عن معاني المخيم الفلسطيني
هذا النص ضمن «رُحنا وشُفنا» #21 «مُنتهى الأدب»
في محاضرة «عن مجاراة مخيال الأرض»، انطلقت المعمارية والفنانة الفلسطينية، صبا عنّاب، من سؤال مركزي: هل تُعد «إعادة التفكير» كمفهوم تحرري نقدي ضمن منظومة ما، منهجًا يحافظ على الهزيمة المستمرة والأمر الواقع؟ أي هل تستطيع وسيلة ما أن تتحرر من سلطة الهيكل المعرفي الذي أنتجها أم تبقى أسيرة له بالضرورة كأن تنتج خريطة تنقض السلطة الكامنة بها، والاستعمار والقوميات والرأسمالية.
تتحدّث عنّاب عن نموذج إعادة إعمار مخيم نهر البارد، كعدسة نفهم منها المخيم الفلسطيني الذي دمره الجيش اللبناني في 2007. ومنها نفهم الشتات كاملًا، أي المخيم هو الجزء الذي نقرأ منه الكل. كما تتناول مخيم عين الحلوة الذي دمره الاحتلال في 1982. فالمخيم نشأ في الأصل كحالة مؤقتة حتى العودة. لكن مع صعوبة تلك العودة، فإن المخيم من جهة ليس وطنًا بديلًا، ولكنه ليس مكانًا غريبًا بالكامل أو مثلما وصفته عنّاب بـ«مؤقتيات دائمة». تظهر تلك المساحة الرمادية التي يقع فيها المخيم بين الوطن والمؤقت، عندما تنهار تلك المؤقتيات في حالتي «نهر البارد» و«عين الحلوة»، ويصمم سكانها على إعادة إعمارها في نفس المكان، وهذا ما يقودنا إلى المرحلة التالية، كيف يعود المخيم المُنهار؟ وكيف تُظهر تعقيدات إعادة الإعمار شبح الاغتراب والأزمات التي تعتري وضع الفلسطينيين في المخيمات بصفتهم واقعين على الهامش؟

يعيد سكان المخيم المدمر بناؤه كشرط للعودة لفلسطين نفسها، وهذا ما يوضح المنطقة الرمادية التي يقع فيها فعل إعادة الإعمار، لكن هذا الفعل يظل محكومًا بتناقضات معقدة، فالمخيم تتشابك في تشكيله قوى متعددة، من «الدولة المضيفة» إلى المؤسسات المانحة، مرورًا بالمنطق الرأسمالي الذي يعيد تشكيل الفضاءات. تتخلل سردية عنّاب خيال اللاجئين الفلسطينيين، ولا تقع في فخ اختصارها في حالة صمود دائمة لا تتفاعل مع العالم حولها.
قدمت عنّاب المخيم بصفته مساحة حركة، تتشكل ببطء من خلال التفاعل مع المتناقضات، فهو ليس كيانًا كاملًا، بل بالعكس يعتمد على الخيال في سد كثير من فراغاته. تنتج كل هذه التناقضات مسارًا معقدًا لفكرة الاستعادة وما تمثله. تظهر أيضًا الذاكرة كمساحة لإعادة التكوين والتخيل، فهي ليست سجلًا دقيقًا يمكن الرجوع إليه وإعادة استنساخه. بل ما يُستعاد لا يعود كما كان، بل يُعاد تركيبه. أحيانًا بشكل جزئي، وأحيانًا بشكل لا يشبه الأصل إلا في خطوط عامة. الفجوة بين الماضي والحاضر تظل حاضرة، وأزمة التهجير ذاتها تظل تطرح نفسها قسرًا كل مرة. لم ينته الخيال بتهجير فلسطينيي القرى أو تدمير المخيمات، فتشير عنّاب إلى الأرض بصفتها مخيالًا ينتج معرفة دائمة تستقي جذورها مما سبق، فالنفق، بشكل القبة، هو إعادة إنتاج للقبة في بيت الفلاح الفلسطيني المهجر، وهكذا ومع كل «معرفة متحولة» تُنتج نماذج جديدة تكافح فكرة المحو والزوال.
لم توصف إعادة البناء بشكل خطي كانتقال من الدمار إلى الاستقرار، بل عملية تتخللها انقطاعات، وتدخلات، وتغييرات تفرضها أطراف مختلفة. ما يُبنى لا يكون دائمًا نتيجة اختيار مَن يسكن، بل نتيجة توازنات أوسع تتحكم في شكل المكان وإمكانياته، أو مثلما وصفته عنّاب: مَن يصمم؟ ومَن يسكن؟

في ختام المحاضرة، حكت عنّاب عن واقعة جرت في الخامس من أكتوبر 2023، حين كانت في إحدى جلسات معكسر تدريب مع صحفيين في بيروت، وتحدثت عن مقالها حول نقد إعادة الإعمار ضمن المنظومة التي سببت الدمار، فلفت صحفي انتباهها إلى إمكانية تطبيق منهج المقال على غزة، فلم تجد عناب ردًا فوريًا، ولم تعلم أن يومين فقط يفصلانها عن محاولة الاحتلال محو غزة على وجه الأرض.
المحاضرة نظمها مركز دراسات العمران التطبيقية «bias» و«مجاورة» في مستوصف الخليفة، الثلاثاء الماضي. للمزيد يمكن قراءة هذا المقال لعنّاب.
* صوبنا النص بعد نشره.
تقارير ذات صلة
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن