تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مع اللايف كوتش.. «انت بتشتري صديق»

مع اللايف كوتش.. «انت بتشتري صديق»

كتابة: أميمة إسماعيل 9 دقيقة قراءة

لم تخطط روداء محمد (43 سنة)، وتعمل مدربة حياة (لايف كوتش)، للعمل في مهنتها الحالية منذ الصغر. التحقت روداء بكلية الهندسة نزولًا عند رغبة والدها. وفي عامها الأول بالجامعة، اضطرت لإدارة شركته بسبب مرضه. تقول روداء «فجأة وأنا عندي 19 سنة لقيت نفسى باشتغل وأدرس حاجتين أنا مش حباهم وبعد 8 سنين صفيت الشركة وأنهيت علاقتي بالجامعة لإني سقطت في بكالوريوس تلات سنوات، وبعدين اعتزلت الحياة تمامًا ودي كانت تجربة صعبة، وقتها كرهت الحياة العملية جدا».

عقب جملة الإخفاقات التي مرت بها روداء يضاف إليها بضع سنوات من الاعتزال، قررت استكمال دراستها والتحقت بالفعل بكلية الإعلام في نظام التعليم المفتوح وعملت في الإعداد التليفزيوني. وبالصدفة، شاهدت روداء فيلم السر «The Secret»، وقررت البحث والاطلاع على العلماء الذين تناولهم الفيلم.

فيلم السر وثائقي من تأليف رونادا بايرن وإنتاج عام 2006، ويتحدث عن السر وراء نجاح كثير من الفلاسفة والعلماء مثل أفلاطون، وشكسبير، ونيوتن، وأديسون، وأينشتاين، وآخرين.

«ومن هنا كانت بداية رحلتي مع الكوتشنج»، تقول روداء «لقيت نفسي بحضر محاضرات تطوير الذات وإدارة المشاعر والتنمية البشرية، وتطور الموضوع بالتدريج من كوني بحضر عشان اشتغل على نفسي، للحضور عشان التعلم والدراسة، وكملت إعلام تعليم مفتوح ودرست كورسات كوتشنج واشتغلت لايف كوتش».

تهدف مهنة مدرب الحياة إلى «تحسين مهارات فهم الذات وتحديد الأهداف وتعزيز المهارات لتحقيق النجاح الشخصي والمهني في الحياة والعمل بواسطة الجهود المهنية التي يقوم بها الكوتش، مثل الحوار والمعايشة والتعليم والتدريب والتوجيه والتمكين والمتابعة بالتعاون مع العميل»، بحسب تعريف مدحت أبو النصر في كتابه «الكوتشنج التدريب بالمعايشة»، الصادر عن المجموعة العربية للتدريب والنشر عام 2019. 

 جلسات متتالية ومنتظمة حضرها «مدى مصر» مع مدرب حياة محترف أوضحت أن الأمر يتعلق أكثر بالحصول على صديق مقرب.. صديق ذكي يحصل على مقابل مادي لصداقته.

***

إذا كانت «العِشرة» هي التي تجعل الصديق مُلمًا بصفات صديقه، يحتاج مدرب الحياة لإخضاع «صديقه» العميل لأحد اختبارات أنماط الشخصيات كي يفهمه. الاختبار الأشهر والسائد لدى مدربي الحياة هو «الإنياجرام»، اختبار مكون من 144 سؤالًا يجيب عليها ومن خلال عملية حسابية بسيطة يقوم بها الكوتش، يحدد نمط شخصية العميل، ثم يبدأ التعرف على التحدي أو المشكلة التي تواجه العميل.

تسير الجلسات على نمط واحد: الكوتش يسأل الأسئلة بتراتبية معينة، ومن إجابات العميل تنشأ أسئلة جديدة. على سبيل المثال، يسأل عن التحدي الذي دفعنا لطلب مساعدة مدرب حياة. بعدها يسأل عن السبب الذي جعلنا نعتبر هذا التحدي تحديًا فعلًا، وهكذا. ومن خلال الإجابات، يحاول الكوتش تحديد سبب التحدي ومنه إلى الحل. وتقوم طريقة عمل المدرب بالأساس على مساعدة العميل على اكتشاف سبب المشكلة وحلها بنفسه، وليس طرح حلول ومقترحات لمشاكله. وبطبيعة الحال، يقوم الكوتش في بداية الجلسة بالتأكيد على سرية بيانات العميل ويستطلع منه تفضيلاته في الحوار.

يشرح محمود أحمد، أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، أن مهنة اللايف كوتش امتداد نسبي لقس الاعتراف في دوره كمرشد روحي. وبعد ثورة الإصلاح الديني في أوروبا، يقول أحمد، انتقلت المهمة للمحلل النفسي، وتطورت المهمة وتشكَّلت بأكثر من قالب في سوق العمل العالمي، ومنها إلى مصر من خلال الطبقة الوسطى التي تقودها تطلعاتها المعرفية والمادية لكل ما هو جديد.

يضيف أحمد أن «الدولة توجه اهتمامها نحو الطبقات الفقيرة والثرية جدًا، أما الطبقة المتوسطة فتخوض معركتها من أجل البقاء والتطور منفردة، لذا يعمل أفراد الطبقة الوسطى في أكثر من وظيفة وهو ما ترتب عليه تغير نمط حياة الطبقة الوسطى لتصبح العلاقات الاجتماعية فيما بين أفرادها أقرب للعلاقات الموضوعية (زمالة في العمل، علاقات مصالح.. إلخ) ولم تعد هناك مساحة لعلاقات اجتماعية عميقة، وهنا يأتي دور اللايف كوتش ليملأ الفراغ الاجتماعي الذي خلقه نمط الحياة العملية الجديد. كما أن تطلعات الطبقة الوسطى المادية هي التي تقودهم طول الوقت للبحث عن فرص عمل جديدة، والبحث عن آليات تحسين قدراتهم، ومن هنا يأتي العاملون بالكوتشنج من الراغبين في إرضاء تطلعاتهم المهنية والمادية والمتعاملين من الراغبين في تحسين مهاراتهم و قدراتهم لإشباع رغباتهم في التحقق المهني والاجتماعي».

هذا التطور أدى إلى إقبال كبير على الاستعانة بخدمات مدربي الحياة. بحسب تقديرات الاتحاد الدولي للكوتشنج، يبلغ عدد العاملين في مهنة اللايف كوتش بشكل احترافي نحو 71 ألف شخص حول العالم، بزيادة قدرها 33% عن تقديرات 2015. وبلغت حصيلة الخدمات التي تقدمها عالميًا نحو 2.8 مليار دولار عام 2019، بزيادة قدرها 21% عن تقديرات 2015.

للوهلة الأولى، يبدو هناك تشابهًا بين مهام اللايف الكوتش والمعالج النفسي أو الطبيب النفسي. ولكن التدقيق في مهام المهن الثلاث يكشف الاختلاف الكبير بينهم. يقول محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، إن الطبيب النفسي مهمته مساعدة المرضى النفسيين. أما الكوتش تقتصر مهمته على مساعدة الأصحاء في تحسين قدراتهم وتطوير مهاراتهم، بالإضافة إلى تعلم فنون إدارة العلاقات والمشاعر والانفعالات بشكل أفضل.

فيما تقول هالة داوود*، لايف كوتش، إن الكوتش يساعد الأشخاص العالقين في نقطة ما بحياتهم للانتقال إلى نقطة أخرى مستهدفة بما يعنى أن الكوتش يعمل على تطوير الحياة وتمهيدها للمستقبل. أما المعالج النفسي فيتركز عمله على الترومات «من الماضي» والتي تؤثر على الحاضر الذي يظل مرهونًا بمعالجة مشكلات الماضي.

«الحياة أصبحت أكثر تعقيدًا»، يقول المهدي موضحًا أن هذا يتطلب مهارات حياتية دقيقة وقوية حتى يستطيع الشخص تنمية مهاراته بما يتواكب مع هذه التعقيدات. يجعل هذا من اللايف كوتش فكرة وجيهة ومنطقية في عصرنا، بحسب رأيه. كذلك تسبب خفوت نجم المرشد الاجتماعي أو الشخص الحكيم في حياتنا إلى احتياج الكوتش، وهذه الحاجة هي التي خلقت فرعين جديدين في علم النفس هما علم النفس الايجابي والطب النفسي الإيجابي. وتم اشتقاق هذين الفرعين لأن علماء النفس اكتشفوا احتياج الأصحاء للتطوير الذاتي وتنمية المهارات، كما يشير.

فيما تقول داود إن متطلبات الحياة لم تعد كما كانت تقتصر على تلبية الاحتياجات البيولوجية فقط بل صارت كل الاحتياجات متداخلة ومتشابكة، وهو ما يجعل من الأشخاص الانطوائيين مثلًا والذين لا يمتلكون دوائر دعم حقيقية بحاجة إلى مرشد ومستشار في حياتهم.

بينما ترى روداء محمد أن كل الأشخاص بحاجة إلى مدرب حياة في حيواتهم، قائلة إن الكوتش مرآة الشخص، لافتة إلى أن الأصدقاء والأهل لا يمكنهم القيام بمهمة الكوتش في حياة الأشخاص نظرًا لأن الأصدقاء يحملون مشاعر للأشخاص طالبي المساعدة لذا لن يكون الإرشاد منهجي. «محدش هيشوفك زي الكوتش، كلهم هيبقى ليهم مشاعر ليكي ممكن تمنعهم من المكاشفة، الصديق والخبير بينصح من واقع تجربته، باختصار المدرب كالمرآة، الناس متقدرش تقود نفسها بنفسها في الحياة لان محدش يقدر يلبس بدون مراية؟»، تقول روداء.

يشير المهدي إلى أنه بالرغم من انتشار اللايف كوتش كمهنة داخل المجتمع المصري منذ سنوات، إلا أنه لا توجد جامعات تقوم بتخريج من يمتهنون هذه المهنة، موضحًا أن أغلب واضعي مناهج الكوتشنج دوليًا ينتمون لمدارس علم النفس والاجتماع وكذلك الطب النفسي وبعض مدارس البرمجة اللغوية العصبية.

التحقت روداء بعملية تعلم متواصل دام سنوات لعدد من كورسات الكوتشنج مع مدربين أجانب ومصريين عبر الاتحاد الدولي للكوتشنج «قعدت أدرس خمس سنوات قبل ما أبدأ أعمل جلسات»، حسبما تقول.

تقول داوود إن الاتحاد الدولي للكوتشنج هي أهم جهة تمنح مصداقية للراغبين في العمل بهذه المهنة موضحة أن كورسات الاتحاد تتم بنظام الساعات المعتمدة. بعد الانتهاء منها، يتم توجيه للدارس، ثم يقوم الدارسون بتسجيل جلسات مع عملاء للعرض على الاتحاد. وبعدها يتم منح شهادة معتمدة تجيز للدارس العمل ككوتش، مؤكدة أن الشهادة التي يحصل عليها الكوتش من الاتحاد مؤقتة يتم تجديدها كل فترة برسوم معينة وأيضًا باجتياز مستويات تعليمية جديدة، بما يعني أن عملية التعلم في الكوتشنج متواصلة.

تضيف داود أن التعلم عبر الاتحاد الدولي للكوتشنج يتم عبر الإنترنت في مصر. ومثلما يمنح الاتحاد الدارسين اعتماد العمل ككوتش، يمنحهم أيضًا تراخيص تعطيهم صلاحية اعتماد دارسين آخرين، بمعنى أن الدارسين المتقدمين يمكنهم اعتماد الدارسين المبتدئين.

ويدرس طلاب الكوتشنج مزيج من علم النفس وعلم الاجتماع، وأيضًا علوم اللغة، وعلوم تطوير الذات، بحسب عدد من اللايف كوتشنج تحدث «مدى مصر» إليهم.

دراسة الكوتشنج ليست بالأمر السهل ولا الرخيص، تقول ولاء تركي، لايف كوتش، مؤكدة أن استمرارية التعلم والتخصص تجعل من تعلم فن الكوتشنج أمرًا غير سهل، ولكنه ممتع، بحسب وصفها، موضحة أن بداية الدراسة تتم على مستويات عامة ثم يلي ذلك اختيار تخصصات معينة. على سبيل المثال، هناك كورسات للكوتشنج الموجه للآباء والأمهات، وأخرى للأزواج، وللموظفين، والأفراد، وغيرهم من باقي الفئات الاجتماعية.

يقول عصام*، لايف كوتش، إن دراسته لبرامج الكوتشنج المختلفة العام منها والخاص الذي يؤهله للتخصص في مجال الشركات تم بشكل متواصل على مدار سنتين بتكلفة بلغت نحو 130-150 ألف جنيه شاملة كورسات الساعات المعتمدة من الاتحاد الدولي للكوتشنج (125 ساعة) إلى جانب دبلومة علم النفس الايجابي وكورسات تنمية القدرات (الشركات والموظفين) بالإضافة إلى الكتب والمحاضرات المتقاطعة مع مجال تخصصه.

في السياق نفسه، تقوم بعض مراكز ومؤسسات التدريب والاستشارات بتقديم برامج مختلفة (مجموعة كورسات) لتأهيل اللايف كوتش بأسعار متفاوتة تبدأ من 17 ألف جنيه وقد تتجاوز 26 ألف جنيه، بحسب عدد من المراكز التي استطلعها «مدى مصر». وتكون مجموعات الكورسات المقدمة من هذه المراكز مجرد البدايات في الطريق لاحتراف الكوتشنج، موضحًا أنه كلما ارتفع عدد الساعات الدراسية وتنوعت البرامج التي يدرسها الكوتش كلما ارتفع سعره بالسوق. وفي المقابل، يحصل الكوتش على أسعار تتراوح بين 100-700 جنيه مقابل الجلسة الواحدة.

***

اللايف كوتش كوظيفة ليست مدرجة ضمن الوظائف التقليدية في المجتمع المصري ولا في الأوراق الرسمية. «سبع سنوات اشتغل لايف كوتش بعمل جلسات وبدي كورسات، بس مش مكتوب في بطاقتي لايف كوتش، في المهنة كتبوا خريج إعلام»، تقول روداء محمد.

وكيل وزارة القوى العاملة السابق، مصطفى عيادة، يقول لـ«مدى مصر» إنه يوجد تصنيفين للمهن في مصر: المهن الحرفية مثل السباك، النجار، والمهن الفنية وغالبًا ما يكون أصحابها من حملة المؤهلات العليا مثل الطبيب، المهندس، المدرس. أصحاب المهن الحرفية يحتاجون لقياس مستوى المهارة وترخيص مزاولة حرفة من مديريات القوى العاملة لإثبات المهنة في الأوراق الرسمية. أما أصحاب المهن الفنية ومؤهلاتهم والنقابات التابعين لها تؤدي الغرض في إثبات المهنة.

تتطلب المهن المستحدثة في التصنيف الفني التقدم بطلب للإدارة العامة للتدريب لدراسة المهنة ووضعها التصنيف الملائم، لافتًا إلى أن إدراج المهنة في التصنيف الفني يتطلب مؤهلًا دراسيًا يتناسب مع المهنة. وفي حالة اللايف كوتش، فإن المؤهلات الدراسية مختلفة في أغلب الممارسين عن مجال العمل، وهو ما يعد عائقًا عمليًا وإداريًا في التسجيل داخل التصنيف.

أضاف عيادة أن وزارة القوى العاملة تتعامل مع سوق العمل بالتنسيق مع المجلس الأعلى للجامعات، كاشفًا وجود بعض المهن المستحدثة غائبة عن التعليم العالي والقوى العاملة. ولذا فمن اللائق بحث سوق العمل بصفة دورية لاكتشاف المهن المستحدثة وعمل لجنة مشتركة مع القوى العاملة والجهات المختصة للتعامل مع هذه المهن، سواء بتقنين الدراسة والتأهيل أو بتقنين الوضع الرسمي لها، مشيرًا إلى أن أغلب التحديثات التي تتم على تصنيفات المهن تأتي من أصحاب المهن أنفسهم وليست بمبادرة من الجهات المختصة بالتعامل مع السوق.

في السياق نفسه، يقول عصام إنه «يعمل كل الكوتشز في مصر تحت مظلة نشاط استثماري اسمه 'التدريب و الاستشارات'»، موضحًا أن الكوتش حتى يكتسب مصداقية لدى عملائه من الدارسين أو ممن يواجهون تحديات حياتية يجب أن يكون معتمد علميًا عبر شهادات تثبت دراسته للكوتشنج، ورسميًا من الدولة.

ويقول عصام إنه «بما أنه لا يوجد حاجة اسمها لايف كوتش كمهنة يمكن الاعتراف بها يقوم الكوتشز بتأسيس شركات بالهيئة العامة للاستثمار للاستشارات والتدريب يمارسون من خلالها نشاطهم مع العملاء، وهو ما يمنح الدولة حقها من الضرائب وخلافه ويمنح الكوتشز شرعية العمل في المجال الذي اختاروه».

في السياق نفسه، يقول محمد المهدي إن «الكوتشنج مقننة إداريًا لكنها غير مقننة مهنيًا» موضحًا أن الكوتشنج في مصر تفتقد للرقابة من الجهات ذات الصلة مثل وزارة الصحة أو الأمانة العامة للصحة النفسية، فلا يوجد رقيب واحد على ما تدرسه مراكز الاستشارات والتدريب ولا رقيب واحد على ما يحدث داخل الجلسات ولا جهة يمكن الرجوع إليها حال حدوث أي ضرر للعميل يخص الصحة النفسية الخاصة به.

* اسم مستعار.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#فساد

خلاف في «المهن الطبية» بعد قرار استثمار في شركة تدّعي علاقتها بجهة سيادية

يستعد مجلس نقابة اﻷطباء، غدًا الجمعة، لحضور اجتماع طارئ لمناقشة سحب الثقة من الأمين العام الحالي، أيمن سالم، على خلفية موافقته، ممثلًا عن النقابة، على قرار استثماري مثير للجدل، اتخذه…

محمد حمامة 6 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن