دليل المواطن لسنداته
بدأ اليوم طرح «سند المواطن» أمام الأفراد، حصرًا بمكاتب البريد المصري، بعد يومين من إعلان وزارة المالية عن أداة ادخارية واستثمارية لأجل عام ونصف، بفائدة ثابتة سنوية تبلغ 17.75%، على أن تُصرف عوائدها شهريًا.
وتُتيح فروع البريد السند بشكل حصري، وبحد أدنى عشرة آلاف جنيه دون حد أقصى. ويُشترط لشراء السند فتح حساب جاري (لا يحتسب فوائد) بمصروفات إدارية حوالي 500 جنيه. كما تُدفع قيم السندات نقدًا إذ لا يُتاح التحويل البنكي، حسبما أوضحت مسؤولة الاستعلامات بأحد مكاتب البريد بالقاهرة.
يتشابه اسم «سند المواطن» مع سندات الخزانة الحكومية، وهي إحدى أدوات الاستدانة الحكومية، كما يتشابه كذلك عائدها مع عوائد سندات وأذون الخزانة بعد احتساب الضريبة، لكن طبيعتها تشبه كثيرًا الأوعية الادخارية البنكية (مثل شهادات البنوك)، مع فارق العائد لصالح «سند المواطن»، كما ينخفض أجله عن أجل الشهادات. وبذلك يصبح «سند المواطن» مجرد نسخة محسنّة من شهادات البنوك.
لكن طرح هذه السندات، بهذا الشكل، عن طريق البريد فقط دون البنوك، يثير أسئلة أكبر حول الغرض الحقيقي منها.
السندات والأذون الحكومية هي أدوات تقترض بها الحكومة، حيث يقوم البنك المركزي بطرح عطاءات السندات وأذون الخزانة، بشكل أسبوعي، على البنوك والمؤسسات. ويتباين العائد خلال عملية الاكتتاب، وهو ما يعبر عن مدى الإقبال على الاستثمار في أدوات الدين الحكومي.
تختلف السندات عن الأذون في آجالها، أي الفترة التي يستحق بعدها حامله استرداد أصل المبلغ والعائد عليه. السندات هي أدوات طويلة الأجل، من عام وحتى 30 عامًا، بينما تتراوح آجال أذون الخزانة بين ثلاثة أشهر وسنة، بحسب المصادر، فيما ترتفع العوائد على الأذون أكثر من السندات. وبلغت ذروة العائد 31% بنهاية 2024، بحسب بيانات البنك المركزي.
يمكن إعادة بيع كلا الأداتين من قِبل حامليها في السوق الثانوي، وهو سوق رأس المال أو البورصة، أو عبر البنوك والتي تتيح لعملائها الأفراد تداولها عبرها. وتخضع أرباح أو عوائد الأذون والسندات إلى خصم ضريبي تلقائي بمقدار 20%. وبلغت الحصيلة الضريبية على هذه العوائد 302 مليار جنيه، نهاية العام المالي الماضي.
لكن «سند المواطن» يختلف عنها. أولًا، عائد سند المواطن ثابت، 17.75%، ولا يتغير مثل عوائد الأذون والسندات الحكومية والتي يتحدد عائدها مع كل اكتتاب. ثانيًا، يحصل حامل «سند المواطن» على عائده بشكل شهري خلال فترة الطرح، وليس بنهاية أجلها كما يحدث في أذون وسندات الحكومة.
وبهذا يصبح «سند المواطن» أشبه بالشهادات البنكية المعتادة. الفارق أن عائدها أعلى وأجلها أقصر من الشهادات المتاحة الآن (وجميعها ذات أجل ثلاثة أعوام) بعد انتهاء الشهادات ذات العائد غير المسبوق وقصيرة الأجل التي أطلقتها البنوك خلال الأعوام الماضية.
كانت البنوك الحكومية، وعلى رأسها «مصر» و«الأهلي» الحكوميين، قد طرحت أوعية ادخارية بأجل عام واحد، وبعائد غير مسبوق، بدأ بـ18%، منذ أربعة أعوام، وصلت حصيلتها إلى 0.7 تريليون جنيه، ثم تدرجت العوائد وصولًا إلى عائد 27% طُرحت في مطلع 2024، وحتى إيقافها أبريل الماضي، بحصيلة تجاوزت نصف تريليون جنيه.
لكن ومع انتهاء لحظة الأزمة الاقتصادية الخانقة وانكسار الموجة التضخمية التي وصلت ذروتها إلى 40%، في سبتمبر 2023، والتي تطلبت تشديدًا نقديًا رفع أسعار الفائدة إلى أكثر من 28%، بدأ «المركزي» دورة تيسير نقدي منذ أبريل الماضي.
استهل «المركزي» خفض أسعار الفائدة، بنسبة 2.25% في أبريل الماضي. وفي نفس الشهر، أوقف طرح أو بيع شهادات الـ27%، ثم واصل «المركزي» مسار خفض الفائدة، بـ7.25% منذ أبريل وحتى اجتماع لجنة السياسة النقدية الأخير، لتستقر أسعار الفائدة ما بين 19-20%.
عادت البنوك وفي مقدمتها «مصر» و«الأهلي» إلى الأوعية الادخارية لأجل ثلاثة أعوام بمتوسط عائد سنوي يبلغ 16%، بحسب مدير أحد فروع بنك مصر، وإعلانات البنكين.
وفي ظل تخوفات من خروج السيولة التي احتوتها الشهادات مرتفعة العائد التي انتهت مؤخرًا بسبب التبعات المحتملة على التضخم، وانخفاض عائد الشهادات الجديدة، يبدو أن «سند المواطن» يمثل مقترحًا جديدًا للخروج من هذه الإشكالية، بحسب المصادر.
تتفق معظم المصادر على أن الهدف من طرح أداة «سند المواطن» بالبريد فقط هو استهداف شريحة جديدة من المدخرين، بعيدة عن الارتباط بالبنوك مقابل مكاتب البريد، بالأخص في المحافظات الريفية والصعيد، حيث التواجد الأكبر لمكاتب البريد مقارنة بالبنوك. وتصل أعداد فروع البريد إلى أكثر من 4700 فرع، بحسب أحد تقارير «المركزي»، حيث يقوم البريد بدور «بنوك الظل»، على حد وصف الرئيس السابق للجنة الخطة والموازنة بالبرلمان، فخري الفقي، لـ«مدى مصر».
أستاذ اقتصاديات التمويل، حسن الصادي، يشير في حديثه لـ«مدى مصر» إلى أن التوجه إلى البريد يعكس توجهًا حكوميًا لجمع المدخرات من صغار المُدخرين. «الحكومة دلوقتي بتروح للقرش والقرشين»، يقول الصادي، مُشيرًا إلى أن الفئات الأكثر ارتباطًا بالبريد هم من أصحاب المعاشات وأسر «تكافل وكرامة»، مُستبعدًا أن ينجح الطرح في تحقيق حصيلة كبيرة مُماثلة لحصائل الشهادات الادخارية مرتفعة العائد السابقة.
من جانبه، يُشير البرلماني محمد فؤاد إلى توازن يقدمه «سند المواطن»، فمن ناحية، يقل العائد النهائي على «سند المواطن» عن العائد النهائي على السندات الحكومية (بعد خصم الضرائب)، ومن ناحية أخرى، يقل الحد الأدنى لشراء سند المواطن (10 آلاف جنيه) عن الحد الأدنى لشراء السندات الحكومية (25 ألف جنيه)، ما يزيد من جاذبيتها.
لكن هذا لا يجيب على كل الأسئلة التي يثيرها «سند المواطن». على سبيل المثال، يُلاحَظ أن الحد الأدنى المقبول به لشراء «سند المواطن»، يزيد ما بين 8-20 ضعفًا مقارنة بالحد الأدنى لمختلف الشهادات الادخارية ببنكي «مصر» و«الأهلي» الذي يتراوح بين 500-1200 جنيه. ويستبعد هذا فكرة استهداف صغار المدخرين فقط.
إلى جانب هذا، كان بإمكان «المركزي» طرح السندات مثلًا عبر البنوك الحكومية إلى جانب البريد، لكن الاكتفاء بطرحها عبر البريد، بما يحمله هذا من احتمالات اجتذاب شرائح المدخرين بعيدًا عن البنوك، يثير أسئلة حول الغرض الحقيقي من طرح «سند المواطن» بهذا الشكل.
يرى فؤاد أن «سند المواطن» سيوفر أداة تمويلية للحكومة أرخص مقارنة بالسندات الحكومية والتي تطلب فيها البنوك (المشتري الأساسي لأدوات الدين الحكومية) عوائد كبيرة، وإن كانت لا تستطيع تغطية كل التمويل المطلوب.
تُمثل أدوات الدين الحكومي بالنسبة للبنوك المصدر الرئيسي للأرباح. فمبجرد انكماش نسبة استثمارات البنوك في أدوات الدين الحكومي من 36.4% في 2023 إلى 32.2% 2024، نتيجة عودة المستثمرين الأجانب لأدوات الدين الحكومي، هبط معها معدل نمو أرباح القطاع المصرفي من 116% إلى 89%، بحسب تقرير الاستقرار المالي الصادر عن البنك المركزي في مارس العام الماضي.
بالنسبة لفؤاد، فإن طرح سند المواطن عبر البريد يُعتبر تنحية للبنوك، إذ يأتي «سند المواطن» كمحاولة للضغط على البنوك لخفض العوائد التي تطلبها «التخفيض بنسبة 1% أو أقل يوفر مليارات الجنيهات للحكومة»، يقول فؤاد.
هذه الأسئلة قد تجيب عنها تحركات البنوك خلال الأيام والأسابيع القادمة للتعامل مع تحدي هذه السندات.
تقارير ذات صلة
حكايات من طوابير شراء الذهب
ارتفعت الأسعار في السوق العالمي للذهب بنسبة قياسية بلغت 55% في الربع الرابع من العام الماضي مقابل نف
حصان الذهب في حلبة الادخار
خلال عام فقط ارتفعت أسعار الذهب، في مصر، بنسب تراوحت بين 83-88%
التضحية بالاقتصاد للحفاظ على الدولار
يُعتبر ذلك بمثابة جرس يُنذر بتخارج الشركات من مصر، أو على الأقل، نقل رؤوس الأموال للخارج
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن