تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
مراسلات حول أول متحف فلسطيني

مراسلات حول أول متحف فلسطيني

كتابة: لارا خالدي، نور أبو عرفة 23 دقيقة قراءة

«القمر طيف شمس عائد» هو أول معرض فردي للفنانة المقدسية نور أبوعرفة، ومن تقييم لارا خالدي. يشمل سبعة أعمال فنية تمتد على مدى السنوات الخمس الأخيرة ممارستها الفنية. تتضمن المجموعة عملين جديدين. تعنى الأعمال الفنية بكتابة التاريخ الرسمي سواء كان مؤسساتي أم يعنى بالفن، أم بخطاب ثقافي معين. خلال السنوات القليلة الماضية، تركزت أعمالها على تفكيك البناء المؤسساتي المعاصر في فلسطين الذي بدأ منذ أوائل التسعينيات. عملها ناقد ولكنه بنّاء. تخلق نور تواريخ صغيرة حميمة حول أولئك الذين تم دفعهم إلى الهوامش. تحاور الأعمال ظاهرة المتحفة من خلال سرد القصص والشائعات والإشارة إلى آثار الذاكرة المستبعدة. المعرض بدعم من مؤسسة مفردات، المورد الثقافي، المعمل، EDHEA.

جرت المراسلات التالية بين نور ولارا، في فترة التحضير للمعرض، وتأتي كاستمرار للنقاشات بينهما خلال السنوات الماضية حول فكرة أول متحف فلسطيني. وبنيت الأعمال في المعرض بالتزامن مع تلك النقاشات.

كتبت الإيميلات في الأصل بالإنجليزية، وترجمها وحررها للعربية م.ف. كلفت.

From: Lara Khaldi <[email protected]>

Date: Tue, May 2019, 28 at 2:26 PM

Subject: Re: conversation

To: Noor Abuarafeh <[email protected]>

مرحبا عزيزتي،

فكرت أننا يمكننا ربما أن نكتب لبعضنا رسائل بالبريد الإلكتروني ثم نحرر الحديث، أو ربما الأفضل أن نتركه على سجيته. وطبعا غريب إرسال بريد إلكتروني الآن بعد وصولك إلى هنا. ربما يمكننا أيضًا أن نجرب عمل حديث مسجل. لكني أحب البريد الإلكتروني لأنه أبطأ، يعطينا وقتا لنقرأ ونرد. هذه الرسالة الأولى الغرض منها فقط أن تجعلنا نبدأ.

أردت أن أكتبها إليك بالعربية، لكنني أصُفّ ببطء بالعربية وعلي أن أعود إلى نيل بسرعة. ولكن من فضلك خذي راحتك في الرد بالعربية وسأرسل سؤالي التالي بالعربية.

ظننتُ أن السؤال الأول يمكن أن يكون بسيطًا فعلًا. فبما أن لدينا افتتان مشترك - من بين أشياء كثيرة نتشاركها - بمسألة المتحف في فلسطين، رغبت في سؤالك من أين بدأت مشاريعك حول بناء وافتتاح متاحف في فلسطين. لقد أنتجتِ مجموعة متكاملة من الأعمال تدور حول مسألة المتحف في فلسطين وخارجها، فكيف قادك أحدها إلى الآخر، وكيف تنظرين بأثر رجعي إلى العمل الفني التركيبي «كأني لم أكن في هذا المكان من قبل» بعد أن أنجزتِ الفيديو «أأنا المعروض الأزلي في المتحف؟» أو المحاضرة الأدائية «المتحف الأخير: متحف المتاحف»؟

قبلات من على بعد 20 كم.

لارا

On Sun, jun 2019, 9 at 8:10 AM

Noor Abuarafeh <[email protected]>

Wrote:

مرحبا لارا حبيبتي،

أوافقك على أن من الأفضل إجراء حديثنا عبر البريد الإلكتروني لا مسجلًا. في هذه المرة أخذت وقتًا طويلاً قبل الرجوع إليك لأنني ظننتني سأجهز الإسكتشات للعرض وأرسل كل شيء مرة واحدة، ولكني أعدك بأن الإيقاع سيكون أفضل كثيرًا في المرة القادمة.

كانت نقطة الانطلاق لأعمالي حول المتاحف هي اهتمامي بفكرة اللامادية والأرشيف اللامادي، بالتركيز على الصدمة النفسية وعلاقتها بالحيز كمادة أرشيفية ومصدر لكتابة السرديات التاريخية. ومن خلال هذا البحث تعرفت على مصطلح «أيقونيما»، وهو مصطلح جغرافي يشير إلى صورة ذهنية ترد إلى خاطرك عند ذكر اسم مكان، وعادة تكون هذه الصورة الذهنية صورة جمعية، بالرغم من أنها مرئية فقط للشخص الذي يؤرشفها في ذاكرته.

عندما بدأت متاحف عديدة تُفتتح، بدأت أجري حديثًا مكتوبًا مع بعض الأشخاص بشأن «الأيقونيما»، عن الصورة التي يرونها عندما يسمعون عبارة «متحف فلسطيني». ثم وفي يوم افتتاح المتحف الفلسطيني لم تكن هناك أية معروضات. وبدأت أفكر أكثر في اللامادية كتمثيل تاريخي. وكان يَكْمُن في صُلْب عملي «كأني لم أكن في هذا المكان من قبل» افتتان بفكرة أن يكون لدينا متحف فارغ في فلسطين. قادني هذا العمل إلى سلسلة من الأعمال التي تقع تحت المظلة نفسها، من قبيل «خمس ملاحقات لشائعة المتحف؛ أو ثماني محاولات لتصديق شائعات أخرى»، وهي رواية تقترح أن تكون متاحف المستقبل في فلسطين كائنة في بيوت الناس، و«أأنا المعروض الأزلي في المتحف؟» والذي يتعاطى مع تاريخ المتاحف وعلاقاتها بحدائق الحيوان ذات المعروضات الحية.

أعرف أنه من المضحك أن أرسل إليك هذا الآن ونحن سنتقابل في غضون بضع ساعات.

قبلات

نور

«أأنا المعروض الأزلي في المتحف؟»

بتكلفة من مؤسسة عبد المحسن القطان

عمل تركيبي 2013- 2019

«أأنا المعروض الأزلي في المتحف؟»

مؤسسة المعمل

2013-2019

On Mon, Jun 2019, 17 at 4:15 PM

Lara Khaldi <[email protected]> wrote:

مرحبا نور،

آسفة للتأخير. لا أدري كيف تفوت الأيام!

رحت أفكر فيما تقولينه عن الأيقونيما، على مدار الأيام القليلة الماضية، وعلاقتها بالمتحف. هل تعتقدين أن في الوعي الجمعي الفلسطيني صورة ذهنية عن المتحف؟ بينما كنت أعمل في المتحف الفلسطيني لفترة قصيرة في 2015، سنحت لي فرصة التمعن في أرشيف المعرض الافتتاحي «أبدًا لن أفارق». وهو بالأساس مجموعة من تسجيلات فيديو لمقابلات مع فلسطينيين داخل فلسطين وفي الشتات حول غرض لا يستطيعون الافتراق عنه أبدًا. وما كان مدهشًا فيه أن كل واحد من المحاوَرين كانت  لديه فكرة مسبقة عن ماهية المتحف عبر الغرض الذي يقترحه! كانت أفكارًا لمتاحف مختلفة، لكن كل منها مألوف.

 فمن هذه المعروضات المقترحة: تمساح محنط (متحف تاريخ طبيعي)، جرّة يونانية-رومانية (متحف آثار)، ثوب (متحف شعبي) وهلم جرا. يبدو أن مصطلح «متحف»، حسب أصوله الحداثية، يحدد ماهية هذا الحيز؛ فهو يعرض مجموعة مقتنيات من الأشياء المادية القديمة، التي تمثل شعبًا. أما في روايتك «خمس ملاحقات لشائعة المتحف أو ثماني محاولات لتصديق شائعات أخرى» فأنت تتحدِّين هذا النوع من المتاحف، ولكن من خلال تقديم قصص مختلفة عن المتاحف تخالف هذا النموذج الخاص بالمتحف الحديث. ربما يمكنك أن تكتبي قليلًا عن بعض هذه القصص.

وعندي سؤال آخر على شكل هذا العمل وهو لماذا رواية؟ كيف تسمح لك الرواية باستكشاف/مخاطبة هذه الأفكار حول متحف فارغ، من ناحية، وصورة ذهنية جمعية للمتحف، من ناحية أخرى؟ فأنا أعتقد أنه شيء مهم جدًا استخدامك للخيال القصصي والكتابة غير الأدبية معًا من ناحية الشكل الفني. برأيي أن عرض الثقافة المادية هو جزء من معضلة متحف فلسطيني. فمولد المتحف الحديث مربوط بلحظة تكسير الأصنام الخاصة بتحويل اللوفر من قصر إلى متحف، وبهذا حُكِم على الثقافة المادية الكائنة فيه بأنها جثة تنتمي إلى نظام حكم قديم، تذكّر الجميع بأنه عهد بائد. فالمعرضية إذن في حالتنا تصبح إشكالية، وتحول  النضال ضد الاستعمار إلى تاريخ قد مضى. أعرف أنك وصلت إلى النتيجة نفسها من مسار مختلف، فقد ذكرت لي مرة اهتمامك بكيف يمكن للواحد أن يعرض اللامادية. ولكن ما وجه أهمية ذلك بالنسبة إليك؟

أرجو ألا أكون تشعبت كثيرًا. هناك الكثير ليقال. وأنا أريد أن أعيد قراءة روايتك، فلم أقرأها منذ مدة.

قبلات كثيرة،

لارا

On Sun, Jun 2019, 23 at 10:57 AM

Noor Abuarafeh <[email protected]> wrote:

مرحبا لارا،

أثار اهتمامي أن أسمع منك عن تجربتك في العمل على مشروع «أبدًا لن أفارق» في المتحف الفلسطيني. وما يثير الاهتمام هو كيف يَبين من المقابلات أن هناك أيقونيما لـ«متحف» ولا توجد أيقونيما لـ«متحف فلسطيني». ومن هنا تبدو كل المعروضات المقترحة منتمية إلى متاحف حديثة مألوفة، لأن هذه هي الأيقونيما الموجودة لدينا عن متحف. أعتقد أن السياق الفلسطيني يدعونا إلى إعادة التفكير حول شكل وبنية متحف وما يمكن أن يحتويه، خصوصا وأن الماضي حاضر بشدة هنا، حيث نعيش حدثًا بدأ منذ 71 سنة وتتابعاته مستمرة حتى اليوم، وهذا بما أنك تقولين إن «مولد المتحف الحديث» كان هو «لحظة تحويل اللوفر من قصر إلى متحف، وبهذا حُكِم على الثقافة المادية بأنها جثة تنتمي إلى نظام حكم قديم». بينما نحن في فلسطين نعيش في الحاضر تبعات حدث مستمر ليس جاهزًا بعد لإيداعه جثة في متحف. كل معروض مادي له تاريخ، ووضعه في متحف إعلان عن نهاية زمنه، بينما اللامادية أزلية، فتعيد ولادة نفسها دائمًا، وهي لا تتعلق بالتمثيل والتوثيق، وإنما بالخيال. ويمكن للخيال أن يبدع سرديات مختلفة كثيرة بالمقارنة مع التمثيل والتوثيق.

أعتقد أن الحالة الوحيدة التي قد تصلح كمتحف حديث تتحقق بوجود علاقة قوة، كما في متحف ياسر عرفات. أذكر أنني شاهدت محاضرة تتحدثين فيها عن المتاحف المختلفة، فقلتِ إن تأسيس متحف ياسر عرفات إعلان بنهاية حقبة ياسر عرفات وبدء حقبة جديدة بقيادة أبو مازن، وهناك يمكن للواحد أن يرى في المتحف كل متعلقات وأغراض تلك الحقبة.

لماذا رواية؟ عندما قررت أن أنجز رواية، لم يكن ما أطمح إليه هو كتابة عمل أدبي. بل كنت مهتمة باستخدام شكل الرواية كوسيط لأنه يسمح لي باستخدام أدواته من قبيل التخييل والسرد. استخدام هذه الأدوات بالنسبة لي أساسي عند التفكير في متحف فلسطيني. تروي «خمس ملاحقات» قصة كل الوعود السابقة بإنشاء أول متحف فلسطيني، والتحديات التي واجهها كل من هذه المتاحف الموعودة. تقترح الرواية أن يكون مستقبل المتاحف في فلسطين في غرف معيشة الناس. وهي مبنية على مقابلات عديدة أجريت مع مختلف الأشخاص في غرف معيشتهم، وكل المعروضات/المجموعات المذكورة في الرواية تبرز نقاطًا تمثل بشكل غير مباشر مآخذ على المعروضات المادية. على سبيل المثال، إحدى المجموعات هي سلسلة من الصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود مأخوذة في الستينيات والسبعينيات. وليست الصور هي ما يثير الاهتمام بقدر ما تفعل الطريقة التي يراها بها المصور. فهو لا يرى قصصًا في تلك الصور ولا أشخاصًا ولا أماكن يتعرّف عليها. فهو يصف الصور بدقة كما تراها العين لا الذهن. يراها كصور بالأبيض والأسود للحظات لم تُلتقط بالألوان. وهي طريقة تقضي على الحنين الذي تُثقَل به صور فلسطين بالأبيض والأسود. هكذا تُربَط الصور بحاضرها لا بماضيها.

نور

 

خمس ملاحقات لشائعة المتحف؛ أو ثماني محاولات لتصديق شائعات أخرى

رواية - عمل تركيبي

بتكليف من مؤسسة الشارقة - ببينالي الشارقة 13

On Tue, Jun 2019, 25 at 2:51 PM

Lara Khaldi <[email protected]> wrote:

مرحبا نور،

أعتقد أنك محقة في قولك بإن المحاوَرين يتخيلون متحفًا فقط عندما يُطلب منهم تقديم شيء للعرض في «أبدًا لن أفارق» وليس في متحف فلسطيني. وأرى أن كلمة «متحف» تمحو بشكل ما أو تطمس أو تحجب ذهنيا كلمة «فلسطيني» المجاورة لها. المتحف إذن كما ترينه بعين خيالك هو الحيز أو الموقع الخاص بالدولة الفلسطينية، وهو بشكل ما يقذف بهم إلى المستقبل (المتخيَّل؛ تخيُّلا قائما على الدعاية/السردية السياسية الحالية). لكن على الأرض ليست هناك لنا دولة أو سيادة فعلية حتى في الضفة وهناك نضال  مستمر ضد الاستعمار الاستيطاني. فكيف يمكن أن توجد متاحف؟ وإن وجدت فالمتحف الحديث (لأنه متجذر تاريخيا في سياق الاستعمار والدولة القومية) لا يجوز أن يكون هو الصيغة التي نعبر بهاعن أنفسنا. سيكون السؤال هو كيف لمتحف فلسطيني أن يسهم في الكفاح في سبيل التحرر بدلا من أن يعرض الكفاح.

أعدت مشاهدة الفيديو «أأنا المعروض الأزلي في المتحف؟» منذ أيام عند عرضه في مؤسسة القطان. وأظن لو كنت فهمتك جيدا أنك تقولين في ردك الأخير إنه مهما يكن المعروض أزليًا فالمتحف يحكم عليه بالموت. ولكن أليس لدى  الجمهور قدرة على تحرير المعروضات. فصوت المعلق في كلا من عملَيْ الفيديو «المعروض الأزلي» و«كأني لم أكن في هذا المكان من قبل» هو صوت مشاهد يعاني مشاكل في التذكر؛ في «أأنا المعروض الأزلي في المتحف؟» يقول صاحب الشخصية إنه لا يستطيع تذكر ملامح حارس حديقة الحيوان إذا رآه خارج الحديقة، فيبدأ في ربط ملامح الحارس بشكل حشرة. وفي «كأني لم أكن في هذا المكان من قبل» يلتقي صاحب الشخصية صدفةً بصورة له معلقة في متحف ويعجز عن تذكر الحدث الذي أُخذت فيه. تُشكِّكهما تجربة المتحف وحديقة الحيوان في ذاكرتيهما من الأصل، ومهما اجتهدا في المحاولة فإنهما يبقيان في الحاضر، وهذا لأن المتحف لا يمكنه تأريخ شيء سوى نفسه، فالمؤسسة تحفظ تاريخها فقط، وليس تاريخنا الفردي أو الجمعي. فبمعنى من المعاني إذن، يحكم المتحف الحديث على المعروضات بالموت، يقذف بها إلى الماضي، لكن المشاهد ليس بالضرورة مطيعا لهذه الأرخنة! والحال هو نفسه في الرواية، فالمؤسسات تظل تخترع (وتفشل في تأسيس) «المتحف الأول»، لكن الشخصيات بصرف النظر عن ذلك تحوز متاحفها المختلفة الخاصة بها. بمعنى أن عملك ليس ناقدًا فقط بصيغة النفي، لكنه إيجابي جدًا بصيغة الإثبات حيث لا تكتفين بتوجيه الإنتقادات وإنما كذلك تروين القصص الواقعة خارج السرديات المهيمنة الخاصة بالسلطة.

ما وجدته مثيرًا في  «المعروض الأزلي» هو أن حديقة الحيوان تحوي كائنات حية؛ حيوانات موضوعة في أقفاص، مصنفة، ببطاقات تعريفية. فالمَتْحَفة لا تعني بالضرورة جمادات وأشياء ميتة في متحف، وإنما بالأحرى كيف يهيمن  خطاب المتحف، حديقة الحيوان في هذه الحالة، على هذه الحيوات ويتحدث بالنيابة عنها. وهي فكرة مخيفة حقيقةً أننا في سبيلنا لأن نصبح مجتمعًا متحفيًا! إحدى اللحظات العظيمة في هذا الفيديو هي عندما نرى الطائر الصغير عصفور الشجرة الذي ليس في الواقع من معروضات الحديقة، فيأتي ويذهب حرًا طليقًا، وليس عرضة للاقتناص. لكن الراوي يقول لنا إن هذا الطائر جلبه الضباط البريطانيون من باكستان إلى بقية العالم، وقد صُنف لاحقًا كحشرة في المملكة المتحدة من قِبل البريطانيين. حديقة الحيوان شبيهة بالمتحف بطرق مدهشة (لقد أخبرتيني أنها أصل المتحف) إذ تعني جمع العالم في حيز واحد محكوم. إلا أن شيئًا/شخصًا ما دائمًا ما يتسلل خارجًا ويقطع شبكة التحكم العنكبوتية هذه، مثل هذا الطائر.

كنت أفكر أيضا في خرائط المباني الخاصة بكل المؤسسات الفنية/المتاحف الأولى في روايتك وكيف تشيرين فوقها إلى الأغراض الأصلية لكل الغرف ملمحة إلى كونها غرف معيشة من قبل أن تصبح مؤسسات، وعلاقة ذلك بمولد المتحف الحديث وتحول اللوفر (من قصر إلى متحف). أنا أحاول أن أفقه معنى الأمر. وكما في حالة كل البيوت الفلسطينية في أراضي الـ48 والـ67، سَكَّر الإسرائيليون الكثير من المباني التاريخية لكنهم يحافظون عليها، وكثير منها تقرر أنه مواقع تراث تاريخي (وهو شكل من أشكال المتاحف) وغيرها متاحف فن (مثل «متحف على الخط»، وهو في الحقيقة بيت لآل برامكي صادرته  سلطات الاحتلال الإسرائيلية!) بحيث نصبح نحن مجرد فترة تاريخية: الفترة الفلسطينية التي ولّت، وليس شعبا حيا ما زال يكافح. لكني أتساءل: كيف يسير الأمر عندما نحول نحن البيوت إلى مؤسسات؟

آسفة على مجيء هذه الرسالة في شكل تفسير للعمل أكثر منها أسئلة حوله، لكني فكرت أنك ربما ترغبين في التعليق. فلو كان هذا صعبًا دون أسئلة، أعلميني وسوف أصوغ بعضها. آسفة جدًا أيضًا للإطالة! هناك الكثير جدًا مما يقال ويدعو للتفكير.

سلامات،

لارا

«كأني لم أكن هنا من قبل»

عمل تركيبي 2016 - 2018

On Wed, Jul 2019, 3 at 1:37 PM

Noor Abuarafeh <[email protected]> Wrote:

مرحبا لارا،

أتمنى أن يكون كل شيء على ما يرام، وشكرًا لخواطرك وتأملاتك.

تلقيت للتو دعوة لحضور حديثك «التزامات: ملاحظات حول الثورة والوسيط في الفن الفلسطيني» بمؤسسة المعمل. ويدفعني الوصف الإعلاني الموجز إلى التفكير فيما قلتيه في القسم الأول من رسالتك: «بينما رأى الفنانون مهمتهم كمنتجين لصورة الفلسطينيين وكعناصر حشد وتعبئة قبل الانتفاضة، فقد أدركوا أنهم لا يستطيعون منافسة الصورة التي ستنتجها عن نفسها ذاتيًا فيما بعد، وأصبحت ممارستهم ثورية عبر استخدام الوسيط.» أعتقد أن الأمر ينطبق بحذافيره على المؤسسات، لكن الفنانين أدركوا ذلك في وقت أسبق بكثير. أعتقد أن الشكل الحديث للمتحف لن يقدم سوى سردية/صورة سائدة مثقلة بالتحميلات فعليًا في الأذهان، أيًا تكن المعروضات التي تحويها مثل هذه المتاحف. عسانا نفكر في أشكال/وسائط أخرى عند بناء السردي(ة)/ات، أفلا ينتهي بها المطاف ربما شيئًا آخر لا متاحف؟ فلماذا يُفترض بها أن تكون متاحف؟ لم لا تكون شيئًا آخر مولودًا من داخل هذا السياق المحدد الخاص بفلسطين، هذا السياق بتغيراته ذات الإيقاع الدرامي والآخذة في التراكم، شيئًا يتعاطى مع الحاضر والمستقبل بقدر ما يتعاطى مع الماضي؟ صحيح أن المشاهد في المتحف يحرر المعروضات، ويمنحها بشكل ما حياة جديدة ويربطها باللحظة الحالية، لكنها تظل لحظة سلبية برأيي. ليست أبدًا محادثة بين المتحف/المعروض وبين المشاهد، فالصوت المتسيد/السردية المتسيدة للمتحف. وفي حالة العملين اللذين ذكرتيهما، فقد أربكت السردية المتحفية الشخصيتين. لم ينعش المتحف ذاكرتيهما بالضرورة، وإنما تراكبت وتطابقت على ذكريات أخرى لديهما. فمثلًا في «المعروض الأزلي» يعجز صاحب الشخصية عن تذكر حارس المتحف (الذي دائمًا ما يراه في المتحف) إلا إذا عقد صلة بين ملامح الحارس وشكل الحشرة، ما يعني في هذه الحالة أنه لكي يتذكر شيئًا ما في المتحف، ينبغي عليه أن يعقد صلة بينه وبين شيء ما خارج المتحف بحيث يكون قابلًا للتعرف عليه. ما أثار اهتمامي في المتاحف الفلسطينية لم يكن المتاحف نفسها، وإنما كل محاولات تأسيس متاحف جديدة، وهذا الانبهار بصفة «الأول» وكيف أصبح السبق قيمة على نحو ما.

ذكرتِ عصفور الدُّوري كطائر يفلت من سيطرة حديقة الحيوان ويستطيع التنقل بحرية. بينما كنت أجري المقابلات لروايتي «خمس ملاحقات» سنحت لي فرصة الاطلاع على مجموعة مقتنيات حسن مرتضى والحديث إليه بشأنها. ومجموعة حسن موضوعها بالضبط هو الأشياء الخارجة عن سيطرة المتحف. فهو مهووس بجمع التراب من زوايا المتاحف أو المساحات الفنية. ومجموعته من التراب تحتوي على أشياء ضئيلة متنوعة، كالحشرات والشعر وأوراق النبات وقطع من دهان الحوائط الجاف المتساقط،.. إلخ. ما وجدته فاتنا في مجموعته هو هذه العلاقة بين التراب والمتحف، لأنه شيء لا يمكن للمتحف تجنبه على الإطلاق. إنه العدو الرئيسي لمتحف والذي قد يقصر عمر المعروضات في المتحف بما في ذلك الأثري منها. تحاول المتاحف قدر استطاعتها أن تبعد عنها التراب بأن تمنع دخول الطعام، وتضع مسافة بين المعروضات والزوار، وتضع أبوابًا كثيرة قبل الوصول إلى غرف العرض، وتغطي المعروضات بصناديق زجاجية.

تدفعني فكرة التحكم والسيطرة إلى التفكير أيضًا في واحد من أمثلة «المتحف الفلسطيني الأول» كان يُفترض أن يُفتتح أثناء الانتداب البريطاني. ففي 1924 جرت محاولة لتأسيس متحف في القدس على يد «جمعية محبي القدس» برئاسة الكولونيل رونالد ستورز الذي كانت رؤيته للقدس غرائبية. وكان المتحف الذي خطط له يركز على المشغولات اليدوية التي اشتهرت بها القدس، لكن وفق صورة للقدس تنسجم مع تلك التي في ذهنه عنها، وهي صورة تقليدية ومقدسة، وهكذا فقد أجرى بعض التغييرات في المدينة لتلائم سردية المتحف. فمثلًا منع بيع بعض المشغولات من منطقة باب دمشق، وشجع مشغولات أخرى كالخزف، بالأخص المزجج منه، ولم يكن رائجًا على الإطلاق في القدس، ولكن كان من المهم له أن ينسجم في سردية المتحف، فدعا أسطوات أرمن إلى المدينة لإنتاج خزف مزجج يتلاءم مع رؤيته للمتحف.

نور

«بدأت الشائعة منذ زمن»

كتاب بحثي

2018

On Sat, Jul 2019, 6 at 4:30 PM

Lara Khaldi <[email protected]> wrote:

مرحبا نور،

أؤمّن على كلامك؛ لِم لا نعيد التفكير في مؤسسة المتحف انطلاقًا من سياقنا المحدد جدًا؟ وهذا هو العظيم في عملك؛ فأنت تضعين نظارات مختلفة، تبحثين عن/تخترعين/تبدعين/تؤرخين هذه المتاحف الموجهة للسياق (أو الضد-متاحف أو اللامتاحف)! بعد ردك أخذت أفكر في شخصيات أعمالك: ظننت دائمًا أن الذاكرة تحتاج إلى البوح بها/تسجيل تواريخها على الأخص هنا عندنا، والمسألة هي كيف. لكن الذاكرة نفسها تخييل! تقدم المتاحف نفسها بوصفها مبنية على حقائق، لكنها في الحقيقة مبنية على قصص خيالية! فلم لا نمثّل القصص الخيالية في المتحف إذن؟! أظن أن هذا سيكشف حقيقة المتحف نفسه.

في مطبوعتك البحثية «بدأت الشائعة منذ زمن»، وهي عملك الأحدث عن المتاحف في فلسطين، تتْبعين بحماس صورة ترينها في المتحف البريطاني. وتقودك هذه الصورة الفوتوغرافية إلى واحد من المتاحف الأولى بفلسطين. والملفت في هذا المتحف أنه ولد مع نهاية حكم الدولة العثمانية وبداية الانتداب البريطاني في فلسطين. وتتتابع قصة هذا المتحف لتظهر مدى ارتباط المتاحف بسلطة الحكام واضمحلالها. كما أنها وثيقة الصلة اليوم في ضوء كل ما يبنى من متاحف. وسؤالي حول عملك هذا متعلق بأسلوب الكتابة: فلماذا اخترت جعل صوت الشخصية في هذه المطبوعة لباحثة ذات نبرة علمية؟ وإعطاء صوت للوثيقة التاريخية؟ لِم لم تشفعيهما بما يكملهما ويسندهما من حكايات شخصية وقصص صغيرة كما في الروايات وبقية أعمالك؟

أخذ المتحف شقفة كبيرة من نقاشاتنا، في حين أن عملك معني كذلك بأمور أخرى كثيرة، متعلقة لكنها تظل أمورًا أخرى. هناك عمل آخر لك تنطلقين فيه أيضًا من صورة فوتوغرافية هو «الرغبة في البحث عن ذاكرة متبقية». ففي هذا الشريط تتصدين للكيفية التي يتسبب بها تشكيل تراث معتمَد (ألا وهو تاريخ الفن الرسمي) في محو فنانين وشخصيات بعينها. ومن تلك الصورة (الملتقطة في الثمانينيات لفنانين فلسطينيين)، والتي تراودك الرغبة في إعادة بنائها، اخترت أن تتتبّعي الفنان صقر القتيل وتصحبي معك الجمهور. فلماذا صقر القتيل دونا عن غيره؟ ولماذا تتحدثين بصوته وتصبحين شخصية في قصته وليس العكس؟

وقد لفتتني في الفيديو نفسه تفصيلة؛ فصوت المعلق يخبرنا بأن اسم القدس عندما يُنطق تخطر بذهنه صورة؛ صورة لخريطة العالم من القرن الرابع عشر والقدس فيها مركز العالم. الصور التي تسبق صورة الخريطة المرسومة هذه كلها للوحات للقدس من التراث المعتمد بريشات فنانين فلسطينيين، وتبدو شديدة الاختلاف عن الخريطة. لا أملك إلا أن أفكر في هذا كمحاولة منك لكسر ألفة الصورة الجاهزة للقدس في ذهننا (نحن الفلسطينيين)، وتوضيح أنها نتيجة تشكيل تاريخي فني، وربما إقامة علاقة قائمة على تداعيات جديدة.

أنت في هذا الفيديو توقظين تاريخًا من خموله وهو تاريخ الفنان، ما يدفع الواحد إلى مساءلة التراث المعتمد من الأصل. ما أقوى هذا العمل الذي يظل يلاحق التراث المعتمد! بعد عامين من إنجازك الشريط نُسِّق عرض منفرد لصقر القتيل في غاليري زاوية، ثم مؤخرًا جدًا في مؤسسة محمد وماهرة أبو غزالة في العام الماضي. سوق الفن  المعتمد يلتهم ما فاته ويطرحه للاستهلاك التجاري، وباسم اكتشاف الجديد وتمجيده.

أنت في هذا الفيديو لا تكتفين بإعادة خلق (أو ربما إعادة تجسيد) الصور الفوتوغرافية، بل ولوحات من تاريخ الفن  المعتمد الشهيرة، فلماذا؟ لعل بإمكانك الكتابة لي قليلًا عن إعادة التجسيد عموما في ممارستك؟

قبلاتي إلى حين!

 

«الرغبة في البحث عن ذاكرة متبقية»

بتكلفة من مؤسسة عبد المحسن القطان

جزء من مسابقة الفنان الشاب 2014

On Thu, Jul 2019, 11 at 1:46 PM

Noor Abuarafeh <[email protected]> Wrote:

لارا العزيزة،

المتاحف كما تقولين - ولديك حق - تقدم نفسها بوصفها مبنية على الحقائق. وأعتقد أن الأمر حين يتعلق بالتمثيلات هو خيال في خيال. الذاكرة حقيقية لكن سرد الذاكرة تخييل. الصدمة النفسية وتأثيراتها حقيقية بما في ذلك سردها، لكن السردية نفسها تخييل. المتاحف برأيي ينبغي أن تقوم على الخيال، ولا شأن للأمر بتمييز الحقيقة من الخيال، فلا يتعين على المتاحف أن تقدم أدلة مادية. يمكن للخيال أن يقترح سرديات صغيرة متنوعة ومتناغمة.

فما جعلني مثلًا أهتم بعمل الكتيب البحثي «بدأت الشائعة منذ زمن» هو الكيفية التي يمكن بها التلاعب بمعروضات المتحف، وكيف بُنيت منها سرديات مختلفة عندما انتقلت إلى حقب مختلفة. المسألة ليست المعروضات في حد ذاتها وما يمكن أن تقوله عن الأرض، بل من يُمسك السلطة وكيف لهذه المعروضات أن تخدم النظام، من الدولة العثمانية عندما كانت مباني المتاحف على الطراز الأوروبي هي نفسها وفي حد ذاتها المعروضات، مرورًا بالانتداب البريطاني، وصولًا إلى الاحتلال الإسرائيلي. أقيم مؤخرا في قلعة القدس نموذج مصغر طبق الأصل من هذا المعرض العائد إلى 1919 والذي يقوم عليه الكتيب. مدهش كيف تتغير المصطلحات والأسماء ومعاني الأحداث والأفعال في ظل سردية الاحتلال. في هذا العمل لم أكن معنية بإظهار السردية المفقودة بقدر ما أردت إبراز كيف أن كامل محتوى المعرض المتعلق بفلسطين موزع على مختلف البلدان والأراشيف. ولم يبق أي من معروضاته في أرشيف فلسطيني. وثانيًا، كنت معنية بكيف يمكن للمادية أن تكون مضللة وخاضعة للتلاعب وفق أجندة المتحف. هذا الكتيب بالنسبة إلي تكملة لتتبع شائعة «المتحف الفلسطيني الأول»، ومفقودات الأرشيف الفلسطيني، أكثر من كونه محاولة لتقديم سردية أخرى. وهو محاولة لفهم وتحليل هذه الصورة الفوتوغرافية أكثر منه تقديما للمعلومات الصحيحة والحقائق.

وهو في هذا يشبه العمل الآخر «الرغبة في مراقبة ذاكرة متبقية»، من حيث إن البحث يأتي عندما لا تثقين بصورة فوتوغرافية. وفي هذا العمل لم يكن قرارًا واعيًا منذ البداية أن أركز البحث على صقر القتيل. وفي الحقيقة كان هو من حدد وجهة البحث لأن أحدًا لم يستطع تذكُّره، وهو ما نبّهني إلى كيف يمكن لشخص أن يختفي من الذاكرة الجمعية. وهكذا بدأت إجراء مقابلات عديدة مع من قد أجد لديهم معلومات عنه، ما أوصلني إلى لقاء بعضٍ من أهله والحديث إليهم عن حياته وعمله. كان كل الكلام وصفيًا بما في ذلك وصف شكل لوحاته. ولم تكن هناك أية أدلة مادية. يهدف عملي إلى خلق أرشيف تخيُّلي يضم وثائق قائمة على الحكي والتاريخ الشفاهي، وكذلك سرديات متخيَّلة. اخترت أن أكون شخصية في سرديته هو لأنني أردت أن يكون الفيلم أبعد ما يكون عن وثائقي، مصرة على كونه سردية متخيَّلة. والفكرة لم تكن بالضرورة إعادة تجسيد الصورة الفوتوغرافية وإنما بالأحرى تخيل ما كانت أعين مصوري اللوحات تراه وهم يصورون. يغير هذا حال اللوحة من كونها شيئا ماديًا معروضًا والصورة من كونها لحظة ميتة.

يركز «ذاكرة متبقية» على صقر القتيل لكنه ليس عن صقر القتيل. إنه في المقام الأول عن كيف يُفقد شخص من الذاكرة، وهذا أحد الأسباب في أن لوحات صقر لم تكن في البؤرة حتى بعد العثور عليها. فلم تظهر سوى في نهاية الفيلم على عجل لتُعْلِمنا باكتشافها. يحاول الفيلم أن يتجنب تقديمه كفنان كبير لأن هذا ليس بيت القصيد. ناهيك بأن لوحاته برأيي فقيرة جدًا، رمزية جدًا ومباشرة، حتى إذا أخذنا في الاعتبار سنة إنتاجها.

لا أدري ماذا أقول عن الاهتمام المفاجئ بأعمال صقر القتيل، فأساسه في اعتقادي تجاري للغاية لا التعمق في الدراسة. مثل قيمة السبق في حالة المتاحف. «أول عرض منفرد لصقر القتيل»، مثلا. أصبح نسيانه موضوعًا شائقًا يرفع قيمة عمله كسلعة.

في الصورة الفوتوغرافية الملتقطة على هامش المعرض، يظهر 14 فنانا، كلهم ذكور، بالرغم من أن أربع فنانات شاركن في المعرض. وعملي «سحر الصورة التي تتذكر كيف تنسى» يروي قصة المعرض من وجهة نظر مختلفة، متتبّعًا إحدى الفنانات، وهي فيرا تماري، وغيابها عن الصورة الفوتوغرافية.

قبلاتي،

نور

«سحر اللوحة التي تتذكر كيف تنسى»

فيديو

بتكلفة من متحف مانور- مارتيني

2018

«سحر اللوحة التي تتذكر كيف تنسى»

فيديو

بتكلفة من متحف مانور - مارتيني

2018

https://vimeo.com/353994194

On Wed, 17 Jul 2019 at 22:42

Lara Khaldi <[email protected]> wrote:

نور العزيزة،

الجو حار جدًا اليوم. وأواجه صعوبة بالغة في التركيز، لكني لا أريد تأجيل مواصلة الحديث أكثر من هذا، مع اقتراب المواعيد النهائية الوشيكة للتصميم والطباعة. آسفة للتأخير.

كنت أفكر في مسألة الحقيقة والخيال، وما أسهل الضياع في المسافة ما بين طرفي الثنائية. الذاكرة والصدمة النفسية حقيقيتان بالطبع. أظن أن الروائي والوثائقي هما ببساطة نمطان سرديان، أسلوبان، نوعان فنيان، لا علاقة لهما بالحقيقة أو الصدق من عدمهما. لكن هناك خلط بين هذين الشيئين وهذه مشكلة. ينتمي المتحف إلى النوع الوثائقي (أدرك أنني أصنف الآن ولكن مؤقتا فقط كوسيلة للتفكير)، كما أنه حل محل الكنائس في الغرب، لذا فهو مرتبط بالحقيقة السامية والحقائق المطلقة، وهذا هو السبب بالضبط في كونه قمعيا.

كنت مؤخرًا أقرأ مقالًا في مجلة «أفترأول» عن «الانعطافة الاستعرافية في الفن» حيث يناقش الكاتب كيف تقدَّم الأشياء المادية الآن في عالم الفن، وعلى نحو متزايد، بوصفها أدلة وقرائن. وعلى سبيل الربط مع ما قلتيه عن كتيب «بدأت الشائعة»، يمكن القول إن السردية تغير طريقة نظرك إلى المعروضات أو المتحف، ولكن هذا لم يمنع من أن تحرضك الصورة الفوتوغرافية على إجراء بحثك الخاص للتوصل إلى المزيد. ألا تعتقدين أن بعض الأغراض  تقاوم السرديات المهيمنة؟ أو على الأقل تستفز المشاهد ليسائل السردية الجامعة المانعة؟ بصفتك فنانة تصنع أعمالًا فنية (تتنوع بين الأشياء المادية والسرديات) هل تعتقدين أن الشيء المادي الفني يمكنه أن يحمي نفسه؟ هل تعتقدين أن أعمالك أنت الفنية ستتمكن من الدفاع عن نفسها في غياب سرديتك؟

ويأخذني هذا إلى السؤال عن الفيديو الجديد الذي تشتغلين عليه، «لوحات لم تعرف طريق عودتها» والذي ستقدمينه  في المعرض وهو في حالة مسودة. فكرت في كيف تتغير تلك الأعمال بمعرفة ظروف تواجدها واختفائها. ليس سرديًا فقط وإنما ماديًا كذلك. فطالما أنها غير معروضة تكون أولًا وأخيرا مجموعة من الأقفاص والصناديق التي تتنقل وتخضع لأسئلة حول المعارض والأراشيف المفقودة في فلسطين. من الغريب كيف أنه بمصاحبة كل المتاحف والأراشيف التي كانت تُبنى، بدأت القصص والنميمة والأساطير في الظهور حول الأراشيف والمعارض المفقودة. قد يكون ما سأقوله متعجلًا، لكن هذا نوع من سردية مضادة. وإذا عدنا إلى سؤال الشيء المادي عبر هذا العمل الفني؛ فإن عدم إتاحة تلك الأعمال الفنية إتاحة مادية يصبح  السبب في إمكانية الحفاظ على قصتها. كما في «المتشائل» لإميل حبيبي؛ ابن البطلين المستسلمين بإمكانه أن يصبح مناضلًا لأنه يستطيع الوصول إلى صندوق السلاح الذي دفن إبان النكبة. فلو كان قد عرض في متحف، كان من الممكن أن تتلاشى هذه الإمكانية. تقولين إنك تدرسين ما إذا كنت ستصنعين هذا الفيديو من زاوية بحثية أم ستجعلينه تجريديًا عوضًا عن ذلك. فيم التشكُّك يا تُرى؟ لكني متخيلة كيف تغير التفاصيل كل شيء عندما يشتمل العمل على بحث. وهذا لا يمنع كون التنظير/التجريد وليد الممارسة التطبيقية.

مودتي،

لارا

«المتحف الأخير؛ متحف المتاحف»

محاضرة أدائية 

2017

 

On Wed, jul 2019, 24 at 4:21 PM

Noor Abuarafeh <[email protected]>Wrote:

مرحبا لارا،

أعتقد أن الأشياء المادية تبحث دائما عن قصة. وهي تدعو المتفرج إلى اختراع سردية حولها، كما تدعو السردية المتفرج إلى تخيل أشياء مادية. سردية المعرض المفقود خلقت تلك الهالة حول اللوحات المفقودة، بحيث عندما نرى اللوحات نصاب بخيبة الأمل لأن ما نتخيله دائما أقوى. يدفعني هذا إلى التفكير في رواية أورهان باموق «متحف البراءة» حيث نتخيل الأرشيف الذي يراكمه صاحب الشخصية الرئيسية لحبيبته. ولكني عندما ذهبت إلى المتحف الفعلي الذي أنشأه في إسطنبول، خيبت معرضية الأشياء المتحفية أملي باختلافها الشديد عما في خيالي.

في العمل المعنون «لوحات لم تعرف طريق عودتها» يقوم البحث على مختلف المقابلات مع فنانين وقيّمين وجامعين وباحثين شاركوا في معرض عام 2005. وبالرغم من أنه لم يمضِ عليه سوى 14عامًا، إلا أنه وقت كافٍ لنسج سرديات مختلفة حول المعرض. اشتغلت على السرديات كلها على اختلافها، والشائعات على السواء. المربك في هذا العمل هو أنني في بحثي لا أبحث عن الحقيقة، لكن كل القصص الخارجة من هذا المعرض، ولكثرة المشاركين فيه، تصبح موضوعا حساسا. وما يثير اهتمامي بإجراء البحث ليس إيجاد اللوحات وإنما كيف تغيرت بمرور الزمن، كيف انسحب بعضها من الذاكرة، حتى من ذاكرة من صنعوها، وكيف تبدأ في اتخاذ تاريخ جديد مرهون بحقيقة كونها مفقودة.

أراك قريبًا،

نور

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن