تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«مستريح أسوان»: بنك الأهالي البديل

«مستريح أسوان»: بنك الأهالي البديل

كتابة: حسام عبد اللطيف، رنا ممدوح 8 دقيقة قراءة
إعلان عن مزرعة مصطفى البدري أو مصطفى البنك المعروف أيضًا بـ«مستريح المواشي» في أسوان تصوير: فيسبوك

بدأ مصطفى البدري٬ المعروف بـ«مصطفى البنك» أو «مستريح المواشي» كما أطلق عليه أهالي قرية البصيلية والقرى المجاورة لها بمركز إدفو في محافظة أسوان٬ نشاطه، فبراير الماضي، بالإعلان عن افتتاح «مزارع أولاد البنك» وسط تساؤلات وتشكك من المواطنين بتلك القرى عن مصدر ثرائه المُفاجئ. كل ما يُعرف عنه أنه من أسرة فقيرة، وكان سائق توكتوك لبعض الوقت، وهو ما أكده «البنك» نفسه في أحاديث صحفية مختلفة قال خلالها إنه كان عامل بناء ثم سافر إلى الإسكندرية، وبعدها عاد إلى إدفو٬ واشترى توكتوكًا٬ ثم اتجه للعمل في تجارة المواشي. قال أيضا إنه جمع أمواله من الجمعيات وأنشأ مزرعة ثم «الأمر وسع؛ المزرعة بقت اتنين، واشتغلت في التجارة.» 

في 13 مايو الجاري، أعلنت النيابة العامة حبسها لمدة أربعة أيام ثلاثة من «المستريحين»، حددت منهم مصطفى البنك، وذلك على ذمة اتهامهم بالاستيلاء بطُرق احتيالية على أموال عدد كبير من المواطنين بدعوى استثمارها بغير ترخيص. كما أعلنت الشرطة عثورها على تسعة ملايين ونصف مليون جنيه حين قبضت على «البنك»، إلى جانب تحفظها على 477 رأس ماشية وجدتها بمزارعه. وفي 20 مايو٬ أعلنت النيابة العامة ارتفاع عدد المستريحين إلى 37 مستريحًا (17 مقبوض عليهم)، بعد تلقيها 3922 بلاغًا من مواطنين بإدفو وكومبو قدموا رؤوس ماشية وسيارات ومبالغ مالية تُقدر بحوالي 500 مليون جنيه لهؤلاء المستريحين طلبًا للربح. وفي 21 مايو٬ بدأت المحكمة الاقتصادية بقنا محاكمة «البنك» بتهمة النصب وتوظيف الأموال.

يقوم المستريح، بكسر الميم والياء بحسب لهجة الأسوانيين، بالحصول على مبالغ مالية أو سيارات أو ماشية أو خضراوات أو موتسيكلات من فئات مختلفة: مزارعين وتجار وموظفين وأطباء ومدرسين، وحتى ضباط ووكلاء نيابة، وذلك بحسب ما وصفه الأهالي بإدفو والبصيلية وبمدينة أسوان٬ مقابل وعود من المستريح برد ما حصل عليه مضاعفًا أو بقيمة تعادل ثلاثة أمثاله. تُسترد الأموال بعد مدد زمنية تتراوح ما بين 15 إلى 90 يومًا حسب اتفاق كل مستريح مع المتعاملين معه. وفي الوقت نفسه يبيع المستريحون ما يحصلون عليه من ماشية أو سيارات أو غيرها لآخرين بنصف ثمنها. ولإضفاء المزيد من الدقة على هذا النظام٬ يستخدم المستريحون مصطلحات مثل «90 يومًا» بدلًا من ثلاثة أشهر بالنسبة للمتعاملين في تجارة السيارات، أو «21 يومًا» بدلًا من ثلاثة أسابيع للمتعاملين في تجارة المواشي. 

كما يستخدم المستريحون٬ بحسب الأهالي٬ «قطع أرض مساحتها كبيرة»، أحيانًا يُطلق عليه حظيرة، أو معرض سيارات، أو شادر٬ سواء على أراض جبلية أو زراعية٬ يعرضون فيها ما يحصلون عليه من المتعاملين معهم٬ سواء جِمال أو ماعز أو أبقار أو سيارات أو موتسيكلات وغيرها٬ مع بناء سور حولها وتركيب أعمدة إنارة ومراوح، وبناء ملاحق لتلك الشوادر من طابق واحد، وفيه مكاتب يشرف عليها موظفون لجمع الأموال، وبها ماكينات عدّ النقود ودفاتر إيصالات. بحسب الأهالي٬ شهدت كثير من قرى ونجوع أسوان خلال الأشهر الثمانية الماضية هذه الظاهرة أو النظام المالي الذي بدأ يُعرف بـ«نظام الوِعدة»، والتسمية مُستمدة من وعد.

لسنا هنا بصدد جريمة نصب كلاسيكية تقوم على جمع شخص واحد لأموال مجموعة من الناس في منطقة معينة وهروبه بها، وإنما ظهور مفاجئ لمظاهر الثراء على عشرات من الشباب الفقراء والمسجلين خطر فى قرى ومراكز ونجوع أسوان في نفس التوقيت، وهو السبب في إطلاق تسمية «المستريح»٬ لأن غالبيتهم مصدر أموالهم مجهول «محدش عارف جابوا فلوسهم منين، آثار ولّا سلاح ولّا غيره».. هكذا روى الأهالي.

أما بالنسبة للمواطنين٬ فلم يكن الطمع والرغبة في الثراء السريع الدافع الوحيد أمامهم للتعامل مع المستريحين٬ وإنما الاطمئنان لعدم ممانعة الدولة أنشطتهم حتى إن كانت مخالفة. فقد قام المستريحون بإنفاق مئات الآلاف من الجنيهات في تجهيز مقار على أراض مملوكة للدولة دون ممانعة أيًا من أجهزتها٬ ما وصفه ثلاثة من المتعاملين معهم لـ«مدى مصر» بـ«غسيل أموال بموافقة الجميع». كما قام بعض المستريحين بالترويج لأنشطتهم عبر فيسبوك. عنصر آخر خلق حالة من الثقة في المستريحين هو مداومتهم دفع الأرباح لعدة أشهر، مما جذب الآلاف من أهالي قرى المحافظة المختلفة حسبما أكد لنا متعاملون معهم. 

يقول ابراهيم عثمان٬ موظف بمرفق حكومي بإدفو وأحد المتعاملين مع مصطفى البنك٬ إنه وشقيقه استمرا في التردد على مدينة البصيلية ونجوعها الـ14 خلال الفترة من فبراير وحتى منتصف أبريل الماضيين لمراقبة أنشطة المستريحين المختلفة في النقود والماشية والسيارات٬ وشهدا حصول أقاربهم على مكاسب؛ «شفنا ناس بتدفع مليون وتاخد ثلاثة مليون». لم يجد الموظف الحكومي في هذا الأمر سببًا للشك. «شُفت الفلوس كانت بتيجي في كراتين متبرشمة محدش لمسها قبل كده بأرقام مسلسلة، وأحيانًا مكررة٬ فشفنا 20 ألف جنيه مقسمة 50 ورقة بـ200 برقم، و50 ورقة تانية برقم تاني.. فلوس مش مزورة، حقيقية» يوضح عثمان أن الرواية التي كان يتداولها المحيطون والمروجون لـ«البنك» إنه «يقوم بغسيل أموال طُبعت وقت الثورة وتمت مصادرتها من الإخوان وعايزين يخلصوا منها. الطمع واللي شفناه بعنينا خلانا متأكدين إن اللي بيحصل غسيل أموال، ولكن بموافقة الحكومة.»

بعد ما يقرب من شهرين من المتابعة٬ قرر الموظف الحكومي وشقيقه خوض التجربة؛ «سلّمت مصطفى البنك في البصيلية بقرتين بـ 40 ألف في أول رمضان، والوِعدة آخدها 100 ألف بعد 21 يومًا، وأخويا سلّم أربع بقرات. وسلمت بقرتين عند مستريح تاني في الغنيمية اسمه عيد السايح بـ 28 ألف جنيه والوِعدة أني آخد الضعف بعد 15 يومًا.»

وفيما كان مقررًا أن يحصل عثمان وشقيقه على 250 ألف جنيه من المستريح الأول خلال الأسبوع الأخير من شهر رمضان ومن المستريح الثاني على 56 ألف جنيه في بداية شهر مايو الجاري، طلب الأول مهلة للسداد قبل أن يُقبض عليه في 12 مايو الجاري، فيما تعرض الثاني لطلق ناري بقدمه في التاسع من مايو الجاري قبل يوم من الموعد المحدد، وقُتل عدد من أعضاء عائلته في معركة بالأسلحة قبل أن تقبض الشرطة عليه.

نفس الواقعة تكررت مع المزارع ربيع عمران٬ الذي يقول لـ«مدى مصر» إنه أعطي البنك ست أبقار قيمتها 120 ألف جنيه، وبعد 21 يومًا حصل على 200 ألف جنيه منه، ما جعله يبيع جزءًا من أرضه ويشتري أبقارًا وجِمالًا بـ800 ألف جنيه سلمها للبنك على دُفعات. وكان من المقرر أن يحصل مقابلها على مليون و600 ألف جنيه في الأسبوع التالي لإجازة عيد الفطر، ولكن البنك طالبه وآخرين بمهلة قبل أن يُقبض عليه.

كذلك يحكي تاجر الجِمال والمواشي، أحمد أبو زيد، أنه نُصب عليه في ماشية بقيمة مليون و800 ألف من قِبل البنك والعاملين معه. ويوضح أبو زيد أنه وثق في البنك٬ حاله كحال آخرين٬ لأنه تسلم أرباح لمرتين على التوالي. «قبل رمضان سلمت مواشي بـ100 ألف، واتفقت معاهم آخدها 220 ألف، وقبضت بعد 21 يومًا، ومرة تانية آخدت 500 ألف» شجعه ذلك على تسليم البنك 26 رأس ماشية خلال شهر رمضان قبل أن يُقبض على الأخير وتضيع الماشية التي يلّح التجار عليه في طلب ثمنها.

عندما توقف عدد من المستريحين بقرى مركز إدفو عن الدفع لمدة 40 يومًا٬ اقتحم المتعاملون منازلهم ومقار أنشطتهم منذ بداية شهر مايو الجاري٬ بحسب الأهالي. هنا تدخلت الأجهزة الحكومية والأمنية التي سكتت عن تلك المعاملات خلال الشهور الماضية٬ بإزالة تسع حظائر كبيرة بمساحة عشرة آلاف متر مربع يستخدمها المستريحون، وشنّت تلك الأجهزة حملة للقبض على بعضهم ومصادرة ما تبقى معهم من أموال أو حيوانات وغيرها. 

قبل ذلك٬ لم تلتفت أجهزة الدولة بالمحافظة لهذه الظاهرة؛ ففي 21 أبريل الماضي، أصدر محافظ أسوان، اللواء أشرف عطية، بيانًا طالبه فيه رؤساء المراكز والمدن بمواجهة ما أطلق عليه «ظاهرة استنزاف المستريحين للثروة الحيوانية.» وذلك بإزالة أي تعديات لمباني الحظائر على الأراضي المملوكة للدولة وتحرير محاضر ضد المخالفين. وقال عطية في بيانه إن المستريحين يشترون رؤوس الماشية بأسعار مخفضة، وتُنقل خارج المحافظة. كما أشار إلى إزالة تعديات على مساحة ألف متر مربع بمدينة السباعية٬ ارتكبها تاجر واحد، دون تحديد اسمه، إضافة إلى سبعة آلاف متر مربع في مركز دراو. لكنه ذكر في النهاية إنه «لم يستدل على المخالفين.»

وهو ما اعتبره عدد من الأهالي الذين تحدثوا لـ«مدى مصر» أحد أسباب الاعتقاد بأن أجهزة الدولة تبارك عمل المستريحين. بحسب أبو زيد، فإن «الحكومة سيباهم يشتغلوا على أراضي حكومية. البصيلية بقت عاملة زي الإسكندرية٬ بندر وعمار وعربيات وناس ومفيش حاجة تخوف. شغالين على الملأ. لو أنا بنيت عشة على الجبل ولّا في أرض زراعية، الحكومة هتيجي تهدّها. لكن المستريحين بنوا بدل الحوش 30 أو 40 فوق أراضي جبلية ملك الدولة. لو أنا معايا بندقية آلي وضربت [نار] في فرح٬ الحكومة تيجي تاني يوم تآخدني. لكن دول ماشيين بالآلي في وسط النهار وبيضربوا نار ومحدش بيتكلم معاهم.» 

مباركة عمل المستريحين لم تقف عند عدم تحرير محاضر ضد مخالفتهم وبنائهم على الأراضي الزراعية والجبلية المملوكة للدولة، وإنما امتد إلى تكريمهم علنًا؛ تداول عدد من أهالي أسوان صورة حصل «مدى مصر» على نسخة منها٬ للمحافظ وهو يسلّم محمود النجار، المعروف بـ«مستريح السيارات»، درع المحافظة، وذلك قبل أن يُقبض عليه في 20 مايو الجاري. 

هذه المباركة قد تكون دفعت الأهالي للثقة في المستريحين٬ في مقابل ثقة أقل في المؤسسات البنكية. يقارن أستاذ علم الاجتماع السياسي سعيد صادق بين «نصاب يؤثر نفسيًا على الضحايا ويستقطبهم مستخدمًا كل الحيل النفسية [بقول هذا النصاب إنه:] 'ابن السيدة نفيسة وربنا بيكرمني..' مقابل بنوك غير قادرة على الإقناع. المستريحين درسوا السوق وخاطبوا الناس بلغتهم واستطاعوا اقناعهم بمنحهم أموالهم ومواشيهم، وبكل ما يملكون، وهو ما لم تسطع البنوك فعله.»

يتساءل صادق عن دلالات غياب هذه الثقة في البنوك على خطط الشمول المالي المُزعمة. كان البنك المركزي قد أعلن في أبريل الماضي وصول عدد المتعاملين مع القطاع المصرفي إلى 56.2% من إجمالي المواطنين الذين يزيد عمرهم عن 16 عامًا. يضيف صادق أن «أهالي أسوان وغيرهم بالصعيد والمناطق الريفية، يتعاملون مع البنوك في الحصول على الحوالات التي يرسلها لهم أقاربهم المسافرين للخارج بصفة مستمرة، ولكن غالبيتهم يفضل الاحتفاظ بمدخراتهم بعيدًا عن بيروقراطية إجراءات البنوك. مستريح المواشي، مصطفى البنك، مثلًا كان يرسل لضحاياه مندوبًا يعطيهم الأرباح في منازلهم.»

عن الكتّاب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

تقارير ذات صلة

#ذهب

حكايات من طوابير شراء الذهب

ارتفعت الأسعار في السوق العالمي للذهب بنسبة قياسية بلغت 55% في الربع الرابع من العام الماضي مقابل نف

بيسان كساب 9 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن