مصر و«الصندوق».. الوصول إلى «حارة سد»
قبيل نهاية العام الماضي، احتفت الحكومة بإتمام اتفاق جديد مع صندوق النقد الدولي، تحصل من خلاله على قرض بقيمة ثلاثة مليارات دولار تقريبًا، موزعة على 46 شهرًا، بعد مفاوضات شاقة استمرت نحو عام، اضطرت مصر خلالها للقبول بقرض ضئيل القيمة، مقارنة بآمالها في الحصول على أضعاف هذا المبلغ، وجاء القرض محملًا باشتراطات متعددة يراجعها الصندوق وفقًا لجدول زمني وافقت عليه الحكومة.
لكن، منذ توقيع اتفاقية القرض نهاية العام الماضي، فشلت الحكومة في الالتزام بتعهداتها، وأجّل الصندوق مراجعته الأولى التي كان من المفترض إجراؤها في مارس الماضي، وبالتبعية، لم تحصل مصر على دفعة القرض التي كان مُفترض الحصول عليها. ورغم تأكيدات متعددة بأن المراجعة الثانية ستأتي في موعدها في سبتمبر القادم، قال خبراء ومحللين إن المراجعة سترصد ما نفذته الحكومة من تعهداتها حتى نهاية يونيو الماضي، مقارنة بخطة الإصلاح المُتفق عليها مع الصندوق، والتي لم تنفذ منها الحكومة على أرض الواقع سوى النُذر اليسير، ما يضع علاقة مصر بالصندوق وبرنامج «الإصلاح» الاقتصادي الذي ألزمت نفسها به، موضع تساؤل، ويغلق مزيدًا من الأبواب أمام الحكومة للخروج القريب من أزمتها الاقتصادية وتراكم ديونها، وبات أحد الحلول المتاحة، والتي تُناقش بجدية في أروقة الحكم، هو التخلف طواعية عن سداد بعض هذه الديون، والتفاوض على إعادة جدولتها.
الشرط الأهم في شروط صندوق النقد، كان تحرير سعر الصرف، وبيع أصول مملوكة للدولة (بما فيها ما تملكه القوات المسلحة)، بخلاف بعض الأهداف الإرشادية التي سيتابع الصندوق تحقيقها خلال سنوات القرض في صورة مراجعات نصف سنوية لأداء الاقتصاد المصري.
منذ مارس الماضي، حافظ الجنيه المصري على سعره ثابتًا تقريبًا أمام العملات الأجنبية، بعد انخفاضات متواضعة خلال يناير وفبراير الماضيين، رغم تعهد الحكومة والبنك المركزي بترك سعره للعرض والطلب وظروف السوق. وبرغم الضغوط الشديدة التي يتعرض لها الجنيه، سواء ضغوط اقتصادية حقيقية أو مضاربات تراهن على تراجع قيمته، اتسعت الفجوة بين سعر الجنيه الرسمي، وسعر السوق الموازية للعملات.
وفي ظل اتساع الفجوة، ووعود لم تتحقق من دول الخليج بضخ استثمارات دولارية لشراء أصول الدولة المصرية، وصل الأمر إلى ما يشبه الطريق المسدود. من جانبها، تنتظر صناديق الخليج السيادية تحريك قيمة الجنيه لشراء الأصول، وفي المقابل، تنتظر الحكومة استثمارات تلك الصناديق كشرط لتحريك السعر، ليمر الموعد النهائي (يونيو) الذي وضعته الحكومة لنفسها لبيع ما قيمته ملياري دولار من أصولها، لكنها لم تحقق من هذا المستهدف سوى 7% بالكاد.
ورغم أهمية شرط تعويم الجنيه، رفضت الحكومة القيام بذلك للمرة الرابعة، بعد ثلاثة تخفيضات متتالية العام الماضي، فقد خلالها الجنيه نحو نصف قيمته.
وقبل أسبوعين، قال الرئيس عبد الفتاح السيسي إن مصر «تتمتع بمرونة في سعر الصرف»، لكنه، في الوقت ذاته، استبعد إمكانية خفض جديد في قيمة العملة، وهو الأمر الذي توقعته مراكز بحثية وبنوك متعددة خلال الأشهر الماضية.
ورفض السيسي في تصريحاته، توجه الحكومة إلى خفض جديد للجنيه، قائلا: «عندما يتعرض الأمر لأمن مصر القومي والشعب المصري يضيع فيها لأ، عندما يكون تأثير سعر الصرف على حياة المصريين وممكن يضيعهم إحنا ما نقعدش في مكاننا، حتى لو هيتعارض مع شروط …. انتو فاهمين قصدي».
بعد ذلك بأيام، ردت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجييفا، في تصريحات أفادت بأن دعم قيمة الجنيه لا يُمكن أن يستمر للأبد، مُشبهة ذلك بـ«صب الماء في إناء مثقوب»، مؤكدة أن الصندوق أجّل المراجعة الأولى للاقتصاد المصري، والتي كانت مقررة في مارس الماضي، كشرط للإفراج عن الشريحة الثانية من قرض الصندوق الأخير لمصر، حتى تُحقق الحكومة تقدمًا في بعض الشروط مثل التخارج من الاقتصاد، والتأكيد على مرونة سعر الصرف.
تصريحات السيسي لم تكن الأولى، ولكنها كانت الأكثر صرامة هذه المرة. خلال الأشهر القليلة الماضية، تغيرت توقعات البنوك الدولية من الإشارة إلى أهمية التخفيض، إلى استبعاد ذلك، خاصة في ظل الظروف الحالية التي يمر بها الاقتصاد.
عقب زيارة لخبراء بنك جولدمان ساكس الأمريكي لمصر، التقوا فيها مسؤولين حكوميين، الشهر الماضي، قال البنك في مذكرة بحثية، إن انتقال مصر إلى سعر صرف أكثر مرونة للجنيه خلال الأشهر المقبلة أمر مستبعد، في ظل نقص الموارد الدولارية في البلاد، وخشية الحكومة من انفلات كبير في سعر العملة المحلية، مضيفًا أن مصر تعيش حالة «عدم يقين عالية»، فيما تواجه «سيناريو مشوش» بشأن التعامل مع أزمتها الاقتصادية.
وبحسب المذكرة، فإن وجهة نظر الحكومة تتمثل في أن الانتقال لمرونة أكبر في سعر الصرف، يتوقف على توفّر احتياطيات كافية من العملات الأجنبية لإدارة مخاطر انفلات سعر الصرف بعد تحريره.
هذه الاحتياطات قدرها البنك بنحو خمسة مليارات دولار.
«المبلغ ده أكبر من قدرة مصر على جمعه»، يقول محلل مالي بأحد بنوك الاستثمار المصرية تحدث إلى «مدى مصر»، بشرط عدم ذكر اسمه. «مصر حاولت من بداية السنة، وعلى مدار ست شهور تجمع أقل من نصفه [مليارا دولار] ولم تستطع، فلذلك التعويم أمر مستبعد حتى الآن» يضيف المصدر.
كانت الحكومة قد أعلنت في فبراير الماضي، عن خطتها لجمع الملياري دولار عبر بيع حصصها في 32 شركة، على الأقل، تدريجيًا خلال عام واحد تقريبًا، من ضمنها ثماني شركات قبل نهاية أغسطس المقبل. لكن، حتى الآن، اقتصرت الطروحات على بيع حصة الحكومة في شركتين فقط. الأولى حصتها في شركة باكين، بقيمة أقل من 25 مليون دولار، و10% من أسهم شركة المصرية للاتصالات بقيمة حوالي 121 مليون دولار، لتصبح القيمة الإجمالية للصفقات، حتى الآن، حوالي 146 مليون دولار، أي أقل من 7% من المستهدف قبل نهاية يونيو. الأسوأ، رغم بيع «باكين» لشركة إماراتية، فإن الجزء الأغلب من صفقة «المصرية للاتصالات» الأكبر، بيع لمستثمرين محليين، لم تعلن عنهم الحكومة حتى الآن.
يقول المحلل المالي إن 90% من حصة «المصرية للاتصالات» التي باعتها الحكومة كانت لمستثمرين محليين، منهم، بشكل أساسي، الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي. أي أن حتى الصفقة الأكبر لبيع أصول الدولة تمت بالجنيه المصري، ولم تشهد دخول استثمارات بالعملة الصعبة.
«الهدف من بيع حصة المصرية للاتصالات تحديدًا مكنش جذب عملة صعبة، لكن كان من أجل التأكيد لصندوق النقد والمستثمرين الأجانب إن الحكومة عايزة تخرج، فجابوا جهة شبه حكومية تشتري ومأعلنوش عنها»، بحسب المحلل المالي.
غموض الطرح والهدف منه لم يكن مفاجئًا، بل أمر معتاد منذ الإعلان عن برنامج الطروحات نفسه.
«هناك غموض حول صفقات بيع برنامج الطروحات»، يقول الخبير المصرفي، هاني أبو الفتوح، لـ«مدى مصر»، «انتهى شهر يونيو، ولم نرَ بعد أي خطوات جدية تُقنع المتابعين لأوضاع الاقتصاد المصرية بنية الحكومة في الإصلاح».
وفي رأي أبو الفتوح، فإن جدول الطروحات «الغامض» كان خاطئًا من البداية. «بيع أصول الدولة عملية طويلة ومعقدة، فيها تقييم للشركات وإتاحة البيانات للمستثمرين، وحملات ترويجية، ومناقشات طويلة للوصول لسعر عادل للطرفين. الحكومة ضغطت نفسها في وقت مش مستقر أصلًا عالميًا، والنتيجة إن لحد دلوقتي، مفيش جديد»، يضيف أبو الفتوح.
وفي رأي المحلل المالي، فإن الوضع القائم الآن هو بمثابة نزاع حول «البيضة ولا الفرخة»، على حد تعبيره.
«الحكومة فعلًا عندها أصول ذات جودة عالية ومتنوعة، من بنوك، ومحطات كهرباء، وشركات غذائية، ومحطات وقود. لكن دائرة المشترين صغيرة جدًا وبتتركز، بشكل أساسي، في 3 دول خليجية، السعودية والإمارات وقطر»، يقول المحلل المالي.
هذه الدائرة الصغيرة والسياسات المتعلقة بها شكلت عوائق أساسية وقفت أمام برنامج الطروحات. «الحكومة كانت بتضغط في سبيل بيع شركات معينة في أوقات مختلفة، وتروج ليهم أمام الدائرة الصغيرة دي، وكانت عايزة تحطهم قدام بعض عشان تطلع بسعر أكبر. لكن، مش بس فشلت في دا، لإن دول الخليج بتتكلم مع بعضها، لكنها كمان خلقت توتر في السياسات بين مصر والدول التلاتة»، بحسب المحلل.
بالإضافة لذلك، فإن الاختلاف على تقييم تلك الحصص شكّل عائقًا آخر. في رأي المحلل، أخفقت الحكومة في إدارة ملف الطروحات، حيث ركزت في البداية على وضع العروض أمام بعضها ليتنافسوا عليها في وقتٍ كانت قيمة الجنيه فيه مستقرة بالفعل، بداية العام بعد آخر تخفيض لقيمته. لكن، مع مضي الوقت، وتعقُد المفاوضات، انخفضت تقييمات العملة المحلية أمام الدولار، وارتفعت مؤشرات التضخم بشكل مستمر، فوضعت الحكومة نفسها في مأزق يتفاقم يومًا تلو الآخر.
«القوة دايمًا في يد المشتري. هو اللي معاه فلوس وعايز يستثمرها. في الأول، العروض كانت مغرية، لكن الطمع المصري ضيّع وقت كبير، وأدى مزيد من القوة للمشتري اللي طبعًا بيحاول يلاقي أفضل فرصة للاستثمار، واللي هتيجي بس مع انخفاض قيمة الجنيه»، يضيف المحلل.
خلال ذلك الوقت، فقدت الحكومة قدرتها على الوفاء بتعهداتها لصندوق النقد الدولي بترك الجنيه لقوى العرض والطلب في السوق. وبالتوازي مع ذلك، تأخرت مراجعة الصندوق لوضع الاقتصاد المصري، والتي كان لها أن تسمح بتوفير قسط جديد من القرض الذي اتفقت عليه مصر مع الصندوق نهاية العام الماضي، وهو ما فسره عضو لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، محمد بدراوي، في حديثه مع «مدى مصر»، بانخفاض قيمة القسط.
«الحكومة مكنتش مستعجلة على القسط الأولاني. ومن الناحية التانية، الصندوق نفسه كان أدرك الصعوبات اللي بتواجه برنامج الإصلاح، فأصبح هناك شبه اتفاق على إن تأجيل المراجعة أفضل للطرفين»، بحسب بدراوي.
أحد أهم المعوقات للمراجعة، في رأي بدراوي، كان تحرير سعر الصرف، حيث يبدو السوق العالمي متفقًا تقريبًا على ضرورة خفض قيمة الجنيه المصري، وإن اختلفت التقديرات حول قيمة ذلك الخفض والتوقيت المناسب له.
لكن، في رأي وحدة الإحصاءات في «دويتشه بنك» الألماني، فإن أي تخفيض جديد لقيمة العملة لن يساهم في حل التحديات الأساسية التي تواجهها مصر، بل يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية في جذب التدفقات المستدامة.
فبحسب البنك، لم تؤتِ التخفيضات الثلاثة للعملة المحلية خلال العام الماضي بثمارها، لذلك فمن غير المعقول أن يساهم تخفيض رابع في حل الأزمة.
«تخفيض قيمة الجنيه سيؤدي إلى ارتفاع التضخم [...] ليدفع بذلك البنك المركزي لرفع سعر الفائدة المرتفعة بالفعل، والتي ستمرر إلى تكاليف الاقتراض الحكومي. بالإضافة لذلك، سيتطلب ارتفاع التضخم دعمًا ماليًا إضافيًا لحماية الفئات الاجتماعية الأفقر. وبالتالي، فإن تخفيضًا آخر لقيمة العملة يخاطر بترك مصر في نفس الوضع مرة أخرى بعد بضعة أشهر»، يقول التقرير الذي اطلع عليه «مدى مصر».
«فيه أوقات تقدر فيها تسيب سعر الصرف يتحرك بشكل طبيعي، وأوقات لأ. ده بيعتمد على الأولويات اللي موجودة، يعني مثلًا حجم التدفقات اللي جاية البلد واللي خارجة، وتأثير سعر الصرف على التضخم وأسعار السلع، وحجم وخدمة الدين اللي بيزيدوا كل ما سعر الصرف ينزل»، يقول بدراوي لـ«مدى مصر»، مضيفًا أن دعم الجنيه خلال السنوات الماضية شكّل ضغطًا كبيرًا، وتسبب في تناقص احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي سريعًا، فأصبحت هناك حاجة ملحة لتخفيض سريع وحاسم في قيمة الجنيه للوصول إلى قدر من التوازن.
«لكن دلوقتي، سعر الصرف يعتبر مناسب بالفعل، خصوصًا إنك لما تيجي تبص على السعر في السوق الموازية، فالسعر عالي عشان المضاربات وتخوف الناس العادية ورجال الأعمال من المستقبل، فبيدأوا يتحوطوا من احتمالية تدهور في سعر الصرف، فيحتفظوا بيه، ويبقى السوق السودا فيها دولار أكتر من السوق الرسمية»، أضاف بدراوي.
تقرير «دويتشه بنك» أكد على الأمر نفسه، وقدّر أن يستمر سعر الدولار عند 31 جنيهًا مصريًا، قبل أن يرتفع تدريجيًا ليصل إلى 37 جنيهًا بنهاية العام.
أما في رأي بنك كريدي سويس ضمن تقرير له، فإنه حتى لو ارتفع سعر الصرف خلال الفترة القليلة القادمة، فإن من شأن الإصلاحات الاقتصادية، وفي مقدمتها تخارج الدولة من الاقتصاد والاستمرار في برنامج صندوق النقد الدولي، أن تساهم في تراجع سعر الصرف ليصل إلى ما بين 33-34 جنيهًا للدولار خلال عام.
ويؤكد على ذلك بدراوي، الذي أشار إلى أن ترك قيمة الجنيه للعرض والطلب دون حماية سيؤدي إلى ارتفاع «غير مبرر» في قيمة الدولار أمام الجنيه. «ده مش عشان سعر الجنيه المفروض ينزل، لكن لأنه مفيش دولار في البلد، لذلك فالتوقعات بتقول إن سعر الصرف هيتوازن بشرط تحقيق تقدم في الإصلاحات»، بحسب بدراوي الذي أضاف أن تحرك سعر الصرف سريعًا سيؤذي الميزانية العامة للدولة، خاصة في العام المالي الجاري، والتي شهدت بالفعل تدهورًا كبيرًا في أدائها بعد تحريك سعر الصرف عدة مرات.
فبحسب وزير المالية، تستهدف الوزارة تحقيق فائض أولي 1.5% من الناتج المحلي خلال العام المالى الماضي و2.5% العام المالي الحالي والأعوام التالية، لخفض نسبة الدين للناتج المحلي لأقل من 80% بحلول العام المالي 2026-2027، مؤكدًا أنه لولا تغير سعر صرف الجنيه أمام الدولار لانخفض الدين إلى الناتج المحلي هذا العام لأقل من 80% بالفعل.
بدلًا من ذلك، توقع النائب ياسر عمر، وكيل لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، أن تصل الديون كنسبة للناتج المحلى إلى 96% بنهاية العام المالي الماضي. «التعويم حمّل الحساب الختامي نهاية يونيو عبئًا كبيرًا فرق سعر العملة»، طبقًا له.
«الأولويات دلوقتي بتقول إنك تستنى على تحرير سعر الصرف وتضغط شوية على الواردات مثلًا أو السوق المحلي بشكل عام في مقابل إن الميزانية متبوظش أكتر من كدة ولا التضخم يعلى أكتر من كدة»، يقول بدراوي لـ«مدى مصر»، مضيفًا أن تأجيل التخفيض للنصف الثاني من العام الجاري سيكون مناسبًا أكثر لتزامنه مع المراجعة من صندوق النقد في سبتمبر، والتي يُمكن أن تؤدي إلى إتاحة دفعتين من القرض بقيمة أكثر من نصف مليار دولار، ما سيُمكن الدولة من تخفيف الضغط نسبيًا على الطلب، وبالتالي التقليل من أثر تخفيض العملة لتدور في نطاق 35 جنيهًا وتسمح بدخول الاستثمارات الخارجية، فيتحكم البنك المركزي في قيمة العملة بشكل أفضل.
لكن، هذا التأخير يأتي محملًا بمزيد من المخاطر.
المحللة الاقتصادية في «أكسفورد إيكونوميكس»، كالي ديفيس، قالت لـ«مدى مصر» إن تأخير المراجعة الأولى يقول للمستثمرين الأجانب إن مصر لم تفعل ما يكفي فيما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي في نظر الصندوق، وهو ما ينطوي على مخاطر جسيمة على سمعة البلاد، بالرغم من محاولات الصندوق خلال الفترة الماضية على التأكيد إعلاميًا على إحراز مصر لتقدم، الأمر الذي يهدد حصولها على استثمارات أجنبية جديدة.
بالإضافة لذلك، وفيما تجاهد الحكومة للحصول على 2 مليار دولار عبر بيع أصول، فقدت أكثر بكثير من هذا المبلغ. فبسبب حالة عدم اليقين وفقدان ثقة المصريين في الداخل في الاقتصاد، سارعوا لشراء الدولارات من البنوك أو تحويل جنيهاتهم لذهب للاحتفاظ بقيمتها. وبالمثل، آثر المصريون بالخارج الاحتفاظ بالدولار خارج الجهاز المصرفي وتحويل العملة في السوق السوداء، ففقد الاقتصاد نحو ربع تحويلاتهم في شهور معدودة، بحسب بدراوي.
خلال النصف الأول من العام المالي الماضي، انخفضت تحويلات المصريين 23% مقارنة بنفس الفترة من عام 2021-2022، لتصل إلى 12 مليار دولار مقابل 15.6 مليار دولار، وهو ما أعزاه البنك الدولي، في تقرير حديث، إلى تصاعد الاتجاه نحو بيع العملات الأجنبية في السوق السوداء، أو الاحتفاظ بها تحسبًا للتخفيض المحتمل لقيمة الجنيه.
«النسبة دي مقلقة للغاية، لإنها حوالي 3.5 مليار دولار في 6 أشهر، يعني 7 مليار دولار كمتوسط في سنة»، يقول بدراوي، موضحًا أن هذه الأموال كانت مصدرًا سهلًا ودون مقابل للنقد الأجنبي.
بالإضافة لذلك، فإن الضغط على الواردات يعني، بطبيعة الحال، الضغط على خامات ومواد أولية تستخدم في التصنيع من أجل التصدير، وهو ما سيؤدي إلى انخفاض الصادرات المصرية أو قيمتها خلال الفترة المقبلة، بحسب بدراوي.
بالفعل، كشفت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن ارتفاع العجز في الميزان التجاري لمصر 23.8% خلال أبريل الماضي، لتصل إلى 2.33 مليار دولار، بعدما انخفضت قيمة الصادرات المصرية 44.9% خلال أبريل فقط، لتتراجع إلى نحو 3.03 مليار دولار، مقارنة بنحو 5.50 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام الماضي، بالتزامن مع تراجع قيمة الواردات المصرية خلال الشهر نفسه 27.4% لتسجل نحو 5.36 مليار دولار.
وفيما تحتاج إدارة النقد الأجنبي وتخارج الدولة من الاقتصاد خططًا طويلة، فشلت أيضًا الحكومة في اتخاذ إجراءات صريحة تعهدت بتنفيذها.
مثلًا، تعهدت الحكومة بأن تُلزم جميع الشركات المملوكة للدولة (بما فيها شركات القوات المسلحة) تقديم حسابات مالية إلى وزارة المالية على أساس نصف سنوي، والتي كان من المفترض أن تقوم، بدورها، بتوفير تلك المعلومات للعامة.
بالإضافة لذلك، تعهدت الحكومة تقديم معلومات تحدد مقدار المميزات المقدمة للشركات المملوكة للدولة سواء مملوكة لها بالكامل أو كشريك، بما في ذلك التخفيضات والإعفاءات الضريبية، قبل نهاية أبريل الماضي.
كما وعدت الحكومة بنشر جميع عقود المشتريات العامة التي تتجاوز 20 مليون جنيه، وأيضًا أحدث ثلاثة تقارير تدقيق سنوية للجهاز المركزي للمحاسبات، قبل نهاية يناير الماضي.
تعهدت أيضًا الحكومة بأن تُطور من حوكمة وإدارة الشركات المملوكة لها، عن طريق إسناد إدارتها لمتخصصين وفقًا لعقود تعتمد على الأداء، ونشر إرشادات لعمليات اختيار مجالس الإدارة ومؤهلات ومكافآت أعضائها في كل شركة مملوكة للدولة.
لكن أيًا من هذه الشروط لم يُنفذ.
وبينما يرى بعض المحللين أن مصر قد توقف البرنامج، قالت ديفيس، إنه بالرغم من أن مصر متأخرة في تحقيق الأهداف الإرشادية المختلفة بموجب صفقة صندوق النقد الدولي الحالية، فإنها ما زالت تعتقد أن الحكومة المصرية لم تتخل عن البرنامج بعد.
وأضافت ديفيس أن الصندوق سيؤجل الانتهاء من المراجعة الأولى حتى توافق السلطات المصرية على اتخاذ الخطوات التالية للتحول نحو نظام مرن لسعر الصرف -أي تخفيض آخر لقيمة العملة- وهو ما قد يحدث في منتصف سبتمبر. «عندما يتعلق الأمر بتقليص دور الدولة في الاقتصاد، نعتقد أن صندوق النقد الدولي سيكون أكثر تساهلًا. أما الأهداف الإرشادية فقد يستمر في مد مهلتها، كما فعل في الماضي»، تقول ديفيس.
لوائح صندوق النقد الدولي تتيح لمجلس إدارته التغاضي عن تحقيق دولة «بعض» الشروط المُتفق عليها في برامج دعم اقتصادها، بشرط أن يكون لذلك مبررات واضحة وأسباب يُمكن لمسؤولي تلك الدول تقديمها. رغم ذلك، ففي 2017، قرر الصندوق نفسه إيقاف اتفاق كان عقده من أوكرانيا في 2014، بعدما فشلت الحكومة الأوكرانية في الوفاء بتعهداتها، ورغم صرف نصف القرض البالغ 17.5 مليار دولار، قبل أن يعود الصندوق ويوافق، في 2018، على قرض جديد لحكومة أوكرانية جديدة، ليتوقف صرف القرض، مرة أخرى، بعد غزو روسيا لأوكرانيا العام الماضي، ثم تحصل الحكومة الحالية على قروض جديدة لمساعدة اقتصادها.
تحتاج مصر إلى حلول طويلة الأمد، إذ أشار المحلل المالي إلى أن بيع أصول الدولة لسداد القروض هو مجرد حل مؤقت لمشكلة هيكلية دائمة في وضع الاقتصاد المصري، تساهم بدورها في تأجيل الأزمة، لكنها ستتركها بلا حل نهائي.
فوفقًا لبيانات وزارة التخطيط، ارتفع الدين الخارجي المصري بنحو 2.43 مليار دولار، خلال الأشهر الثلاثة الأولى (الربع الأول) من العام الجاري، ليصل إلى 165.4 مليار دولار، وبذلك يكون الدين الخارجي ارتفع بقيمة 7.56 مليار دولار خلال عام واحد، بين مارس 2022 ومارس 2023.
بيانات «التخطيط» اﻷخيرة، لم تتضمن تحديثًا لتركيبة الدين الخارجي، من حيث نسبة الديون قصيرة الأجل إلى إجمالي الدين الخارجي، ونسبة الدين قصير الأجل إلى الاحتياطي النقدي الأجنبي، التي تمثل أبرز معايير قياس مخاطر الدين الخارجي.
لكن، بحسب بيانات البنك المركزي المصري، فإن جزءًا كبيرًا من الديون الخارجية المصرية البالغة 162 مليار دولار في ديسمبر الماضي ديون قصيرة الأجل. فرغم أن الجزء الأكبر من تلك الديون (نحو 132 مليار دولار) هي ديون طويلة الأجل، فإن مصر حصلت عليها منذ سنوات، فتحولت بذلك، عمليًا، إلى ديون يقترب أجل سدادها خلال عام أو أقل، لترتفع بذلك الديون قصيرة الأجل من 30.2 مليار دولار، لتصل إلى 47 مليار دولار في ديسمبر الماضي، أي ما قيمته تتجاوز 135% من الاحتياطي النقدي الأجنبي في مايو الماضي، الذي يتكون بشكل أساسي من ودائع الدول العربية التي منحت مصر ما يقرب من 30 مليار دولار كودائع قصيرة وطويلة الأجل تمثل أكثر من 86% من الاحتياطي النقدي الأجنبي المصري.
لهذا، يبدو المستقبل قاتمًا، ليس فقط في رأي المواطنين، ولكن أيضًا في رأي المؤسسات الدولية، وهو ما دفع وكالة فيتش للتصنيف الائتماني لخفض التصنيف السيادي طويل الأجل لمصر من مستوى «B+» إلى «B»، مع تعديل النظرة المستقبلية من مستقرة إلى سلبية، ما ينذر بمزيد من التراجع في المستقبل، نظرًا لارتفاع مخاطر التمويل الخارجي، بعد مرور أسبوعين من تغيير وكالة «ستاندرز آند بورز» نظرتها المستقبلية للديون السيادية المصرية من مستقرة إلى سلبية.
أحد السيناريوهات البديلة، في رأي ديفيس، هو أن ينتهي صندوق النقد الدولي من المراجعة الأولى قبل إجراء تخفيض آخر لقيمة العملة، تعللًا بحماية الاستقرار الاجتماعي. وفي هذا السيناريو، فإن تخفيض قيمة العملة مرة أخرى في الأشهر ال 12 المقبلة سيكون أمرًا لا مفر منه. «ومع ذلك، لدينا شكوك حول هذا السيناريو، حيث كان الصندوق متمسكًا بمرونة سعر الصرف في الماضي، والتوقيع على المراجعة الأولى دون أن تفي مصر ببعض متطلباتها الأساسية هو أيضا منحدر زلق».
ثم هناك سيناريو ثالث، يرفض فيه الصندوق التوقيع على المراجعة الأولى حتى يتم تحقيق بعض الأهداف الإرشادية، بينما تتلكأ السلطات المصرية في تنفيذ هذه المتطلبات. وفي ظل هذا السيناريو، يستمر برنامج الإصلاح وتتباطأ الإصلاحات، وتُلغى بعض أهدافها، قبل أن يعلن أحد الطرفين وفاة البرنامج.
ترى ديفيس أن نجاح برنامج الصندوق هو المفتاح لجذب المزيد من التمويل الخارجي، لذلك فتخلي الحكومة عن البرنامج أمرًا مستبعدًا لمصر. أما بالنسبة للصندوق، ففشل برنامجه أو إفلاس مصر ينطوي أيضا على مخاطر تتعلق بسمعته.
ومع الأوضاع غير التقليدية، تظهر حلول خارج الصندوق.
فبحسب بدراوي، أحد الحلول التي بدأت تلقى اهتماما داخل أروقة الحكومة، التخلف طواعية عن سداد بعض الديون، والتفاوض على إعادة جدولتها، وهو ما يعني تخفيض التصنيف الائتماني لمصر ثانية.
الرأي ذاته أشار إليه تقرير «دويتشه بنك»، الذي قال إن الحل الوحيد لأزمة مصر الاقتصادية هو أن تتفاوض لتزيد من أجل استحقاق رصيد ديونها، بينما قالت ديفيس إن من مصلحة الطرفين الجلوس على طاولة المفاوضات، مع اقتراح إعادة هيكلة محتملة للديون إذا أصبحت الضغوط الخارجية لا تطاق.
«ده مش مشكلة كبيرة للدرجة دي، وفي ظل تخفيف العبء على السوق، ده ممكن يجيب استثمارات جديدة تحسن من وضع السوق، وبالتالي من ميزان المدفوعات، وده هيدفع مؤسسات التصنيف إنها ترفع تصنيفها تاني لمصر، فالتأثر هيكون لفترة قصيرة»، يقول بدراوي، مضيفًا «للأسف ده مش قرار الحكومة، دا قرار سياسي بييجي من راس الدولة اللي لحد دلوقتي شايفه إن سداد الديون في مواعيدها أهم من الضغط على السوق».
تكمن المشكلة هنا، في اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية. وفيما لم يُعلن بعد الرئيس السيسي عن نيته في الترشح، قالت الباحثة السياسية بجامعة كولومبيا، كارين يانج، لـ«مدى مصر»، إن الضغوط الاقتصادية ستستمر بالتزامن مع ضبابية المشهد السياسي.
«لا أحد يعلم ماذا سيحدث في المستقبل، لكن حكومة السيسي قد تضطر لتخفيض العملة مرة أخرى في النهاية. في ذلك الوقت، بالتأكيد، سيُلقي السيسي اللوم على الضغوط الخارجية»بحسب يانج.
تقارير ذات صلة
سوء إدارة القروض والمتأخرات الضريبية الحكومية ضمن ملاحظات «المركزي للمحاسبات» على موازنة العام الماضي
ملايين اليوروهات عمولات قروض غير مستغلة وموازنة تتحمل عجز هيئات اقتصادية عن سداد قروضها
الجنيه ينتظر المزيد من قلة القيمة
من أجل سد الفجوة بين الدولار والجنيه المصري، سيتعين على البنك المركزي السماح للجنيه بالانخفاض
الأموال الساخنة: كيف يُسعد المواطن المصري المستثمر الأجنبي؟
من خسر فعليًا هو المواطن المصري الذي مولت ضرائبه راتب مدير صندوق استثمار في أحد المراكز المالية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن