قبل شهور قليلة من عودته إلى مصر في فبراير 2010 باستقبال حاشد من المعارضة في مطار القاهرة، كان محمد البرادعي، الرئيس الأسبق لوكالة الطاقة الذرية، قد أوضح في مداخلة مع الإعلامي عمرو أديب عبر برنامج «القاهرة اليوم» المذاع آنذاك على قناة «أوربت» المشفرة، أنه قد ينافس الرئيس الأسبق، حسني مبارك، في انتخابات رئاسة الجمهورية، التي كان مزمعًا إجراؤها عام 2011، لتحريك المياه الراكدة، في سبيل وصول مصر إلى الديمقراطية.
استاء مبارك من هذا الحديث، بحسب أحد وزرائه، الذي تحدث إلى الكاتبة في مايو 2011: «… وكان لديه شعورًا أنه خان التقدير الذي منحه إياه مبارك عندما دعم ترشحه مديرًا عامًا للوكالة الدولية للطاقة الذرية من خلال اتصالات سياسية وأيضًا عندما منحه قلادة النيل العظمى في 2006».
ولكن، ما كان يبدو مزعجًا لمبارك بصفة خاصة، بحسب نفس الوزير، هو أن هناك من يخرج إلى العلن لتحديه فعليًا وبثقة، وليس كما كان الحال في انتخابات 2005 الرئاسية مثلًا، حيث تنافست ضده مجموعة من الشخصيات التي لا قيمة سياسية كبيرة لها، على حد قول المصدر.
قال الوزير، واتفق معه وزيران آخران عملا أيضًا في حكومات مبارك الأخيرة، إن الرئيس الأسبق لم يكن يقبل إطلاقًا بأن يكون هناك له رجل ثانٍ، حتى بالمعنى التقديري للكلمة؛ ولعل الإطاحة بوزير الدفاع الأسبق، محمد أبو غزالة، ووزير الخارجية الأسبق عمرو موسى، من منصبيهما عقب تنامي شعبيتيهما، مثالًا على ذلك.
البرادعي، كما قال للكاتبة أحد معاوني مبارك المباشرين خلال سنوات حكمه الأخيرة، لم يكن من رجال مبارك كموسى، ولم يكن رجلًا قويًا من القوات المسلحة كأبو غزالة. ما أزعج مبارك، بالتحديد، كان قدرة البرادعي على مخاطبة الشارع، على عكس أبوغزالة وموسى، اللذين تمت الإطاحة بهما وشن حملات إعلامية محدودة ضدهما.
أزعج البرادعي مبارك مجددًا عندما شن، بدعم من الجمعية الوطنية للتغيير، حملة جمع توقيعات عبر الإنترنت للمطالبة بترشيحه في الانتخابات الرئاسية التي كان من المقرر أن تجرى في خريف 2011، وسط تكهنات عما إذا كان مبارك، الذي تجاوز حينها الثمانين من عمره، سيترشح لدورة إضافية أم أنه كان سيتم الدفع بنجله جمال، الذي حقق صعودًا سياسيًا كبيرًا منذ 2002، من خلال لجنة سياسات الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم آنذاك.

وبحسب أحد أعضاء لجنة السياسات بالحزب الحاكم، والذي تحدث إلى الكاتبة فبراير 2010، لم يكن لدى مبارك نية لترشيح جمال، وأن نيته الوحيدة هي أن يستمر في عمله رئيسًا إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا. غير أن مصدرًا حكوميًا قال للكاتبة في يونيو 2010 إن التخفيف من حديث التوريث ليس بالأمر الذي يأخذه الجيش بجدية، ولفت إلى اجتماع جمع قيادات من القوات المسلحة، بينهم أمين عام وزارة الدفاع، وهو نفسه أمين سر المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي تحدث بوضوح عن رفض مسألة التوريث، مما سهل مهمة الإطاحة بمبارك لاحقًا، بحسب المصدر.
الوزير السابق في حكم مبارك قال إن الرئيس الأسبق كان دائمًا قادرًا على السيطرة على الأمور بهدوء وحسم تتفق مع شخصيته والخبرة العسكرية والسياسية التي اكتسبها على مر السنوات. لكن عملية جمع التوقيعات التي قامت بها الجمعية الوطنية للتغيير أثارته، وأثارت كثيرين غيره، ليس من بينهم جمال بالضرورة، لأنه ربما رأى أن الجدل السياسي قد يمنحه فرصة. ولكن الحملة أثارت كبار معاوني مبارك التقليديين، وبالتحديد كمال الشاذلي، عضو الهيئة العليا بالحزب الوطني، الذي كان لا يتوقف عن التحذير مما كان يسميه «حكاية الإنترنت دي»، والذي توفي في نوفمبر 2010، وأيضًا وزير الإعلام الراحل، صفوت الشريف، الذي كان لكلامه دومًا تأثيرًا كبيرًا على تقديرات مبارك.
الوزير نفسه أضاف أن القلق لم يكن بعيدًا عن رجل مبارك الأقرب، مدير المخابرات العامة الراحل، عمر سليمان، وكذلك حبيب العادلي، وزير داخلية مبارك لمدة 15 عامًا. وأضاف أنه مع اقتراب نهاية صيف 2010، طالب العادلي بكل صراحة بتعليق أو عرقلة عمل الإنترنت في مصر بشكل ما، وهو ما لم يتسرع مبارك بالموافقة عليه، لأنه خشي -وفق مشورة طاقمه الاقتصادي الداعي للانفتاح ورئيس وزرائه رجل الاتصالات أحمد نظيف، وجمال نفسه- أن يثير تعليق الإنترنت عاصفة من الانتقادات ضد مصر التي كانت منذ عام 2007 في مأزق في علاقتها مع الولايات المتحدة بسبب ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان. كان جمال مبارك، وأحمد عز، رجل الأعمال وأمين التنظيم بالحزب الوطني، هما من تمكنا من إقناع مبارك بأن الأمر يجب التعامل معه من خلال توسيع قاعدة التأييد في الشارع، بحسب الوزير، وأن تحركات مثل تعليق عمل الإنترنت أو إيقاف تطبيق فيسبوك، من شأنه زيادة جرعة النقد الخارجي.
سمع مبارك لهما. وبحسب أحد سفرائه، ظل ممسكًا بخيوط اللعبة، وقادرًا على اتخاذ القرار، رغم اعتلال صحته واضطراره لاستئصال الحوصلة المرارية في مارس 2010 في مواجهة إصابة محدودة بالسرطان لم يُعلن عنها، ورغم الاعتلال النفسي الكبير الذي أصابه إثر الوفاة المفاجأة لحفيده الأكبر في مايو 2009. كان مهتمًا على سبيل المثال بأن يتخلص، مع الرئيس الأمريكي المنتخب حديثًا باراك أوباما، من التوتر الذي سيطر على علاقته سلفه، جورج بوش الابن، لسنوات متتالية، وبالتالي أراد تجنب استفزازه.
كانت زيارة أوباما للقاهرة في يونيو 2009 قد تركت لدى معاوني مبارك القريبين في ملف العلاقات الخارجية، وخاصة العلاقة المصرية الأمريكية، انطباعًا بأن الرئيس الشاب ربما شعر بثقل السنوات على كاهل مبارك، وأنه سيكون على مبارك أن يطور صورة عصرية خلال زيارة كان من المقرر أن تجرى في خريف 2010 عوضًا عن الربيع. مبارك، بحسب عضو آخر من اللجنة العليا للحزب الوطني، كان لديه تصور، نقله إليه عز، بأن الحزب سيتمكن من دمج الشباب عبر الجمهورية، وأن الأمور ستتجه نحو الأفضل من خلال استحواذ الحزب على أغلبية المقاعد مجلس الشعب في انتخابات 2010، مع السماح بتواجد لا بأس به للمعارضة بكل أشكالها.
لكن الأمور لم تسر كما كان مخططًا. لم تسر الانتخابات التشريعية كما كان متوقعًا لها، حيث كان هناك إقبال كبير على التصويت لصالح مرشحي جماعة الإخوان المسلمين، وهو ما اضطر بعض قيادات الحزب الوطني لتوجيه أوامر مباشرة -أقر بها مصدرا الحزب اللذان تحدثا كلٌ على حدة بعد الثورة- بالتدخل للسيطرة على ما وصفه أحدهما «بالمساحة الكبيرة لمرشحي الإخوان» وهو ما جعل الانتخابات تتحول من لحظة انتصار لسياسات مبارك الداخلية إلى واحدة من أشد لحظات التدهور السياسي وضوحًا. وبحسب مصدر قريب من دوائر الأمن، كانت لحظة انتخابات 2010 هي اللحظة التي قرر فيها مبارك أنه سيكون على العادلي التدخل بحسم أكبر ضد جماعة الإخوان.

ثم جاء مشهد الرئيس التونسي الراحل، زين العابدين بن علي، المرتعش في خطابه للأمة التونسية في 13 يناير 2011، والذي أقر فيه أنه تلقى رسالة مطالبات الحرية «أنا فهمتكم». أثار ذلك حفيظة مبارك، أو ربما هواجسه ومخاوفه، بحسب معاونه. كان مبارك في دهشة كبيرة من مشهد ثورة تونس. فبن علي كان رجلًا قاسيًا في حكمه بصورة تتجاوز ما كان عليه مبارك بكثير، بحسب تقدير أكثر من دبلوماسي عربي تحدثوا إلى الكاتبة عن الرجلين في الشهور التالية لعزلهما. كان مبارك يعلم أن بن علي لا يسمح أصلًا بوجود معارضة، وأن تونس كانت تدار بقبضة من حديد، وعندما سأل معاونيه بعد تداعي المظاهرات التونسية، التي اشتعلت شرارتها في 17 ديسمبر 2010، عن تفسير لما يحدث في تونس، قال أحدهم إن بن علي أفرط في القمع، وإن الإفراط في القمع وغياب التنفيس يؤدي إلى الانفجار. وأضاف له أن الأوضاع الاقتصادية في تونس بالغة السوء، وأن فرنسا، الحليف الرئيسي له، غير حاسمة في دعمه.
وهكذا، أصبحت عبارة «مصر ليست تونس»، عنوانًا لتعليق كل مسؤول حكومي على أسئلة الصحفيين الأجانب والمصريين، فيما يتعلق بالأحداث في تونس آنذاك. ولكن، داخل الأروقة، كان هناك من يشير إلى أن افتراض أن مصر ليست تونس، هو افتراض له أساس، ولكن به مبالغة لا يستهان بها، لأن تقريرين عن الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية أطلقتهما الجامعة العربية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، أظهرا أن هناك الكثير من التشابه في أوضاع الامتعاض بين شباب الدول العربية، لأسباب بعضها له بعد اقتصادي واجتماعي، وبعضها متعلق بالحريات.
وفي 20 يناير 2011، وبينما الدعوات لتظاهرات الخامس والعشرين ضد تجاوزات الشرطة تتصاعد، توجه مبارك لترأس القمة الاقتصادية الاجتماعية في شرم الشيخ، والتي غابت عنها تونس. بدا مبارك رابط الجأش، كما عادته دومًا، ووزير خارجيته حينها، أحمد أبو الغيط، كان يقول إن مصر ليست تونس، بينما أمين عام الجامعة العربية حينها، عمرو موسى، يقول في خطاب له أمام القمة إن ما يحدث في تونس ليس بعيدًا عن شواغل القمة، ولا ينبغي أن يكون بعيدًا عن اجتماع القادة هنا. كلمة موسى يوم القمة، كما قال أحد الدبلوماسيين المصريين للكاتبة، أثارت حفيظة مبارك بشدة، حيث شعر الرجل بأن موسى عاد ليبعث من جديد رغبته السياسية التي لم يكن أبدًا يعلن عنها كما البرادعي، في السعي لمنازلة مبارك سياسيًا. لكن موسى نفسه، وكما قال لاحقًا في الجزء الثاني من مذكراته، أنه كان يرى الغضبة المصرية الكامنة قادمة في تلك اللحظة، فهو لم يكن يتوقع بالضرورة أبدًا أن مبارك سيضطر إلى التنحي عن الحكم. وبحسب رواية أحد العاملين في مكتب العادلي حينها، كان الجميع يعلم أنه ستكون هناك مظاهرات في يناير، والكل كان متابعًا لما جرى في تونس، ولكن أحدًا لم يكن يتصور أبدًا الطريقة التي جرت بها الأمور في يناير 2011.
في 23 يناير، ذهب مبارك إلى أكاديمية الشرطة ليشارك في الاحتفال بعيد الشرطة، وجلس بارتياح بادٍ يستمع إلى العادلي في كلمته. كان مبارك قبل الدخول إلى قاعة الاحتفالات قد جلس أولًا مع العادلي وكبار مساعديه. في هذا الاجتماع، وبحسب معاون العادلي السابق، لم يستمع مبارك من أيٍ من محدثيه عن توقع أن الأمور ستسير في مصر إلى ما آلت إليه في تونس، ولكنه سمع توقعات عن مظاهرات يسعى البعض من خلالها إلى تقليد مظاهرات تونس. وتحدث مبارك للعادلي في هذا الاجتماع، مؤكدًا على ضرورة عدم السماح بأي درجة من درجات الفوضى في البلد.
العادلي، بحسب نفس المصدر، هو من قرر بعد حديث منفرد مع مبارك، وحديث آخر مع سليمان، نشر قوات الأمن المركزي في ميدان التحرير في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء 25 يناير. الهدف، كان تطويق ميدان التحرير بما لا يسمح بأي تجمهرات. العادلي، حسبما أضاف المصدر، كان يتوقع مظاهرات، وكان متحسبًا وقلقًا إلى حد غير قليل، ولكنه كان واثقًا من أمر واحد، بحسب تحرياته وترتيباته: الأول أن جماعة الإخوان المسلمين، التنظيم السياسي الأكبر والأقوى، لا ترغب في الاحتكاك بالأمن، بينما كانت قيادات وكوادر منها تتعرض للتنكيل الأمني عبر السنوات الخمس السابقة بوتيرة أعلى من المعتاد.

ومع اقتراب عصر الثلاثاء 25 يناير، بدت أولى موجات التظاهر على عتبات ميدان التحرير. في روايات متوالية ومتعددة، قال كثير ممن كانوا في طليعة تظاهرات 25 يناير إنهم لم يَدُر بخلدهم أن مظاهراتهم ستتسع لتعم البلاد وتشمل فئات من نساء ورجال الوطن. بحسب إحداهن، كان الأمل الأكبر للتظاهر في أيامه الأولى هو الخلاص من «الجلاد الدموي»– العادلي. وقالت إن الرغبة في إصلاح جهاز الشرطة ووقف الاستخدام المفرط للتعذيب في السجون وفي أقسام الشرطة، كانت العنوان الرئيسي للتظاهرات. وأضافت أن المطالب الاحتجاجية الاقتصادية الاجتماعية التي حدثت قبل ثورة يناير بوتيرة متزايدة خلال سنوات ثلاث أو أربع، بدءًا مما عُرف بعصيان 6 أبريل 2008، أو مطالب الإصلاح السياسي التي أطلقتها حركة كفاية، أو فتح باب الديمقراطية والانتخابات النزيهة على خلفيات دعوات البرادعي ومهزلة انتخابات 2010 التشريعية، كلها كانت حاضرة في أحاديث المتظاهرين قبل يوم 25 يناير، ولكن تجاوزات الشرطة الوحشية كانت العنوان الرئيسي. اتفق معها أحد المشاركين في التظاهرات: «عندما نزلنا في 25 يناير لم يكن في ذهننا أننا سننهي حكم مبارك». ولكن اتفقت أيضًا روايات عديدة أدلي بها من شاركوا في ثورة يناير على أن المظاهرات كانت تكبر بصورة لم يتوقعها المشاركون لأسباب بعضها يتعلق بشعور فئة غير قليلة من المشاركين في التظاهرات والقادمين من المساحات المتعرضة لضغوط اقتصادية واجتماعية عنيفة بأن ليس لديهم ما يخسروه، وأنه في حال حدوث تغيير ما، ربما تتحرك حياتهم نحو الأفضل. تحدث البعض أيضًا عن تأثير ثورة تونس التي تابعها المصريون على شاشات القنوات الفضائية وشعورهم بأن مصر ليست أقل من تونس.
من ناحيته، أكد معاون العادلي أن التعليمات القادمة لمكتب وزير الداخلية من الرئيس حتى يوم 27 يناير، كانت تؤكد على عدم اللجوء إلى استخدام الذخيرة الحية في التعامل مع المتظاهرين. كما نفى علمه بأن العادلي تلقى تعليمات صريحة بإطلاق النار على المتظاهرين، ولكنه قال إن يوم 28 يناير، عقد العادلي صباحًا اجتماعًا مع مساعديه لتقييم الموقف، وكان التقدير العام أن الأمور لن تهدأ وأنه لا بد من إشارة واضحة من الأمن بأنه لا تهاون مع التوسع في التظاهر، وبالتالي كانت هناك إيماءة واضحة أنه يجب أن يعلم المتظاهرون أن الشرطة لن تقف متفرجة بينما المظاهرات تتسع.
وبالتوازي، صدرت أوامر من مكتب رئيس الجمهورية، بحسب معاون مبارك، بعد تشاور الأخير مع سليمان في جلسة ثنائية امتدت لأكثر من ساعة بمقر إقامة مبارك، بقطع الإنترنت، وهو القرار الذي لم يكن لدى مبارك أي استعداد في هذه المرة أن يقبل حوله نقاش. فالرجل وصل إلى قناعة بأن الشبكة العنكبوتية هي المساحة التي تجمع الشباب الغاضب، وأن تفكيك قدرتهم على التواصل والحشد ستدعم فرصه في احتواء الموقف.
وقعت بالفعل مواجهات دامية بين الشرطة والمتظاهرين يوم 28 يناير في عدد من شوارع القاهرة والمحافظات، سقط خلالها متظاهرون، بعضهم، بحسب الفيديوهات المتداولة حينها، استقبل الرصاص بصدر مفتوح. وعلا صوت الشعار الأكثر طموحًا: «الشعب يريد اسقاط النظام». مشاهد سقوط المتظاهرين وانسحاب رجال الداخلية من المشهد، بحسب روايات المشاركين، دفعت كثيرين وكثيرات للانضمام للمظاهرات.
كانت تعليمات الرئيس، وبحسب واحد ممن ساهموا في متابعة التطورات من قلب أحد أهم الأجهزة الأمنية، نزول الجيش إلى الشارع حينها، ترتبط بالأساس بالخشية من حدوث عمليات سلب ونهب واسعة وسيطرة على أماكن حساسة مثل مجمع التحرير أو مبنى الإذاعة والتليفزيون. كما طلب مبارك من وزير الإعلام حينها، أنس الفقي، ومدير مكتبه، سليمان عواد، أن يعملا مع عدد من المعاونين على كتابة خطاب يوجهه للأمة ليدعو إلى التهدئة ويبدي بعض الاستعداد للنزول عند المطالب الأولية للثورة. تلقى مبارك عدة مسودات راجعها مع الفقي وجمال، ثم قرر تسجيل نسخة شملت فقرات مقترحة من عدة مسودات. وبعد التسجيل، تم إرسال التعليمات من الفقي إلى عبداللطيف المناوي، رئيس قطاع الأخبار في اتحاد الإذاعة والتليفزيون، أن يخفف من الهجوم على المتظاهرين.
وبحسب معاون مبارك، رغم محاولة الرئيس الاستمساك برباطة الجأش، إﻻ أن القلق بدأ يتسلل إليه. أسباب القلق، كما قال، لم تكن فقط ترتبط بغضبه من عدم قدرة وزير داخليته الموثوق فيه على القيام بالمهمة على الوجه المتوقع، وإنما كانت أيضًا تتعلق بتقديرات سليمان أن الأمور ليست مرشحة للهدوء فورًا، وأنه سيكون على مبارك النزول عند رغبات المتظاهرين في مخالفة لنهج الرئيس المستقر طوال سنوات حكمه الثلاثين بعدم اتخاذ أي قرار تحت ضغط شعبي حتى لا يجعل -كما شرح في إحدى المرات لبعض محدثيه- الحكم رهينة لمزاج الشارع المتغير والمتقلب.
في اليومين التاليين، أقال مبارك حكومة نظيف التي كانت محل سخط قطاع واسع من الرأي العام بوصفها حكومة رجال الأعمال، وقرر لأول مرة بعد 30 عامًا في الحكم، تعيين نائب له، واختار لهذه المهمة سليمان، وكلف أحمد شفيق، الرجل العسكري المقرب منه، والذي كان يعمل وزيرًا للطيران المدني، وكان أداؤه محل تقدير مبارك، بتشكيل الوزارة. كما كلف سليمان ببدء حوار مع قيادات المعارضة. بحسب معاون مبارك، كان الرئيس الأسبق يحاول تلبية أكبر قدر من مطالب المتظاهرين بحيث يتجاوز الأزمة دون أن يبدو في وضع ضعف. وأضاف أنه حتى يومها، لم يكن مبارك يتوقع أنه سيضطر إلى التخلي على منصبه، على الرغم من الغضب والقلق وشعوره وقوله إن هناك أيدٍ خفية تعبث في شؤون البلاد، وأن الأمر هو حتمًا مخطط خارجي. في الوقت نفسه، لم يبدِ وزير دفاع مبارك، محمد حسين طنطاوي، الذي طالما كان محل ثقة الرئيس، ارتياحه لتعيين سليمان وشفيق.
يوم 31 يناير، بحسب معاون مبارك، كان أول يوم يتحدث فيه مبارك، ربما خارج الدائرة الضيقة، عن احتمال ذهابه عن المنصب. كانت تلك سابقة. وبحسب أحد قيادات الحزب الوطني، عرف الحزب يومها لحظة ارتباك غير مسبوقة، وبدا كما وزارة الداخلية يومها، عاجزًا عن القيام بالمهمة المتوقعة منه في ذلك الحين، أي امتصاص الموقف والحيلولة دون خروج الأمر عن السيطرة.
سليمان، الذي كان بالفعل قد بدأ اتصالات مع شخصيات معارضة من مواقع سياسية متنوعة، أبلغ مبارك أن هناك فرصة حقيقية لاحتواء الأمر لو أن الرئيس أعلن أنه لا يعتزم الترشح لفترة رئاسية تالية، وسمح له أن يقول إن جمال مبارك لم ولن يكون أبدًا مرشحًا للرئاسة. كانت هذه النصيحة غير مريحة لمبارك، بحسب معاونه، ولكن الرجل كان يثق في سليمان، كما أنه كان قد تلقى رسائل من عدد من سفرائه الأهم في الخارج، تفيد بتعاطف كبير في الأوساط السياسية مع المظاهرات، وبعدم وجود تعهدات واضحة بدعم مبارك رغم بعض التصريحات من بعض المسؤولين، خاصة في الولايات المتحدة، عن الثقة في قدرة سلطة مبارك على الاستمرار.
بحسب نفس المعاون، استدعى مبارك مدير مكتبه والمتحدث باسمه، وكلفه بصياغة خطاب أخير للأمة يؤكد فيه أنه لم يكن ينتوي الترشح لفترة جديدة، وأنه عاش جنديًا مدافعًا عن الوطن، وأنه لن يموت ولن يدفن إلا في أرض الوطن. قال المعاون إن مراجعة مبارك لهذا الخطاب اعتمدت بالأساس على حسه الشخصي، بالإضافة إلى آراء مختلفة استمع إليها من الفقي وجمال مبارك وحتى من سليمان. وأضاف أن لقاءً قصيرًا جمع مبارك مع شفيق، وآخر مع طنطاوي، ساعدا مبارك خلاله في حسم أمره، ليسجل الخطاب الذي حقق بالفعل تعاطفًا كبيرًا للغاية، ودفع قطاعات من المواطنين الذين انضموا للثورة للحديث عن إمكانية منح مبارك فرصة ستة شهور لإكمال مهمة الانتقال الدستوري السلس، عوضًا عن ذهابه وخلو منصبه بدون وجود خطة بديلة. بدا مبارك في الخطاب مجهدًا ومرهقًا وغير متماسك.

بعد إذاعة الخطاب قبل منتصف ليل الأول من فبراير بساعتين، تلقى مبارك، بحسب معاونه، تقريرًا من سليمان يفيد بحدوث أثر إيجابي بالغ للخطاب، ووعد بأن يصل إلى تفاهمات مع القيادات السياسية التي يلتقيها، تسمح بالوصول لصياغة تبقي مبارك في الحكم لستة شهور ختامية.
غير أن القيادات الثورية لم تكن تستريح إطلاقًا لفكرة الشهور الستة، وكانت تشعر بأن الأمر به خديعة، وأنه في اللحظة التي ستنفض فيها الميادين من المتظاهرين، ستجهز قوات الأمن عليهم وتقتادهم إلى السجون حيث التنكيل.
ثم جاءت الهجمة على ظهور البعير. بعد ساعات من خطاب مبارك المؤثر، في الثاني من فبراير، هاجمت مجموعة من البلطجية تمتطي الخيول والجمال ميدان التحرير. وبعد كرٍ وفرٍ على مدار اليوم، انتصر المتظاهرون وانسحب المهاجمون، لتنتهي آمال مبارك في الاستمرار.
بحسب المصدر الأمني السابق، كانت «موقعة الجمل» بالتأكيد محل موافقة من بعض المسؤولين في الدولة يومها، بل وربما أنها قُدمت لمبارك على أنها ستكون مواجهة هدفها إنهاء الأزمة بعد أن أثار خطابه تعاطفًا كبيرًا، بما يعني أن المتبقين في التحرير ليسوا سوى أقلية يمكن التعامل معها. لكن الموقعة، والتي شهدت وحدة صف استثنائية في مواجهتها بين المنتمين لكل التيارات السياسية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، جعلت، بحسب نفس المصدر الأمني، ذهاب مبارك عن الحكم مسألة منتهية. قال المصدر إن الأصوات كانت واضحة في الميدان، فمن صدّق مبارك شعر بالخديعة، ومن لم يصدّقه تيقن أن الحل هو الاستمساك بالميدان حتى النهاية.
في الوقت نفسه، بعث طنطاوي برجله الأهم، عبدالفتاح السيسي، مدير المخابرات الحربية حينها، إلى الميدان ليستطلع الاتجاهات. لم ينزل السيسي الميدان متخفيًا، بل نزل محاورًا لبعض القيادات الثورية، مقترحًا عليهم تقدير تبعات خلو مفاجئ في المنصب الأعلى للسلطة التنفيذية، ومبديًا تعهدات من الجيش المؤتمن على مطالب الثورة بعدم السماح بإسقاط هذه المطالب أو التنازل عنها.
وبينما الميدان في التحرير يصرخ «هو يمشي مش هنمشي»، كان مبارك يلتقي في القاهرة مبعوث الوﻻيات المتحدة، فرانك ويزنر، الذي أخبره بلاده لا تقبل أن تقع مصر فريسة للاضطرابات، وأن تقدير واشنطن أن قدرة مبارك على استجماع زمام الأمر قد انتهت، بحسب ما ذكره محمد حسنين هيكل في كتابه «آخر أيام مبارك». بحسب معاون مبارك، الرئيس الذي عرفه عنيدًا وصلدًا، بدا غير قادر على الوقوف، وبدا شاعرًا بالغضب واليأس، ولكنه أيضًا، بدا مدركًا أن أحدًا لا يقف معه، لأنه كان يشعر بتململ الجيش من استطالة أمد وضع قد يؤدي إلى حالة واسعة من العنف، وهو ما قد يدفع الجيش لمواجهة مباشرة مع المتظاهرين، لم يكن الجيش حينها راغبًا فيها.
وأضاف المعاون أن كل من حول مبارك، من أسرته ومعظم معاونيه المقربين، كانوا ينصحونه بالتريث وعدم التحرك نحو إعلان التنازل عن الحكم، ولكن التقديرات التي تلقاها من كل من طنطاوي وسليمان، أخبرته أن لا مجال للعودة، وأن الشارع مستنفر، وأن الرغبة في الانتصار غير قابلة للإيقاف، وأن الجموع يمكن أن تتحرك فعلًا في اتجاه القصر الرئاسي، وأنه حتى لو قام الحرس الجمهوري بمواجهتها، فإن الأمر سيتفاقم، بالضبط كما تفاقم بعد مواجهات جمعة الغضب في 28 يناير.
وفي صباح الحادي عشر من فبراير، بحسب رواية نفس المعاون، استدعى مبارك طنطاوي وسليمان، لاجتماع اقتصر على الرجلين، أبلغهما فيه بالقرار وباعتزامه الانتقال مع أسرته إلى مقر الإقامة بشرم الشيخ، حتى تهدأ الأمور، ليذهب سليمان إلى مكتبه ويسجل المشهد الأخير في حكم مبارك الذي قرر «التخلي نهائيًا عن مهام منصبه» وهي الصياغة التي اقترحها سليمان نفسه، ويذهب طنطاوي إلى مكتبه مكلفًا بإدارة بلد في حال استنفار وأمل، ليتابع من مكتبه صرخات الفرح مع إذاعة إعلان سليمان، ويكلف أحد معاونيه بإبداء التحية لشهداء ثورة يناير، بينما يكلف أحد المعاونين الآخرين بالنظر في طريقة للملمة الأمور والعودة بالبلاد إلى مسارها الطبيعي.
تقارير ذات صلة
يأس وأمل بلا شفاء.. الثورة والمكتوب
هذا النص ضمن «تقليب» #20 «مُنتهى الأدب»
المسارات المتعددة لرحلة مصطفى النجار
النجار خاض طريقًا طويلًا في العمل السياسي ربما سقط من الأذهان مع طول اختفائه
مسار العدالة البطيء: بعد أكثر من عقد.. اللجنة الإفريقية تطالب مصر بتعويض ضحايا «كشوف العذرية»
الاعتراف بكشوف العذرية جاء من اللواء عبد الفتاح السيسي عضو المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 2011
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن