تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
معقول يزول؟ عن وعينا بفن زياد

معقول يزول؟ عن وعينا بفن زياد

مرثية مَن عرفه على كبر وعن بُعد

كتابة: أحمد وائل 7 دقيقة قراءة

في فبراير 1955 قضت نهاد وزوجها عاصي شهر عسلهما في القاهرة، وبعد أشهر جاء مولودهما الأول زياد في أول يناير 1956، والذي رحل عن عالمنا في 26 يوليو الجاري، لكن هذه المسيرة لن تُختم هكذا، فمَن هو مثل هذا الموسيقار لا يعيش مرة واحدة بل يبقى أثره بين الناس.

رُبّي اللبناني زياد الرحباني ليكون العبقري الصغير، نال لقب ملك جمال الطفولة في مسابقة مدرسية، واستشاره والده في ألحانه فطلب من طفله المفاضلة بين توزيع وآخر فيما يؤلف قطعة موسيقية، وتطورت تلك العلاقة للمجادلة حول الموسيقى وحزب الكتائب والشيوعية وصورة الوطن في مسرح الرحابنة وأمور أخرى يناكفان بعضهما حولها مثل مناقرات الديوك. 

وسط المناقرات، انتبه عاصي إلى موهبة ولده، ميّز عزفه على البيانو، وتأكد أنه لا يقلد ما يسمع في الراديو، حيث اعتاد الصغير الإنصات إلى موسيقى سيد درويش وزكريا أحمد من إذاعة صوت العرب. وتكتمل صورة العبقري الصغير بتلحينه في الرابعة عشر أغنية لخالته، هدى حداد، «ضلّي حبيني يا لوزية»، ثم قدّمه والده ككاتب، بطباعة وتوزيع 500 نسخة من خواطره المعروفة بعنوان: «صديقي الله». [حمّله من هنا

وحين مرض والده، أقنعه عمه بأن اللحن الذي ألّفه زياد لأحد المطربين يمكن تركيب كلام أفضل له هكذا خُلقت «سألوني الناس» بكلمات منصور (1973) كرسالة حُب من فيروز لزوجها الراقد في المستشفى، رغم تفاقم الخلافات بينهما حتى يحدث الانفصال بعد خمس سنوات.

تمرد زياد على الدور المرسوم له كعبقري صغير، مُنتقلًا من السكن مع عمه إلى العيش عند جوزيف صقر الذي سنعتبره زياد في كل ما غناه، والخطأ نفسه سيتكرر مع سامي حوّاط، فأي صوت غير فيروز أو سلمى أو ياسمين أو غيرهن هو لزياد. 

خروج زياد من بيوت الرحابنة مكّنه من مناورة هذه التجربة من موقع آخر، جرّب نفسه كمستقل عنهم، وقدم فنه بشكل مستقل وليس كرحباني آخر يحل محل أبيه إن مرض ملحنًا كلمات عمه مثلما حدث في «سألوني الناس»، بل اندمج مع تجربة أكبر بتضامنه مع المقاومة الفلسطينية أثناء محاصرة مخيم تل الزعتر 1976، وبنار هذه التجارب نضجت موهبة زياد المستقل وتشكّلت، لنتلقاه بعد سنين كتجربة فريدة صاحبها فنان أسطوري وليس مجرد «عبقري» والده عاصي وأمه فيروز، بل الذي أنزل الأخيرة من منزلتها النورانية، حيث كانت تغني ترانيمَ بصوتها الملائكي على ألحان كريشندويّة تعلو بها منزلة وراء أخرى، وتؤدي مسرحيات غنائية مُغرقة في الماضي وأبطاله الطيبين، المطرانة والنواطير والحراس والفلاحات الجميلات بفساتينهن المطرزة ومناديلهن المُلونة بلا حداثة أو صراعات تقدمية، كجارة للقمر لا تبالي بالمستعمين، تمكّن زياد من تثوير التجربة الراسخة عبر نفخ روح جديدة في مشروع أمه جعلت غناءها يناسب مجايليه، بل ما تلاهم من أجيال في لبنان وباقي الدول العربية، وكل مَن يبحث عن نفسه في سنوات توهان المراهقة أو ما تلاها من مراهقة مُتأخرة في آخر عقد من حكم مبارك.  

في سنوات التململ هذه كنّا نقرأ أدب كُتّاب التسعينيات، ونجتره في مسوداتنا، يحمّسنا ما يُنشر على مدونات نجمها علاء عبد الفتاح، ونفرح بما يُنتج كموسيقى أندرجراوند أغلب دررها سكندرية، ونستعيد تجربة زياد في مقاربة السياسة والشأن العام رغم الفارق الزمني والمكاني، فما كان يصدح به ساخرًا في سنوات الحرب الأهلية متخندقًا في إذاعة صوت الشعب، أو موسيقاه ومسرحه في تسعينيات ما بعد اتفاق الطائف، كنّا نتلقاه أونلاين في مصر الألفية، ونحن ننتظر انهيار صحة الرئيس حتى يتغير حال العباد والبلاد، لكن الملهم في ما صنع زياد أنه قدّم من قلب الاحتراب الأهلي أعمالًا يمكن أن تعيش ونُحبها ونُتيم بها، ونحن لسنا لبنانيين مثلما عشنا كل قصة حب ونحن نفكر أننا نحب بلا ولا شي، حبنا ما فيه المصاري، أو أصحاب أصحابك الثُقلا والمهضومين، نتخيل أننا سنذهب لنقعد في الفي، دون أن نعرف ما هو الفي ولا أين يقع!؟ مع علمنا أنه رجل وحيد، ولم يكتب كل أغانيه العاطفية إلا بعد فشل تجاربه الثلاث الأبرز. 

وقتها كان مُعتادًا القول إنك تحب من فيروز شُغل زياد، وهذا التحديد المميز للذوق يعني أنك لست مثل ملايين الشباب من سنك من مستهلكي البوب كالتشر، كان على الشاب منا تمييز نفسه وقتها، فعليه حمل الكتب ليقرأها في المواصلات، يدخن ويشرب القهوة بلا سكر، يكون شغوفًا بكُتّاب أو سينمائيين أو موسيقيين غير تجاريين يتسمون بالعمق والتعمق والتعقيد والصعوبة، وهذا يتطلب مستوى أعقد من الفرجة على يوسف شاهين وسماع محمد منير وكثرة التدخين وشرب القهوة المُرّة (علينا أن نغليها مثلًا)، والتعلية على ذلك بأن نكون من عشاق زياد، ونكتفي باسمه الأول لقربه من القلب والروح، لكن شو بعملك إذا اجتمعوا فيّ كل الأشيا الكافرين.

https://www.youtube.com/watch?v=TRzcznwCta8

بصراحة التمايز بزياد لم يكن مفتعلًا، الباقين كانوا إما سحبوا استمارات جمعية جيل المستقبل مع جيمي ابن الرئيس، أو جُندوا في الاشتراكيين الثوريين أو إسلاميين ونحن نحب سهرات البيرة على قلتها لأن الحالة تعبانة يا ليلى. كما إن زياد يساري قديم، لا يشبه أعضاء «التجمع» أو مناضلي السبعينيات المُحبَطين المهزومين، تميزه السخرية الذكية في التعامل مع الشأن العام، بحس موسيقي أجمل وأكثر نضجًا من الشيخ إمام عيسى. تخيّل أن كلمات أغنية «أنا مش كافر» أعجبت الأخير حين سمعها في لقاء جمعه مع زياد وفيروز في لبنان، حكى زياد متحسرًا على ضياع فرصة التعاون، فهو لا ينكر أنه طمح إلى ذلك، لكن هل تتخيله يغنّي كلام زياد؟ 

caption

ماذا لو أسفر هذا اللقاء عن تسلل هذا المشاغب المعجون بأسلوب العتابا اللبنانية وموسيقى الجاز وخبرات الرحابنة الفنية وحس السخرية المصري إلى رأس الشيخ إمام، سيثوّر إمام أكثر ويحيله إلى صورة أكثر فنية. أن يغني الشيخ عن كُفر الجوع، لقاء خيالي ومستحيل وغير معقول، لكن زياد عقَلّها، فهو كان مُتيمًا بتجربة إمام/نجم مثلما تأثر بتجارب مصرية أخرى كطريقة تلحين زكريا أحمد لكونه يجيد عمل موسيقى شعبية خفيفة كلماتها بسيطة تشبه مزاج زياد. لكن يبدو أن موسيقى مصر في زمنها الذهبي، درويش/ زكريا، ظلت حاضرة في خاطره، وتجلى ذلك في اختياره افتتاح حفل فيروز الثاني عند سفح الأهرامات 1989 بأغنية سيد درويش: «اهو دا اللي صار» والتي ميزته عن حفلها الأول المُطعم بتحية «مصر عادت شمسك الذهب» المُقام في حديقة الأندلس 1976.

وعبر فيروز أيضًا، سرّب بعد 21 عامًا، بصوتها المشروخ ذي الـ75 عامًا هذه الصيحة: إيه في أمل.. أوقات بيطلع من ملل. فهذا المعجون بتجارب أكبر منّا، المُولع بموسيقى مصرية غير موجودة إلا في الماضي، يعرف كيف يلاعب نفوسنا، فيما التململ الثوري يدّب في كل بلد، والغضب المكتوم يطفح في احتجاجات، ويُرسم على الجدران كجرافيتي، هذه الرسالة أثّرت عميقًا، ربما لكونه صاحب وعي ينعكس بأصدق ما يكون في الفن، فهو يعيش زمنًا يخصه، ماضٍ مقيم في خياله، تتوسطه مزيكا مصري من شغل القوادم، تجعل سهله ممتنعًا وملهمًا، يصلح هذا الألبوم ليكون عمله الأخير، واعتماده كآخر ما قدمه لنا زياد، ولا نبالي بما حدث بعد ذلك، بس حبيبي تنينتنا نعرف شو صار، بل أن ألبومًا سيصدر قريبًا أعلنت عنه لطيفة يحمل تعاونهما الثاني والأخير، بعد معلومات أكيدة 2006. 

بالعودة إلى وعينا بزياد، فقد حلّت فرصة لجيلنا أن يعايش تجربة سماع زياد حيًا لتراه عيوننا ونعيش جوه لايف، حيث نُظمت ثلاث حفلات له في مصر، أولها كان 2010، مع الأسف لم أحضره مدعيًا أن سبب ذلك إقامته في ساقية الصاوي التي لا تقدم الكحول، ولكن في الحقيقة لم أستطع شراء تذاكر السوق السوداء المرتفعة بعد نفاد تذاكره. أما الثاني فأُقيم في المكان نفسه في 2013، وأُقيم الأخير على مسرح المنارة 2018 في التجمع الخامس، والثالثة ثابتة، فلم أحضره بسبب الجدل حول مواقفه من الثورة السورية، مع السخرية من المكان الواقع في التجمع الخامس في أحد الفنادق المملوكة للقوات المسلحة، هكذا ضاعت الفرص الثلاث، وصلت الأمر لشي تعيس.  

وفي ختام هذه المرثية، وكما تقتضي المراثي، فإن وعيًا كبيرًا مزج فن زياد لدرجة أننا تلقيناه ومتعنا وألهمنا في سياق مختلف تمامًا عن ظروف إنتاجه، وبفارق زمني كبير. وبرحيله، يعود زياد إلى الموقع الذي عاش فيه بالنسبة لي، مُغلف بملمحٍ أسطوري، كأحد فناني حرب أهلية وضعت أوزارها قبل أن أعيّ الدنيا، وحين تسللت إلى عالمه عبر الإنترنت مستكشفًا كان الهدوء قد سيطر على كل معارك ماضيه، كأنه مع اكتمال التجربة عن 69 عامًا قد صار في منزلة أسطورية كتلك التي أنزل أمه منها، بعدما لعب وتمرد وناور وسخر ومتعنا وحيرنا وخسرنا وخسرناه، وضيعتُ حضور حفلاته، لكن بينما هو في هذه المنزلة الجديدة، يمكننا أن نكتشفه من جديد، وهذه المنزلة هي الخلود بالمناسبة. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن