«موسم الأوقات العالية».. تأملات الخيميائي في الزمان والمكان
يقول المخرج الروسي الكبير أندريه تاركوفسكي في كتابه «النحت في الزمن»: «المفارقة أنه كلما كان العمل [الفني] متكاملًا، شعر المرء بغياب أي تداعيات يولّدها العمل. أو ربما أنه قادر على توليد عدد لا متناه من من التداعيات والذي، جوهريًا، يعني الشيء نفسه».
تؤكد قصص الكاتب والشاعر والمترجم المصري، ياسر عبد اللطيف، على مفارقة تاركوفسكي. ورغم أن مجموعته الأخيرة «موسم الأوقات العالية» -الكتب خان، القاهرة- تمزج المشهدية واللغة الوصفية بالعديد من الأسئلة والتأملات والإحالات إلى التاريخ الثقافي المصري، وما يخلقه هذا المزج من تداعيات، فإن خصوصية عالمها القصصي وحكاياتها الآسرة تجعلها أقرب إلى «فضاء منغلق على نفسه»، حسب تعريف تاركوفسكي لـ«التحفة الفنية».
ثمة توازن شديد بين العناصر المختلفة في «موسم الأوقات العالية»، بين الحكي والخطاب، الوصف والاستطراد، وأيضًا بين الذاتي والعام.
التوازن هو ما يجعل القارئ، في رأيي، إما منجذبًا مندهشًا إلى الكتابة «الرائقة» ومكتفيًا بها، أو قلقًا لإحساسه بغياب معنى ما، غياب قضية أو فكرة ما ورائية للعمل، حيث اعتاد في تلقيه للأدب أن يناقش العمل موضوعًا محددًا، أو أن يقدم نوعًا من «المورال».
يمكن ملاحظة استجابة القراء التي أقصدها في تعليقات رواد موقع جودريدز على مجموعة عبد اللطيف السابقة «يونس في أحشاء الحوت». سمح فوز المجموعة بجائزة ساويرس بتعرضها لشريحة أكبر من القراء، تتجاوز فكرة القارئ الخبير، أو الذي ينظر بألفة وتقدير إلى كتابة عبد اللطيف بشكل خاص. يتكرر في التعليقات الحديث عن غياب «الإشباع» عند قراءة القصص، أو المبالغة في «الذاتية» وتقدير الكاتب لتجربته الشخصية، أو التساؤل عن «غاية» كل قصة.
ما سبق يمكن أن يتكرر مع «موسم الأوقات العالية»، والتي حتى الآن لا زالت تُقرأ من قبل قارئ نوعي أو مهتم بتجربة الكاتب. لكن احتمالية وصول المجموعة إلى القائمة القصيرة لجائزة الملتقى أو الفوز بها، سيزيد من مساحة قراءتها، وهذا أمر جيد بالطبع.

ربما يبدو أن هذه القراءة ستحاول استخراج الأفكار والثيمات الفلسفية التي تتضمنها النصوص، إلا أن غرضها ليس تلخيص توجه فكري للنصوص ومفهوم محدد عن الكتابة، أو الفصل بين الأدبي والفلسفي/الفكري داخل العمل، بل البحث عن الصفات الخاصة والأبعاد الأخرى التي تمنحها قصص المجموعة للمفاهيم والأفكار والثيمات، وكيفية تضمينها داخل نسيج السرد.
المتسكع والمدينة
تسعى قصص المجموعة إلى إقامة علاقة خاصة مع المحيط المديني، إلى الانغماس في فضاءات المدينة وشوارعها وضواحيها وتجاربها اليومية. تسمح لنا اللوحات التي يرسمها عبد اللطيف بالاقتراب من المدينة حد لمسها، ومعرفة تفاصيلها الظاهرة وأمورها الصغيرة، المهملة والعَرَضية.
تتجول معظم شخصيات القصص، وتقوم بمسيرات ليلية في الشوارع الساكنة، أو جولات تسكع خلال اليوم عبر مسارات المدينة النابضة بالحياة. يوظف ياسر عبد اللطيف سمات شخصية المتسكع أو الفلانير flâneur في بناء العلاقة بين الفرد والمدينة، سواء كانت المدينة مختزلة في ضاحية المعادي، المكان الأثير في غالبية كتابات عبد اللطيف، أو ممثلة في شوارع وسط البلد، حيث تحاول الشخصيات أن تختبر العيش في متروبول مثل القاهرة.
برز المتسكع كإحدى الشخصيات الرئيسية في شعر بودلير وتصويره للحياة في مدينة باريس. وفي دراساته عن بودلير، قدم فالتر بنيامين تبصراته النافذة حول سمات المتسكع البودليري، وأهميته كمرجعية في رصد علاقة الذاكرة الفردية بالمتروبول، والتأريخ للحياة المدينية.
تتجلى في القصص السمات المختلفة للمتسكع/الفلانير، ويُضفي عليه السرد أبعادًا أخرى.
في قصة «موسم الأوقات العالية»، التي تحمل المجموعة عنوانها، تُحوّل شلة الأصدقاء شوارع المعادي إلى منزلها الخاص. يقول يونس عبد الواحد، راوي المجموعة العليم، كما يصف نفسه، إن جولات «الجنوح الليلي» كانت لها بعض المعالم ومحطات للتوقف والتقاط الأنفاس. وتستمر حتى طريق «مخر السيل» المؤدية إلى طرة. تغزو الشلة الشوارع حتى تستنفد الضاحية المعزولة «كل ما تستطيع تقديمه».

وفي «قصص الحب التأثيرية»، التي تُعتبر بمثابة تتمة أو تكملة (spin off) لدور يونس بعد تفكك شلة الثانوي، والانخراط في الحياة الجامعية، يصف الراوي نهاية تجربة التسكع القديمة في الضاحية، مع بداية الخروج منها إلى قلب المدينة قائلًا: «ينتهي إلى غير رجعة عصر غزو الشوارع ووسم أركانها بالعلامات…»، «وها أنا أغادر منطقة النفوذ التي رسَّمت حدودها بدفقات البول على الأشجار وبأعقاب السجائر المنثورة على طول الجبهات». كأن الشارع كان هو «الداخل» الحميمي، حيث جماعة الأصدقاء تسكن الشارع لا «البيت». أو كما يوضح بنيامين عن العلاقة بين الشارع وتجوال المتسكع: «يظهر الشارع نفسه على أنه قسم داخلي اهترأ لشدة الارتياد: بوصفه مكان معيشة الجماعة».
يصف راوي «قصص الحب التأثيرية» نفسه بأنه «متسكع قاهري». ورغم قراره بأن يُفرّغ فضاء القصة للحديث عن امتثال وحدها، وقصة الحب التي جمعت بينهما، فإنه يؤكد في تفاعله مع «الحشد» من حوله على سمة المراقبة، التي تقترن دائمًا بتجربة التسكع، كما يشير بنيامين. يلاحظ يونس/الراوي الناس من حوله، ويصير فضاء القصة، الذي رغب في تفريغه من أجل امتثال، عامرًا بالتفاصيل عن «الحشد»، أي عن زبائن مقهى «ركس»، مقهى الحبيبين المفضل، أو غيره من الشوارع والمقاهي في وسط البلد. إنه «في الحشد لكنه ليس منه»، ينظر إليه بترفع أو تحفظ، لكن دون احتقار أرستقراطي كما في حالة المتسكع الباريسي.
إضافة إلى ما سبق، فإن «المتسكع لا ينتسب إلى عصره»، وهو في حالة دائمة من التنقيب والتذكر. يحكي الراوي في نفس القصة عن مربع الأزبكية والتوفيقية وعماد الدين في قلب مدينة القاهرة، حيث «اختفت فنون الڤودڤيل والدرام، وتفككت الفرق القديمة، وأُغلقت معظم مسارح العصر الذهبي». ويرصد كيف تحولت المنطقة بما فيها من بشر ومطاعم ومقاه. يقول الراوي لامتثال وهما يتناولان الإفطار في المقصورة الجانبية لمقهى ركس: «هنا كان يجلس منذ ستين سنة نجيب الريحاني وبديع خيري واستيفان روستي». ويحكي لها عن جلوسه في «مقهى بباب اللوق في ممر خلفي بعمارة أنور وجدي، وصاحبه كان من مجاذيب فريد الأطرش». ويقول أيضًا: «روح نجيب الريحاني وعوالمه كانت لا تزال تخيم على فضاء منطقة عماد الدين والألفي. هو دون غيره أيقونة حي السهر المطبوعة على الهواء كعلامة مائية». في نهاية القصة تقول امتثال له: «انت عايز تفضل وسط أشباح نجيب الريحاني…».
توفر ثيمة «التسكع» للكاتب إمكانية الاسترسال في الحديث عن ذكريات المدينة ونجوم عصرها الذهبي دون أن تبتذل النوستالجيا السرد بعاطفيتها المفرطة. فغاية المتسكع هي التنقيب في ذاكرة المدينة.
ثمة تقاطع بين الحلم والتذكر والتسكع. تستحوذ الذاكرة على شخصيات القصص كما تفعل المدينة أيضًا. ويتمثل السرد متاهة الذاكرة اللاإرادية بوصفها شكلًا من أشكال التسكع في الزمن كما في المكان.
ويتجلى هذا في قصة «دراسة عن العشق الأوديبي» حيث النقلات السردية التي تطوف بنا في ذاكرة رجل أربعيني، بين حاضره وماضيه. يستحضر الراوي بدايات الوله بقريبته نورا، الطالبة الجامعية، وتفتح وعيه الحسي بالجسد الأنثوي، أو «الوثن الحسي» كما أطلق عليها. يصاحبها الحكي عن تجوله وهو طالب إعدادي بجوار سور جامعة القاهرة وحديقة الأورمان حتى وصوله إلى «المزارع التعليمية لكلية الزراعة» أو كما يسميها: «غابة استوائية في قلب المدينة». كأن الوصول إلى ذكرى عميقة في الذاكرة الفردية، ذكرى لحظة متعة أو لذة، يوازيه اكتشاف المخبوء والغريب من المدينة.
أما في «2005 أجرة القاهرة»، ورغم أن التجول يتم من خلال تاكسي متهالك، فإن الخزي الذي يغمر الراوي بعد مغادرة «العمران المديني» إلى ريف حدود محافظة القليوبية يُذكّره بالخزي الناجم عن رضاه بالعمل في إحدى منظمات المجتمع المدني، رغم علمه بتاريخ مديرها النضالي المزيف، وعبث المسألة برمتها.
يرافق الراوي زملاء إيطاليين في مهمة عمل إلى القرية من أجل معاينتها ومساعدة الأهالي، وإيجاد حل جذري لمشكلة تلوث المياه، والقيام بعمليات ترميم شبكات المياه والصرف. وذلك ضمن برنامج شراكة بين الجمعية الإيطالية في نابولي والجمعية التي يعمل بها الراوي في الجيزة. مع اكتشاف مدى تضرر القرية وتلوث مياهها وآثار البؤس والهزال على أهلها، يشعر الراوي بالخزي، كأن عورته انكشفت أمام الإيطاليين، وخاصة جينا التي يبدي اهتمامًا خاصًا بها. هذا الشعور يتشابك مع خزي آخر، خزي التقاعس المهني والجُبن في مواجهة المدير المنتفع. يتقاطع الحكي بين رحلة عودة الراوي وحيدًا في التاكسي حتى وصوله إلى منطقة «دير الملاك»، ومساءلة حياته الماضية، وأيضًا جلوسه مع جينا في شرفة فندق الأوديون في وسط البلد.
يمزج السرد الأمكنة والأزمنة من خلال التجول والتسكع، في المدينة، وداخل الذاكرة.
تأويل المدينة
لا يصير المتسكع كذلك حتى يقدم تأويله للمدينة. تتواتر في القصص الفقرات الوصفية لمكونات المدينة المختلفة، المعالم والأحياء والشوارع. سأورد بعضًا منها لأنه لن يتسع المقال لذكرها جميعًا.
في قصة «موسم الأوقات العالية»، يصف يونس نظام الري القديم للحدائق والمساحات الخضراء، وقنوات الصرف الضيقة، وبعد ردم الترع «تبقت الجسور والقنوات والآبار أشباحًا رمزية من الماضي». كما يصف مثلًا منطقة العجمي في الإسكندرية بأن الحشيش يأتي إليها «فخمًا من منابع استيراده على سواحل أبو تلات وسيدي كرير المجاورة».
وفي مقابل مجاز «المدينة في قارورة» الذي يستخدمه فالتر بنيامين، يطرح الراوي في «قصص الحب التأثيرية» مجازًا آخر: «المدينة على صحن». إذ يصف المسار من جنوب القاهرة إلى وسط البلد عبر شارع قصر العيني،ومنه إلى مناطق قلب العاصمة وكل أنحاء المدينة، يقول:
«تتقدم عينان في توغل بطيء من قصر العيني نحو اتساع الميدان، ثم تتوقفان لاختيار الوجهة: باب اللوق وقصر النيل؟ أم التوفيقية والأزبكية؟.. تضع المدينة على صحن، وبالسكين تقسمها إلى قطع صغيرة تأكلها، على مهل…».
تقدم النصوص المعرفة المتراكمة بالمدينة كنتاج ملاحظة الشخصيات للشوارع والفضاءات العامة. كأنهم يفصلون أنفسهم عن الحركة السريعة لشوارع المدينة من أجل تأملها. أو كما يوضح المؤرخ الأدبي، ريتشارد بارتون، في كتابه «الفلانير ومدينته»، فإن المتسكع «يقف مترفعًا في المدينة على الرغم من ظهوره في هيئة المنصهر فيها، هو يؤول كل جزء من مكوناتها المنفصلة بتراتبية تتيح له تكوين إدراك للنظام الكلي».
يتجاور وصف الأجزاء الصغيرة، الباقية والزائلة، مكونًا فسيفساء معقدة للمدينة، لا تهدف إلى اقتناص فوتوغرافيا المدينة في لحظة بعينها قدر رغبتها في تقديم صورة متعددة الطبقات. يزيح السرد القشور الخارجية عن مدينة القاهرة، الواحدة تلو الأخرى. فلا يكتفي برصد الماضي فقط كصورة مقابلة للحاضر، بل ينحت زمنًا في البانوراما المرسومة يمكّننا من الإحساس بعملية التحول نفسها، كما سأوضح لاحقًا.
تكشف ثيمة التسكع عن التناقضات التي تعامل بها المدينة سكانها. التسكع امتياز جندري للرجال.
أي أنه في مقابل إحساس الراحة الذي يغمر المتسكع «كونه موجودًا في الشوارع والفضاءات العامة، إذ أن مكون أساسي من شخصيته هو حرية المشاركة في حياة الشارع»، لا قلق ولا خوف ولا حسابات معقدة لتصرفاته، فإن «المدينة لا تمنح النساء نفس الحق في التجول الآمن»، كما توضح الباحثة العمرانية، ريم شريف. وتضيف: «وجود الأنثى في الشارع يستلزم إعطاء مبررات كافية، لتتجنب الوصم كعاهرة، فعاملات الجنس فقط هن من يقفن في الشوارع بلا هدف أو يتجولن بخطوات متمهلة!».
على خلفية هذا التناقض ينسج ياسر عبد اللطيف الحبكة التي تجعل عالم شلة الثانوي في المعادي يتقاطع مع عالم «صلاح أبو حلاوة» ذي الجلال الإجرامي، في غرفته بعزبة العسكري المتاخمة لليمان طرة.
في قصة «شهوة الملاك»، إعادة سرد لجريمة اغتصاب «فتاة المعادي» عام 1985، أو بالأدق مزج بين الواقعي والمتخيل، وفواصل حكائية عن المجرم والضحايا وشلة الأصدقاء. لكن عبد اللطيف يفتتح القصة بمشهد بالغ الدلالة، يعبّر بصدق عن طبيعة الوجود الأنثوي في فضاء المدينة، وأيضًا عن نفسية المراهقة والرغبة في المغامرة.
كان عاطف ويونس يدخنان في النافذة ليلًا حين لمحا «فتاة في بنطال وقميص أبيضين واقفة تدخن بمفردها.. وتبدو كمن لا ينتظر شيئًا». ورغم أن امتحان اللغة العربية بعد ساعات، فإنهما ينزلان إلى الشارع ويقتربان من الفتاة. وبعد التعارف، تخبرهما الفتاة أنها على استعداد لفعل أي شيء لكنها جائعة جدًا ويجب أن تأكل أولا. يذهبان مع الفتاة إلى عربة كبدة بجوار محطة قطار «ثكنات المعادي»، ويقابلان في الطريق وعند بائع الكبدة بقية الأصدقاء، ويستمر «الركب» في التزايد. ولأن الفتاة أخبرتهم بأنها «لا تقبل مضاجعات الهواء الطلق»، يحاولون العثور على «مُكنة» حتى قال أحدهم إن فلانا يستطيع تدبير مكان، إلى أن قادتهم الأقدام إلى صلاح أبو حلاوة، الذي يستأثر بالفتاة ويأمرهم بالمغادرة، فيرجعون إلى بيوتهم خائبين.
حكاية جانبية، لكنها تؤكد مع حادثة «فتاة المعادي» نفسها، وهي حكاية أخرى يقدمها عبد اللطيف كشذرات داخل القصة، على انعدام «حق» النساء في «المدينة»، أو كما تبين جانيت وولف، فإن تجربة التسكع يخوضها الرجال فحسب.
هكذا تتشكل «المعزوفة القياسية للمتسكع»، بتعبير عبد اللطيف نفسه الذي عنون به واحدة من حكايات كتابه السابق «في الإقامة والترحال».

الثقافة الشعبية كتاريخ مُهمل
يتطرق ياسر عبد اللطيف في كل قصص المجموعة تقريبًا إلى الحديث عن الثقافة الشعبية، أو الـpop culture. الإحالات إلى الأعمال والشخصيات الفنية سمة مميزة داخل السرد.
يثير مصطلح مثل الثقافة الشعبية جدلًا حول المقصود منه. فهو لا يعني تمييزًا بين ثقافة من الدرجة الثانية وأخرى رفيعة، أو ثقافة طبقات دنيا. كذلك فإنه لا يشير إلى مفهوم «الثقافة الجماهيرية»، لا بالمعنى التجاري، أو بما يحمله من دلالات التوجيه والبروباجندا في الحقبة الناصرية داخل السياق المصري. وأيضًا لا يقتصر على الثقافة السائدة.
يتناول عبد اللطيف التاريخ الثقافي بوصفه تاريخًا مهملًا. ولا يمكن تحديد مفهومه عن الثقافة في تعريف بعينه، بل يمكننا اعتبار تبصراته المقدَمة عن الثقافة الشعبية مُداخلة مقترحة، توضع بجوار المحاولات العديدة لتحليل الثقافة الشعبية وفهمها، من ماثيو أرنولد حتى ريموند ويليامز، مرورًا بنقاد ما بعد الحداثة.
تتعدد الأمثلة التي يوردها عبد اللطيف من التاريخ الثقافي والفني المصري. منها ما يذكره في سياق سلبي مثل فيلم «سواق الأوتوبيس» و«أمريكا شيكا بيكا»، ومنها ما يحتفي به ويعيد النظر في أهميته، كألحان وأغاني محمد فوزي، وفيلم «خلي بالك من زوزو». وتشعر أن «حكمه» جمالي بالأساس، فهو ينطلق من منظور جمالي، يتخذ من الجودة الفنية معيارًا، لكنه لا يغفل طبيعة الخطاب، سواء كان طليعيًا أو رجعيًا، ويركز كذلك على الظروف المادية الاقتصادية التي لازمت إنتاج تلك الأعمال، وأيضًا السياق التاريخي الاجتماعي.
لكن، بعيدًا عن الجودة والرداءة، فإن توظيف الثقافة الشعبية يمثل عنصرًا هامًا في البانورما التي يرسمها عبد اللطيف. إنها وسيلته في الإحساس بالزمن. فلا أهمية للمكان دون الخبرة الشعورية للفرد به. ولا معنى لكليهما دون زمن. هذه الخبرة يتضافر فيها الزمان والمكان. وإذ اندثرت معظم الأماكن التي يوصفها الكاتب في قصصه، أو تحولت معالمها، فإنه ربما لن يبقى من أزمنة ماضية إلا منتوجاتها الثقافية، من أفلام وأغاني وقصائد.
في «شهوة الملاك» يرصد عبد اللطيف كيفية تحول الفنان حمدي الوزير إلى «أيقونة كوميدية» على السوشيال ميديا، ساردًا السياق الذي اتخذته مسيرة الفنان، من سينما محمد خان وعاطف الطيب إلى إبراهيم عفيفي، مخرج الأفلام الرخيصة، مثل «قبضة الهلالي»، مرورًا بالمخرج سعيد مرزوق في «لحظة تدهوره الفني» كما في فيلم «المغتصبون».
يبدو حديث الكاتب عن الفنان حمدي الوزير، والتوظيف الكاريكاتوري لصورته، مجرد استطرادًا ذكيًا أو حكاية تؤكد على رؤية الفيلسوف جان بودريار حول العلاقة بين «المشهد» و«الحقيقة».
يؤكد الفيلسوف الفرنسي أن «النمو المتسارع في الاتصالات الجماهيرية وتكنولوجيا المعلومات وغيرها ولّدت حِملًا زائدًا من المعلومات، وهناك كثير من صور الحقيقة المتاحة، حتى باتت فكرة وجود عالم واقعي يمكننا أن نعلم حقيقته فكرة إشكالية». أي أننا غارقون في عالم ما بعد حديث، انتقلنا فيه من عصر «الواقع» إلى عصر موت أو تحلل المبدأ المؤسس للواقع.
في مواجهة الإفراط في الصور والإشارت داخل الواقع الفائق/المصطنع بتعبير بودريار، لم يعد هناك «واقعي» مستقل عما تبنيه وسائل الميديا المتنوعة. فالمشهد أو الصورة لم تعد مقيدة إلى أصل أو شيء ثابت في العالم الواقعي، حيث «يحل ما حوكي، أي النموذج والتمثيل، محل العنصر الواقعي، ويغدو هو الواقعي بدلًا منه».
يوضح الكاتب البريطاني، جون ستوري، في كتابه «النظرية الثقافية والثقافة الشعبية» مدلول الصور الأيقونية المنزوعة من سياقها، حيث يصير الممثل الأمريكي، مارلون براندو، بأدائه شخصية فيتو كورليوني في فيلم «العراب» أكثر «طليانية» من مارسيلو ماستروياني مثلًا.
هكذا يتحول حمدي الوزير إلى عراب المغتصبين في الذاكرة الشعبية المصرية، بعد سلسلة من الإزاحات يذكرها عبد اللطيف: «هي قصة عن الانزياح. تحرك حمدي الوزير من السينما الطليعية نحو سينما الأكشن التجارية، من ابن البلد الطيب إلى المغتصب، من المغتصب الثانوي ترقى إلى المغتصب الرئيسي ليزيح محمد كامل في الذاكرة الشعبية الضعيفة. لقطة من فيلم قبضة الهلالي تشتهر باعتبارها لقطة من فيلم المغتصبون».
وقد تبدو الصلة بين قصة «شهوة الملاك» ومسيرة حمدي الوزير في مجرد كون الأخير أحد ممثلي فيلم «المغتصبون»، المأخوذ عن جريمة اغتصاب فتاة المعادي. إلا أن انزياحًا آخر قد حدث في الواقع الفعلي كما حدث في الواقع الافتراضي مع صورة حمدي الوزير السينمائية. إذا كتبت على محرك البحث جوجل «فتاة المعادي»، فإن غالبية النتائج ستكون عن الجريمة التي حدثت في عام 2020 وراحت ضحيتها شابة اسمها مريم، بعد سحلها أثناء محاولة سرقة حقيبتها بالقوة. أزاحت الضحية الجديدة ضحية الثمانينيات من «الذاكرة الشعبية الضعيفة».
اشتركت شلة المعادي في حب موسيقى وأغاني الروك أند رول، كما يقول راوي الشلة يونس عبد الواحد، إنها «تساعد في تأسيس إحساس بالهوية بين الشباب»، حد تعبير ستيوارت هول.
كذلك فإن الراوي في «2005 أجرة القاهرة» يشعر بالفخر حين تعبّر جينا الإيطالية عن إعجابها بموسيقى محمد فوزي. يقول: «وشعرت أنا بما يشبه الفخر، وكأن هذه الموسيقى تنتمي لي، وكأنني محمد فوزي نفسه، فخر وطني يعادل خزي العاهات الصحية ومظاهر الفقر المدقع التي رأيتها بعيون جينا في الليلة الماضية».
أما قصة الحب بين الراوي وامتثال في «قصص الحب التأثيرية»، فإن نهايتها تبدأ مع «النشاز الصوتي» لامتثال وهي تغني لفيروز، النشاز الذي «يسحب حجرًا ركنيًا» في العلاقة بينهما. وتشير القصة إلى تماثل المسار داخل المدينة مع الذائقة الفنية للفرد. يُفضل الراوي الوجود في التوفيقية وعماد الدين مع أرواح نجيب الريحاني وفريد الأطرش، بينما تقصد امتثال حياة الوسط الثقافي في طلعت حرب وباب اللوق، حيث أرواح نجيب سرور وأمل دنقل ويحيى الطاهر عبد الله.
كذلك ينظر الكاتب إلى الثقافة كممارسة حياتية وطريقة للعيش. لهذا تزخر القصص بالسلع والأشياء والموجودات المنتمية إلى فترات زمنية ماضية. شرائط الكاسيت، السيارة بوني، البيرة سعة 750 سنتيليتر، مربى المشمش من إنتاج كلية الزراعة في السبعينيات، فيديو VHS، وغيرها من الأشياء التي ترسم روح زمن زائل.
تبعث الأشياء برسائلها الخاصة إلى الكاتب. فالشيء يتمتع بحياته الخاصة، أو بتاريخه الخاص. في مثال سابق أكثر وضوحًا، يختار ياسر عبد اللطيف لإحدى حكايات «في الإقامة والترحال» أن تكون بعنوان «فاصل عن الكازوزة». ويحكي فيها عن أصل التسمية وعن أنواع المشروبات الغازية في مصر قبل الانفتاح الساداتي وما بعده، وتغيّر ثقافة الطعام والشراب المرتبطة بمشروبات مثل البيبسي والكوكاكولا والشويبس.
كأن الأشياء ذاتها تسعى للفوز بنظرة الكاتب، «ثمة تنافس بينها للدخول في العملية التعبيرية، واكتساب معنى جمالي».
هكذا يقدم ياسر عبد اللطيف وصفه لـ«بنية شعور» الأفراد والمجتمع وقتها، بتعبير الناقد البريطاني ريموند ويليامز. إذ يمزج بين عدة مستويات للثقافة؛ «ثقافة الفترة» المسجلة في أنواع الفنون المختلفة، وأيضًا في أكثر الحقائق اليومية، و«الثقافة المُعاشة» في وقت ومكان معينين، أي قاهرة الثمانينيات والتسعينيات. و«الأشخاص الوحيدون الذي يستطيعون الوصول الكامل لهذه الثقافة هم أولئك الذين عاشوا فعليا بنيتها الشعورية».
دراسة في الخيمياء
توحي القصص بأن الكاتب قد استسلم لغواية الحكي ولا شيء غيرها. في كل قصة تتداخل الحكايات. لكن في الوقت الذي توهم فيه القصة باستسلامها فإنها أيضًا «تتأمل نفسها»؛ أي أنها تستوعب المنظور النقدي والجمالي في الكتابة القصصية ذاتها. فهي تستبق الانتقاد أو تُدرج النقد المحتمل في النص عن طريق ساردها.
كأن يقول يونس في «شهوة الملاك» وهو يحلم: «لست ناقدًا سينمائيًا ولا أرغب في كتابة أي تاريخ. أنا فقط أتأمل الأحوال وأصف الأفعال.. ولي في ذلك مآرب أخرى». والكتابة نفسها تحاول أن تكون ضد «الأمثولة» و«الهبوط إلى المستوى الرمزي» كما يقول الراوي في «شهوة الملاك». أو تستبق الانتقاد مثلما يقول الراوي في قصة «الربيع في شتوتجارت» عن نجاح المهاجرة السورية: «لقد خضعت روحها لطحن عنيف. بينما كانت بلادها أيضا تُطحن تحت رحى حرب وحشية.. وقد تزامنت المحنتان في مصادفة موضوعية لو كتبها أحدهم في عمل أدبي لبدت من قبيل المبالغة والترميز الفج».
وأيضًا يصف الراوي منطق الكتابة في «قصص الحب التأثيرية» بأنه «انطباعي» وأن العلاقة بينه وبين امتثال كالعلاقة بين الانطباعية، كحركة فنية، والعالم: «لا يهم موضوعها قدر الاهتمام بما يحيطها من ضوء والظلال». وفي نهاية القصة يوجه كلامه للقاريء قائلًا: «بالتأكيد هناك فجوات كبيرة في سردي لتلك القصة.. كنت غير معني هنا بالموضوع قدر عنايتي بالتأثيرات المحيطة به. ويكفيك أيها القارئ المرائي، يا شبيهي، يا أخي، أن ترى «انطباعًا» عن قصة غرام قاهرية من أخريات القرن الماضي».
وللأسلوب سمة الترحال. فلا تصور القصص التجوال والتسكع فقط، بل تتمثل أيضًا مفهوم «الارتحال». لا من مكان إلى آخر فحسب، وإنما ارتحال في الزمان والأفكار، ومن الحاضر إلى الماضي. الترحال يبحث في فكرة بهدف كشفها ويُعنى بوصف التجربة.
من ضمن المقاطع العديدة التي تظهر بها براعة اللغة الوصفية عند الكاتب، فإن أطرفها هي الفقرات التي يتحدث فيها عن كيمياء الجسد والتفاعلات الحيوية الناتجة من تناول الفرد أكثر من مخدر أو مادة كيميائية. تمتاز الفقرات بتحليل وصفي ولغة محايدة، وتحمل قدرًا من السخرية المبطنة لأنها تتحدث برصانة إجرائية عن أجواء التخدير/الضرب العبثية. فالدعابة تصير أكثر إضحاكًا إذا ألقيت بوجه لا انفعال فيه.
ربما أراد يونس عبد الواحد الظهور كراوٍ فقط، إضافة إلى كونه متسكعًا وراغبًا في «علم دراسة البشر الخفية»، كما يقول. وأنا لا أراه كمعادل ذاتي للكاتب كما هي الحال مع شخصية يحيى شكري في أفلام يوسف شاهين، بل هو أقرب إلى قناع الكاتب.
وعلى ذكر الكيمياء، فإن كاتب القصص الفعلي أقرب إلى الخيميائي. فإذا كانت الخيمياء مقدمة للكيمياء الحديثة، فإن قصص المجموعة مقدمة أو دراسة في الخيمياء من حيث كونها شكلًا من «التفكير التأملي». وتمزج القصص بين الفلسفة والفن والكيمياء والأدب، كما كانت الخيمياء نفسها خليطًا من الفلسفة والعلم والفيزياء والكيمياء والسحر.
إلا أن الكاتب ياسر عبد اللطيف لا يشبه فلاسفة الخيمياء في محاولاتهم العثور على شبابٍ أبدي. هو متيقن من استحالة عودة الشباب، لكنه يعلم أيضًا أن الحكاية وحدها وسيلته لخلود لحظة الشباب القديم إلى الأبد؛ إعادة خلقها سرديًا بكل ما فيها من نزق ومغامرة، ورغبة في اكتشاف العالم.
تقارير ذات صلة
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
سابع مدى| يخرج مرتجفًا من أعماقه
قصائد من ديوان بالعنوان نفسه، صادر حديثًا عن «وزيز»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن