوير والإضاءة وغيرها، ودعم من كل الأطياف سواء من المجتمع المدني أو من الحكومة بالتحديد وغيرها». 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن