تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
المسارات المتعددة لرحلة مصطفى النجار

المسارات المتعددة لرحلة مصطفى النجار

كتابة: معتز حجاج، أحمد بكر 9 دقيقة قراءة

في حوار له عشية الذكرى الـ15 لثورة يناير، أحيا الإعلامي المُقرب من السلطة، محمد الباز، الحديث حول النائب البرلماني السابق ومؤسس حزب العدل، مصطفى النجار، المُختفي منذ 2018، والذي جزم الباز أنه قُتل. 

«أنا معلوماتي إن مصطفى النجار مات مقتول على حدود السودان وهو هربان إلى السودان. معلوماتي التي أطمئن إليها… المعلومة اللي عرفتها من مصدر أثق فيه. دي عصابات تهريب يعني. جايز إن ممكن واحد وهو هربان يقتل أو يموت، وأعتقد إن ده اللي حصل، كان بان في أي حتة»، قال الباز أثناء لقاء معه في برنامج كل الكلام على قناة الشمس، دون أن يوضح طبيعة المصدر الذي يستند إليه، في معرض حديثه عن جماعة الإخوان المسلمين وثورة 25 يناير.

كان آخر تواصل مع النجار في سبتمبر 2018، أثناء تواجده في محافظة أسوان، عقب اتخاذه إجراءات الطعن على حكم محكمة جنايات القاهرة الصادر ضده وآخرين بالسجن ثلاث سنوات وغرامة مليون جنيه، في القضية التي عرفت إعلاميًا وقتها بـ«إهانة القضاء»، ليختفي بلا أثر بعدها.

أثارت تصريحات الباز حفيظة أسرة النجار، المُستمرة في رحلة بحث مضنية عنه أو عن أي معلومة مؤكدة حول مصيره على مدار ثمان سنوات، والتي طالبت الدولة، المُستمرة بدورها في إنكار معرفتها بمصير النجار طوال تلك الفترة، في بيان، بالتحقيق في تصريحات الإعلامي، التي أعادت الحديث عن أحد أبرز رموز ثورة يناير 2011، والذي أصبح أحد أشهر أبنائها المختفين.

النجار، الذي ولد عام 1980، وعمل طبيبًا للأسنان، خاض طريقًا طويلًا في العمل السياسي، ربما سقط من الأذهان مع طول سنوات اختفائه. بدأ هذا الطريق بنشأته في أسرة قريبة من جماعة الإخوان المسلمين التي ابتعد هو عنها في الألفينات ليندمج في الحركة الوطنية للتغيير، ثم المشاركة في ثورة يناير، ورحلة تأسيس حزب العدل والمشاركة كأصغر عضو في أول برلمان بعد الثورة، وحتى ملاحقته قضائًيا من النظام الحالي، ما تبعه اختفاؤه.

«عزيزى القارىء إذا كان باستطاعتك قراءة هذا المقال الآن فهذا يعنى أن كاتبه قد صار خلف الأسوار»، كانت هذه الكلمات هي آخر ما نُشر عبر حساب النجار، والذي أوصى بنشره حال اختفائه، مُشيرًا فيه إلى مصيره ومساره السياسي، وربما مسار ثورة يناير، «جريمة وتهمة كاتب المقال أنه صدق أن الثورة قد نجحت، وأصر على أن يكون صوتًا معبرًا عن عشرات الآلاف الذين انتخبوه».

بدأ طبيب الأسنان والمدوَِن الشاب مساره في جماعة الإخوان المسلمين، كونها التنظيم السياسي الأقرب لفرد من أسرة متعاطفة مع الجماعة،  قبل الانشقاق عنها بعد فوزها بـ 88 مقعدًا في برلمان 2005. وفي حوارٍ له خلال المعركة الانتخابية نهاية 2011، أوضح النجار أنه غادر «الإخوان» بسبب «اختلافى معهم بعد مراجعات فكرية قمت بها لنفسي».

بعد الانشقاق عن «الإخوان»، بدأ النجار مساره السياسي مستقلًا، ونشط في التدوين خصوصًا حول التعذيب وقضايا حقوق الإنسان والتغيير الديمقراطي، عبر مدونته «الحرية» ليفوز بجائزة أحد أفضل خمس مدونين عرب في حقوق الإنسان عام 2009، المُقدمة من مركز معلومات حقوق الإنسان في بيروت، كما تولى منصب منسق «شبكة صحفيون ومدونون عرب من أجل حقوق الإنسان» وهي شبكة حقوقية عربية مقرها بيروت أيضًا.

بالتزامن، نشط النجار في العمل الخيري، وسافر إلى غزة أثناء عدوان الاحتلال على أهالي القطاع عام 2009، لعلاج الجرحى مع أطباء مصريين شباب، وتوثيق جرائم الاحتلال الإسرائيلي.

كان النجار أحد مؤسسي الجمعية الوطنية للتغيير، التي انطلقت أواخر عام 2009 بقيادة المدير السابق لوكالة الطاقة النووية، محمد البرادعي، مطالبة بإنهاء حالة الطوارئ، وضمان الإشراف القضائي على الانتخابات، وتوسيع هامش الحريات السياسية، وتولى النجار فيما بعد منصب منسق الحملة الشعبية لدعم البرادعي لخوض انتخابات الرئاسة، كما لعبت الجمعية دورًا رئيسيًا مع بعض المجموعات السياسية الأخرى في دفع المواطنين للنزول إلى الشارع في 25 يناير 2011.

عقب تنحي الرئيس الأسبق، محمد حسني مبارك، ساهم النجار في تأسيس حزب العدل، الذي عُين رئيسًا له، كما نجح في الفوز بمقعد في البرلمان ممثلًا عن دائرة مدينة نصر بمحافظة القاهرة، بعدد أصوات تجاوز 133 ألف صوتًا، وبفارق 45 ألف صوتًا عن المرشح المدعوم من الدعوة السلفية وجماعة الإخوان، محمد يسري، ليصبح أصغر نواب البرلمان. 

في حديثه، أدعى الباز أن الأحزاب المدنية الناشئة بعد ثورة يناير، ومنها حزب العدل، تلقت تمويلًا من المجلس الأعلى للقوات المسلحة، الذي رغب في خلق توازن سياسي أمام صعود الأحزاب الإسلامية. ولم يفت على أسرة النجار نفي هذا الإدعاء، مؤكدة في بيانها أن «مصطفى فضل لحد ما اختفى طبيب أسنان شاب، بيكافح ماديًا زي أي شاب مصري. ومصطفى كان أول نائب برلماني يقدّم إقرار ذمة مالية قبل دخوله البرلمان».  

فضلًا عن مبادراته الأهلية في دائرة مدينة نصر، ظل النجار خلال تلك الفترة حريصًا على التدوين وكتابة مقالات الرأي في عدة مواقع وصحف، بينها الشروق والمصري اليوم واليوم السابع، بجانب الكتابة الأدبية والبحثية حول التحول الديمقراطي، والتي حمل العديد منها انتقادات للممارسات السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، خاصة بعد رفض قياداتها المشاركة بشكل رسمي في تظاهرات ثورة يناير، الأمر الذي صرح به عدة مرات، قبل وصول الجماعة للحكم وعقب إزاحتها عنه، بالتوازي مع انتقاده الجذري للنظام الحاكم الذي تأسس على خلفية تظاهرات 30 يونيو 2013 المُطالبة برحيل الجماعة عن الحكم، والذي وصفه بأنه بـ«انقلاب على ثورتي 25 يناير و30 يونيو».

مثّل «العدل» مسارًا حاول النأي بنفسه عن مسار «الإخوان» السياسي، وعمومًا عن الاستقطاب الليبرالي-الإسلامي الذي طغى على الصراع السياسي الحزبي عقب رحيل مبارك، ساعيًا لاتخاذ مسار «وسطي»، معبرًا عن تطلعات قطاع من الشباب الذي ترك جماعة الإخوان المسلمين قبيل وعقب الثورة.

مساراته الوسطية هذه عرضته لانتقادات من أطرافٍ عدة، بما فيهم بعض شباب الثورة نفسها عندما اختار، أثناء انتفاضة ميدان التحرير، أن يكون بين من قبلوا دعوة نائب الرئيس وقتها، اللواء عمر سليمان، للجلوس مع الأحزاب والقوى السياسية.

قال عنه عمرو الشوبكي وقت اختفائه في 2018: «مصطفي النجار أحد شباب ثورة يناير الذين تحاوروا مع الدولة منذ اليوم الأول لأنهم يعرفون أن السياسة تفاوض وحلول وسط لا مزايدة وشتائم، وظل النجار صوت اعتدال وحوار، فترشح في الانتخابات البرلمانية وفاز على مرشح سلفي مدعوم من الإخوان، وأصبح أصغر عضو في البرلمان. النجار صوت اعتدال إصلاحي، وظل سلاحة كلمة يكتبها لسنوات في المصري اليوم والشروق إلي أن توقف مؤخرا عن الكتابة وابتعد تماما عن العمل السياسي وأصبح طبيب أسنان ناجح يعمل من أجل أبنائه وأسرته وحقق نجاح مهني كبير».

في 2012، أعلن النجار اعتزال العمل الحزبي، والعودة لممارسة العمل السياسي مستقلًا.

شارك النجار في تظاهرات  30 يونيو 2013 رغم مخاوفه على الثورة من مسار السلطة التي جاءت في أعقابها، ورفض ما تبعها من «صراع صفري وفتح باب الدم» الذي لام عليه السلطة وقيادة الجماعة.

سرعان ما ضاقت السلطة الجديدة بانتقادات النجار، الذي واجه ما اعتبره «حملة اغتيال المعنوي» لثوار يناير، بعد أن سرّب الصحفي عبد الرحيم علي مكالمات هاتفية له مع نشطاء آخرين، وتحدث عن «رسائل من أجهزة بالدولة لكي يتوقف عن الحديث عن حقوق الإنسان».

استدعي النجار للتحقيق في بلاغات تتهمه بـ«إهانة القضاء»، في نهاية يناير 2013، ضمن مجموعة من سياسيين وإعلاميين محسوبين على جميع التيارات السياسية، في حضور المحامي الحقوقي، نجاد البرعي، الذي تولى الدفاع عنه، قبل إخلاء سبيله دون ضمانات بعد انتهاء التحقيق، والتي أنكر خلاله التهمة، مؤكدًا على احترامه للقضاء.

وبحسب النجار، جاءت الاتهامات على خلفية كلمة أدلى بها في البرلمان، واتهم خلالها النائب العام السابق، عبد المجيد محمود، بأنه «المتهم الحقيقي في أحداث الثورة ويجب محاكمته»، وأضاف النجار حينها أن كلمته جاءت متسقة مع حيثيات النطق بالحكم في محاكمة مبارك، الذي قضى بالسجن المؤبد على مبارك، ووزير داخليته، حبيب العادلي، إلا أن المحكمة برأت ستة من مساعدي العادلي من جريمة التواطؤ في قتل مئات المتظاهرين في ثورة يناير لـ«عدم كفاية الأدلة»، قبل أن يتم نقض الحكم بتبرئة جميع المتهمين في القضية عام 2017.

في منتصف 2015، ألغت محكمة جنايات القاهرة قرار منع النجار وآخرين من السفر على ذمة القضية، قبل أن يصدر حكم نهائي من محكمة جنايات القاهرة عام 2017 ضد المتهمين في القضية، بينهم النجار، بالسجن ثلاث سنوات وغرامة قدرها مليون جنيه لصالح نادي القضاة.

بحسب البيانات الأولى لأسرة النجار عقب اختفائه، كانت آخر مكالمة للنجار مع زوجته في 18 سبتمبر 2018، أخبرها فيها بتواجده في أسوان، قبل أن ينقطع الاتصال معه. تلقت الزوجة بعدها مكالمة هاتفية من شخص مجهول أخبرها بأن النجار ألقي القبض عليه. 

وعقب أيام قليلة من اختفاء النجار في 28 سبتمبر 2018، طالب محامي النجار خلال تقديمه طعنًا على الحكم لدى محكمة النقض، بإلزام وزارة الداخلية بالكشف عن مصيره، كما أبلغت أسرته النيابة العامة باختفائه في 12 أكتوبر، بعدما تلقت زوجة النجار مكالمة هاتفية من مجهول يفيد بأن النجار اعتقل، إضافة إلى تقديم بلاغًا إلى نيابة أسوان في 31 أكتوبر، تحمل الرقم 1010 لسنة 2018.

بعد تلغراف من الأسرة إلى النائب العام وبلاغ من المحامين بنيابة أسوان باختفاء النجار، خرجت الهيئة العامة للاستعلامات ببيان في 18 أكتوبر 2018 أنكر وجود البرلماني السابق لدى أي من الأجهزة الأمنية.

وبعد أكثر من عام ونصف على اختفاء النجار، قضت دائرة الحقوق والحريات بمجلس الدولة بـ«وقف تنفيذ القرار السلبي وإلزام وزير الداخلية بالكشف عن مكان احتجاز الدكتور والبرلماني السابق مصطفى النجار»، على خلفية الدعوى رقم 56032 لسنة 73 المقدمة من زوجة النجار. 

تبع ذلك سنوات من استمرار اختفاء النجار، ومناشدات الأسرة، والمطالبات الحقوقية المحلية والدولية، وحتى نداءات السياسيين الأمريكيين للدولة بالكشف عن مصيره، دون جدوى. تخلل هذه السنوات حصول الأسرة على حكم من محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة في يناير 2020، يلزم وزارة الداخلية بالكشف عن مكان احتجاز النجار. 

لم تتخذ الوزارة أي إجراءات جديدة، وظل موقف الدولة الرسمي هو نفي معرفتها بمصير النجار، رغم تأكيد الأسرة، في بيان في أغسطس 2022، أن أكثر من مصدر أبلغوا الأسرة على مدار أربع سنوات «أن مصطفي موجود لدى الدولة في أماكن اسمها بس يثير الرعب».

في المقابل، شاعت مع مرور السنوات روايات غير موثوقة عن مصير النجار لا تشمل احتجازه، منها الرواية التي رددها الباز في حديثه أمس، تقول بمقتل النجار بأيدي مهربين أثناء محاولته عبور الحدود إلى السودان لتفادي الحكم القضائي ضده، والتي أشاعها أيضًا رفيق الثورة القديم وائل غنيم في 2020.

«بنطالب السيد محمد الباز بالإفصاح عن مصدر معلوماته اللي مطمئن ليها، واللي قالها كحقيقة، في وقت الدولة بكل أجهزتها الأمنية قالت رسميًا إنها لا تعرف مصير مصطفى»، هكذا ردت أسرة النجار على تصريحات الباز في بيانها أمس، مطالبة النائب العام بالتحقيق فيها. 

بدت الأسرة غير مستسلمة لشائعات مقتله، مضيفة: «إنتوا عايزين مننا نصدّق إن شخص بحجم مصطفى النجار يتم قتله على الحدود، من غير ما الدولة تعلن ده؟ ولو افترضنا – جدلًا – إن ده حصل، إيه الخطر على الدولة إنها تطلع وتقول الحقيقة؟»

وفي بيانه اليوم، شدد حزب العدل على حق أسرة النجار الأصيل في معرفة الحقيقة، «بعيدًا عن أي التباس أو تضارب في الروايات، وبما يضع حدًا لحالة الغموض والمعاناة النفسية المستمرة التي تعيشها الأسرة منذ اختفائه».

التحلي بالأمل الذي دعت إليه الأسرة دعا إليه أيضًا المحامي خالد علي، الذي أكد، في منشور مساء أمس، أن «في التراث الإنساني لجرائم الإخفاء القسري يجب أن تتمسك بحياة من تم إخفاءه لحين ظهوره أو تقديم دليل قاطع على عكس ذلك»، مشيرًا إلى حضوره جلسة لمتهمين كانوا متخفين قسريًا لأربع سنوات حتى ظهورهم في النيابة في 2023. 

بحسب المفوضية المصرية للحقوق والحريات، وصل عدد حالات الإخفاء القسري المسجلة في مصر بين عامي 2013 و2025 إلى 4828 حالة.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن