مصيدة مساعدات غزة أكبر من مجرد لعبة «حبار»
بعد قليل من منتصف ليل 17 يونيو الجاري، أعلنت مؤسسة غزة الإنسانية أن مركز توزيع المساعدات التابع له في خان يونس سيفتح أبوابه في تمام السادسة صباحًا.
لكن طارق البريم، أحد سكان غزة، يعرف واقع الأمر بعد أكثر من أسبوعين من بدء عمل المؤسسة. على الأرجح، سيبدأ المركز في توزيع المساعدات في وقت مبكر عن الموعد المحدد، ولن يبقى مفتوحًا كثيرًا. لهذا تجاهل تحذير المؤسسة المتكرر بـ«عدم الاقتراب من مراكز التوزيع أو التجمّع عند البوابات قبل الافتتاح». هناك خطر كبير في التحرك قبل المواعيد المحددة لأن رصاص الجيش الإسرائيلي ينطلق في أي لحظة. لكن، في المقابل، هناك خطر الموت جوعًا. هذه هي لعبة الموت التي يعيشها فلسطينيو غزة كل يوم.
ما توقعه طارق حدث بالفعل. في تمام الساعة 1:47 صباحًا، أعلنت المؤسسة إغلاق المركز بعد الانتهاء من توزيع المساعدات فيه، قبل أكثر من أربع ساعات عن الموعد المحدد.
في ذلك اليوم، قُتل 59 شخصًا على الأقل. ومنذ بدأت «مؤسسة غزة» عملها، حصدت تلك اللعبة 584 شخصًا وأصابت أكثر من أربعة آلاف شخص، بحسب آخر إحصاء رسمي أمس.
لم يكن هذا عشوائيًا. يشير تحليل بيانات الصفحة الرسمية لـ«مؤسسة غزة»، المؤسسة الأمريكية المدعومة من إسرائيل، إلى أن تصميم طريقة عملها يجعل الأمر مثل لعبة. التشبيه الذي استخدمه كثيرون خلال الأسابيع الماضية هو أنها تبدو كـ«لعبة حبار» أو «Squid Game»، نسبة إلى المسلسل التلفزيوني الشهير، حيث يتنافس المتسابقون في ألعاب تنتهي بقتل الخاسرين. هذا التشبيه استخدمه مدنيون فلسطينيون وجنود إسرائيليون على السواء.
لكن هذا التشبيه يفتقر إلى الدقة. على عكس لعبة الحبار، فإن قواعد «لعبة المساعدات» في غزة ليست ثابتة ولا يعرفها الناس مسبقًا. إعلان بدء اللعبة أو نهايتها لا يتم عبر شاشة توضح الوقت المتبقي وإنما عبر دفقات الرصاص.
على مدار الشهر الماضي، تحدث «مدى مصر» إلى عشرات الشهود ممن حاولوا الوصول إلى مراكز المؤسسة للحصول على كرتونة المساعدة، وجمع كل ما نشرته صفحة المؤسسة من إعلانات مواعيد فتح وإغلاق المراكز وتفاصيل عملها في قاعدة بيانات لفهم أنماطها.
تشير قاعدة البيانات إلى أن كل مركز مساعدات يظل مفتوحًا في المتوسط كل يوم لمدة -13 دقيقة تقريبًا (نعم، بالسالب). كيف يمكن أن تكون فترة زمنية بقيمة سالبة؟ لفهم هذا، من الضروري تفكيك الطريقة المعقدة التي عملت بها المؤسسة طوال الشهر الماضي، منذ أواخر مايو الماضي، والتي اعتمدت على صعوبة النفاذ من ناحية، وتضليل المعلومات حول مواعيد العمل من ناحية أخرى، ما تسبب في عشوائية وزحام، وسهّل استهداف جمهور معظمه من الشباب الذين كان بوسعهم الاقتراب من مراكز التوزيع، وذلك ضمن سياسة إسرائيلية أوسع تهدف لتغيير شكل الحياة المدنية في غزة إلى الأبد. ووسط هذه الترتيب، مارس الجنود الإسرائيليون رياضة القتل العشوائي، ووجد الفلسطينيون أنفسهم مضطرين للعب بقواعد مغشوشة لا يمكن الانتصار فيها.

تعمل المؤسسة عبر أربعة مراكز تتوزع بين وسط وجنوبي القطاع (مستبعدة الشمال)، يُفترض أن تخدم حوالي مليون شخص. هذه المراكز تقع في المناطق التي اعتبرها الجيش الإسرائيلي مناطق قتال خطرة أمر السكان بالنزوح منها، وأصبحت بالتالي تحت السيطرة المباشرة للجيش.
يعني هذا أن أيًا من هذه المراكز يقع على بعد مسافة كبيرة من السكان. تشير حسابات «مدى مصر»، والتي اعتمدت على مواقع هذه المراكز ومتوسط المسافة بينها وبين المناطق الآمنة، يضطر السكان للمشي مسافة بين 6.6 كيلومتر في المتوسط للوصول إلى مركز وسط منطقة قتال. في الظروف الطبيعية، يحتاج الإنسان العادي بين ساعة وساعتين لقطع هذه المسافة. في ظروف الحرب والمجاعة التي فرضتها إسرائيل، هذه الرحلة قد تستغرق ضعف الوقت على الأقل، ولن يكون في استطاعة أحد القيام بها سوى الشباب الأصحاء.

هذا هو التناقض الأول في عمل المؤسسة. إذا كان موعد فتح المركز في العاشرة صباحًا، يعني هذا ضرورة بدء التحرك عبر الممرات الآمنة تجاه بواباته ساعتين قبلها على أفضل الأحوال. لكن الإعلانات المتكررة التي تنشرها المؤسسة تحذر من هذا. «يُمنع استخدام الممر قبل الساعة [...]، حيث أبلغنا الجيش [الإسرائيلي] بأنه سيكون نشطًا في المنطقة قبل وبعد ساعات الأمان المحددة»، كما تكرر في إعلانات المؤسسة.
يقدم هذا خيارًا مستحيلًا: هل تتحرك قبل «ساعات الأمان المحددة» مغامرًا بمواجهة الرصاص الإسرائيلي؟ أم تنتظر بدأها لتصل بعد موعد فتح المراكز بساعات طويلة مع احتمال أكيد بأنها ستكون مغلقة عند الوصول؟ لهذا يضطر كثيرون للمبيت أمام هذه المراكز.
هذا هو المستوى الأول من هذه التناقضات. المغامرة شديدة الصعوبة حتى إذا كانت مواعيد عمل المراكز ثابتة ومحددة. لكن عدم ثباتها يجعلها مستحيلة.
هذا هو ما حدث. تغيرت ساعات بدء العمل في هذه المراكز مرارًا طوال الشهر الماضي. بعض المراكز بدأ العمل في الخامسة صباحًا في بعض الأيام، وفي السادسة صباحًا في أيام أخرى، وفي الثانية عشر ظهرًا أحيانًا. مراكز أخرى بدأت في العاشرة صباحًا في مرات، أو في الحادية عشر صباحًا، أو في السادسة مساء. في إحدى المرات، أعلنت صفحة المؤسسة عن موعد افتتاح مركز في تمام الساعة 2:15 ظهرًا.
يبدو التحديد الدقيق لموعد 2:15 ظهرًا غريبًا في ظل هذه العشوائية. لكن الأغرب أن هذا الإعلان نُشر في تمام الساعة 2:25 ظهرًا، أي بعد عشر دقائق من موعد البدء المحدد. تكرر هذا عدة مرات.
في بعض الأحيان، لم يكن هناك حتى موعد بدء للعمل. فقط إعلان بأن المركز «مفتوح الآن».
في مرات أخرى، أعلنت المؤسسة عن بدء العمل في مركز ما في ساعة محددة. لكن قبل هذا الموعد، أعلنت المؤسسة أنهم انتهوا بالفعل من توزيع المساعدات في هذا المركز، وفي بعض الأحيان، وصل الفارق إلى عدة ساعات. وتكرر هذا مرارًا لدرجة أن حساب متوسط عدد الدقائق التي يعمل بها أي مركز كل يوم عبر حساب الفارق بين الموعد المُعلن لبدء العمل وموعد إعلان توقفه يمنح قيمة سالبة. كل مركز يعمل في المتوسط -13 دقيقة تقريبًا كل يوم.
في الأيام التي تلتزم فيها المراكز بمواعيد الفتح، يُصبح هذا المتوسط 13 دقيقة يوميًا، انخفض في الأسبوع الأخير إلى تسع دقائق فقط.

تشير قاعدة بيانات «مدى مصر» إلى أن متوسط الفترة الزمنية بين موعد نشر الإعلان وموعد فتح المركز الفعلي بلغ أربعة ساعات خلال شهر من عمل المؤسسة. لكن هذا تقلص كثيرًا مع مرور الوقت وبشكل منتظم. خلال الأسبوعين الأخيرين، انخفض متوسط الفارق بين موعد نشر الإعلان وموعد الفتح إلى 2.5 ساعة. وفي الأسبوع الأخير، انهار إلى 24 دقيقة فقط.

كيف يمكن أن يعمل هذا؟ يُفترض، بحسب تعليمات المؤسسة، «الاستمرار بمتابعة آخر المستجدات فيما يخص إعلانات عن أماكن وأوقات وتعليمات عمليات توزيع الطرود القادمة».
يعني هذا، نظريًا، متابعة إعلانات الصفحة لحظة بلحظة واتصال متوافر بالإنترنت. خلال الأسبوع الأخير مثلًا، وفور صدور الإعلان، يصبح لدى كل شخص 24 دقيقة فقط لقطع مسافة قد تستغرق ساعتين في الأوقات العادية للوصول إلى مركز المساعدات.
لهذا يصبح الالتزام بقواعد اللعبة مستحيل. ولأن الانتظار يعني موتًا بطيئًا من الجوع، يُضطر عشرات الآلاف من الفلسطينيين لخوض هذه المغامرة كل يوم. لا خيار سوى المبيت هناك مع كل المخاطر التي يعنيها هذا، أو التحرك قبل «ساعات الأمان المحددة» بوقت طويل بما يكفي لتأمين فرصة ضئيلة للحاق بهامش لا يتجاوز بضع دقائق يعمل فيها المركز؛ هامش يظهر في كثير من الأحيان فجأة قبل أن يختفي فجأة، ودون قدرة على توقعه.
لكن الوصول إلى موقع المركز لا يعني سوى نهاية المستوى الأول. ما يحدث عند الموقع مستوى آخر.
تحيط السواتر الرملية بالممر المؤدي إلى الموقع. عند مدخله، طبقًا للشهود والصور المتاحة، تنتصب أقفاص حديدية تنتهي ببوابات تحمل كاميرات مراقبة تقوم بالتعرف على وجه كل شخص. بعد انتهاء تحديد الهوية، يتوجه الشخص لاستلام كرتونة من المساعدات.
عند الوصول، وبسبب الزحام الشديد، يصبح من الصعب معرفة ما إذا فتح المركز أبوابه، خصوصًا في ظل صعوبات الاتصال بالإنترنت المستمرة. ولأن الأمر لا يستغرق سوى دقائق معدودة، تسود حالة من العشوائية للحاق بما يمكن اللحاق به.
أحد شهود العيان، الذين تواجدوا عند مركز محور «نتساريم» في 16 يونيو الجاري، قال لـ«مدى مصر» إنه توجه إلى المركز بحلول السادسة صباحًا، الموعد الذي أعلنت عنه الصفحة. سمع الأهالي هناك نداءً بأن المركز فتح أبوابه. بدأ الأهالي في التوجه إلى البوابة لكن الرصاص الإسرائيلي منعهم. فتح أبواب المركز لم يكن سوى إشاعة وُلدت وسط الزحام. الحقيقة أن المركز أنهى عمله قبل ساعات من الموعد المُعلن.
أحد الشهود على ما حدث في مركز رفح في 3 يونيو الماضي أشار إلى أن الآلاف حاولوا الالتزام بالهدوء في انتظار فتح البوابات أمامهم. لكن الرصاص تطاير فجأة، «دون سبب يُذكر»، و«بدأ العشرات بالتساقط» وسط صراخ الفارين. تواتر هذا مرارًا في الشهادات التي جمعها «مدى مصر».
تلقى الضباط والجنود الإسرائيليون أوامر بإطلاق الرصاص تجاه الحشود غير المسلحة «حتى إذا لم يكن هناك تهديد قائم»، بحسب شهادات نقلتها صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن عدد منهم قبل يومين. «ملاعب قتل»، كما وصفها أحد الجنود. «[حين] يتوقف الرصاص، يعرف [الفلسطينيون] أن بإمكانهم الاقتراب»، يقول الجندي، «الرصاص هو وسيلتنا في التواصل».
في المرات التي اعترف فيها الجيش الإسرائيلي بإطلاق النار عند مركز مساعدات، يكون السبب المُعلن هو اقتراب «عناصر مشبوهة». لكن في أحيانٍ كثيرة، لم يكن هناك أي زحام أو اندفاع، أو أي سبب لإطلاق الرصاص.
خلال الأسبوع الأخير، نقل شهود العيان أن «أبراج»، وهي رافعات ثابتة أو متنقلة شاهقة الارتفاع، تُثبت عليها رشاشات أو بنادق قنص، نُصبت حول بعض مراكز المساعدات، تُنفذ ما أطلق عليه أحد الشهود «قتل صامت»، حيث يتساقط حولها القتلى والمصابون دون حتى سماع أصوات الطلقات أو رؤية مُطلقها. وحده تساقط الأجساد أمامهم يُخبرهم بإطلاق الرصاص.
الانطباع الذي تتركه هذه الرشاشات والبنادق، بسبب عملها الصامت أثناء الليل، هو أنها تستخدم حساسات لتُطلق النار على الأجساد المتحركة. هذا بالذات ما أعاد إلى الأذهان ما حدث في مسلسل «Squid Game»، وهو تشبيه تواتر استخدامه في أوساط الفلسطينيين خلال الفترة الماضية، ويتفق معه الجنود الإسرائيليون. بحسب شهادة أحد الجنود، والتي نقلتها «هآرتس»، فإن النشاط العسكري في منطقة خدمته حول أحد مراكز المساعدات يُعرف بـ«عملية السمك المملح Operation Salted Fish»، هو اسم النسخة الإسرائيلية من لعبة «Red light, green light»، أولى ألعاب «Squid Game» التي قُتل فيها المشاركون بناءً على حساسات الحركة. القتل الجماعي للفلسطينيين تحول إلى لعبة إسرائيلية. هذا النموذج «شديد الإهانة»، بحسب وصف جولييت توما، المسؤولة بوكالة «أونروا»، يستغل احتياج «شعب في حالة يأس شديدة». الدافع الوحيد لخوض هذه المخاطرة، بحسب تعبير يزن صهيب، أحد شهود العيان من أمام مركز «نتساريم»، هو «لما بنتك تصرخ من الجوع».
يدفع هذا عددًا من الفلسطينيين إلى الخروج في مجموعات لرفع احتمال حصولهم على أي قدر من المساعدات، أو مساعدة بعضهم في حالة تعرضهم لإطلاق الرصاص. صهيب مثلًا توجه بصحبة ابنه. آخرون أوضحوا لـ«مدى مصر» أنهم يتوجهون إلى المراكز بصحبة جيرانهم. في بعض المرات، تحدث الشهود عن حمل البعض عصيًا أو سلاحًا أبيض للفوز في لعبة المساعدات هذه.
بسبب كل هذا، يصبح التوجه للحصول على المساعدات قاصرًا على الفئات الأكثر قدرة على مواجهة كل هذه المخاطر، وأغلبهم من الرجال، وخصوصًا الشباب. ينقل مصدر يعمل في إحدى مراكز التوزيع تحدث إلى «مدى مصر» قبل أيام مشترطًا عدم الكشف عن هويته أو تحديد الموقع الذي يعمل به، عن المسؤول الأمريكي للمركز أن اجتذاب فئة الشباب بهذه الطريقة هو أحد أهداف هذا النموذج. «كأنها فلترة الشباب القادرين على إعالة أسرهم وتصفيتهم ضمن خطة لا تكلف كثيرًا من الناحية العسكرية وضمن الخطة المعلنة لتوزيع المساعدات»، ينقل المصدر، «استهدف معيل الأسرة، وعائلته سوف تتضور جوعًا حتى الموت من بعد».
في إفادته أمام مجلس الأمن، أشار وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، أن نظام التوزيع الذي تستند إليه المؤسسة «يستبعد عمليًا كثيرين، من بينهم ذوو الإعاقة والنساء والأطفال وكبار السن والمصابين». هذه الإفادة جاءت قبيل منتصف مايو الماضي، أي قبل أسبوعين من بدء عمل المؤسسة.
جيمس إدلر، المتحدث باسم «يونيسيف»، لاحظ في أوائل مايو الماضي أن هذا النموذج الإسرائيلي الذي تنفذه «مؤسسة غزة» الآن يبدو وكأنه صُمم عن عمد لـ«تعزيز السيطرة على الأغراض الداعمة للحياة كوسيلة للضغط».
هذا التصميم يخدم أهدافًا استراتيجية. يشير توزيع مراكز المؤسسة في جنوبي القطاع إلى تعمد استبعاد شماله حتى من القدر الضئيل من المساعدات التي ستقوم بتقديمه، وهو ما يعني إجبار سكان الشمال على النزوح إلى جنوبه، تماشيًا مع التوجه الإسرائيلي المعلن، والذي أكده بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، في مارس الماضي، بعدما أنهى اتفاق وقف إطلاق النار وعاد للقتال في غزة. ولهذا، اعتبر أدلر أن هذا التوزيع سيفرض «خيارًا مستحيلًا بين النزوح والموت».
لكن هذه الأهداف ليست مجرد أهداف مرحلية. تشير ورقة بحثية نشرتها مجلة تابعة للجيش الإسرائيلي في يوليو من العام الماضي تحت عنوان «ضوء في نهاية النفق: نحو حملة مدنية» إلى أهمية الدور الذي يلعبه التحكم في جوانب الحياة المدنية في ضمان السيطرة على القطاع، أثناء الحرب وبعدها. «من الضروري تطوير أدوات وأشكال متنوعة للتدخل في الأبعاد المدنية»، يقول الكاتب. «السؤال المحوري هو كيف حدث أن إسرائيل، على الرغم من خبرتها الواسعة في قتال المدنيين، بدأت الحملة في وقت كانت أدوات فعلها المدني محدودة فيها. يمكنني أن أجادل أن الاستخدام الواسع والهادف لهذه الأدوات ضروري لخلق نقطة تحول في هزيمة حماس كنظام سياسي كلي. فقط نصر كهذا سيسمح بمستقبل مختلف في علاقة إسرائيل بقطاع غزة».
لهذا يستنتج الكاتب أنه هذه السيطرة ستبدأ «من اللحظة التي تبدأ فيها إسرائيل في الفعل ضد السكان بشكل مباشر، حيث تتحكم في توزيع المساعدات نفسها، والبدء في تولي مسؤولية بناء اليوم التالي [للحرب] - ليس سياسيًا [فقط] ولكن كواقع على الأرض ينشأ تدريجيًا».
حدد الكاتب ملامح هذه السيطرة على المساعدات. «الأدوات الرقمية يجب تطويرها وتشغيلها، البنية التحتية يجب بناؤها، شركات مقاولة غير إسرائيلية يجب تشغيلها (في مجالات الأمن والمساعدات والخدمات)».
كاتب هذه الورقة اسمه يوتام هاكوهين، ويعمل مستشارًا استراتيجيًا في وحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق بالجيش الإسرائيلي COGAT. يشير تحقيق نشرته صحيفة «نيويورك تايمز» الشهر الماضي إلى أن هاكوهين بدأ مع مجموعة أخرى من سياسيين وظباط جيش ورجال أعمال إسرائيليين نقاشات حول إمكانية السيطرة على توزيع المساعدات في غزة منذ ديسمبر 2023، بعد شهرين فقط من بداية الحرب.
اتفقت هذه المجموعة بعد سلسلة من النقاشات على خلق نظام بديل يتجاوز منظمات الأمم المتحدة، تتولى مسؤولية توزيع المساعدات عبر «جيوب» في المناطق التي يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي، لكن دون أن تقوم إسرائيل بتشغيلها بنفسها لأنهم «لم يرغبوا في أن تتولى إسرائيل مسؤولية رعاية مليونين من سكان غزة»، بحسب مصادر «نيويورك تايمز».
بعدها بشهر، بدأت محاولات أولية لتجربة نموذج لتوزيع المساعدات يتجاوز المنظمات الأممية (مع حملة هجوم غير مسبوقة عليها، خصوصًا وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا»)، لكنها باءت بالفشل سريعًا. لكن هذه المجموعة استمرت في العمل على أفكارها، وبدأت في تطوير ملامحها مع مقاولين أجانب، على رأسهم فيليب ف. رايلي.
كان رايلي عميلًا للمخابرات الأمريكية في الثمانينات، حيث ساعد في تدريب ميليشيات «كونترا»، وهي ميليشيات يمينية مسلحة كانت تقاتل الحكومة الماركسية في نيكاراجوا وقتها، وذلك بحسب مقابلة معه أشار إليها تحقيق «نيويورك تايمز». «بعدها بعقدين، كان [رايلي] من أوائل العملاء الأمريكيين الذين وصلوا إلى أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر»، قبل أن يصبح مديرًا لمكتب المخابرات الأمريكية في كابول.
تشير الصحيفة في تحقيقها أن الخطة استقرت في النهاية على أن تتولى مجموعة تابعة لرايلي مسؤولية توزيع المساعدات تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي. وبالفعل، قام ممثلون عن رايلي في نوفمبر الماضي بتسجيل مؤسستين في أمريكا، إحداها هي «Safe Reach Solutions»، وتتولى تأمين المساعدات، والأخرى «مؤسسة غزة الإنسانية»، وتتولى توزيعها.
استعد الجيش الإسرائيلي بالتنسيق مع المجموعتين لتنفيذ خطتهم الجديدة. ضابط سابق بالجيش الإسرائيلي شارك في الإعداد لهذه الخطوة طوال الشهور الأخيرة قال لصحيفة «واشنطن بوست» إنهم «أجروا كل التخطيط التشغيلي لكيفية توصيل المساعدات الضرورية -القدر الدقيق الذي يحتاجونه [الفلسطينيون] دون أوقية إضافية». لكن، وكما لاحظت الصحيفة، «لم يتضح كيف احتسب المسؤولون الإسرائيليون هذا 'القدر الدقيق'».
اجتمع مسؤولون بوحدة التنسيق في الجيش الإسرائيلي بعدد من مسؤولي منظمات الدعم والإغاثة لإخبارهم بتفاصيلها، كما نقلت صحيفة «الجارديان» في مارس الماضي عنهم. «عُرضت الخطة كحقيقة واقعة، حيث ادعى المسؤولون الإسرائيليون أنها تحظى بالفعل بدعم أمريكي كامل»، كما أوضح أحد مصادر الصحيفة.
لهذا، حين بدأت المؤسسة عملها بالفعل أواخر مايو الماضي، لم يكن أداؤها مفاجئًا لأحد. الجميع يعرف أن الغرض لم يكن إيصال المساعدات وإنما استخدامها، وهو استنتاج كان محل إجماع المؤسسات الأممية والدولية المختلفة. ولهذا رفضوا المشاركة فيها. هذا هو أيضًا ما دفع المدير التنفيذي الأول للمؤسسة، جيك وود، للاستقالة قبل حتى أن تبدأ في عملها، طبقًا للأسباب المعلنة.
في النهاية، أسفر التخطيط الإسرائيلي، و«بدعم أمريكي كامل»، عن لعبة مستمرة من قنص الفلسطينيين أثناء محاولتهم النجاة من المجاعة، لتقتل المئات وتصيب الآلاف.
كل هذا الرعب للحصول على كرتونة وحيدة تحوي أكياس أرز وعدس ومكرونة، ومعلبات وعلب بسكوت، تكفي، بحسب النظام المعلن وشهادات الشهود، أسبوعًا واحدًا فقط. بعد الأسبوع، لا بد من خوض هذه المخاطرة مرة أخرى.
* أُنتجت الخريطة وحسابات تقدير المسافات بمساعدة وحدة التحقيقات بشبكة «فبراير»
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن