الأموال الساخنة: كيف يُسعد المواطن المصري المستثمر الأجنبي؟
قبل أشهر قليلة، كانت الحكومة تقول، على لسان وزير المالية محمد معيط، إنها تعلمت درس الأموال الساخنة، وأنها لن تعتمد عليها مرة أخرى، لكنها سوف تركز على جلب استثمارات مباشرة طويلة المدى. حظي ذلك التصريح بالاحتفاء، بمنطق أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي، وأن تدرك خطورة الأموال الساخنة متأخرًا خير من أن لا تفعل.
لكن، هل يمكننا فعلًا تعلم الدرس؟ هل يمكن أن نقاطع الأموال الساخنة؟
يمكن أن نفعل ذلك، لكن هذا سوف يتضمن قطيعة مع جزء معتبر من سوق الديون الدولية، وهو شيء لا يمكن لمصر، أو بمعنى أصح مصر في ظل الفجوة التمويلية الكبيرة الحالية، أن تفعله.
ومن ثم فقد كان تصريح معيط غريبًا. كيف يمكن أن نمنع مستثمر أجنبي من أن يشتري أذون خزانة من المالية؟ هل نخفض العائد على أذون الخزانة، بحيث تصبح غير جذابة للمستثمرين الأجانب؟ يبدو ذلك غير منطقيًا لأن أسعار الفائدة في الاقتصاد كلها ترتبط ببعضها البعض. سعر الإقراض وسعر الاقتراض وسعر الفائدة لليوم الواحد (الإنتربنك)، هكذا بالأساس تعمل السياسة النقدية من خلال الارتباط بين كل أسعار الفائدة في السوق. ومن ثم فحين يرفع البنك المركزي معدل الفائدة الأساسي، فهو مطالب برفع الفائدة على أذون الخزانة أو السندات كذلك.
بدأت مصر في رفع الفائدة منذ بداية 2022 وحتى الآن. وفي نفس الوقت، أُجريت تخفيضات متتالية على العملة بواقع 47% من سعر صرفها الرسمي أمام الدولار، ليستقر الدولار عند 30 جنيهًا، بعد أن كان في نطاق 15-16 جنيهًا خلال السنوات من 2019 وحتى مارس 2022. كلما ارتفعت الفائدة وقلت قيمة العملة المحلية أمام الدولار، تصبح أذون الخزانة والسندات المقومة بالعملة المحلية أكثر جاذبية بالنسبة لمستثمري الأموال الساخنة. كما تقدم مصر للمستثمرين الأجانب إعفاءً كاملًا من الضرائب المقررة على أذون الخزانة (20% من العائد)، يدفعها المصريون. مثلًا، إذا كان العائد (يُعرف بسعر الخصم) على أذون الخزانة 20%، فإن المستثمر الأجنبي سوف يحصل عليها كاملة، بينما سوف يحصل المستثمر المصري أو أي مواطن يريد أن يشتري أذون خزانة مقومة بالجنيه على 16% فقط. قررت الحكومة هذا الإعفاء من كل أنواع الضرائب والرسوم على السندات وأذون الخزانة منذ أغسطس 2020 في محاولة لجذب المزيد من الأموال الساخنة.
لا يمكن إذًا بأي حال من الأحوال الحديث عن إبقاء الأموال الساخنة وخطورتها بعيدًا عن الاقتصاد المصري، لأن ذلك السوق يتطلب إجراءات لا يمكن القيام بها في الوقت الحالي، ولا تفكر الحكومة فيها من الأساس. وبالتالي، فإن حديث معيط لم يكن سوى تصريح إعلامي فقط.
عادت الأموال الساخنة للتدفق مع التخفيض الأخير للجنيه. تحدثت بلومبيرج عن نشاط كبير في السوق أدى لجلب ما يقرب من 925 مليون دولار من مشتريات الأجانب خلال أيام. كان ذلك بمثابة التأكيد على أن كلام وزير المالية المصري لا يعدو كونه «فرقعة إعلامية»، وأن مديري محافظ الاستثمار في الأسواق الناشئة كانوا في انتظار حدوث التخفيض الأخير للعملة من أجل دخول السوق مرة أخرى.
تعتمد الحكومة على نوعين من أدوات الدين لتوفير الدولار من أسواق الديون الدولية: السندات وأذون الخزانة. الفارق الأساسي بينهما هو أن السندات غالبًا ما تكون ذات أمد زمني أطول (من 3-10 سنوات)، وتكون مقومة بالدولار، وتُطرح في البورصات العالمية. لكن أذون الخزانة تكون قصيرة المدى، أقصى مدة لها سنة واحدة، وهي مقومة بالجنيه.
كانت الفكرة منذ تعويم الجنيه في 2016 هي الاعتماد على خليط من طريقتي الاستدانة: نعتمد على ديون طويلة المدي من السندات لتوفير الدولار الضروري لدفع الفوائد على أذون الخزانة، ونعتمد على أذون الخزانة قصيرة المدى لسداد استحقاقات الديون طويلة المدى من السندات (سواء أصل الدين أو الفائدة عليه).
استخدمت الحكومة ذلك التدفق الدولاري لاحقًا في دعم سعر صرف الجنيه في الفترة من 2018 وحتى نهاية 2021، وكانت تلك الاستراتيجية في الاعتماد على أذون الخزانة (الأموال الساخنة) مسار انتقاد من كثيرين، حتى صندوق النقد.
تمثل أذون الخزانة لأي مستثمر حول العالم خيارًا جيدًا للاستثمار، فمدتها قصيرة، ما يعني أن تسييل الإذن لا يمكن أن يحدث به مشاكل، ولديه قدر جيد من السيولة. في الأسواق الناشئة، تمثل أذون الخزانة استثمارًا أفضل، لأن مدتها القصيرة تعفي المستثمرين من المخاطر طويلة المدى للدولة، مثل الاضطراب السياسي أو المشاكل في سداد الديون أو حتى مشكلات السيولة الدولارية، خلال ستة أو تسعة أشهر أو سنة يمكن للمستثمر أن يحصل مرة أخرى على أصل المبلغ، بالإضافة للعوائد الكبيرة التي تقدمها الأسواق الناشئة.
يصل العائد حاليًا على أذون الخزانة المصرية المقومة بالجنيه إلى ما يقرب من 21.5%. تمثل تلك الفائدة فارقًا كبيرًا بين الفائدة على الدولار والفائدة على الجنيه، حيث تصل الفائدة على الدولار حاليًا إلى 5-5.5% على أقصى تقدير، وهي الفائدة التي تقدمها البنوك في مختلف دول العالم للودائع على الدولار. سعر الإقراض على الدولار يمكن أن يرتفع قليلًا، لكن غالبًا ما تحصل صناديق الاستثمار الكبيرة على أسعار فائدة تنافسية على الدولار، أقل بـ1% عن السوق في أحيان كثيرة، أو تحصل على سعر الفائدة الرسمي من الفيدرالي الأمريكي (حاليًا في متوسط 4.5-4.75%).
يمثل الفارق في سعر الفائدة، نظريًا، الفارق في معدل التضخم بين الاقتصاد المصري والاقتصاد الأمريكي. لكن، على أرض الواقع هناك بالطبع عوامل أخرى مثل مخاطر السداد والمخاطر السياسية والاقتصادية ومخاطر سعر الصرف وغيرها. تسمى تلك العملية في أسواق المال الدولية بالـcarry trade وهي عملية تتبع مفهومًا بسيطًا. إذا كان الفارق بين سعر الفائدة أو العائد على الاستثمار في الأوراق المالية بين الدولة (1) والدولة (2) أقل من التحركات المنتظرة في سعر صرف عملة الدولة (2)، فإن ذلك يعد استثمارًا جيدًا.
يعمل الاستثمار في أذون الخزانة كالتالي: يودع المستثمر القيمة الاسمية للإذن لدى البنك، ولتكن 100 دولار مثلًا، أي ثلاثة آلاف جنيه تقريبًا بسعر الصرف الحالي. يحسب البنك ما يسمى بالقيمة الحالية للجنيه، والتي تساوي سعر الإذن حاليًا، وتحسب من خلال معادلة ثابتة.
من أجل التبسيط، سوف نحسب العائد مباشرة على الـ100 دولار بأنه 21.5%. فمثلًا، إذا اقترض مستثمر أجنبي من أي جنسية مبلغ 100 دولار، وقام بتحويلها إلي ما يكافئها بالجنيه المصري وفق سعر صرف 30 جنيهًا، فإنه سوف يحصل على ثلاثة آلاف جنيه. إذا استثمرها في أذون الخزانة المصرية لمدة عام وحصل على عائد 21.5% فإنه سوف يحصل على عائد يساوي 645 جنيهًا على كل 100 دولار بسعر الصرف الحالي عند خروجه.
هناك ثلاثة سيناريوهات ممكنة في لحظة تخارج مستثمر المحفظة (الأموال الساخنة).
الأول: أن يتم تثبيت سعر الصرف أمام الدولار، ووقتها سوف يخرج المستثمر الأجنبي بقدر جيد من المكاسب إذ سوف يحصل على عائد الـ21.5% كاملًا، أي 21.5 دولار على كل 100 دولار. وحينها، بعد خصم تكلفة الاقتراض بالدولار، فإنه يجب أن يدفع خمسة دولارات كتكلفة للقرض الذي حصل عليه المستثمر لشراء إذن الخزانة. يتبقى مما يحصل عليه المستثمر 16.5 دولار، أي 16.5%، وهو عائد جيد بالنسبة لصناديق الاستثمار لأنه (1-) أعلى مما يسمى بالعائد المرجعي (Benchmark rate) والذي عادةً ما يكون بالنسبة لصناديق الاستثمار عند متوسط 8-10%، وهو متوسط العائد السنوي التاريخي للبورصة الأمريكية.
الثاني: أن يرتفع سعر صرف الجنيه أمام الدولار خلال السنة التي اشترى فيها هذا المستثمر أذون الخزانة. فمثلًا، إذا دخل المستثمر على سعر صرف 30 جنيهًا لكل دولار، وخرج بعد أن انخفض الدولار أمام الجنيه وأصبح سعر الصرف 28 جنيهًا لكل دولار، فإن المستثمر سوف يربح 645 جنيهًا مكسب علي كل 100 دولار، أي 22.3 دولار بحسب سعر الصرف الجديد كعائد على الاستثمار. حينها سوف يكون قد ربح 21.5% عائد علي إذن الخزانة، وربح من ارتفاع سعر الجنيه أمام الدولار حوالي 1.5% أخرى. إذًا سوف يخرج المستثمر وفي جعبته حوالي 23 دولار عائد على الاستثمار لكل 100 دولار، بعد دفع تكلفة الاقتراض، فإنه سوف يحصل على 18 دولار كاملة على 100 دولار.
الثالث: وهو السيناريو الأسوأ بالنسبة للمستثمر، أن ينخفض سعر صرف الجنيه أمام الدولار خلال الفترة التي يحمل فيها المستثمر إذن الخزانة، الذي حوّل دولاراته إلى جنيهات لشرائه. بمعنى ما ارتفع سعر صرف الدولار أمام الجنيه إلى 33 جنيهًا لكل دولار مثلًا من 30 جنيهًا لكل دولار. بالتالي، يحصل المستثمر على 645 جنيهًا كعائد على استثمار 100 دولار. أي أن مبلغ الاستثمار + العائد = 3645 جنيهًا. بسعر الصرف الجديد = 110.4 دولار، أي أن المستثمر سوف يربح 10.4 دولار على كل 100 دولار، سوف يدفع تكلفة القرض والتي تساوي خمسة دولارات ويعود في جعبته خمسة دولارات أخرى، أي حوالي 5% وهي ليست عائد جيد على الاستثمار في أذون مقومة بعملة غير الدولار، لأنه سندات الخزانة الأمريكية المقومة بالدولار تعطي عائدًا مشابهًا لذلك. وقد يصل الأمر إلى تحقيق خسارة إذا استمر سعر صرف الجنيه أمام الدولار في الانخفاض.
ثمة استراتيجيات مختلفة يتبعها مستثمرو المحفظة من أجل تعظيم المكاسب وتقليل مخاطر سعر الصرف، وهي أكبر المخاطر الاستثمارية في ذلك النوع من الاستثمار. فالمشكلة بالنسبة لمستثمري الأموال الساخنة ليست في انعدام قدرة البلدان النامية على السداد. ففي النهاية، سوف يستطيع الخروج بالدولار من السوق لأن المدى الزمني للأذون ليس كبيرًا كما في السندات. وإذا واجهت البلاد أزمة شح دولاري كبيرة كالتي تعيشها مصر حاليًا، فإن البنك المركزي سوف يضخ دولارات من الاحتياطي النقدي من أجل إخراج هؤلاء المستثمرين. يعد ذلك ضرورة بالمناسبة، فالبديل الوحيد هو منع خروج الدولار من خلال فرض قيود على تحويلات رأس المال للخارج أو ما يسمى بـCapital Control. حينها تصبح الدولة فعليًا متعثرة عن سداد ديونها، وبالتالي لا يرجى أمل في دخول أموال ساخنة أو حتى سندات طويلة المدى مرة أخرى.
من أجل تعظيم المكاسب، يلجأ المستثمرون إلى ما يسمى بالرافعة المالية (leverage)، وهي تعني ببساطة أنه يضع جزءًا من رأسماله الخاص ويحصل على الباقي من البنك. إذا وضع مثلًا 100 دولار، فإن البنك يمكن أن يعطيه 200 دولار مقابلها (أي رافعة بمقدار 1:2). حينها سيكون على المستثمر أن يسدد حوالي 5% فائدة على الـ200 دولار التي اقترضها من البنك، أي حوالي عشرة دولارات، لكنه سوف يحصل على عائد كبير على الاستثمار في أذون الخزانة المصرية.
إذا دخل السوق المصري بـ300 دولار على سعر صرف = 30 جنيهًا، فإنه سوف يحصل على تسعة آلاف جنيه. ومن خلال معدل العائد الحالي 21.5%، فإنه يمكن أن يحصل على عائد 1935 جنيهًا. وفي حالة ثبات سعر الصرف بين لحظة الشراء وتاريخ استحقاق الإذن، فإنه سوف يحصل على عائد = 64.5 دولار، بالإضافة إلى أصل استثماره (300 دولار). سوف يرد بعدها أصل القرض 200 دولار للبنك، والفائدة (5% أي عشرة دولار) ليخرج في النهاية حاملًا 54.5 دولار تقريبًا كعائد على رأسمال = 100 دولار أي 54% وهو مكسب خيالي بالنسبة للمستثمرين في مختلف أنواع الأصول الاستثمارية في أي مكان في العالم.
يعتبر تثبيت سعر الصرف الذي قام به «المركزي» من 2019 وحتى 2021 هو تحمل للمخاطر من على عاتق مستثمري الأموال الساخنة. كان المركزي والحكومة يراهنان على أن ذلك التثبيت سوف يستمر في جعل مصر وجهة جاذبة للأموال الساخنة، وكان ما يشجع على ذلك استمرار سياسات التيسير النقدي حول العالم وانخفاض معدلات الفائدة. ولكن بمجرد زيادة تكلفة التمويل على الدولار بسبب رفع الفائدة من قبل الفيدرالي وزيادة مخاطر التضخم في مصر، خرجت الأموال الساخنة بعد أن تحملنا عنها كل المخاطر بتثبيت سعر الصرف.
كان ذلك ما يحدث خلال الفترة من 2019 وحتى نهاية 2021 مع مستثمري المحفظة في مصر، وهو ما دعا إلى تسمية ذلك الاستثمار بـlucrative carry trade أي «استثمار المحفظة المريح»، وكان ذلك محل انتقاد كبير من مستشار محافظ البنك المركزي، هشام عز العرب، لأننا ببساطة من خلال تثبيت سعر الصرف تحملنا كل المخاطر نيابة عن مستثمر المحفظة، وخرج هو بكل المكاسب. أيضًا كان ذلك مثار انتقاد فخري الفقي، رئيس لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب، والذي صرح أنه لو كانت الحكومة حرّكت سعر الصرف وقت خروج الأموال الساخنة إلى 18 جنيهًا للدولار، فكان ذلك سوف يوفر ما بين 3-4 مليارات دولار. وهو بالمناسبة ما كان يمكن أن يحدث، فقبل تخارج الأموال الساخنة من نهاية 2021 وحتى أبريل 2022 بعد بداية الحرب الروسية الأوكرانية، كانت ممتلكات الأجانب من أذون الخزانة في أعلى مستوياتها، حوالي 30 مليار دولار. وبالتالي، إذا خرجت من تلك الأموال 20 مليار دولار بحسب التصريحات الحكومية المختلفة، فإن خفض العملة بقيمة 15% أي تحريكها من 15.6 إلى 18 جنيهًا سوف يوفر ما يقارب 15% من الأموال التي خرجت، أي ما يقرب من ثلاثة مليارات دولار.
لكن ما يغيب عن انتقادات عز العرب والفقي هو أن هناك صعوبة حقيقية في تقدير مدى وكم تحركات الأموال الساخنة على المدى القصير. لذلك تتفاجئ الحكومة كل مرة بذلك. أو بمعنى أصح، لا يمكن اتخاذ رد فعل سريع في بداية موجة التخارج.
تعرضت مصر لثلاث أزمات تخارج للأموال الساخنة في 2018 و2020 مع وباء كوفيد، وفي 2022 قبيل الحرب الروسية الأوكرانية. خلال موجات التخارج تلك، والتي تستمر ذروتها لفترات قصيرة، لا يمكن فعليًا تحريك سعر الصرف، لأن ذلك قد يؤدي إلى تخارج أكبر من المتوقع. فقد انخفضت جاذبية أذون الخزانة المصرية في يناير 2022، قبيل الحرب الروسية الأوكرانية، وبعد التوقعات برفع الفيدرالي الأمريكي الفائدة على الدولار (وبالتالي زيادة تكلفة التمويل أو الرافعة المالية)، ما أدى إلى خروج المستثمرين الأجانب في تلك الأذون بسرعة من السوق. وإذا تزامن ذلك مع تخفيض لسعر الصرف، فإنه قد يُسرّع من عملية التخارج هذه، ما قد يُدخل البنوك في أزمة سيولة دولارية تستدعي تدخل المركزي من الاحتياطي لإخراج هؤلاء المستثمرين، وهي مخاطرة غير مضمونة العواقب.
أضف إلى ذلك أنه في الحالة المصرية، والتي تعاني فيها البنوك من عجز في صافي الأصول الأجنبية يقدر بما يقرب من 23 مليار دولار حاليًا، فإن الخروج السريع للأموال الساخنة يمكن أن يعرّض الأصول الدولارية في تلك البنوك لمشكلة. وأيضًا على المدى المتوسط، فإن تحريك سعر الصرف بشكل مفاجئ مع موجة تخارج الأموال الساخنة يعني عدم عودة تلك الأموال في المستقبل. بمعنى أصح، سوف يصبح السوق غير قابل للتوقع بالنسبة لهم، وبالتالي لا يمكن واقعيًا إضافة خسارة العملة على الخسائر المتوقعة على رفع تكلفة التمويل، والتي كانت التوقعات في بداية 2022 تشير إلى أنها سوف تستمر لمدة سنتين على الأقل مع سياسات الفيدرالي في رفع الفائدة.
أيضًا، ما يُصّعب تحريك سعر الصرف في التخارج الأخير للمستثمرين الأجانب من نهاية 2021 وحتى أبريل 2022 هو أنه قبل الحرب كانت البلد تعاني من شح دولاري بالفعل بسبب ارتفاع أسعار الواردات والسلع الزراعية الناتج عن مشكلات سلاسل التوريد. وبعد الحرب، زادت تكلفة الواردات بشكل كبير، واتجه «المركزي» لرفع أسعار الفائدة لاحقًا من أجل محاربة التضخم. وبالتالي، لم يكن من المنطقي أن يخفض «المركزي» سعر الصرف أيضًا في لحظات تخارج المستثمرين، لأن السوق الثانوي لأذون الخزانة كان يتعرض لضغوط من رفع سعر الفائدة وانخفاض جاذبية الأذون القديمة عن الجديدة. وبالتالي، كان ذلك سوف يؤثر على مستويات السيولة في البنوك التي سوف تضطر لشراء أذون الخزانة من الأجانب، والمصريين أيضًا، الذين يريدون تسييل الأذون من أجل عوائد أكبر في الشهادات الثابتة مثلًا.
يُقيّم مستثمرو الأموال الساخنة مخاطر الأسواق الناشئة المختلفة، لكن ما عليهم أن يقلقوا منه حقًا هو انخفاض سعر الصرف. لذلك تقوم صناديق الاستثمار بشراء عقود مستقبلية للعملية كجزء من التحوط على انخفاض سعر الصرف، وتقليل الخسائر في حالة التغيرات السريعة في سعر الصرف. إذا كان العائد الأقل حاليًا على الاستثمار في أذون الخزانة حوالي 21.5% سنويًا، والعائد بعد الرافعة المالية يتعدى 50% تقريبًا، فإن ذلك يشجع المستثمرين على قبول مخاطر أكبر ودخول السوق المصري. لكن وكجزء من تقليل المخاطر، فإنهم سوف يتجهون لأذون أقصر نسبيًا (3-6 أشهر) لحين استقرار الأوضاع الاقتصادية.
بسبب العائد المرتفع، تمثل الأموال الساخنة الطريقة الأسوأ لدعم استقرار العملة والحصول على التدفقات الدولارية المطلوبة. لكنها في نفس الوقت الأسهل لأنها لا تتطلب القيام بإصلاحات اقتصادية أو مالية كبيرة أو الخضوع لما تفرضه أسواق الديون الدولية الأخرى من تدقيق مستمر في الإنفاق الحكومي، أو الخضوع لمتطلبات رفع التصنيف الائتماني لبلد يعتبر الأسوأ لأنه بالمقارنة بالاقتراض من الأسواق الدولية فإنها تعتبر أكثر خطورة. يمكن للحكومة المصرية أن تطرح سندات بعد رفع الفيدرالي للفائدة حاليًا بأسعار فائدة تتراوح نظريًا بين 10-12% تقريبًا، أو 8% على السندات الأطول. طرحت الحكومة بالفعل صكوكًا سيادية بعائد يقارب 11%، لكن المشكلة في النفاذ لأسواق السندات الدولية حاليًا هو عدم استقرار الوضع الاقتصادي.
اقترضت الحكومة بكثافة من أسواق الديون الدولية، في الوقت الذي كانت تعتمد فيه على الأموال الساخنة. بمعنى ما، يمكن التفكير في الاقتراض المكثف من أسواق الديون الدولية، والذي كان اقتراضًا طويل المدى نسبيًا (أكثر من ثلاث أو خمس سنوات) في السندات، والودائع الخليجية مثلًا التي تقبع في «المركزي» من 2013، أو القروض مع صندوق النقد والبنك الدولي، والتي تكون بآجال سداد خمس سنوات فأكثر.. نقول، يمكن التفكير في ذلك على أنه طريقة الحكومة في تمويل الفجوة الدولارية العاجلة من خلال الاقتراض من مستثمري الأموال الساخنة.
لكن المشكلة جاءت حين ارتفعت أقساط سداد الدين الخارجي في 2022 لأكثر من الضعف تقريبًا. ومع سياسة التشديد النقدي، كان صعبًا على الحكومة أن تلجأ للاقتراض من سوق السندات الدولية طوال 2022، على الأقل، قبل أن تحصل على دعم خليجي وقرض من صندوق النقد. وبالتالي، مع بدايات 2022، كان الجميع يعرف أن النموذج المعتمد على جلب دولارات طويلة المدى من الديون الخارجية بجانب دولارات قصيرة المدى من الأموال الساخنة لدعم استقرار الجنيه، سوف ينهار، لأنه ببساطة لم يكن يصلح للاستمرار إلى ما لا نهاية.
ما شكّله الانهيار الأخير في قيمة العملة هو محاولة لشراء مزيد من الوقت لهذا النموذج، على أمل بعض من الاستقرار. لكن المشكلة الأكبر أننا ندفع حاليًا 21.5% عائد على الأموال الساخنة مقابل 15-16% في 2020 و2021. وبالتالي، فهناك صعوبة حقيقية في الاعتماد على الأموال الساخنة في المستقبل، لأن حجم الاقتراض الخارجي طويل المدى، المنوط به تمويل مدفوعات الفوائد الخاصة بها، كبير جدًا، وسعر العائد المطلوب عليه أصبح مرتفعًا للغاية حاليًا، مع البيئة المرتفعة لأسعار الفائدة على السندات في العالم كله، وبالأخص في سندات الأسواق الناشئة، فإن طريقة تمويل فوائد الأموال الساخنة سوف تكون مرتفعة هي الأخرى.
لنفهم ذلك النموذج المعقد، دعونا نفترض ذلك المثال: إذا طرحت الحكومة الآن سندات لثماني سنوات بمليار دولار فإنها سوف تدفع على الأقل 10% كعائد سنوي عليها. وبعد ثماني سنوات، سوف ترد المليار دولار بعد أن تكون قد دفعت ما يقرب من 800 مليون دولار فوائد على تلك السندات. لكن، وعلى المدى القصير، تستخدم الحكومة الأموال الساخنة من أجل دعم استقرار سعر الصرف. بالتالي، إذا قررت أن تقترض مليار دولار أخرى فقط من الأموال الساخنة، ومع ارتفاع العائد على أذون الخزانة، فإن الحكومة سوف تضطر لدفع أكثر من 21% على الأذون لمدة سنة. وبالتالي، فإن كلفة التمويل لاستمرار ذلك النموذج هي 31% عائد على الدولار في السنة (مجموع الفائدة السنوية على السندات طويلة المدى والأذون قصيرة المدى)، وهي بالطبع فائدة خيالية لا يمكن أن تستمر في الحالة المصرية.
وبالتالي، إذا وصلت ممتلكات الأجانب من أذون الخزانة المصرية إلى 22% أو 30 مليار دولار، وحدثت أي أزمة عالمية أدت لتخارج جماعي، فإننا سنكون أمام انهيار أكبر وتخفيض أكبر في قيمة الجنيه. يمكننا أن نفهم انتقادات الصندوق لاستخدام الأموال الساخنة في دعم قيمة الجنيه في 2019 و2020 من هذا المنطلق، لكن الصندوق يطرح التخفيض المستمر للعملة أو بتعبيره «المرونة الكاملة لسعر الصرف» على أنها يمكن أن تجنبنا كل ذلك، وهو غير صحيح. فحتى إذا كانت هناك مرونة كاملة لسعر الصرف، فإن العائد على أذون الخزانة المرتفع أكبر بكثير من قدرة الاقتصاد على توليد العملة الصعبة لسداده على المدى القصير والمتوسط.
هذا النموذج المعقد والشبيه بمخططات بونزي، حيث تقترض الحكومة من أسواق الديون الدولية طويلة المدى لتمويل مدفوعات الفوائد على الدين الخارجي طويل المدى، وكذلك مدفوعات الفوائد على أذون الخزانة للأجانب، هو نتاج مباشر لروشتة صندوق النقد، والتي تولي اعتبارًا لتحسين مؤشرات الاقتصاد الكلي من أجل الحصول على التمويل اللازم. لكن لا أحد يسأل عمن يدفع تكلفة فوائد كل تلك الديون. ببساطة يدفع المصريون ذلك الثمن من ضرائبهم ومن مستقبلهم ومن إنفاق الحكومة العام، الذي من المفترض أن يتوجه للإنفاق الاجتماعي كالتعليم والصحة. تأكل فوائد الديون نسبة كبيرة (38% في الموازنة الأخيرة) من الإنفاق السنوي في الموازنة وتحد من قدرة الحكومة على إجراء إصلاحات مالية في الموازنة سوى على جانب الإيرادات من خلال رفع الضرائب لتمويل فوائد الديون.
لا يحقق الاعتماد على الأموال الساخنة أي استدامة ممكنة. لكن الحكومة قررت ومنذ 2016 أن تتوسع في ذلك النمط الاعتمادي. كسب مستثمرو الأموال الساخنة، واشترت الحكومة بعض الوقت قبل انفجار الأزمة. لكن من خسر فعليًا هو المواطن المصري الذي مولت مدفوعات ضرائبه راتب مدير صندوق استثمار في مكتب زجاجي في أحد ناطحات السحاب في أحد المراكز المالية في العالم.
تقارير ذات صلة
جدل حول نوايا الحكومة.. خفض الدين أم إخفاؤه؟
بلغ دين أجهزة الموازنة العامة في يونيو الماضي 85.6% من الناتج المحلي الإجمالي
رحلة الدعم والديون في ميزانيات السيسي من «أنتم نور عينينا» إلى «هو أنا معايا فلوس للكلام ده»
قصة الاقتصاد المصري في عشر سنوات
الجنيه ينتظر المزيد من قلة القيمة
من أجل سد الفجوة بين الدولار والجنيه المصري، سيتعين على البنك المركزي السماح للجنيه بالانخفاض
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن