موائد المَدد
في إحدى الليالي، انتابت الحيرة منظمي مائدة رمضانية من تلك التي تمتلئ بها القاهرة لإفطار الصائمين: «هنطبخ إيه بكرة؟» ونجحت الحيرة في إسكاتهم. في الصباح تأتي الأفكار بسهولة.
مع بداية غروب الشمس، يرص منظمو المائدة بجانب جامع السيدة زينب صفوف من الطاولات الخشبية على الأرصفة. يتوافد المواطنون ويجلسون حولها، منتظرين تقديم الأكل المجاني لهم: أرز بالخلطة، بسلة، لحم، كبد وأوانص.
توجد هنا مائدتان بدأتا عام 2015، تختلفان عن الموائد الأخرى في عدم اقتصارهما على تقديم الأكل المجاني في رمضان. تحولتا مع الوقت من مائدة إلى «تكيّة» تقدم الطعام طول العام.
تطلق لفظة التكية على أماكن تنتسب إلى المذهب الصوفي، يتكئ عليها المنقطعون للتأمل من المتصوفة وعابري السبيل، وامتدت خدمتها لتكون مأوى يقيم فيه الفقراء أحيانًا. وهكذا تحولت التكيّات من اعتياد ديني إلى وسيلة تضامن اجتماعي في لحظة حرجة اقتصاديًا.
يدير إحدى التكيتين ستة شباب أمام محل يبيعون فيه الأزياء الصعيدية والسبح والبخور وسجاجيد الصلاة والعكاكيز المؤيفة من جذوع أشجار السلم، بالإضافة إلى تمائم يُقبل على شرائها أبناء الطرق الصوفية، الذين يزداد ترددهم على المحل خلال موالد آل البيت ممن لهم مقامات في محافظة القاهرة.
ينتسب الشباب الستة إلى الطريقة الجعفرية الصوفية، التي لها أتباع في مصر والسودان وعدد من البلدان الإفريقية. تأسست على يد الشيخ صالح الجعفري، وهو شيخ أزهري وُلد في شمالي السودان عام 1907، وعاش بين القاهرة والأقصر.
مثل أغلب الطرق الصوفية، تؤمن «الجعفرية» بأن الطعام جزء من إكرام الضيف، والسائل والمحتاج ضيف. ويمتلك أبناء الطريقة منذ السبعينيات مائدة أكبر في المكان الذي عاش فيه الشيخ صالح الجعفري في حي الدَّراسة بالقرب من جامع الأزهر. لديهم هناك طيلة الأيام وفرة في الطعام والشراب للسائلين دون تمييز، بحسب الشيخ أسامة، صاحب فكرة التكيّة.
بدأ الجعفريون الستة المائدة/التكية في حي السيدة زينب بـ«كولدير» ماء وطاولة يقدمون عليها سندوتشات طعمية كل يوم. لأيام، كان الشباب يقفون خلال ساعات النهار أمام المحل لتوزيع السندوتشات على المارة من المحتاجين، وفي أغلب أيام الشتاء، يقدمون العدس.
يساعد متطوعون الشباب الستة في إعداد المائدة اليومية، سواء من أبناء الحي الذين يسكنون بيوتًا قريبة حول المحل، أو أبناء الطريقة في المحافظات، الذين يأتون لزيارة مساجد آل البيت في القاهرة. «اتعودنا كل يوم إن الناس تهل لمساعدتنا من غير ما نطلب»، يقول محمد مغازي، أحد الشباب الستة المنتمين إلى الطريقة. قسّموا مهمة الإطعام إلى ثلاث خطوات: الأولى، شراء البقالة وتخزينها في مكان، والثانية، طبخها، والثالثة، تقديمها على طاولات أمام المحل.
استغلوا أرضًا مهجورة خلف المحل ومهدوها لتصبح مقرًا لتخزين البقالة ومطبخًا أيضًا. تركها الحي لهم دون ممناعة، لأنها تُستغل لصالح مساعدة المحتاجين، خصوصًا العاملين في النظافة التابعين للمحافظة. لديهم الآن طن مكرونة ومثله من الأرز والعدس ومؤن قد تكفي إطعام مائة شخص لمدة شهر كامل.
ومع استمرارهم على تلك العادة، عرض بعض المواطنين رغبتهم في المساعدة بمشروع تقديم الطعام بالمجان. قرر الشباب ألا يتقاضوا أموالًا ممن يرغب في شراكتهم، لأنهم لا يقدمون أمولًا للسائلين حرفيًا.
في الأيام العادية، يجول الشباب بتكيتهم إلى الأحياء الأخرى المجاورة التي بها مساجد تنتسب لآل البيت أو غيرهم من الأئمة الصوفية، وذلك بعد أن يقدموا الطعام في السيدة زينب. يقول مغازي: «ظروف بلدك دلوقتي واقعة. عشان كده إطعام الطعام فتح».
بحسب مغازي، أغلب جمهور الموائد من محدودي الدخل والعاملين باليومية، الذين ليس لديهم حد أدنى من الراتب، أو عدد ساعات عمل محددة، بالإضافة إلى السيدات الأرامل اللاتي لا تجدن عملًا يناسبهن، سواء بسبب ضعف مستوى تعليمهن، أو انشغالهن بإعالة أطفالهن.
يرى مغازي أن الفقر متجاوز الزمن والمكان، ولكن اتساع حجمه سنويًا هو الأزمة دائمًا.
من خلال تجربته، أصبح مغازي لديه يقين أن أي مائدة إن استمرت في تقديم الطعام يوميًا فإنها تلقى مداومة بعض الأسر المحتاجة عليها، لأنها أصبحت توفر لهم وجبة ثابتة غنية يمكن أن يكلفهم إعدادها 200 جنيه. في الموسم الحالي، قفزت معدلات التضخم إلى أقصى ارتفاع لها منذ 2017، وزادت أسعار الطعام والمشروبات بمقدار الثلثين مقارنة بالعام الماضي.
رغم ذلك، يقول مغازي: «ليس شرطًا أن يكون عندك احتياج مادي لنقدم لك الطعام. كنا نقدم الطعام لطلبة المدارس والعاملين في الحي الذين ليس لديهم وقتًا للتفكير في الأكل».
بين الحين والآخر اضطرت التكيّة إلى تقديم مساعدات أخرى للمحتاجين إذا توافرت لديهم. يأتي إليهم سائلون يطلبون المساعدة بأشياء أخرى مثل الملابس أو الأدوية. يترك مغازي شنطة على كرسي أمام المحل، تحتوي على بعض الأدوية التي طلبها أحد المترددين على المائدة. قدمت المائدة هذا العام قبل رمضان 400 كرتونة للسيدات الأرامل. هكذا أصبحت التكيّة في بعض الأحيان مصدر للعطاء الخيري.
يصف مغازي الفكرة بأنها «مشروع تجاري ناجح، لكنه مشروع تجاري مع الله».
تأثرت عملية البيع والشراء في المحل الذي يديره الجعفريون بالأزمة الاقتصادية. بدايةً، انعكست أزمة وباء كورونا على حركة البيع عندما حُظر السفر ولم يعد المواطنون يسافرون إلي العمرة والحج، مما قلل من الإقبال على السبح والسجاجيد والعطور المعروضة في المحل. وعندما وُضعت قيود على الاستيراد مؤخرًا، تسبب غلاء الخامات في انخفاض المُنتج المحلي، وانتشار منتجات أرخص أقل جودة. يضرب مغازي مثالًا بصناعة السبح التي تباع في الأحياء التي تتواجد بها مساجد آل البيت. كانوا يبيعون أشكالًا للسبح من الخشب اليدوي والأحجار الكريمة، وعندما طُرحت السبح الصيني الرقمية بالأسواق، أصبحت تباع بـ10% من السبح التقليدية. توقفت الحرفة اليدوية لصناعة السبح، وتوقفت معها ورش الإنتاج، وسُرح العمال.
رغم كل ذلك، لم تتأثر المائدة. يؤكد مغازي ذلك كدليل على أن «التجارة مع الله لا تخسر».
لا نعرف بالضبط إلى أي مدى تساهم تكية الجعفريين الستة، وغيرها من التكيات، وأنماط أخرى من التضامن الاجتماعي المتمركز حول توزيع الطعام، في تخفيف معاناة الأفراد والأسر الذين تقل قدرتهم يوم بعد آخر على النفاذ ﻷبسط شروط الحياة.. الطعام. هنا، في السيدة زينب، يتجلى هذا الإسهام يوميًا على مائدة التكية.
تقارير ذات صلة
«الكشري».. الثمن الخفي للسيادة الغذائية المسلوبة
وجبة تعكس علاقة مصر بأرضها وسكانها وواقع الاستعمار الاقتصادي الذي أعاد تشكيل مائدتنا
ألا زلتِ مجنونة يا قوطة؟
تعد الطماطم خامس أكبر محصول يُنتج محليًا، بعد البنجر وقصب السكر والقمح والبطاطس
سوق الدواجن «للكبار فقط»
حل الأزمة لا يكمن في الاستيراد
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن