معركة «نهب الأغذية» في غزة.. «القانون الثوري» في مواجهة «الفوضى المُدارة»
وسط عتمة إحدى ليالي نهايات أبريل الماضي، سطت مجموعة مسلحة على مخزن مواد غذائية داخل فندق موفنبيك غربي مدينة غزة، والمعروف بين أهالي القطاع بـ«المشتل»، وهو مملوك لرجل أعمال فلسطيني صاحب إحدى التكيات التي تطعم عشرات من أهالي القطاع مجانًا، وكانت المواد المسروقة مخصصة لها.
حادثة «موفنبيك» كانت واحدة من عمليات سرقة مسلحة استهدفت خلال الأسابيع الماضية مخازن المساعدات والبضائع ومحلات البقالة وكل مكان يحتوي على سلع غذائية في غزة، بحسب شهود عيان وسكان من القطاع تحدثوا لـ«مدى مصر»، فيما تستمر المجاعة التي تأكل القطاع بمن فيه، جراء الحصار الإسرائيلي الذي يمنع دخول المساعدات والبضائع على مدار شهرين، منذ انهيار وقف إطلاق النار في منتصف مارس الماضي.
شاهد عيان على واقعة «موفنبيك» قال إن نحو 30 مسلحًا اقتحموا بوابات الفندق وأطلقوا الرصاص في كل مكان، ما دفع حراس الفندق للاستسلام، قبل أن يبدأ المسلحون في سرقة السلع الغذائية من المخازن، ثم تطور الأمر إلى سرقة محتويات الفندق، في حين اقتحم بعض النازحين المقيمين في المنطقة مخزن المواد الغذائية وتحصلوا على ما تبقى فيه من طعام.
أحمد النمنم، المقيم في وسط مدينة غزة، كان شاهدًا على سرقة مسلحة أخرى لمخزن تكية تابعة لجمعية قوافل الخير وسط غزة، بعد يومين من الهجوم على الفندق، وقال لـ«مدى مصر» إن العصابة هاجمت المخزن وتمكنت من سرقة بعض المواد الغذائية قبل أن يتصدى لها العاملون في التكية وبعض الأهالى ليتمكنوا من حماية ما تبقى من أطعمة ويجبروا أفراد العصابة على الانسحاب.
لم يمر وقتٍ طويل على محاولة السرقة حتى قصف الطيران الإسرائيلي موقع التكية، ما أسفر عن مقتل «ستة من رجال العمل الخيري وكوادر الجمعية» بحسب بيانٍ لـ«قوافل الخير».
في اليوم نفسه، هاجمت العصابات المسلحة مخبزًا يشرف عليه برنامج الغذاء العالمي، في وسط مدينة غزة، لسرقة ما تبقى فيه من مخزون الدقيق، قبل أن تهاجم مخبزًا آخر في ذات المنطقة للغرض نفسه، فيما استهدف هجوم مماثل محال تجارية متجاورة في حي الرمال في اليوم التالي، تحت وابل من الرصاص أطلقه مسلحون فأصابوا عددًا من رجال الأمن غير الرسميين الذين يحرسون تلك المحال، وذلك قبل وصول عناصر الشرطة بغزة للمكان، حيث أصيب بعضهم في قصف إسرائيلي باغتهم بعد قليل من ظهورهم.
بالتزامن مع القصف المباغت، وبعد محاولة فاشلة للسطو المسلح على متجر كبير في الحي نفسه، استهدف قصف إسرائيلي مماثل عناصر تأمينه الذين ضموا أفرادًا من عائلات ملاك المتجر، فقُتل وأصيب عدد منهم، قبل أن تستكمل العصابة المهاجمة عملية السطو التي فشلت في المحاولة الأولى.
وتراجع دور الشرطة في قطاع غزة مع التوسع الإسرائيلي في الاستهداف المباشر لأفرادها وقياداتها الميدانية على مدار أشهر الحرب، ما أدى للجوء التجار للجان شعبية تكونت بتحالفات عشائرية مع الفصائل المختلفة لتولي مهام التأمين، في ظل تكرار محاولات سرقة شاحنات البضائع والمساعدات، في بدايات العام الماضي، بمعرفة تكتلات من عائلات كبيرة في القطاع، فضلًا عن محاولة نازحين اقتحام مخازن المؤسسات الإغاثية، تحت وطأة الاحتياجات التي لم يكفها حجم المساعدات التي كانت إسرائيل تسمح بدخولها للقطاع.
تزامن الاستهدافات الإسرائيلية مع هجمات المسلحين على تكايا الطعام ومخازن المواد التموينية، يطرح تساؤلات حول الدور الإسرائيلي في إسناد العصابات وتهيئة الأرض ميدانيًا لنشاطها، حسبما قال لـ«مدى مصر»، مدير مركز عروبة للأبحاث والدراسات الاستراتيجية، الباحث السياسي أحمد طناني، معتبرًا أن الفوضى المنتشرة في القطاع ليست مجرد انعكاس لحالة انهيار معيشي، بل أداة فعّالة تُدار بوعي أمني وتُسند بتخطيط استخباراتي.
كانت السلطة الفلسطينية ألقت مسؤولية تلك السرقات على «عصابات حماس التي تستهدف مخازن ومستودعات المساعدات الإنسانية المقدمة لأهلنا في قطاع غزة»، بينما اعتبرت الحركة أن من يقومون بتلك الأفعال «فئة خارجة على القانون من عملاء الاحتلال، تعمل على نشر الفوضى والرعب في بعض المناطق والأحياء والقيام بالتهجم والسطو على محال وممتلكات عامة وخاصة، مستغلين بذلك حالة الاستهداف المركزة من قبل الاحتلال للمنظومة الأمنية والشرطية».
مع تزايد عمليات النهب المسلحة، نفذت الأجهزة الأمنية في غزة عددًا من «أحكام الإعدام الثورية ضد عدد من كبار المجرمين»، حسبما كشف لوكالة «رويترز»، مدير المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، إسماعيل الثوابتة، مشيرًا إلى أن بعض أفراد العصابات عملوا تحت مظلة عشائرية، فيما عمل آخرون كمجموعات منظمة، مؤكدًا أن آخرين تلقوا دعمًا مباشرًا من إسرائيل.
كانت وزارة الداخلية في غزة أعادت تشكيل قوة شرطية لملاحقة عناصر العصابات المسلحة، في محاولة لإعادة السيطرة وبسط النظام، حسبما أفاد لـ«مدى مصر» مصدر بالوزارة، وآخر في حركة حماس، أكدا أن القوة المستجدة تلقت تفويضًا بتنفيذ عقوبات ضد المسلحين ولا سيما المتخابرين مع إسرائيل منهم، بمقتضى قانون العقوبات الثوري لمنظمة التحرير الفلسطينية، والتي قد تصل إلى تنفيذ عقوبة الإعدام بحق الجناة.
وفضلًا عن إطلاق النار على من ثبت تورطه في عمليات السرقة، أو في التخابر مع إسرائيل أو قتل وإصابة مواطنين، فرضت «داخلية غزة» حظر تجوال في القطاع بدءًا من التاسعة مساءً من كل يوم، حسبما قال المصدر بالوزارة، مؤكدًا أن حظر التجول سيظل ساريًا حتى «تطهير القطاع من تلك العصابات»، والتي حمّلها مسؤولية مقتل عدد من أفراد الوزارة، سواء على يد العصابات نفسها، أو عبر الجيش الإسرائيلي الذي يستهدف عناصر الأمن عند محاولتهم صد الهجمات المسلحة للعصابات.
وبينما وصف شاهد العيان على سرقة «موفنبيك»، المهاجمين بأنهم كانوا منظمين ويحملون أسلحة تبدو حديثة، قال المصدر من وزارة الداخلية إن الأسلحة التي كانت بحوزة تلك العصابات تقدر قيمتها بآلاف الدولارات.
وفقًا لطناني، تُدلل المعطيات المتعددة على أن الفوضى في غزة لم تنمو بطبيعتها، بل صُنعت كجزء من استراتيجية أمنية تدمج العمل الاستخباري بالمشهد الإغاثي والمجتمعي، لخلق أدوات «حرب ناعمة» داخلية تتكامل مع آلة القتل الإسرائيلية في الخارج، مما يؤكد أنها حرب على الوعي والثقة، بقدر ما هي حرب على الخبز والأمن، بحسب وصفه، لافتًا إلى أن حوادث السطو تعد جزءًا من خطة ممنهجة تتكامل مع تشديد الحصار الإسرائيلي وتجفيف الموارد، بهدف خلق فراغات أمنية واجتماعية، تُبرر لاحقًا التدخل المباشر في إدارة المساعدات والملف المدني في القطاع.
تسلسل هجمات «البلطجة المنظمة»، بالإضافة لنمطها وتوقيتها واتساعها، أكد أنها لم تكن انفلاتًا عشوائيًا ناتجًا عن الجوع والانهيار المجتمعي، حسبما قال طناني، بل عمليات موجهة تنفذها تشكيلات عصابية مسلحة شبه منظمة، تتخفى خلف حشود نازحة لتبدو كأنها حالات غضب شعبي، فيما هي في حقيقتها جزء من «الفوضى المُدارة»، التي تتفق مع مقاربة إسرائيلية تُعرف في العقيدة الأمنية بـ«الفوضى البنّاءة»، أي الدفع نحو التفكك الذاتي عبر تآكل داخلي ممنهج، يسمح بإعادة تشكيل النظام الاجتماعي وفق مصالح الاحتلال.
وتفاقمت الأوضاع الإنسانية في أرجاء غزة خلال الأسابيع الأخيرة، نتيجة استمرار الحصار الإسرائيلي الخانق، الذي ألقى بالآلاف من السكان والنازحين في دوامة سوء تغذية حاد أودت بحياة أكثر من 50 فلسطينيًا، غالبيتهم أطفال، في ظل نفاد المخزونات الغذائية لدى المؤسسات الإغاثية كافة، بجانب معاناة من غياب باقي الاحتياجات الأساسية، وعلى رأسها الرعاية الصحية، فيما أكدت مصادر في قطاع غزة لجريدة «الشرق الأوسط» السعودية، أن إسرائيل تستغل حاجة الشبان الفلسطينيين للطعام والمال في تلك الظروف، للضغط عليهم وزيادة أعداد من تجندهم ضمن عصابات النهب والسرقة.
طناني من جهته، اعتبر أن الفوضى في هذه الحالة ليست نتيجة جانبية للحرب، بل أداة مركزية في إدارة «اليوم التالي» في غزة، الذي يتضمن بحسب رؤية الاحتلال، إقصاء المنظومة والمؤسسات الإغاثية القائمة، لصالح بنية هجينة تتضمن: مخازن مركزية للمساعدات داخل مناطق يُسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، وإدارة التوزيع عبر مؤسسات دولية متعاونة، فضلًا عن تنفيذ ميداني عبر شركات أمنية خاصة تضم مرتزقة غربيين، وهي فحوى خطط أمريكية وإسرائيلية طُرحت بالفعل لتوزيع المساعدات، وهي الخطة التي ترفضها «حماس» والمؤسسات الإغاثية.
يجمل طناني، بأن الهدف الإسرائيلي لم يعد فقط كسر المقاومة بالسلاح، بل تفكيك الحاضنة الاجتماعية، واستبدالها بحالة من الفوضى، أو إنتاج قيادات بديلة مشوّهة تخدم أجندة الاحتلال، تحت غطاء «الحكم المحلي» أو «الإغاثة البديلة»، بما يُفقد الناس ثقتهم بالمؤسسات القائمة، ويدفعهم للبحث عن «خلاص فردي»، وصولًا ليس فقط لضرب الأمن الداخلي، بل لكسر إرادة البقاء، تمهيدًا لإعادة إنتاج الواقع وفق رؤيته.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن