أطياف التمرد والدروشة والتطهر في «سر» مريم صالح
يومًا ما، تحديدًا ما بين أوائل 2008 وأواخر 2010، كنت راكب مشروع/ميكروباص مع صديقي رامي في طريقنا لـ«جيزويت» الإسكندرية لحضور حفلة فرقة «بركة». كنا وقتها نحلم بتكوين باند روك بطابع عربي؛ كانت نواة الباند أنا على الدرامز ورامي على البيز جيتار. كان عندنا فضول نعرف «الباند» اللي سبقنا بـ«صوت أنثوي مميز»، ويومها رأيت مريم صالح لايف لأول مرة.
بعد أكثر من 16 سنة، في أوائل 2026، كنت مع صديقي، تاح الزاهد، في منزله بالشيخ زايد، يُسمعني «درافت» جديد من ألبومه الذي يعمل عليه بعد توقفه عن الإنتاج الموسيقي سنوات منذ تفكك فرقته الموسيقية «30 فبراير»، بعدها تحركنا لـ«كايرو جاز 610» بسيارته لحضور سهرة «حلا ويلا» (المشروع المشترك بين زيد حمدان ومريم).
تأكد عندي شعور أن مريم تتلبسها «روح» أول ما تمسك المايك وتقف أمام جمهور، حالة من التماهي مع الموسيقى لم أرها سوى عند قليلين مثل الشاب خالد، وياسمين حمدان، وعبد الباسط حمودة. 16 سنة ولا تزال مريم بنفس الروح والطاقة والدروشة. ما بين الـ«لايفين»، كانت مريم مليئة بأسرار ومفاجآت؛ من فيديو كليب تظهر فيه محجبة تغني «إصلاحات» بموسيقى إلكترونية (اللقطة التي نسفت فكرة مغنية الروك العربي)، وحتى الجرافيتي الذي أغرق وسط البلد دعاية لألبوم «مش بغني»، وصولًا إلى ألبوم «الإخفاء» وهي تغني كلمة «شرموطة» بكل جرأة وأريحية ودون فجاجة، وسط أغنية «تسكر تبكي» وأخيرًا ألبومها الجديد «سر».

الكوميونتي
ما بين محاولة وضع مريم في قالب لفهم مشروعها الموسيقي، نشأت بيني وبين فنها علاقة «حب/كره»؛ ما بين إعجابي المبالغ فيه بدروشتها على المسرح، أو إحساسي أحيانًا أنها مبالغة «أفورة». حالة من الحيرة ما بين كلمات طازجة تعبر بصدق عن جيلنا من شعراء مثل ميدو زهير ومحمد إبراهيم وعمر مصطفى، وبعض الكلمات الغارقة في كليشيهات المفردات الكلاسيكية مثل كلمات أحمد فؤاد نجم.
مرحلة الحيرة والتوهان التي يشعر بها الفنان تجاه ما يقدمه من فن في اعتقادي هي ضرورة، لأن صورة الفنان المتأكد التي ظهرت لنا في السنوات الأخيرة ترتبط عادة بفن جيد الصنع ولكن مجرّد من الروح. أضع مريم في كفة الفنان غير المتأكد وليس الفنان الحرفي، وتأكد لي ذلك عندما عبرت عن شكرها وامتنانها بعد جلسة استماع ألبوم «سر»، بالمعهد الفرنسي لكل الأشخاص الذين آمنوا بالمشروع في أول مرحلة و«حموه»، وأضافت أن من أسرار نجاح أي مشروع فني هو أن يحاوط الفنان نفسه بما أسمته وكررته ثلاثًا «الكوميونتي، الكوميونتي، الكوميونتي».
شخصية مريم
مريم قالت أيضًا بعد الجلسة إن الألبوم كان نتاج مرحلة الكورونا واكتئاب بعد الحمل، وهو ما يفسر اسمه المسمى على اسم ابنتها «سر»، ولكن من زاوية أخرى يبدو أن مريم قررت البوح بسر أو أسرار عن ذاتها، وهو ما ظهر في كون الألبوم كله من كتابتها، وهي كتابات ذاتية وشخصية، كما لو أنها قررت مواجهة نفسها أو تحديها، وذلك ما جعل الكلمات صادقة تتسلل إلى القلب سريعًا، بالإضافة إلى كونها كلمات طازجة تنتمي إلى جيلنا، رغم أن بعض الكلمات ذات الخلفية الفاجومية تظهر متفرقة في الألبوم، وهو شيء منطقي وبديهي من خلال نشأة مريم الفنية والشخصية، حيث كان أحمد فؤاد نجم صديقًا لعائلتها، وله وجود قوي وطاغٍ على طفولتها، والتي تختلف عن نشأتي مثلًا، التي تميل فيها أذني إلى كلمات دارجة دون حفلطة مثل كلمات سيد حجاب في تترات تمثليات التسعينيات أو مجدي نجيب وعبد الرحيم منصور في الأغاني. ولكن رغم أن تذوق المصطلحات شيء شخصي للغاية، تظل هذه المصطلحات جزءًا صادقًا من شخصية مريم.
يأتي الألبوم تحت مظلة «تسجيلات سمسارة» التي تهتم بالموسيقى المستقلة في العالم العربي، والتي أنتجت من قبل ألبوم «نزهة النفوس»، لنانسي منير، القائم على ترميم وإعادة توزيع أغانٍ مصرية كلاسيكية، لفنانين جرى تجاهلهم من قبل مؤتمر الموسيقى العربية بالقاهرة عام 1931، كذلك لا يأتي ألبوم «سر» تحت چُنرا موسيقية محددة، لكن تختار مريم أنواع من القوالب الموسيقية لم يجرِ توثيقها في نفس المؤتمر مثل العدودة والهدهدة، ما جعل الألبوم حرًا ومتمردًا ومتسقًا أكثر مع شخصيتها.
تعوّدنا نحن -جيل شرائط الكاسيت- أن الألبوم الموسيقي أو الشريط وجهان، لكن إمعانًا في التمرد تأتي مريم بشريط بثلاثة أوجه يعبرون عن ثلاث مراحل شخصية، وكل مرحلة ثلاث أغنيات، تشاركت فيها الإنتاج الموسيقي مع موريس لوقا وكاميليا جبران، بالاشتراك مع الوايلي ونانسي منير في بعض الأغاني.
الوجه الأول.. الأصل والصورة
يبدأ الألبوم بصوت مريم فقط ثم تدخل الآلات الموسيقية تباعًا بشكل تدريجي، ما يجعلها واحدة من أفضل وأذكي الدخلات الموسيقية في ألبوم. والأغنية تعبر عن علاقة عاطفية بدأت بزهرة حب وانتهت بـ«موضوع تاني»، وهو عنوان الأغنية، التي تبدو أنها جاءت كحالة تطهر ورثاء من وعلى هذه العلاقة الهشة، التي كانت واعدة في البداية قبل انهيارها، وتقسم الناس في العلاقات إلى «ناس تشفط وناس عادي وناس بتخاف».
أما أغنية «الفقد»، فقبل اختزالها، كانت -كما أوضحت مريم في جلسة الاستماع- أربع صفحات مقاس كبير، ثم وصلت لنصف صفحة، وهو عدد كبير أيضًا من الكلمات على أغنية، ناهيك بصعوبة التلحين والتوزيع الموسيقي، وأتفهم ذلك الحجم من الكلمات بسبب طبيعة الأغنية التي تغوص في معنى الفقد وتوصيف إحساسه.

تأتي الأغاني لمريم على هيئة رموز، ولكل أغنية في الألبوم رمز من إنتاج استديو «الفرجة»، القائم على الهوية البصرية الكاملة للألبوم، ومن رسوم الفنان عمر مصطفي. أما رمز الفقد كان ثقبًا عميقًا داخل دائرة سوداء محاط بفراغ أبيض ويحدده دائرة سوداء، ويتجلى الفقد عند مريم في وفاة والدها المخرج المسرحي صالح سعد، في حادث هو الأكثر مأساوية في تاريخ الثقافة المصرية، وهو حريق مسرح بني سويف، وتؤكد مريم ذلك في كلمات «أبويا كان الأمل طلع أغاني أمان.. عماد بروحه اتصل وصالح أنده يبان».
تأتي الأغنية الثالثة والأخيرة في هذه المرحلة تحت اسم «الفطرة» برمز «الكا» الفرعوني الذي يعبر عن القرين، دائمًا ما تتكلم مريم في اللقاءات والبودكاست أن الأفكار أو الرموز «بتيجي لها» وأنها تؤمن بالروحانيات، ما يرسخ لصورة الدرويشة المتعلقة بعوالم أخرى. على الرغم من ذلك فـ«الفطرة» أكثر أغنية كاتشي وخفيفة على الأذن، وأعتقد أن السبب المباشر مشاركة «الوايلي» في توزيع الأغنية، ما أضاف هذا البعد والبصمة الواضحة لموسيقاه. ويبدو أن هناك اتفاقًا عامًا من القائمين على الألبوم على ذلك، فهي الأغنية الوحيدة التي لها فيديو موسيقي تظهر فيه مريم حتى الآن، لكن بشكل مختلف، حيث تظهر داخل تكوين بيضاوي ومن حولها تظهر رموز من روح الألبوم. وكلمات الأغنية مثل «رقبتي سدادة.. ما تخفش يا حمادة.. فين الهموم وأنا أشيل».

الوجه الثاني.. المركبة
عند دخولنا قاعة جلسة الاستماع وُزع علينا مراكب ورقية تحتوي على كلمات الألبوم، تسمي مريم المرحلة الثانية بـ«المركبة»، وهي مرحلة الأسئلة الوجودية والتبحر في المعاني. في أغنية «نفس» أول أغاني هذه المرحلة تتعمق مريم في معنى الحزن والمعاناة، وفي سبل النجاة ومدى جدواها «دورت جوه الحب.. فالمعاناة صبحت نوعين»، غير أن الأغنية نفسها تبدأ بتساؤل وجودي واضح «إيه معنى إني حزين؟».
تستمر الأسئلة الوجودية في أغنية «معنى» وتتسع التساؤلات عن جدوى الفن في كلمات «إيه المعنى والمعاني.. في الفن وفي الأغاني»، ثم محاولة الوصول لإجابات مثل كلمات «لحني لما بعاني.. ينزل يحود يعمل متاني.. في طريق المجروحين» أو «تنور بالي فكرة.. ولما يجي بكرة.. نقبل لدموعنا قدرة.. ولا نبقى مقهورين».
تختتم مريم المرحلة الثانية بأغنية في قالب العدودة اسمها «ونس»، تبدو كإجابة لتساؤلات المرحلة الوجودية وأن دائمًا الإجابة تكمن في الونس والانبساط، وتبدأها بكلمات «الناس عطاشى ياوله للانبساط»، وتؤكد أن دروب الحيارى دائمًا تحمل وجهين «ضلمة وشوف.. وش وجوف.. حب وخوف».
الوجه الثالث.. حدس وصدى
تبدأ مريم المرحلة الثالثة بأغنية «قلب» ورمزها مفتاح الحياة في تأكيد على فكرة أن محرك الإنسان أو الفنان الحقيقي هو قلبه أو حدسه أو روحه كما جاءت في كلمات الأغنية «الروح بتشوف والعقل يبدي.. والجسم يروح على طول ويأدي»، وكيف تكون اختيارات الروح هي الهداية وقت التوهان والحيرة «الاختيارات حواليا تطوف.. ماهي الروح أصلًا بتشوف»، في هذه الكلمات تلمح مرة أخرى طيف الدروشة، لكن تختتم مريم الأغنية بكلمتين هما الحد الفاصل بين الجنان والدروشة وهما «العقل يهدي».
تبدأ مريم الأغنية الثانية من المرحلة الأخيرة «خيال» باقتباس من محمود درويش «ولنا في الحياة خيال» وتضع لها رمز اللانهائية الخاص بالرياضيات، في دلالة عن عدم محدودية الخيال، وهو الجزء الآخر بجانب الروح الذي يمثل الحدس مع دخول توازنات العقل في المعادلة تكون الحسبة موزونة بين الفن والجنان «عقل راكب نفسي مشحونة.. أظن دي حسبة الراحة.. سيبت خالص ماشي مجنونة.. امشي عادي بس بالراحة».
إذا كان الحدس مكون من خيال وروح فالصدى «نداء» آخر أغنية في الألبوم ونهاية مثل البداية هادئة بصوت مريم مع صوت صحراء أو جو عاصف في الخلفية، ثم تدخل الموسيقى بشكل انسيابي ليكون واحدًا من أفضل التوزيعات الموسيقية في الألبوم مع كلمات ترسخ حالة الدروشة «حدس وصدى اللي بدا إنه كده.. ده جنان وشد» وإمعانًا في حالة الوضوح التي تبعث الحيرة والتأكيد على الصدق «حدسي اللي أيوه بصدقه.. دلوقتي قادرة أوضحه.. صادقين من أرض طيبة.. بس النفوس مترددة»، من واحدة ندهتها النداهة تطمئن مريم كل المندوهين «إلى كل مين يفتكره داء.. دي حاجات بجد» «الكل جاله بس مين يحققه.. والي جاله يصدقه» ثم تنهي مريم الأغنية والمرحلة والألبوم بنصيحة «لبوا الندا.. لبوا الندا.. لبوا الندا..».
ينتظر مريم صالح وفريقها تحدٍ موسيقي كبير في تحويل هذا الألبوم بكل طبقاته إلى لايف، وأنتظر بشدة بداية الجولات الموسيقية وسماع الألبوم في حفلة قريبًا، رغم أنني لا أملك أي تصور عن الشكل الموسيقي الذي سيظهر به، ولكن كلي تأكد أن مريم سوف تتلبسها نفس الروح، بمجرد وقوفها على المسرح.
تقارير ذات صلة
الأغنية في أفلام داود عبد السيد
تُختار الأغاني بعناية ودقة، لا تشعر بها في أغلب الوقت، ولكنها تضيف بعدًا للمشهد
بلاي ليست «البوب الجديد»: أغاني واكتشافات سوق الموسيقى في 2025
ما خرجنا به من سوق أغاني 2025 الجماهيرية
«فهمان دنيا وراب»: هكذا تحدث مروان موسى
محاولة لاكتشاف المزيد عن عالم مروان موسى الحقيقي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن