مغناطيس الأمور العادية
هذا النص ضمن العدد 07# من «مُنتهى الأدب»
يظل ما حدث في ستاد أم درمان بين فريقي مصر والجزائر، عام 2009، أشبه بموجة ترددية مأزومة في الذاكرة، في مشهد يقترب من طقوس بدائية، حيث كادت تلك اللحظات تتحوّل من استعراض صاخب إلى حرب مُرتجلة.
في كتابه «هذه أمور تحدث»، الصادر عن منشورات المتوسط عام 2019، يستكشف صلاح باديس جزائر مُظلمة، كأن أحدهم استلف الشمس لمجرة أخرى، كما يقول الراوي، جزائر تحمل استدارات رهيفة مثل الفتيات اللاتي يغازلهن، لا يمكن تبيانها، لكننا نعرف أنها موجودة رغم الثياب الواسعة.
القصة الأخيرة، التي تحمل عنوان الكتاب ذاته، تشكل بذرة هذا العمل. نتلصص فيها على شاب يشاهد مباراة أم درمان خفية عبر شاشة كمبيوتر في محل، فيُشتبه بأنه يتابع موقعًا جهاديًا أو إباحيًا. كأن اللحظة تستعيد ذاتها من زاوية مختلفة تمامًا. بأسلوبه الخاص، يعيد باديس تشكيل الجزائر كمشهد مُتشابك من التفاصيل والعلاقات، محمّلًا بالسخرية وإعادة اكتشاف الحاضر المستمر.
من هذا التفصيل الصغير، ينطلق باديس نحو نسخ متعددة للجزائر، عابرًا بين شقق منطقة الرغاية، وبيوت سراديبية، وبين اختناق الطرق والنفاد عبر بدائل مُختصرة، وصولًا إلى الصخرة العفنة التي تتوسط عوالمه.
الوسيلة السمعية الوحيدة في الكتاب هي صوت الراوي، ذلك الراوي شبه العاطل إلا من الطبخ، ومشاهدة فيلم، والنوم، الذي يتغير بين القصص من حيث المزاج والحضور، لكن هناك خيطًا غير مرئي يجعلنا نشتبه في أن هذا الصوت هو صوت صلاح باديس ذاته. هذا الصوت يبدو وكأنه يختبر طرقًا جديدة للتعبير عن الوجود الجزائري. تتولد عوالم متعددة وتنفجر ذاتيًا، كما لو أن كل قصة هي بداية جديدة تشق طريقها عبر سيل من الانفعالات.
في عناوين قصصه، يعبّر باديس عن الحياة من خلال عبارات نثرية، كأنها مشهد شعوري مكثف، تجمّد لحظات من الحياة بأكملها. في كل نص، هناك حركة دائمة للنفي والوجود معًا، وكأنها محاولة للهرب من الحاضر مع التأكيد عليه في الوقت نفسه. الزمن في الجزائر، بما يحمله من مآسٍ مثل الزلزال، لا ينفصل عن الشخصيات. بل على العكس، يثبت هؤلاء الأشخاص مقاومتهم للزمن، ويبدعون في فنون الحياة اليومية رغم قسوته.
لكن الكتابة هنا تشير أيضًا إلى ظهور صوت إضافي للرنين المُتبادل للأجهزة والقطارات ومسجل صوت البحر، يطمح باديس إلى تحويل الإحساس السمعي إلى قلب نسيج قصصه. في القصة الأولى، نرى زوجين شابين في لحظة هدوء قبل الفوضى، جالسين أمام مغسلة عامة، تحت إضاءتها البيضاء المريضة، يأملون في أن يكون الهدوء الذي يسبق التوحش أثرًا ينقلب على التوترات التي تحيط بهم، قبل أن يطالبوا المغسلة برغوة تزيل وساخات مقاولين البناء وهدير الآلات التي تخنق الطُرق. وهناك في جنازة عمر الزاهي، نقابل المرأة التي كتب فيها أحد أغانيه، نقابلها كما لو أنها تخرج من كلمات الأغاني، ويتم إسكاتها من الأخوة الملتحين. ليدفن في جبانة القطار، بكل ما تحمله الاستعارة من مثوى أخير تحت صوت اصطكاك الحديد والقضبان.
يستمر باديس في توظيف هذا العنصر، مُفسحًا المجال للسيارات والقطار الذي يتوغل في الأرض المتصدعة بفعل الزلزال. في المقابل، يجلب زكي صوت البحر، ممسكًا بالمسجل، ينحني كما لو أنه أمام حيوان يطعمه، ليكون هذا الصدى المعقد للضجيج فوق الأرض معادلًا للإرث الصوتي لركام الزلزال الذي تحتفظ به المدينة شاهدًا على ماضيها. وفي هذا السياق، يتحوّل الاستماع إلى ما تبثه الصخرة العفنة عند الشاطئ من موجات، بنفس الطريقة التي يتلمس بها بطل «هذه أمور تحدث» جسد حبيبته الذي يحضر بشكل غير مرئي، يظهر ويختفي، في مرثية عن الوصل. وتصبح تذكارات القواقع التي نجلبها من البحر، تحمل الضجيج المكتوم، وتصلح أيضًا كمنفضة السجائر والفضائح الصغيرة.
مع نهاية «هذه أمور تحدث»، أضع أذني على الكتاب. كل شيء يهتز، الضجيج، والبحر، واللحم، يلعب هذا المزج على أوتار الذاكرة، ومن خلاله أسمع صوتي في العشرينات من عمري، حيث عشت لحظة فقدان كاملة للإدراك في حفلة على سطح بناية بالإسكندرية عام 2007، أُقيمت احتفالًا بأسبوع الثقافة الفرانكوفونية. اللحظة التي بث فيها مكبر الصوت أغنية للشاب فضيل «تلمنت نْبريك» كانت أشبه بانفجار حسي. الموسيقى، كأنها تتدفق من كل زاوية، تنتزعك من الزمن وتغرقك في حالة من تكرار بلا نهاية. في صباح اليوم التالي، أخبرني صديق أننا رقصنا وتجولنا بين أروقة المبنى، في عرض عفوي أشبه باستجابة جماعية لنغم جزائري آسر. وخططنا في نوبة اندفاع جنونية للانتقال من السطح إلى ستاد الإسكندرية لإضاءته قبل انقضاء الليل، كأننا كنا في حلم جماعي، ندور جميعًا تحت تأثير لحظات متنا فيها من الموسيقى، ثم عدنا بنبض مختلف. مع الوقت أصبح هذا الحي مكانًا متخيلًا، صغته في ذهني من جديد. رأيت الآن بعض من معالمه في الكتاب، في النهاية تمكنت من الحصول على خريطة مفصلة لأماكن بعينها في الجزائر، مع علامات تشير إلى الطريق والمكان والأشخاص، بل يمكنني استخدامها أيضًا للوصول إلى أماكن أخرى، لم يصلها الكتاب. لكن هذه الخريطة، رغم دقتها، تخبئ متاهة خلف مساراتها. فلا يمكنك معرفة نقطة البداية بسهولة، وهو ما لا يهم، لأن هذه الخريطة تصبح بمثابة دليل يرشدك إلى عالمه، مُعَلَّم بهندسة جديدة للمساحة. وهذه الخريطة يتخيلها قارئ الكتاب الذي أبدع فيه باديس في كشف الجمال الكامن في الأمور العادية، كأنها تنبض بحياة خفية. يمكن وصفه باختصار بأنه يتحدث عن المغناطيس الذي يجذبني إلى مدن أبعث فيها من جديد، وأفنى في شوارعها وكأنها مثواي الأخير.
تقارير ذات صلة
عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن