خلاف في «المهن الطبية» بعد قرار استثمار في شركة تدّعي علاقتها بجهة سيادية
يستعد مجلس نقابة اﻷطباء، غدًا الجمعة، لحضور اجتماع طارئ لمناقشة سحب الثقة من الأمين العام الحالي، أيمن سالم، على خلفية موافقته، ممثلًا عن النقابة، على قرار استثماري مثير للجدل، اتخذه مجلس اتحاد نقابات المهن الطبية، وذلك بالمخالفة لإجماع باقي أعضاء المجلس، بحسب عضو مجلس نقابة سابق بإحدى نقابات الاتحاد.
قرار الاتحاد، الذي يضم نقابات الأطباء وأطباء الأسنان والبيطريين والصيادلة، تمثل في استثمار 50 مليون جنيه في شراء حوالي ربع أسهم شركة برمجيات ناشئة، ما أثار خلافًا بين النقابات المكونة للاتحاد، وجدلًا كبيرًا في أوساط الأعضاء دفع بعضهم لإطلاق حملة جمع توقيعات لعقد جمعية عمومية طارئة للاتحاد لمناقشة القرار.
تصاعد الخلاف إلى العلن بعدما أصدرت نقابة الأطباء قبل أسبوع بيانًا أعلنت فيه رفض مجلسها القرار. المبلغ الذي قرر الاتحاد استثماره لشراء ربع أسهم الشركة يعني أن تقييم قيمتها السوقية يتجاوز 200 مليون جنيه. وهو مبلغ لا يتناسب على الإطلاق مع حجم الشركة الصغيرة أو سابقة أعمالها، والتي «لا تمثل أكثر من 1% تقريباً من المبلغ المطروح»، كما أوضح البيان.
ولأن هذه الأموال تأتي من صندوق معاشات أعضاء النقابات المكونة للاتحاد، أثار قرار الاستثمار أسئلة مشروعة حول أسبابه الحقيقية. من ناحية، لا يبدو أن هناك تقييمًا اقتصاديًا مقنعًا يوضح العوائد المنتظرة من هذا الاستثمار الكبير.
ومن ناحية أخرى، كما ألمحت محاضر اجتماعات لمجلس الاتحاد، اطلع عليها «مدى مصر»، وبحسب مصادر نقابية حالية وسابقة، قدّم مسؤولو الشركة أنفسهم للاتحاد باعتبار أنهم يتبعون «جهة سيادية»، ووعدوهم بعائد استثماري ضخم في المستقبل لأنهم سيحصلون على «حاجات كتير في الدولة» خلال الفترة القادمة، بحسب تعبير أحد المصادر. وبين هذه الوعود، والخوف من أي توابع محتملة لرفض العمل مع هذه «الجهة»، وافق الاتحاد على هذا الاستثمار.
الشركة المذكورة اسمها «داف»، وهي شركة حلول رقمية وتقنيات مالية لم يتخطَ عمرها عامين. بحسب سجلها التجاري الذي اطلع عليه «مدى مصر»، لا يتجاوز رأس مال الشركة خمسة ملايين جنيه.
بحسب موقع الشركة على الإنترنت، يترأس مجلس إدارتها شخص اسمه حاتم قنديل. ولا تحتوي سابقة أعمالها سوى على خمسة مشاريع، أحدها اسمه «بالشفا»، ويملكه نفس رئيس مجلس الإدارة، وتطبيقين آخرين لنقابة الأطباء.
لم يتمكن «مدى مصر» من التواصل مع رئيس الشركة، لكن تقارير صحفية نُشرت عنه بمناسبة قيامه برحلة تجديف عبر نهر النيل (لرفع الوعي البيئي، بحسب أحده هذه التقارير، والتوعية بمشروع التأمين الصحي الشامل بحسب آخر) أشارت إلى أنه تخرج من كلية الدفاع الجوي عام 1990، واستمر في الخدمة حتى خرج على المعاش بعد إصابة لحقت به.
عضو مجلس إدارة نقابة الأطباء، أحمد حسين، كتب على صفحته على فيسبوك أن تفاصيل تعاقد نقابة الأطباء مع الشركة على هذين التطبيقين في 2020 أحاطت بها الشكوك، خاصة مع تقدم الشركة بعروضها إلى النقابة قبل حصولها على ترخيص مزاولة النشاط.
الشركة التي استند عليها الاتحاد لتقييم «داف» -وبالتالي الصفقة- اسمها «سمارت ماركتنج سرفيس». بحسب المصدر النقابي، فإن الاتحاد يعتمد على هذه الشركة التي تمتلكها طبيبة بيطرية (وبالتالي عضوة بالاتحاد) لإجراء التقييمات قبل أي قرار بالاستثمار.
تواصل «مدى مصر» مع رئيسة الشركة لسؤالها عن المعايير التي استند إليها التقييم. لكنها رفضت الإجابة معتبرة أن هذه التفاصيل سرية، لا يمكنها الإفصاح عنها وأحالت الأمر إلى مجلس الاتحاد نفسه.
من جانبه، يقول المصدر الأخير إن تقييم «داف» بهذه القيمة المرتفعة اعتمد على وعود مستقبلية بمشاريع طموحة، وليست أعمالًا قيد التنفيذ. كان هذا واضحًا في اجتماع عُقد في فبراير الماضي بين أعضاء مجلس الاتحاد وممثلين عن الشركة. بحسب محضر الاجتماع الذي اطلع «مدى مصر» عليه، تساءل عضو بمجلس الاتحاد عن الموقف المالي الحالي للشركة وأصولها وعوائد استثمارها. الإجابات التي جاءته كانت عمومية وغير محددة. نائب رئيس الاتحاد رد بأن «الشركة تعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات والبرمجيات» وأن «هذا النوع من الاستثمار أصوله غير ملموسة». ورد آخر، يترأس شركة للاستشارات المالية والاستثمارية لم يتضح سبب حضوره الاجتماع، أن الشركة «في مرحلة البناء والتوسع والتطور والاستثمار في مجالات مختلفة، وأن الشركة في تصاعد في الاستثمارات الخاصة بها».
النقاط المحددة الوحيدة التي ذُكرت خلال الاجتماع عن أعمال الشركة ذكرها رئيسها وتمثلت في «بروتوكول تعاون» مع منظومة التأمين الصحي الشامل وعدد من التطبيقات من بينها تطبيق البنك المصري الخليجي، وهو تطبيق لم يذكره موقع الشركة على الإنترنت ضمن سابقة أعماله.
السبب الذي تسوقه الشركة لقدرتها على إتمام هذه الأعمال الطموحة، بحسب المصادر، هو أنها بشكل ما تتبع «جهة سيادية»، وبالتحديد المخابرات الحربية. يُفسر هذا السبب اقتراح نائب رئيس الاتحاد خلال اجتماع للمجلس عُقد في الأول من يونيو الجاري، اطلع «مدى مصر» على محضره، أن «يكون توقيع العقود الخاصة بهذه الشراكة داخل جهاز الاستخبارات العسكرية لضمان حقوق الاتحاد».
يرى حسين أن ادعاء ممثلي الشركة ارتباطهم بجهاز سيادي تسبب في ترهيب البعض أو ترغيبهم. الترهيب تمثل في الخوف من أن يُقابل رفض الدخول في شراكة في أي إجراء عقابي. والترغيب يتمثل في إمكانية الاستعانة بالشركة لحل بعض مشاكل الأطباء العالقة، ومن بينها صعوبة إنهاء إجراءات تراخيص العيادات أو سرعة إقرار قانون المسؤولية الطبية، والذي يقبع في درج مجلس النواب منذ أعوام.
حاول «مدى مصر» التواصل مع يوسف حمزة، الأمين العام لاتحاد نقابات المهن الطبية، وأبو بكر القاضي، أمين صندوق نقابة الأطباء وعضو مجلس الاتحاد، وأيمن سالم، أمين عام نقابة الأطباء وعضو مجلس الاتحاد، وأرسل لهم أسئلة حول قرار الاستثمار وحقيقة ادعاء الشركة علاقتها بجهاز سيادي، دون رد. كما تواصل مع إيهاب هيكل، نقيب أطباء الأسنان ونائب رئيس الاتحاد، والذي رفض الإجابة على سؤال بشأن حقيقة ما يتردد عن ادعاء علاقة الشركة بجهة سيادية.
من جانبه، لا يصدق حسين أن الشركة ترتبط بأي جهاز سيادي فعلًا. بالنسبة له، من الممكن أن يكون أحد أفراد الجهاز السيادي على علاقة بملاك الشركة أو ربما حتى شريكًا صامتًا فيها. لكن، وبحكم خبرته التي استمرت لسنوات كمدير إدارة التخطيط في إدارة الصحة النفسية، فإن هذه الأجهزة السيادية لا تمارس أعمالها بهذه الطريقة. وحتى إذا كانت هناك علاقة فعلًا، فإن هذا لا يعني أنها ستقوم بإجراء عقابي إذا رفضوا الشراكة، بحسب تجربة حسين.
لكن هذا لا ينفي تأثير مثل هذا الخطاب على الأعمال بشكل عام. أحد أبرز الأمثلة على هذا كانت سلسلة صيدليات 19011 والتي حاول ملاكها التلميح بعلاقتهم بأجهزة سيادية واستغلوا هذا في تسهيل أعمالهم في سوق الدواء بشكل كبير حتى انتهت بكارثة إفلاسها.
ومن ناحية أخرى، يرى حسين والمصدر النقابي أن قرار استثمار هذا المبلغ الكبير يطرح أسئلة مشروعة حول دوافعه، خصوصًا وأنها تأتي من أموال صندوق معاشات أعضاء النقابات الأربعة التي يضمها الاتحاد، والذي تأسس بموجب قانون منذ الثمانينيات.
ورغم أن القانون يسمح باستثمار أموال هذا الصندوق لأن عائدات هذه الاستثمارات تمثل إحدى موارده. «مجلس الاتحاد [لديه] سلطة مطلقة في فلوس بالمليارات بالشكل ده»، يقول المصدر النقابي. لكن ما كان يحدث عادة هو أن المجلس يستثمر في أعمال ترتبط بالقطاع الطبي بشكل عام. لكنه هذه المرة يدخل مجال البرمجيات، وهو مجال ليس لدى أي من أعضاء المجلس خبرة فيه.
إلى جانب هذا، يضيف حسين اعتبار آخر هو حصول هذه الشركة على قدر هائل من بيانات الأطباء دون بروتوكول واضح ينظم استخدامها لها وضمانات تمنع استغلالها بأي شكل تجاري غير مشروع.
تقارير ذات صلة
هل وقعت الحكومة مجددًا في «نَصَباية» القمح المستورد؟
كان يفترض أن ينعكس تخزين الفلاحين للقمح سلبًا على معدلات التوريد في الموسم الجاري
تعديل تشريعي قد يسمح بتمديد رئاسة شقيق السيسي لـ«غسل الأموال وتمويل الإرهاب» بلا نهاية
قبل أسابيع من انتهاء رئاسة المستشار أحمد سعيد حسين خليل السيسي، للوحدة التابعة للبنك المركزي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن