تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ما نجا مني

ما نجا مني

سلوان #8

كتابة: بلال حسني 4 دقيقة قراءة

#جو عام

«سلوان» لا تقلب المواجع -لا سمح الله- أو تنكأ قشورًا غطت جراحًا قديمة، بل تقرؤون فيها خلاصات تجارب كُتبت بحساسية وتقليب على جمر النار كما تقول الست أم كلثوم، دون تركيز على الإيلام، بل أُعدت كضفيرة، حيث نقدم كل خبرة عميقة برؤيتين متداخلتين ننشر ديتوكسين كل ويك إند، وفي طلعة سلوان الأخيرة، يكتب بلال حسني عن أعز عزيز، عن نفسه التي نجت من أذى قديم، ومراكمة خبرات مؤلمة صارت جزءًا منه لا يسهل الكتابة عنه، ليكمل ضفيرة بدأتها سلمى الديب، محررة هذه السلسلة، عن موت عزيز.

وفي «سلوان» لا نقدم مشاعر مؤلمة أو نعيد آثارها على أصحابها أو مَن مروا بها أو نجوا منها، حتى يكون اسم السلسلة على مسمى، لكن يحتمل أن تسبب قراءة بعض المواد آثارًا نفسية أو تذكر بما لا يُستحب استعادته، لذا لزم التنويه. 

#سلوان

ما يجعلني اليوم حيًا بشكل كامل هو دينٌ أحمله لتلك اللحظة التي فقدتُ فيها كل شيء قبل 16 عامًا.

هذا الشاب العشريني المُلقى أسفل الرصيف، هو أنا. عاريًا، ينزف من معصميه حتى الموت. مجرد كيس من اللحم وسط هذا الاتساع المهول للحياة، الذي يفوق طاقته على الاحتمال. مع كل خبرته وتدريبه على تحمل الألم، لم يكن لأي مما تعلمه قيمة تُذكر. في نوبة غضب حاول احتواء الانفجار الداخلي بتمزيق جسده عبر لوح ضخم من زجاج.

قبل دقائق من إغمائه، طلب المساعدة من صيدلية، لكن العاملين دفعوه وأغلقوا الباب بالمفتاح خلفه، تاركين نافورة الدم ترسم خطوطًا على المدخل الأمامي، حاول إيقاف سيارة بالوقوف أمامها، لكن سائقها فضل الاصطدام به بجانب السيارة خوفًا منه. مر طبيب بالصدفة وأوقف شدة تدفق النزيف، بعقد معصميه بخرقة وسخة وسلك نحاس، ثم تركه في سباته على قارعة الطريق.

ربما يتذكر الآن أول فقد لعزيز غالٍ في حياته، «مودي»، صديقه وجاره، الذي دخل في نوبات الكذب الخيالي مع إتمامه عامه الحادي عشر. كان يخبر الجميع أنه يرى مخلوقات صغيرة تجلس على حافة أسطح العمارات. لم يصدقه أحد، خاصةً أمه، لكنه صدقه من الحكي الأول. حاول التدرب بفتح عينيه على اتساعهما ناحية ما يشير إليه، لكن مودي اعترف أخيرًا أنه كان يكذب. لقد خدعه وقرص قلبه وترك جرحًا لا يلتئم.

انقطعت علاقتهما حين ترك مودي الحي وانتقل مع عائلته للسكن في مكان آخر. في الصيف التالي، بينما كان يقف في البلكونة ينتظر مودي يمر مع والده في فسحتهما الأسبوعية للصيد على الشاطئ، حيث كان الشارع الذي يقطن به المخرج الوحيد للبحر، قرر هذه المرة ألا يلقي التحية في أثناء عبورهما الشارع، وجعله يصدق أن لا أحد ينتظر في البلكونة.

مات مودي غرقًا بعدها بفترة قصيرة، قبل انتهاء الصيف. ظل لسنوات يحاول إذابته من الذاكرة، وعن قراره ألا يلوّح بيده مودعًا.

كان مُقيدًا أسفل الرصيف، بالسلك النحاس والخرقة الوسخة. مثل فر بطاقات المعايدة، توقف أمام فقده لأمه. أحب ملامسة صورتها في ذاكرته، وهي تعض بقوة على كفه وهما في طريقهما إلى فيلا العائلة في الكينج مريوط، بعد أن يئسوا من شفائها. كان الهواء المتجدد، ورُقية فتاة بدوية مباركة، هو الأمل الأخير. ذلك الغضب المأزوم من أسنانها الضعيفة، كان كل ما تبقى له، تفوح منه رائحة اللحظات الطيبة بين أم وابنها. ربما لهذا السبب يحب كفوفه، يحبها لذاتها، ويحب النظر إليها.

الآن، وهو مُلقى على الرصيف، على بِركة الذاكرة، أهمس: «لا لوم عليك»، وأبوس كفي لعله يطمئن.

استفاق مشوشًا بالكاد يميز ما حوله. شعرة عالقة في حلقه لاكها بفمه حتى خرجت، وكأنما استعاد شيئًا من وعيه. هناك فرصة للنجاة، معدومة تقريبًا، لكنها حاضرة كظل ثقيل. إذا لم تمر سيارة إسعاف، فلديه خطة بديلة: أن يُدفن الآن تحت الرصيف، وفي الشتاء القادم، تتفتح الحشائش بين الشقوق.

لكن ما حدث معه تجاوز الواقع. بدلًا من أن تتسرب أصوات وحركات العالم الحقيقي إلى أواخر الحلم، زحف شيء من أعماق الحلم إلى الواقع. مع انخفاض الدم، الجرس الداخلي الذي ازداد حدة تحوّل إلى صورة: رجل عارٍ يقرفص، يقرع بمطرقة على طار نحاسي، إيقاعه ثابت كإعلان لا يمكن تجاهله. عرف أن هذه نهايته، ولم يفزع. وهُيئ له أنه رأى نفسه يمر من العابرين خلف العازف العملاق، يحمل حقيبة وبعض الكتب وكيس خضراوات، كأنه في طريقه للمنزل بعد يوم طويل.

أفاق بعد الجراحة، والجراح يشكو بسخرية من استجابته الضعيفة للبنج الكلي، ونصحه بتجربة وصفة خطيرة لشوربة السمك. في فترة النقاهة، جرّب شوربة السمك، ظل يستمع إلى تسجيل أخذ بالموبايل في أثناء حكيه للحلم تحت تأثير البنج. لم يتعرف على صوته، يشبهه لكنه لا يطابقه. ضحك بصوت مرتفع حتى شعر بوخز الجرح، وتذكر روحه كصديق قديم، حين شاركها فقدًا مبكرًا عن موعده، واختبرا عاطفة مرعبة وفوضوية.

وسلام.

كمّل ضفيرة سلوان بقراءة «موت عزيز» هنا.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#ديتوكس

حلم ولّا فيلم

#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع

إبراهيم عبد الفتاح 7 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن