«المستحيل» في مدرار.. مناورة الأرشيف
عن فاعلية «لقاء قصير مع المستحيل» التي نظمتها «مدرار»
على مدار العام، تنظم «مدرار» عروضًا وفعاليات، مستقاة من أرشيف مهرجان القاهرة للفيديو، حيث تمنح الفنانين والمبرمجين فرصة لإعادة استخدام الأرشيف لتوليف برامج جديدة تكشف إمكانات مختلفة للصورة وتفتح مسارات سردية غير متوقعة. حضر الكاتب أحد هذه العروض، «لقاء قصير مع المستحيل» من تنسيق رحمة الحداد، ويكتب هنا عن التيمات التي اعتمدت البرمجة عليها.
تُخلق المواد البصرية بمئة روح، سكونها يعد موتًا مؤقتًا، وزمن ركودها مرحلي، فالعمل الفني يبقى دائمًا في حالة تأهب للاستكشاف؛ لذلك فإعادة إنتاج وتخليق الأعمال الفنية داخل بُنى وعروض وفعاليات ذات تيمات متعددة يمنحنا مساحة لتحري تلك الأعمال خارج إطارها الأصلي، ضمن نماذج سردية وروايات بصرية أكثر تطرفًا وتجريبية. الأمر أشبه بلعبة الفك والتركيب.
توفر بعض فاعليات المؤسسات الثقافية لنا تلك المساحة، من خلال تفاعل مباشر مع الأرشيف، في محاولة لإعادة النظر فيما سبق عرضه داخل نموذج برمجة أكثر طزاجة وتجريبية. أحد أهم وأقدم هذه الفعاليات هو «مهرجان القاهرة للفيديو»، الذي يُمثل أول مساهمة لمؤسسة «مدرار» الثقافية في المشهد الفني عام 2005، وهو المشروع الذي من خلاله تأسست «مدرار» لاحقًا كمساحة عرض حُر لأعمال مجموعة من الفنانين التشكيليين شعارهم التجريب، ولكنها لم تتوقف على الداخل المحلي، بل تحولت إلى مساحة مستقلة، لعرض أعمال من جميع أنحاء العالم.
على مدار العام، تحتضن «مدرار» مجموعة من العروض والفعاليات التي توفر مساحة لمجموعة من الفنانين والمبرمجين الشباب لصُنع برامج متحوّرة، من خلال إتاحة الأرشيف الرقمي الثري لمهرجان القاهرة للفيديو، والذي يسمح بخلق مناورات بصرية وسردية متنوعة.
تتمثل أهمية تلك المناورات والبرامج الهجينة في إعادة النظر لفكرة التلقي بذاتها، وقدرتنا على إدراك الأشياء في سياقات مراوغة وخارجة عن الإطار، فالإدراك البصري للأشياء ليس مجرد تسجيل سلبي للعناصر الحسية، بل إدراك فعّال وإبداعي، ووجود تلك البرامج هو اعتراض على فكرة التسجيل الميكانيكي للظواهر البصرية أو الحسيّة والتلقي السلبي.
ــــــــــ
إحدى هذه المناورات كان برنامج عروض للمبرمجة والناقدة السينمائية رحمة الحداد بعنوان «لقاء قصير مع المستحيل»، برنامج مؤسس بشكل كامل على محتوى بصري مُستخرج من الأرشيف، تسعى رحمة من خلاله لتكوين مساحة مربكة، تتماس مع التاريخي والواقعي في نقطة ملتبسة، حيث تُنزَع المقاطع المستخدمة عن سياقها، وتدمج في تسلسل بصري جديد لإنتاج واقع بديل، وطرح تساؤلات جدية حول حدود المواد المؤرشفة وإمكانية تصورات جديدة لها، لتمنح حياة بديلة للمواد الأرشيفية من خلال خلق تقاطع بين نقطتين في التاريخ لتوليد شيء مستحيل أو بديل، ما يتطلب تفاعل تحليلي مع السرديات التاريخية.
يضم برنامج رحمة سبعة مقاطع: «برنامج الليلة» لعلي العيال، العراق 2018، و«النهاية» لأنيسكا بوكريوكا بولندا 2009، و«شفقة الرياح» لستيفانو كروسي، إيطاليا 2014، و«علامات بديهية: تنظيمات عشوائية حدسية مصنوعة من خربشات عقل تائه» لملك ياقوت، مصر 2016، و«ماكينة تصوير داروين» لآرون أولدنبورج، الولايات المتحدة 2006، و«ليزّو» لجوزيبي بوكاسيني، إيطاليا 2018، و«ميما: قصة حياة» لماغدالينا بيرموديز، الولايات المتحدة 2016.
هذه المقاطع مُدمجة داخل عرض بصري، أشبه بفرضيات حكايات، لها وجود مادي وامتداد رمزي، ولكنها لا تمتلك تدفق قصصي أو شكل حكائي، مع أن منها ما يتوقف عند لحظة تاريخية معينة ليستلهم قيمته من مكان أو زمان محدد.
اعتمدت رحمة في اختيارها للأفلام على سمات معينة، كما قالت في مقابلة مع الناقد والمبرمج أحمد رفعت في حوار تلى برنامج العروض، إنها اختارت الأفلام وفق نهج مادي، كتيمة أوليّة تركّز على الأسس المادية والفيزيائية قبل المفاهيم الروحية والرمزية، حيث تتحرك من الملموس نحو الجوهري، معارضة لفكرة الرّقمنة المحضة. ثمّة مُدخلات حسية يمكن استشعار مادتها أولًا قبل أي شيء، فـ«ماكينة تصوير داروين» ينطلق من ماكينة تصوير لها مخرجات مادية ذات بعد تطوري يسبق زمنه، فيما «علامات بديهية» مؤطّر بالكامل داخل ورقة تسودها خربشات أقلام ترسم عمليّات حسابية معقدة وغير مفهومة على مدار دقائق الفيلم. كلا الفيلمين يملك طابعًا حسّيًا، ويتعاطى مع أبعاد فيزيائية في طبقاته الأولى المباشرة. وإلى جانب ذلك، فمعظم الأفلام مُحمّلة برمزية تاريخية، تنطلق من نقطة زمنية معينة، نحو فرضية بديلة: المستحيل.

ومن هنا ننطلق نحو التيمة الثانية التي ساهمت في انتقاء الأفلام، وهي الافتراض والتخيل، وهذا يتبدى بوضوح في أفلام مثل «برنامج الليلة» الذي ينطلق من تتبع تاريخي لقاعة الخُلد في بغداد، في ثلاثة أزمنة مختلفة، حيث استقبل مسرح القاعة عرض أوركسترا ديوك إلينغتون عام 1963، ليكون شاهد بعدها بـ16 سنة على مجزرة قاعة الخُلد الشهيرة لحزب البعث في عهد صدام حسين.
يحاول المخرج خلق حدس تاريخي بين ثلاثة أزمنة مختلفة: مقاطع أرشيفية لعرض أوركسترا إلينغتون الأصلي، ومقاطع توثيقية جديدة صورها بنفسه للقاعة التي تغيّرت بفعل الزمن، وبينهما لقطات أرشيفية للجمهور المُستأصل في حادثة قاعة الخُلد في عهد صدّام. نجد كل عدّة ثواني واحد من الجمهور يقف ويخرج من القاعة رفقة مجموعة من الحراس.
نلاحظ فعل الاستئصال المُمارس على مجموعة معيّنة، ونشاهد العازفين يمرحون، ونتأمل الكراسي الفارعة، بيد أننا لا نرى صدّام، ولا أي تلمحيات لوجوده، أسقطته السردية بشكل كامل من خطوط الحكاية، حتى لو استشعرنا حضورًا بديهيًا، رغم أن القاعة مُعرّفة حتى وقتنا هذا بمجزرة البعث، ولكن رواية المخرج أسست لتاريخ بديل يمنح المكان بطولة مُطلقة، ويهب الضحايا حضورًا استثنائيًا، يلغي الجلاد.


وهذا ما تتحدث عنه رحمة، فكرة التاريخ البديل والمخيال الذي يخلق نموذجًا موازيًا أو معاكسًا لما حدث بالفعل، كما الفيلم البولندي «النهاية» الذي يتضمن مقاطع أرشيفية لحرب حقيقية، ولكن الزمن هنا يعمل بمنهج مضاد، لتتغير ماهية الأشياء، وتتشكل في وعينا إرادة مغايرة. يتخلل المقطع نصوصًا مكتوبة تخلق سردية مضادة للحرب، ونسقًا تخيليًا وساخرًا لما يمكن أن تكون عليه، فهو يُعادل صور التدمير كرموز للبناء. وتنعكس الأشياء حركيًا في اتجاه المواد الأوليّة، حيث تعود الرصاصات والمدرعات والقنابل إلى موادها الأولى، وتُدفن كمادة خام غير ضرورية، ما يخلق نموذجًا شعريًا جديرًا بالتأمل، يجرد أشياء شديدة البشاعة من تعقيداتها، يخفّفها ويردها إلى موادها الاوليّة، لتصبح الحكاية نفسها ذات معنى مضاد للحرب.

تتخذ فكرة التجريد شكلًا واضحًا في فيلم «قصة حياة ميما» عن الإبادة الجماعية في أرمينيا. فالمخرجة لا تستخدم مقاطع أرشيفية حقيقية أو موازية، ولا تحاول إعادة خلق اللحظة بطريقة سائدة، ولكنها تواجه التجويف العميق للأرشيف الخاص بالحادثة، أو الفراغ المصور من خلال استخدام أسلوب صدامي وخال من التلاعب، شيء واضح ومباشر ينفجر في وجه المشاهد، فتبتكر حوار متخيل بين جدتها وعرّابتها لتعويض غياب التسجيلي، مستكشفة التوتر بين القصة والواقع العنيف، دون الحاجة إلى الطابع التوثيقي السمعي والبصري، بل تنزع إلى تجريد الحكاية من التباسها، إفراغها من تعقيدها، والاشتباك معها في شكلها الأولي، كحوار متخيل يمنحنا انطباعًا عما حدث، أشبه بلكمة في الوجه.

ماديّة الأفلام ودرجة معقوليتها لا يتنافيان مع وجود طابع شعري لبعض الحكايا، خصوصًا فيلم «شفقة الريح» كونه أشبه بمعارضة شعرية، بين قصيدة لشاعر ياباني تُكتب على الشاشة، وبين صرح معماري مُستلهم من القصيدة، أي أنه أشبه بتجسيد مادي للغة شعرية، تتجلى في طابع شكلاني يتماهى مع حساسية الأبيات، ويعبر فوق فكرة اقتفاء الأثر بوضعه المُهندَس الدقيق في وجه العاطفي غير المُهندَس، العمارة في مواجهة الشعر.

خلال الحوار الذي تلى العروض، تطرّق الناقد أحمد رفعت في نقاشه مع رحمة الحداد إلى سؤال أوسع عن فكرة البرمجة بشكل عام، وبرمجة ذلك النوع من العروض التجريبية بشكل خاص. اتفق كلاهما على أهمية فاعلية مثل «مهرجان القاهرة للفيديو» لانفتاحه على التجريب في الصورة والصوت وطرق العرض، وتوفيره لمساحة فريدة وأرشيف استثنائي يحفز المبرمجين لتطوير مهاراتهم وأفكارهم، ويدفعهم لحيز عصري بفكر متجدد، بدلًا من تطبيق أفكار مسبقة، إلى جانب اتباعه طرق عرض استثنائية كما أشار ضاحكًا، «وجدت شاشة عرض في الحمام»، ما يجعل المشاهدين يصادفون أو يتقاطعون مع الفن بشكل غير مباشر، ويحقق أكبر قدر من التواصل، ويعزز تفاعل نشط مع الأعمال المعروضة ومواضيعها.
على الجانب الآخر شدّد كلاهما على أهميّة الحدس في مقابل الفكر المنهجي، فكلاهما يعتقد أن البرمجة فعل حدسي بالضرورة، يدخل في أطر منهجيّة مهمّة ولكن الحدس وربما الحظ يمنحهم الكثير من الهدايا غير المتوقعة، أي أن برمجة مجموعة من الأفلام يعتمد على المحاولة والتجريب داخل وخارج الإطار المنهجي المتفق عليه، حيث يأخذ المنسق خطوة للخلف ويراقب كيف تتفاعل الأفلام مع بعضها، ومن خلال ذلك يستقر على الشكل الأخير. فمن الممكن أن ترى فيلمًا لا يشبه مجمل الأفلام، ولكنك واثق بشكل حدسي أن هناك شيئًا ما متآلف بينهم جميعًا، ليتبدى وجه آخر للبرمجة، أشبه بورقة اليانصيب، فيه نوع من المخاطرة والحظ، لتلعب الصدفة وحتى الأخطاء أحيانًا دورًا إبداعيًا. فالأشياء التي تبدو خاطئة في البداية يتضح فيما بعد أنها الأكثر إثارة للاهتمام.
وبالإضافة إلى جدوى الجانب الحدسي، تطرّق كلاهما إلى فكرة برمجة الأفلام القصيرة والطويلة، فبرمجة الأفلام الطويلة ولجان مشاهدتها هي عملية شديدة الصعوبة، ففعل التوليف والتآلف ذاته يعمل بشكل أفضل داخل الصيغ القصيرة، نظرًا لما توفره من مرونة وتنوع وإمكانيات لصناعة برمجة قيّمة ومشتبِكة.
تقارير ذات صلة
عن الأحلام واستمرار المحاولة
ثلاثة لقاءات جاءت في إطار برنامج «نوبة أخرى من الأحلام»، تناولت البدايات والأحلام والمآلات
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن