تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
من مصر إلى لبنان.. غاز إسرائيل

من مصر إلى لبنان.. غاز إسرائيل

كتابة: سارة سيف الدين 9 دقيقة قراءة

قال وزير الطاقة والبترول، طارق الملا، في أول فبراير الجاري، إن تصدير الغاز الطبيعي إلى لبنان سيبدأ بحلول نهاية شهر فبراير أو منتصف مارس على أقصى تقدير، وهو الموعد الذي أعلن عنه، ديسمبر الماضي، الرئيس اللبناني ميشال عون. 

أثار تصدير الغاز الطبيعي إلى لبنان التي تُعاني من أزمة حادة في نقص الطاقة وانقطاع التيار الكهربي جدلًا طوال الأربعة الأشهر الماضية حول ما إذا كان الغاز إسرائيليًا أم مصريًا، وذلك بعدما نشرت «قناة 12» الإسرائيلية تقريرًا مفاده أن صفقة الغاز الذي سيصل إلى لبنان، برعاية أمريكية، سيكون إسرائيليًا بينما سيجري تدبير الاتفاق كما لو أن الغاز قادم من مصر عبر خط أنبوب «الغاز العربي»، تجنبًا للحرج السياسي للأطراف كافة.

رغم نفي بعض الحكومات الأمر، إلا أن أيًا من الدول المشاركة في الاتفاق لم تؤكد جديًا هوية الغاز الذي سيصل إلى لبنان. لكن بتتبع خريطة الأنابيب الموصلة للغاز من حقوله إلى شبكات الاستهلاك المحلية الأخيرة، قد يتضح منطقيًا أيًا من غاز البلدين سيصل إلى لبنان، خاصة بعد التدقيق في أحجام إنتاج الغاز الطبيعي في مصر، والاستهلاك المحلي، والفوائض. 

لماذا ليس مصريًا؟

في سبتمبر الماضي، شهدت العاصمة الأردنية اجتماعًا يضم مصر ولبنان وسوريا إلى جانب الدولة المضيفة، وذلك لمناقشة إمكانات توصيل الغاز من الأراضي المصرية إلى لبنان عبر خط الغاز العربي. تتصل الدول الأربع بشبكة من خطوط إمداد الغاز، من بينها «أنبوب الغاز العربي» الممتد بطول 1200 كم، ويبدأ من العريش في محافظة شمال سيناء متجهًا جنوبًا بمحاذاة الحدود نحو طابا الحدودية ثم يغادر الأراضي المصرية، عابرًا 15 كم تحت البحر الأحمر، لتستقبله الأردن عند العقبة، ثم يعاود الاتجاه شمالًا نحو الأراضي السورية ليمر بدمشق ثم حمص، مغيرًا مساره إلى الغرب قاطعًا الحدود السورية اللبنانية وصولًا إلى طرابلس.

تأسس خط الغاز العربي في مطلع الألفية في عهد وزير البترول الأسبق سامح فهمي، بهدف تصدير فوائض الغاز المصرية آنذاك إلى الأردن وسوريا ولبنان ومنها إلى السوق الأوروبية، واستمر البناء فيه طوال العقد الأول من الألفينيات. ومع بداية العقد الثاني واندلاع ثورات الربيع العربي، تعرض الخط في الأراضي المصرية وكذلك السورية للتدمير جزئيًا جراء الأعمال الإرهابية هنا والحرب هناك.

سيطرت مصر، منذ عام 2015، على هذه الأضرار في الجزء الواقع في أراضيها واستأنفت تصدير الغاز إلى الأردن، في الوقت الذي كانت لا تزال تتمتع بفوائض. اعتمد هذا التصدير تقنيًا على خط أنبوب قادم من بورسعيد، التي تقع قبالة سواحلها كافة استكشافات الغاز المصرية، وينتهي الأنبوب عند العريش ويتصل بأنبوب الغاز العربي.

ولكن اختلف الوضع مع اكتشافات إسرائيل لحقول غاز كبيرة قبالة سواحلها، لتصبح مُورد غاز لكل من مصر والأردن رغم اختلاف حجم اعتمادية كلا البلدين على الغاز الإسرائيلي في الاستهلاك المحلي. وذلك بعدما كانت مصر هي من توفر الغاز للأردن لتغطية الطلب المحلي، وقتما كانت لدى مصر فوائض.

مصر والأردن -كلٌ على حدة- لديهما اتفاقات لمدة 15 عامًا يصل بموجبها الغاز الإسرائيلي لكل منهما لأغراض مختلفة. في مصر، يصل الغاز الإسرائيلي عبر خط «العريش-بورسعيد» إلى محطتي الإسالة في دمياط وإدكو، ليتم تسييله ثم تأخذه ناقلات الغاز إلى وجهات التصدير التي تحددها إسرائيل، على أن تحصّل مصر رسوم العبور بالشبكة القومية والإسالة، بحسب ما أوضح وزير الطاقة والبترول الأسبق، أسامة كمال، لـ«مدى مصر». ويتضمن الاتفاق المصري الإسرائيلي كذلك إمكانية استخدام جزء من الغاز محليًا إذا ما احتاجت مصر إلى ذلك.

وفي الأردن، يُستخدم الغاز الإسرائيلي محليًا بالكامل، لتغذية ثلاث محطات توليد كهرباء في شمال البلاد، والتي كانت تُغذى سابقًا بالغاز المصري، علمًا بأن الواردات الإسرائيلية توفر نحو 80% من احتياجات البلاد للغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء.

ومن ثم، وبعد أن أصبح لدينا اتفاق استيراد غاز من إسرائيل، تطلب ذلك مرور الغاز في اتجاه مُعاكس، من العريش إلى بورسعيد. لذا منذ بدأ الاستيراد الفعلي للغاز الإسرائيلي في يناير 2020، لم تُصدر مصر منذ هذا التاريخ أي شُحنات غاز إلى الأردن، وذلك للاستحالة الفنية لنقل ذات الأنبوب الغاز في اتجاهين متضادين في نفس الوقت.

يلتقي أنبوب «الغاز العربي» بخطوط إسرائيلية عند نقطتين، الأولى في مصر، في العريش، التي تتموضع فيها بداية الخط العربي ونهاية أنبوب إسرائيلي آخر قادم من عسقلان، والثانية في الأردن، حيث يتصل «الغاز العربي» بأنبوب إسرائيلي قادمًا من نقطة حدودية بين البلدين في محافظة «المفرق».

وفقًا للوضع الحالي، وعلى إفتراض أن مصر تمتلك فوائض غاز لإنقاذ لبنان من أزمتها، على البنية التحتية لحركة الغاز أن تكون مؤهلة تقنيًا لنقل الغاز في اتجاه خارج من مصر، وهو ما يستحيل عمليًا إلا إذا أوقفت مصر استيراد الغاز الإسرائيلي، أو أنشئت أنبوبًا آخر موازيًا لنقل الغاز من أقرب نقطة للآبار المصرية في بورسعيد، إلى العريش، ليتسلمه أنبوب «الغاز العربي»، وهو ما لم يحدث.

بسؤال كمال عن مصدر تغذية أنبوب الغاز العربي، أجاب أنه سيجري توفير الغاز المصري من خلال الشبكة القومية، ويُقصد بالشبكة القومية لنقل الغاز محليًا كل التفريعات الداخلية الواصلة إلى المدن والأحياء والمصانع ويُتداول فيها كل مواردنا من الغاز سواء مصري أو مُستورد. لكن مصدريّن، طلبا عدم ذكر اسميهما، أحدهما مهندس صيانة وتركيبات، والآخر مدير مشروعات بإحدى شركات توزيع الغاز، أكدا بشكل منفصل، لـ«مدى مصر» استحالة نقل الغاز من الشبكة القومية إلى الأنابيب الكبيرة، وذلك بسبب فارق الضغط.

يشرح المصدران أنه عند استخراج الغاز من الآبار، لكي يمكن نقله إلى مسافات كبيرة، يحتاج إلى محطات توليد للضغط عند الآبار. في هذه المرحلة يكون الضغط كبيرًا، بمقدار يصل إلى 70 بار (وحدة قياس الضغط)، وهو نفس قدر الضغط الذي يُستخدم في أنابيب نقل الغاز بين الدول، لذا تُسمى بشبكة «الـ70 بار». في كل مرحلة يُنقل فيها الغاز لمستوى أصغر من الشبكات، يقلل الضغط، لاعتبارات الأمان والكميات المنقولة والتي تكون أقل، ويجري تقليل الضغط عبر أكشاك، وتستمر هذه الأكشاك بامتدادات التفريعات الأصغر لنقل الغاز ليصل إلى ضغط 0.1 بار، وهو مستوى ضغط الغاز الواصل إلى المنازل، وتكون آخر مراحل ضبط ضغط الغاز في كل منزل متمثلة في «منظم الغاز».

كما أوضح مدير المشروعات أنه لإنشاء أنبوب من بورسعيد إلى العريش لنقل الغاز، تحتاج عملية الإنشاء هذه إلى مدة لا تقل عن سنة، وقد تصل إلى عشر سنوات، لكثرة المراحل، مثل نقل الأنابيب واللحام والتنظيف والاختبار.

وإن لم يكن مصريًا

يقول مصدر مصري مطلع على ملف الغاز وتصديره لـ«مدى مصر» إن تصدير الغاز إلى لبنان سيبدأ في شهر أبريل القادم، ما يعني أن هذا الغاز على الأرجح سيكون قادمًا من إسرائيل، بحسب المصدر الذي أوضح أن مصر ستحصل على الغاز عبر أنبوب «EMG» ثم سترسله إلى الأردن ليمر إلى سوريا ثم لبنان، وذلك عبر خط الغاز العربي.

أنبوب «ِEMG» هو خط «غاز شرق المتوسط» القادم من عسقلان وصولًا إلى العريش بطول 90 كم، وأُنهيت تعديلات فنية، في مطلع عام 2020، تكلفت 55 مليون جنيه، بهدف أن يُصبح الخط ناقلًا للغاز في اتجاه واحد فقط من إسرائيل إلى مصر.

وكان مصدر مقرب من حزب الله اللبناني تحدث لـ«مدى مصر» قائلًا إن رغم علم الأطراف كافة أن الغاز الذي سيصل إلى لبنان بدرجة كبيرة إسرائيلي، إلا أن السياق الأكبر يُهمش من هذه الحقيقة، فالوضع السياسي المتأزم لا يحتمل عرقلة الحزب للإصلاح ليواجه اتهامات برعاية المصالح الإيرانية.

كما أشار المصدر إلى أن مكاسب الاتفاق كثيرة، وتتمثل في عودة سوريا إلى الخندق العربي، وفتح الباب للاستثناءات من قانون «قيصر» الذي يفرض عقوبات على سوريا، وضمان وجود منطقة محمية بالمنطق العسكري والأمني جراء مرور أنبوب «الغاز العربي» فيها، وتمويل إصلاحه من المؤسسات الدولية مثل البنك الدولي بعدما تضرر جراء الحرب.

بالإضافة إلى كل ما سبق، فعند سؤال وزيرة الطاقة الإسرائيلية، كارين الهرار، أمس، عما إذا كان الغاز الإسرائيلي سيُصدر إلى مصر والأردن ثم يذهب إلى لبنان، قالت الهرار «فليكن»، وذلك على هامش مؤتمر ومعرض مصر الدولي للطاقة.

عن ماذا يتحدث الملا إذن عندما يتحدث عن تصدير مصر للغاز للبنان؟ 

في حديثه، في مطلع فبراير، لم يقل الملا إن الهدف الرئيسي لمصر هو التصدير، بل أوضح الملا أن مصر تطمح بشكل أساسي إلى أن تكون «مركزًا إقليميًا لتداول وتجارة الغاز»، مُفصلًا أن تصدير الغاز المصري الخالص موسمي ومرهون بتوافر فوائض في حالات تراجع الطلب المحلي، كما أوضح أنه في فصل الشتاء الذي يشهد استهلاكًا أقل للكهرباء التي يستحوذ توليدها على 60% من استهلاك الغاز محليًا، مشيرًا إلى أنه يمكن وجود بعض الوفورات لتصديرها.

لكن الملا أكد أن الهدف الأساسي في أن تكون مصر محورًا لتجارة الغاز «يعتمد على الحصول على غازات حوض شرق المتوسط مثل إسرائيل وقبرص لتصديره عبر محطات الإسالة أو شبكات الربط مع عدة دول»، مُضيفًا أنه مع دخول محطة دمياط في الخدمة خلال العام الماضي، ساعد ذلك أكثر في التوسع في تصدير الغاز الإسرائيلي.

يتفق مع حديث الملا الكاشف عن ارتباط تصدير مصر للغاز باستيرادها الغاز من دول الجوار وعلى رأسها إسرائيل، تقرير صادر عن خبراء تحليل الطاقة بـوكالة «فيتش سوليوشنز»، والذي يؤكد أن الواردات الإسرائيلية من الغاز الطبيعي هي الدعامة الرئيسية في طموحات مصر بأن تكون مركزًا إقليميا للطاقة، فيما لم يذكر التقرير امتلاك مصر لوفورات من الغاز الطبيعي لتصديره.

وكان الاتفاق بين مصر وإسرائيل، ولواحقه يتضمن زيادة تدريجية، على مدار ثلاث سنوات، في كميات الغاز المُوردة من إسرائيل على أن تصل إلى ذروتها بواقع سبعة مليارات متر مكعب من الغاز سنويًا خلال العام الحالي 2022، وهو ما يتفق مع تصريحات الملا بشأن رفع واردات مصر من الغاز الإسرائيلي بنحو 45% خلال الربع الأول من العام الجاري. وكذلك ما أكدته وزيرة الطاقة الإسرائيلية، كارين الهرار، بشأن رفع صادرات إسرائيل من الغاز إلي مصر من 2 إلى 2.5 مليار متر مكعب سنويًا، مُضيفة أن الزيادات تسهم في مساعدة مصر في تلبية الطلب المحلي على الطاقة.

وأضاف تقرير «فيتش سوليوشنز» أنه ببداية العام القادم 2023 من المتوقع أن تنخفض صادرات مصر من الغاز نظرًا لعاملين، الأول نمو حجم الطلب المحلي بما يدفعها لاستهلاك الواردات محليًا أكثر، والثاني إذا لم تتوسع في الإنتاج واكتشاف احتياطيات جديدة. وكان تقرير منشور في «MEES» المتخصصة في تحليلات الطاقة قد أشار إلى تضرر إنتاج مصر من حقل «ظهر» جراء اختراق المياه وتراجع انتاجية الحقول الأخرى.

من ناحيته، قال كمال لـ«مدى مصر» إن الحديث عن إمكانات كبيرة لتصدير مصر للغاز الطبيعي والمُسال لا تأخذ في الحسبان الطلب المحلي الفائق، حيث يبلغ إنتاج مصر اليومي من الغاز ما بين 7 إلى 7.5 مليار قدم مكعب يوميًا، تحصل الحكومة على 5 مليارات ويأخذ الشريك الأجنبي -الشركة المُنقبة- الباقي. في الوقت نفسه، يصل الاستهلاك المحلي يوميا إلى 6 مليار قدم مكعب. ولسد الفجوة وفقًا لكمال، تشتري الحكومة كمية العجز من حصة الشريك الأجنبي، ما يعني أن مصر ليست لديها وفورات من الغاز الطبيعي.

كما أكدت ثلاثة مصادر منفصلة لـ«مدى مصر»، أحدها يعمل في شركة جاسكو التي تدير الشبكة القومية لنقل الغاز، وآخر سبق له العمل في إحدى الشركات العالمية المنقبة عن الغاز في مصر، أن الجانب المصري كثيرًا ما يسوي رسوم الإسالة والنقل للغاز الإسرائيلي بكميات غاز بدلًا من تحصيل الرسوم نقدًا. ووصف المصدر الثالث وهو دبلوماسي بالبعثة الأممية في لبنان، أن الهدف من هذه التسوية سد العجز المتنامي عن تلبية الاستهلاك المحلي، وذلك على خلفية جفاف حقل «ظهر» أسرع من المتوقع.

ساهم في إعداد التقرير عمر سعيد

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن