تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مقتطف من «البيان الأخير ضد فيلم أحب الغلط»

مقتطف من «البيان الأخير ضد فيلم أحب الغلط»

كتابة: إبراهيم عبد المجيد 25 دقيقة قراءة

 نص من الفصل الثالث من الكتاب الجديد لإبراهيم عبد المجيد « البيان الأخير ضد فيلم أحب الغلط». وهو عن مسيرة ثورة يوليو منذ قيامها حتى الآن مع الديمقراطية، وكيف كان شعارها عنوان فيلم قديم لتحية كاريوكا وهو «أحب الغلط»، العنوان فقط لا الفيلم.

حسني مبارك .. نوافذ مفتوحة وأبواب مغلقة!

هل استفاد حسني مبارك من تجربة السادات؟ لا شك أنه استفاد. لقد مشى في الطريق نفسه لكن في هدوء وصمت. لم يكن كثير الخطب ولا كثير الانفعال. تسلّم دولة نمت فيها جماعات الإخوان، وانبثقت منها الجماعات الإسلامية والجهادية التي تجلّت أعمالها في اغتيال السادات، وبعد الاغتيال بيومين، في الثامن من أكتوبر، لا أكثر،  تجلت في أحداث أسيوط الرهيبة.

لقد وصف الطبيب أيمن الظواهري -الرجل الثاني في تنظيم القاعدة فيما بعد وكان مقبوضًا عليه في قضية اغتيال السادات- تلك الأحداث، بالانتفاضة العاطفية متواضعة التخطيط، رغم أن ضحاياها وصلوا إلى مائة وواحد وثمانين قتيلًا.  لقد تم تبرئة أيمن الظواهري من اغتيال السادات، لكن حُكم عليه بثلاث سنوات لحيازته اسلحة غير مشروعة، خرج بعدها إلى جدة ثم إلى أفغانستان. أما الدكتور عمر عبد  الرحمن فقد أفتى بأن على الذين شاركوا في أحداثها أن يصوموا ستين يومًا للتكفير عن ذنبهم! باعتبار أن عمليات القتل التي ارتكبوها تندرج تحت بند القتل الخطأ. الذي حدث أنه بعد نجاح مقتل السادات، اجتمع على الفور في أسيوط مجلس شورى الوجه القبلي بزعامة كرم زهدي، وتم الاتفاق على مواصلة خطة قلب نظام الحكم باستهداف خمسة أهداف للأمن في أسيوط، هي مديرية الأمن ونقطة شرطة قسم ثان، والدورية اللاسلكية، ومباحث أمن الدولة، والمباحث الجنائية، ثم الزحف بعد ذلك لمحافظات الوجه البحري وتحريض الجماهير، وصولًا إلى القاهرة، التي ستكون عناصر الجهاد قد سيطرت فيها على الإذاعة والصحف والمناطق العسكرية الحساسة.

في فجر الثامن من أكتوبر ضبطت دورية مرور ليلية في مدينة أسيوط ثلاثة رجال ضمن مجموعة تركب سيارة رُبع نقل. اشتبهت فيهم الدورية واقتيد الرجال الثلاثة إلى قسم ثان أسيوط، وتم إخطار مساعد المدير لشؤون الأمن بما حدث. أُودع الرجال الثلاثة حجز القسم دون مناقشتهم ومعرفة هويتهم، أو حتى دون معرفة أسمائهم.

بعد حوالي ساعة طرق أحدهم بشدة على باب غرفة الحجز من الداخل وأخذ يصرخ قائلًا: «مصيبة ستحدث أثناء صلاة العيد بعد ساعتين. أريد مقابلة المأمور»، لكن الضابط المناوب أمره بالسكات والصباح رباح لأن المأمور غير موجود. أصر الشخص المقبوض عليه على الصراخ بما سيحدث. كان مُكلفًا بالعمل به، لكنه رأى في الإبلاغ عنه ما يعفيه من المسؤولية ما داموا قد قبضوا عليه. لم يستجب له أحد ليسمعه. وفي الساعة السادسة صباحًا، أول أيام عيد الأضحي، وقفت سيارتان ملاكي أمام مبني مديرية الأمن. نزل منهما ثمانية مسلحين صوبوا الأسلحة على جنود الحراسة. كان من الضحايا ملازم أول أحمد وحيد، والعميد شكري رياض، مساعد مدير الأمن، الذي كان في استراحة المديرية، وستة عشر سائقًا واثنين وثلاثين جنديًا. واتخذ الإرهابيون مواقع فوق سطح المديرية بما استولوا عليه من سلاح أيضًا. في نفس الوقت كانت سيارات أخرى تطوف شوارع المدينة تطلق النار على جنود الحراسة وسيارات رجال الشرطة، واتجهت مجموعة إلى قسم ثان في شرق أسيوط لاحتلاله، وكان به مئة وأربعة وسبعون جنديًا وثلاثون ضابطًا. شنت مجموعة أخرى تتنكر في زي عساكر الجيش هجومها على مركز شرطة قسم أول في غرب أسيوط، وكان به مئة واثنا عشر جنديًا وأربعة ضباط.. وظل تبادل النيران لمدة ثلاث ساعات.

وفق شهادة العقيد فتحي المسلمي، مأمور القسم، فإن الأحداث أخذت أكثر من منعطف. يقول: بعد حضور قوات الأمن المركزي تعاملت قوات الأمن معهم بالأسلحة الآلية والقنابل المسيلة للدموع، وكانت المجموعة المهاجمة قد أصبحت عشرين شخصًا، ولم تستسلم غالبيتهم، بل إن معظمهم فرَّ في سيارة جيب، وحولوها إلى قاعدة حصينة لإطلاق الرصاص.

مجموعة ثالثة من المهاجمين اتجهت إلى منطقة مركز مباحث التموين الذي كان يحوي مئة وأربعة عشر جنديًا وثلاثة ضباط.. كانت أعمار المشتركين في الهجوم ما بين ثمانية عشر وستة وعشرين عامًا، وعددهم ما بين ستين وسبعين شخصًا.

أصيب عاصم عبد الماجد بثلاثة أعيرة نارية في ركبته اليسرى والساق اليمنى فعجز عن الحركة. وتولى القيادة من بعده علي الشريف، الذي أصيب بدوره أيضًا بثلاث رصاصات، نفذت اثنتان منهما بالجانب الأيسر. عندما عجز عن الحركة تمامًا تولى القيادة من بعده  فؤاد حنفي، الذي رأى خطورة الموقف، فانسحب من مبنى المديرية وهرب، واستولى على سيارة لوري للشرطة، وتمكن من نقل زملائه والمصابين بداخلها.. ركب العربة هو وزملاؤه بعد أن لبسوا السترات العسكرية، واتجهوا إلى قسم ثانٍ أسيوط، فألقوا عليه القنابل المسيلة للدموع وأطلقوا دفعات من رصاص أسلحتهم الأوتوماتيكية.

خلال ذلك خرجت مجموعة أخرى، بقيادة  ناجح إبراهيم، مكونة من تسعة أفراد، توجهوا مترجلين إلى مباحث التموين وأطلقوا النيران على من في المبنى، ثم توجهوا إلى قسم أول أسيوط واستولوا على ما به من ذخائر، وهناك أصيب ناجح وبعض زملائه. وعندما رأى ناجح أنهم لا يستطيعون المقاومة، هرب بواسطة دراجة بخارية أحضرها له أحمد السيد رجب.

من جهته، استقل كرم زهدي وعصام دربالة وغيرهما سيارة فيات 125 وكان السائق هو خالد حنفي، ثم توجهوا إلى منطقة الجمعية الشرعية وانضموا إلى زملائهم. حاول عصام دربالة إلقاء قنبلة، فانفجرت فيه وتناثرت شظاياها في جسده، فنُقل إلى السيارة وتوجهوا إلى طريق الغنايم قاصدين الجبل. شعرت الشرطة هناك بهم فألقى النقيب أحمد جابر مكارم القبض على كرم زهدي وعصام دربالة، وأرسلهما إلى المستشفى.

قوات الأمن المركزي كانت مسلحة بالعصي والدروع. وبالتالي كانت الخسائر البشرية فيها كبيرة: مقتل مئة وواحد وثمانين شخصًا، بينهم خمسة ضباط، والباقي من الجنود، وأيضا اثنا عشر من المواطنين الذين شاء حظهم وجودهم في هذه المناطق، وقد كانوا في طريقهم لأداء صلاة العيد. كما أصيب المئات من المواطنين، بعضهم كانت إصابته خطرة وتوفي بعد ذلك.

 عند غروب الشمس اقتربت لرجال الأمن السيطرة على الموقف. كان وزير الداخلية، النبوي إسماعيل، قد أرسل طائرتي هليكوبتر، حامتا حول المواقع التي احتلها المهاجمون، لإفقادهم الأمل في استمرار تمسكهم بالمواقع، وتهديدهم بتدخل قوات كبيرة من الجيش، وإعلان حالة الطوارئ في المدينة. صارت القضية معروفة بقضية تنظيم الجهاد، وحُكم بعد أربع سنوات على بعض من تم القبض عليهم بالسجن المؤبد، وآخرين بالسجن عشر سنوات، وخلت الأحكام من الإعدام. كانت ما بين المؤبد وسنوات أقل وبراءة الآخرين. كان المتهمون 302 شخصًا. وكان هذا غريبًا للكثيرين.

لماذا أذكر أحداث أسيوط بتفصيل كبير. لتعرف إلى أى حد تضخمت التنظيمات الإرهابية في الدولة التي ساعدتهم، وكيف انقلبوا عليها. لم يكن هذا التضخم خافيًا قط على الدولة، لكنها كانت تدخره في مواجهة اليسار في الداخل، وتُصدِّر منه إلى أفغانستان في الحرب الباردة بين أمريكا والاتحاد السوفييتي. هذا هو المارد الذي أخرجته الدولة الديكتاتورية من القمقم بحجة الإنصاف والديمقراطية.

هل يساعد هذا حسني مبارك في توسيع مساحة الحرية والديمقراطية؟ لقد حدث. لكن هناك نهاية يجب أن تقف عندها. لقد صار توسيع مساحة الديمقراطية للأحزاب الأخرى الليبرالية واليسارية بحساب. هل لم يكن الأمر كذلك مع الإخوان المسلمين والسلفيين؟ كان.. لكن الإخوان لا يتوقفون عن التمدد، بينما السلفيون مطيعون للأجهزة الأمنية لا يخرجون عن تعليماتها.

عرفت مصر المحاكمات العسكرية، وأُعلنت حالة الطوارئ، وبدأت مطاردة العناصر الإرهابية من الجماعات الإسلامية. في الوقت نفسه أفرج حسني مبارك عن كل من اعتقلهم السادات بلا استثناء.

بعد ذلك استمرت عمليات القبض على اليساريين من المثقفين مع بداية العام في فجر الأول من يناير. صحيح لم يتم تحويلهم إلى محاكمات عسكرية مثل الإرهابيين، لكن ظل الأمر على ما هو عليه حتى لو ابتعدت الأعوام فيما بعد.

كانت تهمة الشيوعية جاهزة في كثير من الأحيان، فبين عامي 1981-1985، حين كانت إسرائيل تشارك في معرض الكتاب، كان يتم القبض على الكُتاب المعارضين للتطبيع، وخاصة من أعضاء لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، وكان من نصيبي القبض عليّ عام 1985 مع أكثر من عشرين كاتبًا وسياسيًا، منهم بشير السباعي وحسني عبد الرحيم والشاعر أحمد طه والشاعر محمد سليمان والشاعر فتحي عبد الله والشاعر شحاتة العريان والاقتصادي عبد الخالق فاروق والقانوني والباحث محمد طه عليوة.. وغيرهم. تم ذلك قبل معرض القاهرة الدولي للكتاب مع أول أيام السنة الجديدة، وهو التقليد الذي مشى في مصر منذ أيام عبد الناصر، لكن المعرض شهد مظاهرات كثيرة، وكذلك نقابة الصحفيين ونقابة المحامين، وكان معنا مصور وباحث إسباني هو جوردي ستيفا، مؤلف كتاب «عرب البحر» فيما بعد، الذي ترجمه طلعت شاهين، فذاعت أسماؤنا وشهرتنا في أوروبا. لم تطل الحبسة. خرجت أنا بإفراج نيابة بعد حوالي عشرين يومًا، وتم تبرئة الجميع من التهمة في المحكمة بعد شهر واحد، كان هو أقصى مدة للحبس المفتوح ذلك الوقت، بعده لابد من العرض على  المحكمة. تفاصيل هذه الحبسة في كتابي عن «الأيام الحلوة فقط». 

caption

ولم ينتهِ الأمر مع عدم حضور إسرائيل لمعرض الكتاب بعد ذلك، بل ظل القبض على اليساريين نهجًا مثل أيام السادات وعبد الناصر، وإن تباعدت السنوات، ففي عام 1989 تم القبض على الكاتب محمد سيد سعيد وتعرض للتعذيب وكاد يموت في سجن طرة لولا زيارة مفاجئة لنقيب الصحفيين مكرم محمد أحمد إلى السجن ومعرفته بما جرى، كذلك تم اعتقال الكاتبة سلوى بكر عام 1989، كما تعرض للاعتقال الكاتب والناقد الكبير إبراهيم فتحي، والفنان الكبير عز الدين نجيب، الذي كان سجينًا لعصري السادات ومبارك، كما كان إبراهيم فتحي سجينًا لكل العصور، وغيرهم كثير.

شهدت أيام مبارك رغم أي شيء مساحة من الحرية. اتسعت مساحة الرأي في الصحف، لكن ظلت الدعوات الوهابية هي الأكثر إطلالة في الإذاعات الرسمية والمساجد. صار للشيخ محمد متولي الشعراوي برنامج أسبوعي في التليفزيون، هو الذي عاد من قبل من السعودية ضمن صفقة عودة الإخوان المسلمين الذين بالخارج، وتولى أكثر من منصب، آخرها وزارة الأوقاف عام 1976 في وزارة ممدوح سالم. قدمه من قبل المذيع الشهير أحمد فراج في برنامجه التليفزيوني الشهير «نور على  نور»، فوجد استقبالًا جيدًا كبيرًا، ثم صار له برنامجه التليفزيوني الخاص. وبمناسبة أحمد فراج، فلقد كان مذيعًا في الإذاعة المصرية قبل ظهور التليفزيون، ثم في التليفزيون. تزوج من الفنانة صباح، لكن الزيجة لم تستمر. تم الطلاق فسافر إلى السعودية واختفي عن الأنظار حتى عاد أيام السادات ليقدم برنامجه الشهير «نور على نور» من جديد. 

بالمناسبة، هو الذي سيقدم فيما بعد الدكتور زغلول النجار للحديث عن الإعجاز العلمي في القرآن، وكيف أن كل الاختراعات والاكتشافات العلمية موجودة في القرآن الكريم. الشيخ الشعراوي لمن له في الفقه والتفسير، هو من علماء المذهب الظاهري الذي يأخذ بالمعنى المباشر الظاهر للكلام، دون مراعاة لمكان نزول النص وزمانه وأسبابه ولا معناه المجازي. هو أحد مذاهب علم الكلام الكبرى، ولعله المذهب الرئيسي الذي أحبته السلطات عبر التاريخ، بينما اتهمت الآخرين بالباطنية والإلحاد. كان تفسير الشيخ الشعراوي متناسقًا تمامًا مع مرحلة السادات المستمرة مع مبارك في موقفه من المرأة، وفي التعدد في الزواج، وفي نكاح من ملكت أيمانكم، وفي حرمة نقل الأعضاء. والأهم هو طاعة وليّ الأمر، حتى أنه قبل أن يقدم البرنامج، وكان وزيرًا للأوقاف، قال عن السادات في مجلس الشعب «والذي نفسي بيده لو كان لي من الأمر شيء، لحكمت لهذا الرجل الذي رفعنا تلك الرفعة، وانتشلنا مما كنا فيه، إلى قمة ألا يُسأل عما يفعل». كان يرد على اتهامات بفساد سكرتير المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وكيف أن فساده يتم من خلف رؤسائه في الأزهر بالاتصال بجهة أقوى منهم هي السادات نفسه. ترك الشعراوي الحديث عن السكرتير وأوقفه عن السادات. المهم أن يقف أيّ نقاش حين يصل الأمر إلى وليّ الأمر.

 معارك الشيخ الشعراوي مع الكُتّاب متعددة لن أقف عندها كثيرًا، فمعركته مع يوسف إدريس انتهت بسرعة باعتذار من يوسف إدريس الذي استخدم ألفاظًا قاسية حين هاجم الشعراوي قائلًا إنه «يتمتع بكل خصال راسبوتين المسلم، لديه قدرة على إقناع الجماهير البسيطة، وقدرة على التمثيل، والحديث بالذراعين وتعبيرات الوجه، وقدرة على جيب كبير مفتوح دائمًا للأموال، وأنه يملك قدرات أي ممثل غير موهوب».

مع الدكتور زكي نجيب محمود اختلف الأمر. لقد كان الشعرواي يهاجم الغرب وعلومه، ويعتبر أن الله أعطى الغرب القدرة على ذلك خدمة لنا، فلقد سخره لنا. وفي إحدى الحلقات قال ساخرًا إنهم في الغرب فرحون بصعودهم إلى القمر فما قيمة ذلك؟ ثم تناول منديلًا من علبة مناديل ورقية أمامه وهزها في الهواء قائلًا إنها أنفع من الوصول للقمر. كتب الدكتور زكي نجيب محمود أن أول المستفيدين من الصعود إلى القمر هو الشيخ الشعراوي نفسه، الذي تنقل الأقمار الصناعية أحاديثه إلى كل مكان، وإذا كان جادًا في حديثه، ما كان عليه أن يجلس أمام التليفزيون، ولا يستعمل المنديل الورقي الذي هو اختراع الغرب أيضًا. وقال إن من يهاجمون الغرب ممتلئون حقدًا، فهم لا يملكون إلا مجموعة كتب تراثية قديمة لا يرتبط معظمها بالعصر. إنهم يدَّعون تميزًا لأنفسهم لا يملكونه.

انتهت المعركة بتصالح بينهما، إذ زار الشيخ الشعراوي زكي نجيب محمود، وانتهى الحديث. ومن يقرأ كتب زكي نجيب محمود، وهو أستاذ الفلسفة الكبير الذي يرقى إلى مرتبة الفيلسوف؛ كُتب مثل «تجديد الفكر العربي»، سيعرف أنه من أهل العقل في مناقشة آيات القرآن والأحاديث والتراث الفكري والفلسفي للمسلمين، وما قاله هو الحقيقة، ويتسق مع منهجه الفلسفي، وهو المنهج الذي كان الشيخ الشعراوي بعيدًا عنه، فهو كما قلت من أهل الظاهر، أو يمكن أن تقول أهل النقل لا العقل.

في الشارع الثقافي توحش الإخوان المسلمون وقاموا بتكفير مفكرين وأدباء كبار، مثل فرج فودة ونصر حامد أبو زيد ونجيب محفوظ. كان تكفير فرج فودة من أبشع ما جرى بعد ندوة في معرض الكتاب بالقاهرة سنة 1992. كانت المناظرة الشهيرة التي عُقدت في معرض الكتاب الدولي بالقاهرة في الثامن من يناير، تحت عنوان «مصر بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية».

كان هناك فريقان: الأول، يمثل «الدولة الدينية»، ويضم الشيخ محمد الغزالي، ومأمون الهضيبي، نائب مرشد «الإخوان» في ذلك الوقت والمتحدث باسم جماعة الإخوان المسلمين، معهم المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة. الفريق الآخر الذي يمثل «الدولة المدنية»، كان يضم الدكتور محمد خلف الله (حزب التجمع)، والدكتور فرج فودة.

لا أنسى في ذلك اليوم، في الصباح قبل المناظرة، حيث كنت أشرف على نشاط المقهى الثقافي في معرض الكتاب. كانت المناظرة في القاعة الرئيسية للندوات وأمامها يمتلئ الطريق بالمئات، وربما الآلاف، من الرجال أصحاب الجلاليب واللحي. كنا نتوقع أن يتم الأمر عاديًا، فما أكثر الندوات المهمة التي تمت في تلك القاعة. لكن الأمر انتهى بعد ذلك بقتل فرج فودة. استمرت المناظرة ثلاث ساعات. كان قد تم تجهيز المكان بالميكروفونات، بحيث يسمع من يجلسون في الخارج المناظرة في الداخل، في القاعة التي ربما لا تتحمل أكثر من ثلاثمائة فرد. ولمن لا يعرف الدكتور محمد عمارة ، فلقد بدأ يطل على الحياة الثقافية في السبعينيات من خلال مجلة الطليعة اليسارية، في مقالات مهمة عن التاريخ الإسلامي وأعلامه، ثم مع نهاية السبعينيات تحول إلى الجانب الإخواني في التفكير وصار معاديًا لأي حداثة. كان فرج فودة من أنصار الدولة المدنية الحديثة، يواجه بكتاباته المد الأصولي والخطاب المتزمت للجماعات الدينية وينتقد الإسلام السياسي.

تفاصيل الندوة كثيرة، لكن خلاصتها أنها بدأت بكلمة للشيخ الغزالي عن أهمية الحفاظ على الهوية الإسلامية، ثم تبعه مأمون الهضيبي، الذي ركز على أهمية أن يكون الجدال والنقاش بين «الدولة الإسلامية» و«الدولة اللا إسلامية» فهذا هو اسم الدولة المدنية عنده، وأكد الاثنان أن الإسلام دين ودولة وليس دينًا فقط.

فنّد الدكتور فرج فودة الأفكار حول قدسية دولة الخلافة الإسلامية، وهي الفكرة التي يدور حولها فكر الإخوان المسلمين. وتحدث عن أعمال العنف وسفك الدماء عبر التاريخ الإسلامي حتى الآن، وكيف قطعت الدولة الدينية أعناق من يخالفونها وآخرها ما يحدث في إيران. تحدث كيف لا يختلف أحد على الإسلام كدين. الإسلام كدين في مكانه العالي، لكن الإسلام كدولة ليس صحيحًا، فالدولة كيان سياسي واقتصادي واجتماعي لها برنامج تفصيلي لأسلوب الحكم ومعرضة للنقد والتغيير. ذكّرهم بالتنظيم السري الذي أقاموه في الأربعينيات وقام بقتل النقراشي باشا والقاضي أحمد الخازندار، فكيف والدين يرفض القتل الظالم. الإسلام دين الرحمة. في النهاية بدا أنهم انهزموا أمام فرج فودة.

كان يمكن أن ينتهي الأمر بانتهاء المناظرة، لكن ظهر الشيخ محمد الغزالي بعد ذلك في برنامج تليفزيوني، وقال إن من يدعو إلى العلمانية مرتد يجب إقامة حد الردة عليه، وفرج فودة يكتب في هذا الاتجاه ويدعو إلى المفاهيم العلمانية.

 في أول يونيو قبل تنفيذ الاغتيال بخمسة أيام فقط، نشرت جريدة «النور» الموالية لتيارات الإسلام السياسي، فتوى رسمية لـ«جبهة علماء الأزهر» برئاسة الدكتور عبد الغفار عزيز، ونائبه الدكتور محمود مزروعة، تكفّر فرج فودة تكفيرًا صريحًا بدعوى أنه مرتد، ويُستوجَب قتله.

بعد هذا البيان تسابقت الجماعات الإسلامية ودعاتها، للتأكيد على الفتوى ووجوب قتل فرج فودة. صار ذلك من فوق منابر المساجد، وكان منهم طبعًا الشيخ عمر عبد الرحمن ووجدي غنيم وغيرهم.

لقد أثبتت التحقيقات في اغتيال فرج فودة أن عملية الاغتيال جاءت بتكليف مباشر من صفوت عبد الغني، القيادي بالجناح المسلح للجماعة الإسلامية، من داخل محبسه، وكان مسجونًا بتهمة اغتيال رئيس مجلس الشعب الدكتور رفعت المحجوب في أكتوبر 1990، ووصل للقتلة هذا التكليف بالقتل من محاميه.

بعد تنفيذ العملية أعلنت «الجماعة الإسلامية» مسؤوليتها عن اغتيال فودة تطبيقًا لفتوى علماء الأزهر. رحبت كذلك بالأمر جماعة «الإخوان» من خلال متحدثها الرسمي مأمون الهضيبي. المهم أيضًا ما جرى في المحكمة. طبعًا قال المتهم الأول أنه فعل ذلك لأن فرج فودة كافر، ولما سأله القاضي أيّ كتب قرأها له ليعرف ذلك، قال إنه لم يقرا له شيئًا، بل هو لا يقرأ ولا يكتب.

وبسؤال القاتل عن اختيار موعد الاغتيال قبيل عيد الأضحى، أجاب «لنحرق قلب أهله عليه أكثر».

 بعد عملية الاغتيال مباشرة، هرب رئيس «جبهة علماء الأزهر» الدكتور عبد الغفار عزيز، إلى الكويت، وأصدر كتابًا تحت عنوان «من قتل فرج فودة؟»، أكد فيه كفره فهو رافض لتطبيق الشريعة، وأن فرج فودة هو من قَتَل فرج فودة، وأن الدولة قد سهّلت له عملية «الانتحار» بنشر كتاباته في الصحف! لقد استدعت المحكمة نائبه الدكتور محمود مزروعة، رئيس قسم العقائد والأديان بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر، والشاهد الرئيسي في القضية، فقال أمام المحكمة إن «فرج فودة مرتد بإجماع علماء المسلمين، ولا يحتاج الأمر إلى هيئة تحكم بارتداده، وهو مُستوجَب القتل». وقال أيضًا إن اتصالًا جاءه من شباب يدعون انتماءهم لإحدى الجماعات الإسلامية، ويريدون استشارته في أمر عاجل فحدد لهم موعدًا والتقاهم. سألوه: «ما حكم المرتد» فأجاب «قتله»، ثم سألوه وإذا لم يقتله الحاكم؟ فأجاب قاطعًا «يكون حكم قتله في رقاب عامة المسلمين». أي كان هو مصدر الفتوى. ومما قاله أيضًا فإن «فرج فودة أعلن رفضه لتطبيق الشريعة الإسلامية، ووضع نفسه وجنّدها داعيًا ومدافعًا ضد الحكم بما أنزل الله، وكان يقول: لن أترك الشريعة تطبق ما دام فيّ عِرقٌ ينبض، ومثل هذا مرتد بإجماع المسلمين، ولا يحتاج الأمر إلى هيئة تحكم بارتداده».

أما الشيخ محمد الغزالي فقال في المحكمة: «إنهم قتلوا شخصًا مباح الدم ومرتدًا، وهو مستحق للقتل، ففرج فودة بما قاله وفعله كان في حكم المرتد، والمرتد مهدور الدم، ووليّ الأمر هو المسؤول عن تطبيق الحد، وأن التهمة التي ينبغي أن يُحاسَب عليها الشباب الواقفون في القفص ليست هي القتل، وإنما هي الافتئات على السلطة في تطبيق الحد. إن بقاء المرتد في المجتمع، يكون بمثابة جرثومة تنفث سمومها، بحض الناس على ترك الإسلام، فيجب على الحاكم أن يقتله، وإن لم يفعل يكون ذلك من واجب آحاد الناس». ونشر بيانًا مساندًا لمحمود مزروعة، نائب رئيس جبهة علماء الأزهر الذي دعا بشكل صريح إلى قتل فرج فودة، وقد وقّع على بيان الدعم والتأييد إلى جانب محمد الغزالي، كل من الشيخ محمد متولي الشعراوي، ومحمد عمارة، وآخرين من أعضاء جماعة الإخوان، وجبهة علماء الأزهر.

لم يكن هذا هو الاغتيال الوحيد. لقد تم من قبل، عام 1990، اغتيال الدكتور رفعت المحجوب، رئيس مجلس الشعب، وقبله عام 1987 محاولة اغتيال مكرم محمد أحمد، رئيس مجلس إدارة دار الهلال وقتها، حيث كانت مجلاتها تشن هجومًا كبيرًا على التيارات الوهابية، وهكذا استمر الإرهاب. حوادثه كثيرة تحتاج كتابًا وحدها، من أبرزها فيما بعد مذبحة الدير البحري بالأقصر عام 1997 التي تم فيها الاعتداء على  السياح بالأسلحة، فمات سبعون سائحًا وأصيب خمسة وعشرون، وفقًا لما نشرته جريدة الأهرام. أقال حسني مبارك اللواء محمد حسن الألفي، وزير الداخلية، الذي كان بدوره قد تعرض لمحاولة اغتيال عام 1993 في بداية توليه الوزارة، وكانت المحاولة من أحد أعضاء تنظيم الجهاد الذي فجر نفسه في موكب الوزير بشارع الشيخ ريحان في طريقه للوزارة أمام  الجامعة الأمريكية، ولم تكن الأولى مع وزراء الداخلية ولا الأخيرة .

إذا انتقلنا إلى ما جرى مع الدكتور نصر حامد أبو زيد، فلا يختلف الأمر، رغم أنه نجا من القتل. رأى فيه الإسلاميون وفي دراساته الهامة، أنه كافر. واعتمادًا على قانون الحسبة تقدموا بقضية للمحكمة، طالبين فيها التفريق بينه وبين زوجته الدكتورة ابتهال يونس، أستاذة الأدب الفرنسي، باعتبار أنه لا يجوز للمرأة المسلمة الزواج من غير المسلم.

استجابت المحكمة وحكمت بالتفريق بينهما، لكن الرئيس مبارك جَمَّد الحكم، فوجد نصر فرصة للسفر إلى هولندا ومعه زوجته، وعمل هناك أستاذًا للدراسات الإسلامية في جامعة لايدن .

نصر حامد أبو زيد

لقد أقيمت الدعوى عام 1993 للتفريق بين الزوجين، بدعوى قيام الزوج بنشر عدة كتب وأبحاث ومقالات، تصنع طبقًا لما رآه علماء عدول، لغوًا يُخرجه من الإسلام، الأمر الذي يعتبر معه مرتدًا، ويحتم أن تطبق في شأنه أحكام الردة، حسبما استقر عليه القضاء. وذكرت الدعوى أنّ الزوج ارتد عن الإسلام طبقًا لما قرره الفقهاء، وبذلك فإنّ زواجه يكون قد انفسخ بمجرد هذه الردة، ويتعين لذلك التفريق بين الزوجين بأسرع وقت منعًا لمنكر واقع. كانت الدعوى هي من دعاوى قانون الحسبة وهو قانون سارٍ للآن. كان وراء الدعوى الدكتور عبد الصبور شاهين والدكتور محمد عمارة، اللذان رأيا أن نصر حامد أبو زيد ماركسيًا في دراساته للفكر الإسلامي.

طبعًا كما نعرف، وصل الإرهاب إلى نجيب محفوظ. ففي 14 أكتوبر من عام 1995، تعرض للطعن بسكين في عنقه أمام بيته بالعجوزة، لاتهامه بالكفر والخروج عن الملة بسبب روايته «أولاد حارتنا».  لقد انتشر الحديث بعد فوز نجيب محفوظ بنوبل 1988 أنه فاز بها بسبب روايته التي كانت ممنوعة في مصر، وكانت قد نُشرت مسلسلة كاملة في جريدة الأهرام عام 1959 ، ثم لاقت هجومًا من الإسلاميين، فحُظر نشرها في كتاب في مصر، ونشرتها دار الآداب في بيروت. من يريد أن يعرف كل ما دار قبل وبعد نوبل عن هذه الرواية، فليرجع إلى كتاب محمد شعير«سيرة الرواية المحرمة».

استمر هذا الإرهاب الثقافي ومنه ما وقع عام  1996، حين كنت أنا رئيسًا لتحرير سلسلة «كتابات جديدة» التي أصدرتها الهيئة المصرية العامة للكتاب. أصدرنا رواية بعنوان «الصقّار» لكاتب شاب اسمه سمير غريب علي، وهو غير سمير غريب الكاتب الشهير. تفاصيل ذلك في كتابي «الأيام الحلوة فقط»: كيف اشتعلت الدنيا لثلاثة أشهر ومن وقف معنا ومن وقف ضدنا و دعاوى الحسبة التي قُدمت ضدنا وكيف تخلص منها سمير سرحان، وكيف خمدت المعركة قبل أن يتم تكفيرنا. بعد ذلك، عام 2000 نشر إبراهيم أصلان رواية «وليمة لأعشاب البحر» للكاتب السوري حيدر حيدر في سلسلة «آفاق عربية» من الهيئة العامة لقصور الثقافة، وكان رئيسًا لتحريرها. هذه أخذت شكلًا أبشع، لأن الكاتب محمد عباس في صحيفة «الشعب» التي كانت تصدر عن حزب العمل، شن عليها حملة كبيرة باعتبارها رواية بها تجديف وتدعو إلى الإلحاد، وقبلها في جريدة «الأسبوع» هاجمها أحد الكتاب ممن ينتمون إلى جماعة علماء الإسلام في الأزهر، وهي الجماعة التي تم حلها من قِبل أمن الدولة أيام أزمة رواية «الصقار» التي أشرت إليها، لكن بسبب تكفيرهم للمفكر الكبير حسن حنفي. 

لقد صدر قرار حلها قبل أن يجتمعوا مرة أخرى بالمساء ليكفروا سمير غريب علي  وأنا وسمير سرحان، رئيس هيئة الكتاب. بعد مقالات محمد عباس، قام الدكتور الأزهري أحمد عمر هاشم بمهاجمة الرواية، ودعا شباب الأزهر، ومثله فعل كاتب جريدة الشعب، للتظاهر، وخرجت المظاهرات تندد بالرواية وكاتبها ومن أصدرها. انتهى الأمر، ولم يصل إلى المحكمة رغم تحقيقات النيابة مع أصلان ونائبه حمدي أبو جليل، لوقفة الوزارة وفاروق حسني، وزير الثقافة، مع الرواية، ووقفة المثقفين بالمئات. ثم جاءت حكاية الثلاث روايات التي نشرها محمد البساطي، الذي كان في الهيئة العامة لقصور الثقافة مشرفًا على سلسلة «الرواية المصرية»، وهي روايات «أحلام محرمة» لمحمود حامد، ورواية «أبناء الخطأ الرومانسي»  لياسر شعبان، ورواية «قبل وبعد» لتوفيق عبد الرحمن. لقد تقدم عضو مجلس الشعب، جمال حشمت، عن الإخوان المسلمين، باستجواب في مجلس الشعب لفاروق حسني وزير الثقافة، فقام فاروق حسني بمصادرة الروايات بسرعة حتى لا ينفجر الوضع الذي صار ينفجر لأيّ سبب، خاصة أنه لم يكن محل رضائهم أبدًا، وحملاتهم عليه كانت كبيرة.

لم يتوقف الإخوان المسلمون في مجلس الشعب. كانوا قد نددوا بفيلم «المهاجر» ليوسف شاهين من قبل، ورفعوا قضية لإيقاف عرضه. وأثارت قصيدة لحلمي سالم  بعنوان «شرفة ليلى مراد»، نشرها عام 2007، ضجة كبيرة. وقد اعتبرها التيار الإسلامي مسيئة للذات الإلهية، وطالبوا بسحب الجائزة التي حصل عليها من وزارة الثقافة العام السابق 2006 عن مجمل أعماله، أي جائزة التفوق في الآداب، وأقام الشيخ يوسف البدري قضية على وزير الثقافة فاروق حسني وأمين المجلس الأعلى للثقافة وقتها علي أبو شادي، لسحب الجائزة بدعوى الإساءة إلى الذات الإلهية. لكن المجلس الأعلى للثقافة طعن على الحكم ورفض فاروق حسني سحب الجائزة.

كما أحدث الإخوان بمجلس الشعب في نوفمبر 2006 ضجة كبيرة ضد فاروق حسني، بعد حوار له في جريدة «المصري اليوم» قال فيه إن ارتداء المرأة للحجاب لن يحمي الأخلاق، مضيفًا: «أنا شخصيًا لا أفضل أن ترتدي المرأة الحجاب، ولو كانت لي زوجة لمنعتها من ارتدائه». وقال: «إن حجاب المرأة يمثل عودة إلى الوراء وأن النساء بشعرهن الجميل كالورود التي لا يجب تغطيتها وحجبها عن الناس».

طالب الاخوان باستقالته أو تقديم اعتذار عما قاله. رفض فاروق حسني، وقال: «لن أعتذر لأنني لم أخطئ، وهذا رأيي الشخصي، وعلينا التخلي عن ثقافة نفي الآخر وإرهابه بالهجوم المضاد» وأضاف: «أنا لا أخشى هؤلاء ومستعد لطرح أمر استقالتي على مجلس الشعب باعتباره مجلسًا نيابيًا عن الأمة، وأعضاؤه يمثلون جموع الشعب».

لم يستطيعوا إقالة فاروق حسني. لكن الضجة كانت كبيرة جدًا كعادتهم. صار الأدب والفن هدفهم، ولم يكتفوا بما جرى لفرج فودة أو نصر حامد أبو زيد ونجيب محفوظ. أصبحت دنيا النشر ضيقة، وخاصة في الهيئات الحكومية، وفُرضت عليها من الداخل سرًا رقابة مشددة، رغم أنه لا يوجد رقابة على الكتب في مصر، وكانت هذه من حسنات السادات التي قررها عام 1979 كما قُلت، وإن ظلت الرقابة على  الكتب القادمة من الخارج. 

من قضايا النشر المهمة أيضًا ذلك الوقت، القضية التي حُكم فيها على الناشر مدبولي بثماني سنين حبس، هو وعلاء حامد، مؤلف رواية «مسافة في عقل رجل»، وطابعها فتحي فضل. كان مدبولي مجرد موزع للرواية، وصدر الحكم في ديسمبر 1991. في يناير من العام التالي، خلال لقاء مبارك بالكتّاب في معرض  القاهرة الدولي للكتاب، أثار أحد الحاضرين القضية، فأمر مبارك بإيقاف الحكم. كان الإمام الأكبر، جاد الحق علي جاد الحق، قد أصدرقرارًا بتشكيل لجنة عليا من علماء مجمع البحوث الإسلامية لدراسة ما ورد بالكتاب وتقديم رأيها في تقرير للمحكمة، ومما ورد في التقرير: «إن الكتاب ينكر الأديان بصفة عامة، ثم ينكر العقائد الدينية، وينكر الإله، ويكذب بالرسل ويزدريهم، وينكر الكتب السماوية، ويكذب بالإيمان بالقدر وبالبعث والحساب وبالجنة والنار.. وبالجملة فهو ينكر العقائد الدينية ويزدري رموزها وشخصياتها ويسخر منها، ويدعو إلى قيام الهيئة الاجتماعية على نظام مادي بحت لا مكانة فيه للروحانيات؛ أي أنه يدعو إلى هدم الأساس الاجتماعي لهذا الوطن وإلى تغييره».

caption

وشنت جريدة «النور» كعادتها حملة باعتبار علاء حامد مثل سلمان رشدي، وسبقهم جميعًا الكاتب أحمد بهحت في الأهرام بمقال بعنوان «سلمان رشدي آخر»، وكان هذا ما فجّر المسألة. الحديث طويل عن تغلغل الإخوان في الحياة الثقافية، رغم ما يبدو من عداوة مع النظام، ففي السينما مثلًا ظهرت موجة ما يسمى بالسينما النظيفة الخالية من مشاهد الجنس أو حتى القبلات، لكنها لم تنتشر كما انتشرت في المسلسلات التليفزيونية. لم يتعثر الإنتاج السينمائي ولا إنتاج المسلسلات، وظلت مساحة الحرية السياسية أكبر في السينما، بل وازدادت، وإن ظل الترصد لها بالقضايا أو الهجوم من قبل الإخوان المسلمين.

 كانت لقاءات مبارك بالكتّاب في المعرض على غير ما تتم إذاعته. لم يكن يُذاع في التليفزيون أكثر من ثلث ساعة، بينما اللقاء كان يمتد إلى ثلاث ساعات، وكانت الأسئلة كثيرًا مهمة في السياسة والاقتصاد وغيره. كان ما يذاع في التليفزيون يركز على بعض المطالب الشخصية، بينما الأمر غير ذلك، وكان مبارك خفيف الدم يحول كثيرًا من الأمور الهامة إلى نكتة، وكثيرًا ما كان يشير إلى أحد الوزراء قائلًا له: «وسعها شوية ما تقفلهاش على الناس». كانت هناك أسئلة يجيب عليها بالهزار، ثم نفاجأ بعد ذلك بالاستجابة، مثل سؤال الروائية سلوى بكر يومًا عن ضرورة أن يحصل أبناء السيدات المصريات، اللاتي تزوجن من أجانب أو عرب، على الجنسية المصرية. رد عليها ضاحكًا قائلًا: «ما لهم المصريين؟ صحتهم زي الفل فليه الجواز من أجنبي؟». لكن بعد ذلك كانت السيدة سوزان مبارك وراء القانون الذي صدر بذلك. وكما حدث في حالة الحكم على الناشر المعلم مدبولي وعلى نصر حامد أبو زيد وغير ذلك. طبعًا كانت هناك أسئلة يرد عليها بنكتة أيضًا ولا تحدث فيها استجابة.

كانت هناك جوانب طيبة من ناحية السيدة زوجته سوزان مبارك. أعطت العمل الاجتماعي جهدًا كبيرًا في مجالات حقوق المرأة وحقوق الطفل ومحو الأمية. ترأست المركز القومي للطفولة والأمومة، كذلك ترأست اللجنة القومية للمرأة المصرية،  وتُعد المؤسس والرئيس لجمعية الرعاية المتكاملة بهدف تقديم خدمات متنوعة ومختلفة في المجالات الاجتماعية والثقافية والصحية لأطفال المدارس. كما ترأست جمعية الهلال الأحمر المصري. لقد أنصفت المرأة كثيرًا في حقوقها، ووُضعت لها القوانين لذلك، مثل قانون الخلع ومحكمة الأسرة. كذلك كان لسوزان مبارك دور كبير في الثقافة بإنشاء مشروع مكتبة الأسرة بهيئة الكتاب المصرية، حيث صار كثير من الكتب تطبع بأعداد من النسخ تصل أحيانًا إلى ثلاثين ألف نسخة، تباع النسخة بجنيه أو جنيه ونصف، وإذا كان  الكتاب كبيرًا، يتجاوز 400 صفحة، فيكون سعر النسخة جنيهين على الأكثر.

في الوقت نفسه، كانت الدولة قد سمحت بظهور قنوات تليفزيونية خاصة مثل قناتي دريم والمحور، وغيرها من القنوات، واتسعت مساحة المعارضة. كانت هذه القنوات تستضيف المعارضين للنظام كما تستضيف الموافقين على ما يفعله النظام. بل صار أفق المعارضة متسعًا داخل القنوات التليفزيونية التابعة للدولة نفسها. كذلك اتسعت مساحة الصحف الخاصة، فظهرت صحف مثل «المصري اليوم» و«الدستور» و«الشروق» و«الفجر»، تجد فيها المعارضة مساحة كبيرة. الحقيقة، وهذه شهادة لي عايشتها، كانت صحف الدولة تنشر مقالات المعارضة أيضًا، وإن طبعًا بمساحة أقل من غيرها، لكنها كانت تُنشر. بالإضافة إلى ذلك كان مبارك أو الدولة قد سمحت بقيام منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان بشكل كبير. مؤكد لتبدو أمام العالم بلدًا ديموقراطيًا، لكنها فعلت ذلك، وكان لهذه المنظمات أثرها في كشف أخطاء النظام في كل مجال، وخاصة حقوق الإنسان.

كان مبارك قد قفز بالحياة السياسية قفزة كبيرة عام 2005 حين قرر أن يكون اختيار الرئيس بالانتخاب المباشر وليس بالاستفتاء، وتم تعديل الدستور ليحدث ذلك. طبعًا كان هناك من لا يثق في الأمر، وأن التزوير سيحدث كما حدث في كل الاستفتاءات السابقة التي كان يحصل فيها على ما يتجاوز الخمس والتسعين في المائة، كعادة من قبله منذ ثورة يوليو 1952. حدثت مقاطعة للانتخابات من أحزاب مثل حزب التجمع، لكنها في النهاية كانت خطوة أولى يمكن أن تتبعها خطوات. تقدم للانتخابات ثلاثون شخصًا اختارت منهم اللجنة المنسقة عشرة فقط تنطبق عليهم الشروط، كان من أبرزهم أيمن نور، رئيس حزب الغد، ونعمان جمعة، رئيس حزب الوفد. طبعًا لم يترشح أحد من جماعة الإخوان باعتبار أنها جماعة محظورة من الحكومة التي تمنع الخلط بين الدين والسياسة، وكان هذا من التناقضات الغريبة، فرغم أنه نص دستوري يمنعهم من الترشح للانتخابات على إجمالها رئاسية أو برلمانية أو نقابية، إلا أنهم مُنعوا من الانتخابات الرئاسية فقط، وتُرك لهم الحبل في الانتخابات البرلمانية، أما النقابات فكانوا تقريبًا مسيطرين عليها، وخصوصًا نقابة كبيرة مثل نقابة الأطباء. طبعًا فاز حسني مبارك بالانتخابات، لكنها كانت بداية. 

وحتى تدرك التناقض في موقف الحكومة من الإخوان، ففي نهاية نفس العام 2005 أقيمت انتخابات مجلس الشعب ففاز الحزب الوطني طبعًا بالأغلبية، لكن فاز الإخوان بثمانية وثمانين مقعدًا تحت لافتة أنهم مستقلون، وهو الخداع الذي استمر منذ أيام السادات، فالكل يعرف أنهم إخوان مسلمون، بينما فاز حزب التجمع اليساري بمقعد واحد، وحزب الغد بمقعد واحد، وحزب الوفد بخمسة مقاعد، وانتشر بين الجميع أن ذلك تم بالاتفاق مع الدولة، وكان الاتفاق أن يفوز الإخوان المسلمون بثمانين مقعدًا، لكن النتيجة لم يتم السيطرة عليها إلا بصعوبة فصاروا ثمانية وثمانين، وهذا يعني أنه كان يمكن أن يكونوا أكثر، مما يوضح لك كيف تركتهم الدولة يتغلغلون في الأمة والناس.

كانت السياسة الاجتماعية تمشي رغم[ مظهرها في الطريق الخاطئ، وكذلك كانت السياسة الاقتصادية تمشي في الطريق الخاطئ الذي بدأه السادات. كل ذلك إلى جانب مسألة التوريث للحكم وماكانت تفعله وزارة الداخلية مع المتهمين، وسنعطي الأمثلة على ذلك.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن