تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ماذا يحدث للأسعار في سوق الغذاء؟ 3 أسئلة في 3 أجوبة

ماذا يحدث للأسعار في سوق الغذاء؟ 3 أسئلة في 3 أجوبة

كتابة: أميمة إسماعيل 7 دقيقة قراءة

بحسب بيانات مؤشر منظمة الأغذية والزراعة (فاو) لأسعار الغذاء الصادرة في أكتوبر الجاري، ارتفعت أسعار الغذاء عالميًا بمتوسط 32.8% على أساس سنوي، وهو أعلى مستوى زيادة منذ عشر سنوات.

caption

أرجعت «فاو» أغلبية الزيادات في أسعار الغذاء عالميًا لأسباب تتعلق بزيادة معدلات الطلب العالمي من جانب وتراجع أو ثبات العرض من جانب آخر، في ظل بعض الاضطرابات المناخية في بعض الدول التي تعتبر منتجًا رئيسيًا لمحاصيل بعينها.

يقول أستاذ الزراعة ومستشار وزير التموين الأسبق، نادر نور الدين، لـ«مدى مصر» إن زيادة الطلب العالمي على المواد الغذائية جاءت في ضوء تخفيف القيود التي فرضتها الدول ضمن الإجراءات الاحترازية ضد جائحة كورونا. السبب الأكثر تأثيرًا في هذه الزيادة، بحسب نور الدين، يتمثل في ارتفاع أسعار النفط، مشيرًا إلى زيادة السعر من 60 دولار للبرميل إلى 86 دولار خلال أقل من شهرين. 

يشرح نور الدين: «هناك علاقة وثيقة بين سعري البترول والغذاء. يتم استخدام البترول بشكل مباشر في عملية الإنتاج أو لتوليد نوع آخر من الطاقة مثل الكهرباء واستكشاف الغاز، ولذا تمثل تكلفة الطاقة 33% من تكلفة الإنتاج الزراعي، تُستخدم في طلمبات رفع المياه، وإنتاج الأسمدة والمبيدات، وعملية الحصاد ونقل المحصول من الحقل للأسواق، والتبريد والتسخين، والصوبات الزراعية، والتصنيع الغذائي».

كانت أسعار النفط قد سجلت 86 دولار للبرميل خلال أكتوبر الجاري، وهو أعلى مستوى سعري منذ ثلاث سنوات، وهي الزيادة التي تسبب فيها ارتفاع الطلب على النفط عقب ارتفاع أسعار الغاز الذي يعاني نقصًا في المعروض منه بفعل تدني الاستثمارات الموجهة له في السنوات الأخيرة لصالح الطاقة المتجددة بحسب الرئيس التنفيذي لشركة CMarkits، يوسف الشمري. وما فاقم أزمة الغاز، بحسب صندوق النقد الدولي، في ورقة صادرة عنه منتصف أكتوبر الجاري، تعرض الإمدادات من الفحم المستخدم في إنتاج الكهرباء، للانقطاع أيضًا، بفعل عوامل لوجستية وأخرى متعلقة بالطقس والتي أحدثت شللًا في إنتاج أستراليا وجنوب إفريقيا، بينما هبط إنتاج الفحم في الصين، أكبر منتج ومستهلك للفحم في العالم، في ظل أهداف خفض الانبعاثات الكربونية، التي تعهدت الصين بتنفيذها عبر خفض إنتاج الفحم تدريجيًا حتى الوصول إلى صفر بحلول 2060.

غير أن استهلاك الغاز الطبيعي انتعش بسرعة بحسب صندوق النقد الدولي، مدفوعًا بالإنتاج الصناعي، مما عزز الطلب في وقت كانت فيه الإمدادات منخفضة نسبيًا. وكان صندوق النقد الدولي وعدد من المراقبين قد توقعوا استمرار أزمة الطاقة حتى الربع الثاني من العام القادم 2022.

كيف تأثرت الأسعار المحلية بالعالمية؟

انعكاس الزيادات العالمية لأسعار الغذاء ظهر بوضوح داخل السوق المحلية خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث ارتفعت معدلات التضخم السنوية بنهاية سبتمبر الماضي إلى 8% مقارنة بـ3.3% في نفس الشهر من 2020، وتمثل مجموعة الطعام والمشروبات 35.9% من الوزن النسبي لمؤشر أسعار المستهلكين.

نور الدين يؤكد على تأثير الأسعار العالمية على المحلية في سوق الغذاء، نظرًا لأن مصر تستورد 65% من غذائها من الخارج. 

caption

مصدران في اتحاد الغرف التجارية، من شعبة المواد الغذائية بغرفتي القاهرة والجيزة، فضلا عدم ذكر اسميهما، رصدا لـ«مدى مصر» الزيادات التي حدثت في سوق المواد الغذائية في مصر منذ بداية العام الجاري 2021. 

caption

وبالرغم من انعكاس زيادات الأسعار العالمية على السوق المحلي بنسب متقاربة، إلا أن نور الدين يرى أن السوق يعاني من غياب الرقابة بالنسبة لبعض السلع الاستراتيجية: «دائمًا ما تكون الزيادات المحلية ضعف العالمية بسبب انعدام الرقابة. وزارة التموين تؤمن بترك السوق للعرض والطلب، وهذا خطأ لأن كل الدول الرأسمالية تُرفق الرقابة بإعمال آليات العرض والطلب، لأنه لو تُرك الأمر في يد التجار دون رقابة ستكون الزيادات كبيرة. على سبيل المثال، بمجرد تحريك أسعار الزيوت في البورصات العالمية، قام التجار بزيادة سعر زجاجة الزيت هنا، بالرغم من وجود مخزون استراتيجي يكفي خمسة أشهر، أي أن الأسعار لا ينبغي أن تتحرك قبل خمسة أشهر. التجار باعوا بالسعر الجديد الكميات التي تم استيرادها  بالسعر القديم».

ويضيف نور الدين أنه بالنسبة للنقل، لم يتأثر بارتفاع سعر النفط لأن السولار هو المحرك الأساسي لعمليات النقل، ولا يزال السولار مدعومًا في مصر، وبالتالي، لا يوجد مبرر للزيادة.

يعترف مصدر بشعبة المواد الغذائية بقيام التجار بزيادة أسعار المواد الغذائية المُخزنة قبل استيراد شحنات بأسعار جديدة منعًا لتآكل رأس المال، بحسب تعبيره، موضحًا أن الزيادات العالمية للأسعار تُقلص قدرة المستوردين المالية على استيراد نفس الكميات بأسعار ما بعد الزيادة، نظرًا لأن القوة الشرائية لحصيلة بيع المخزون بأسعار ما قبل الزيادة ستنخفض بنفس النسبة التي زادت بها الأسعار. يوضح المصدر أنه حال تحقيق إيرادات بيع 100 طن زيت على سبيل المثال بالسعر القديم لن تستورد سوى 40 طن بالسعر بعد الزيادة البالغة 60% ولذا بمجرد زيادة الأسعار في البورصات العالمية يرفع التاجر السعر محليًا حتى يتسنى له استيراد نفس الكميات عقب نفاد المخزون.

ماذا عن المنتج المحلي؟

ارتفاع الأسعار العالمية للغذاء لن يرفع أسعار الأغذية المستوردة فقط، بل سيدفع أسعار المواد الغذائية المحلية نحو الزيادة بنسب متفاوتة بحسب المدخلات المستوردة فيها، وهو ما يؤكده نور الدين، الذي يقول إن مصر حققت الاكتفاء الذاتي من الخضروات والفاكهة والبيض و90% من الدواجن، وبالرغم من ذلك شهدت أسعار الفاكهة والخضروات زيادات متتالية خلال الأشهر القليلة الماضية بسبب ارتفاع أسعار الأسمدة.

وقد رصد الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع سعر مجموعة الخضروات خلال سبتمبر الماضي 23.5%، وكذلك ارتفاع مجموعة الفاكهة 17% خلال سبتمبر فقط.

ولكن، يعود نورد الدين لمسألة غياب الرقابة عن الأسواق ويعتبرها سببًا أيضًا في ارتفاع السلع المحلية بشكل مغالى فيه، حسب تعبيره، ضاربًا المثال بالأرز، الذي ارتفع سعره 25% رغم أنه منتج محلي، والمدخلات الإنتاجية المستوردة لزراعة هذا المحصول، مثل الأسمدة والبذور، لا تسبب هذه الزيادات السعرية. كما يصف نور الدين سوق الدواجن والبيض خلال الشهرين الماضيين بـ«المنفلتة» موضحًا أن أسعار فول الصويا والذرة الصفراء ارتفعت عالميًا، وهما مكونان رئيسيان لأعلاف الدواجن والحيوانات، وبالرغم من ذلك ارتفعت أسعار الدواجن والبيض بمتوسط 60% خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة، فيما سجلت اللحوم الحمراء متوسطات أقل، مما يدلل على عدم تناسب الزيادات مع السبب ورائها. 

ما وصفه نورالدين بالانفلات في سوق الدواجن والبيض تحديدًا، هو ما دفع جهات مختلفة مثل الرقابة الإدارية ووزارتي الزراعة والتموين لبحث الأزمة واقتراح مبادرات مختلفة لخفض الأسعار، وسط تبريرات متشابهة من المنتجين والتجار حول الأزمة تتلخص في ارتفاع أسعار العلف المستورد، ورغبة المربيين في تعويض خسائر فترات سابقة.

وزير التموين الأسبق، جودة عبدالخالق، يقول لـ«مدى مصر» تأكيدًا على مسألة الرقابة «الطريقة اللي ماشي بيها بدائية» موضحًا أن انضباط الأسعار مرتبط بتنظيم العلاقة بين العرض والطلب بشكل يحقق توازن السعر عند مستوى له معنى اقتصادي وله مقبولية اجتماعية، وهو أمر غائب عن السوق المصري الذي يعاني بعض السلع فيه من سيطرة جماعات المصالح.

كيف يؤثر ارتفاع أسعار الغذاء على جيب المواطن وجيب الدولة؟  

على المستوى العام، يقول صندوق النقد الدولي إن تأثير الأزمة يختلف من بلد إلى آخر، إذ يمكن أن يشهد المستهلكون في الأسواق الناشئة زيادات أعلى بسبب زيادة الاعتماد على الواردات الغذائية، مثل دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. توقع الصندوق أن في البلدان منخفضة الدخل، قد تكون آثار زيادة تضخم أسعار الغذاء وخيمة، وتهدد بتراجع الجهود المبذولة للقضاء على الجوع.

أما على المستوى المحلي، يقول عبد الخالق إن استيراد مصر لأكثر من نصف غذائها من الخارج يجعل الوضع مربكًا، لأن الاقتصاد في ظل الزيادات العالمية للأسعار يصاب بصدمة تنعكس على العملة المحلية: زيادة الطلب على النقد الأجنبي من أجل مواكبة الارتفاعات في الأسعار يؤدي إلى تراجع قيمة العملة المحلية. وحتى في حالة تدخل البنك المركزي بضخ عملة أجنبية من الاحتياطي النقدي، فسيؤدي ذلك لتراجع الاحتياطي، مما يؤدي لنفس النتيجة وهي هشاشة في قيمة الجنيه. كما تؤدي الارتفاعات في الأسعار لزيادة العجز في الموازنة لارتفاع  فاتورة دعم السلع التموينية وعلى رأسها الخبز. 

أما بالنسبة لتجربة المواطنين مع هذه الزيادات، فيمكن اختبارها على مستوى إنفاق الأسر على بند الطعام، وهو ما له مردود بالطبع على زيادة معدلات الفقر. فمتوسط إنفاق الأسرة على بند الطعام يبلغ نحو 35% بحسب بحث الدخل والإنفاق. يقول عبد الخالق إن نسبة 35% تعبر عن المتوسط الذي يرتفع كلما انخفض الدخل، ويمكن أن تصل لأكثر من 50% في الشرائح الفقيرة، وهو ما يجعل الزيادات الأخيرة في أسعار الغذاء قاسية على هذه الشريحة. يتوقع عبد الخالق أن تصل نسبة إنفاق شرائح الدخل المنخفضة نحو 80% على بند الغذاء بعد الزيادات الأخيرة، وخاصة أنها الطبقة الاجتماعية التي تعتمد في نمطها الغذائي على القمح والزيوت والبروتين النباتي، وهي السلال التي شهدت أكبر الزيادات مؤخرًا.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن