ماذا وراء قصف معبر رفح؟ إسرائيل تدفع الفلسطينيين لدخول رفح المصرية الخالية من السكان
هبطت، اليوم، في مطار العريش، طائرة عسكرية أردنية تحمل مساعدات طبية لسكان قطاع غزة، وذلك بعد وقت قصير من بيان وزارة الخارجية المصرية عن تخصيص مطار العريش لاستقبال المساعدات الإنسانية الدولية الموجهة إلى الشعب الفلسطيني، ضمن دعوة مصرية بضرورة توفير النفاذ العاجل والآمن للمساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.
الطائرة والبيان جاءا بعد يوم من إعلان مستشار الأمن القومي الأمريكي، جيك سوليفان، أن بلاده «تجري محادثات مع إسرائيل ومصر، بشأن توفير ممر آمن للمدنيين في غزة»، دون الإفصاح عن طبيعة الممرات واتجاهها، موضحًا أن «التفاصيل محل نقاش بين الوكالات التنفيذية».
جاء الإعلان الأمريكي بعد يوم واحد من توقف معبر رفح البري الواصل بين مصر وقطاع غزة عن العمل، إثر ثلاث ضربات جوية إسرائيلية استهدفت الجانب الفلسطيني للمعبر، في الوقت الذي رفضت فيه الحكومة الإسرائيلية طلبًا مصريًا استمر لثلاثة أيام بإدخال قافلة مساعدات تحمل وقودًا ومستلزمات طبية ومواد غذائية، بحسب مصدر حكومي مطلع تحدث لـ«مدى مصر»، مشددًا على أن قلقًا عميقًا ينتاب القاهرة من تفاقم الوضع، ما قد يدفع آلاف الفلسطينيين لاختراق الحدود المصرية بحثًا عن الطعام ومناطق آمنة من القصف، كاشفًا عن رسالة شديدة اللهجة بعثتها مصر إلى الحكومة الإسرائيلية في أعقاب ما نُسب إلى مسؤولين إسرائيليين بِحَثّ سكان القطاع على النزوح إلى الأراضي المصرية تجنبًا للقصف.
الضربات الجوية الثلاثة التي استهدفت المعبر وأخرجته عن العمل، بررها مصدر حكومي مصري مطلع، بأن إسرائيل تقصف المنطقة الحدودية الملاصقة لمصر نتيجة اشتباها بوجود عناصر جهادية مسلحة قد تكون غير خاضعة لحماس.
«وقُبيل الضربة الثانية للمعبر، التي وقعت ظهر الاثنين الماضي، كانت شخصيات مهمة تستعد لمغادرة القطاع (لم يفصح عن هويتها)»، بحسب مصدر صحفي في غزة، في الوقت الذي كشف فيه مصدران بمعبر رفح عن عبور شخصية ذات طابع مهم تحت اسم (ربما حركي)، فريد جهاد عثمان، من قطاع غزة إلى مصر عبر معبر رفح، وذلك بعد الضربة الإسرائيلية الأولى للمعبر الاثنين الماضي، وبحسب المصادر، نُقلت الشخصية المهمة، التي حملت تقريرًا طبيًا وثّق إصابتها بجرح قطره 5 سم في الكف، مباشرة إلى القاهرة عبر سيارة إسعاف تحت حراسة ثلاث آليات عسكرية.

دَفْعُ الفلسطينيين إلى داخل الحدود المصرية في شمال سيناء حدث مرتين سابقًا: الأولى في 2005 وعبر خلالها 100 ألف فلسطيني، والمرة الثانية في 2008 حين عبر 750 ألف فلسطيني الجدار الفاصل بين مصر وغزة، واندفعوا إلى سيناء للحصول على مؤن من الغذاء والوقود، وهو ما جرى أيضًا نتيجة حصار إسرائيلي محكم على قطاع غزة، فيما لم يستمر وجود الفلسطينيين في المرتين لأكثر من أسبوع واحد، كان كافيًا للتزود بالمؤن، والعودة مرة أخرى للقطاع الذي كان محصارًا وقتها، وليس في حالة حرب أو تحت قصف جوي لا ينقطع.
التخوف المصري يفسره وضع الأراضي المصرية المحاذية لقطاع غزة، ففي المرتين السابقتين كانت المدينتان المصريتان المحاذيتان للقطاع، رفح والشيخ زويد، بكامل تعدادهما السكاني وأيضًا بكامل رقعتهما الزراعية الواسعة، وهو ما تغير حاليًا، فرفح المصرية باتت فارغة تمامًا من السكان وكذلك أجزاء واسعة من مدينة الشيخ زويد، جراء الحرب على تنظيم «ولاية سيناء» بين عامي 2014 و2022، وربما ترى إسرائيل في المساحة التي أخلتها مصر وترفض عودة سكانها إليها، لضرورات أمنية واقتصادية، فرصة سانحة لتفريغ قطاع غزة من ساكنيه، تنفيذًا لمخططات قديمة لديها بخلق امتداد جغرافي للقطاع في الأراضي المصرية الخالية.
مطالب الرحيل الموجهة إلى سكان قطاع غزة تكررت أكثر من مرة على ألسنة المسؤولين العسكريين الإسرائيليين، بل وصلت إلى تحديدهم المكان الذي يطلبون من الغزاويين النزوح إليه وهو مصر، قبل أن يتراجع الجيش الإسرائيلي، أمس الأربعاء، عن تلك التصريحات مؤكدًا «أنه لا توجد أي دعوة إسرائيلية رسمية لتوجيه سكان قطاع غزة نحو الأراضي المصرية»، منوهًا إلى أن «قواته تقوم بحملة لإخلاء مناطق تشهد تواجدًا عسكريًّا لحماس والمنظمات الإرهابية الأخرى من السكان المدنيين، حيث يتم توجيه السكان إلى مناطق ومأوى داخل حدود قطاع غزة دون الخروج منه».
من جانبها استبقت السلطات المصرية تراجع الجيش الإسرائيلي عن تصريحاته، ونشرت، الثلاثاء الماضي، عبر قناة القاهرة الإخبارية، التابعة لمجموعة «المتحدة» التي تملكها المخابرات المصرية، تصريحات عن مصادر مصرية رفيعة المستوى، حذرت فيها من «دفع الفلسطينيين العزل تجاه الحدود المصرية وتغذية بعض الأطراف لدعوات بالنزوح الجماعي»، وأكدت المصادر، حسبما نقلت القناة، أن «السيادة المصرية ليست مستباحة وسلطة الاحتلال مسؤولة عن إيجاد ممرات إنسانية لنجدة شعب غزة».
قبل أن تعود ذات المصادر، أمس، وتصرح مرة أخرى «أن هناك مخططًا واضحًا لخدمة أهداف الاحتلال القائمة على تصفية الأراضي الفلسطينية من سكانها»، مؤكدة أن حكومة الاحتلال تجبر الفلسطينيين على الاختيار بين الموت تحت القصف أو النزوح خارج أراضيهم، فيما قال الرئيس عبد الفتاح السيسى، الاثنين الماضي، «أمن مصر القومي مسئوليتي الأولى ولا تهاون أو تفريط فيه تحت أي ظرف وإن مصر لا تتخلى عن التزامها بالقضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية».
تراجع إسرائيل عن تصريحاتها لم يُنه التخوف المصري من حدوث نزوح جماعي من قطاع غزة إلى سيناء، وحسب ما نقلت وكالة رويترز عن مصادر أمنية مصرية وفلسطينية فإن مصر تتحرك حاليًا لمنع وقوع نزوح جماعي إلى شبه جزيرة سيناء.
كما نقلت «رويترز» عن مصدرين أمنيين مصريين أن مصر حثت إسرائيل على توفير ممر آمن للمدنيين داخل القطاع بدلًا من تشجيعهم على الفرار باتجاه سيناء، جاء ذلك عقب إعلان القناة 12 الإسرائيلية بأن إسرائيل هددت مصر بضرب أي شاحنات تحمل مساعدات تحاول الدخول إلى غزة عبر معبر رفح البري.
وهو ما نفاه مصدر حكومي مطلع لـ«مدى مصر»، قائلًا إن إسرائيل أبلغت مصر أن القصف مستمر ولن يتوقف، ما يعني بالضرورة تعرض أي شاحنة مصرية تحمل مساعدات للقصف حال دخولها القطاع، مؤكدًا تحرك مصر لطلب وساطات دولية لإقناع إسرائيل بإدخال المعونات حتى لا يتفاقم الوضع، مما قد يدفع آلاف الفلسطينيين لاختراق الحدود المصرية بحثًا عن الطعام ومناطق آمنة من القصف.
من جانبه، يرى رئيس منتدى الشرق الأوسط للدراسات السياسية والإستراتيجية، سمير غطاس، أن إسرائيل تحاول أن تقول إن الحل هو إخراج السكان الفلسطينيين من القطاع وليس إدخال المساعدات، وتوجيه رسالة لمصر مفادها «لو عايز تأكل وتشرب الناس وتعالجهم خدهم عندك» على حد تعبيره.
فيما اتفق مصدر فلسطيني مسؤول ينتمي لحركة فتح، تحدث لـ«مدى مصر»، مع رؤية غطاس، على أن إسرائيل تدفع باتجاه تدهور سريع على الأرض، ما سيؤدي إلى تدفق الفلسطينيين تجاه الحدود المصرية، التي وصفها بـ«الممر الآمن الوحيد لسكان غزة للعالم الخارجي».
إذًا هل تريد إسرائيل شكلًا آخر للخروج أقرب إلى النزوح الجماعي واجتياح حدودي بأعداد كبيرة تجاه الأراضي المصرية على غرار ما حدث عامي 2005 و2008، على أن يكون خارجًا عن رقابة السلطات المصرية الحريصة على آلية دخول تتمحور حول انتقاء من يُسمح له بالدخول من عدمه؟ شدد سمير غطاس على أن إسرائيل تدفع الفلسطينيين إلى الخروج بطول الحدود البالغة 13 كيلومترًا مع مصر، بداية من البحر المتوسط وحتى معبر كرم أبو سالم.
وأوضح غطاس رغبة إسرائيل فى أن تُحيي خطة قديمة لها تتركز على توسعة أراضي قطاع غزة داخل الحدود المصرية في سيناء، في تكرار لما فعلته بعد عام 1948 مع سكان فلسطين ودفعهم للخروج إلى الأردن وسوريا ولبنان، على نحو كان من المفترض أن يكون مؤقتًا، ولكنه تحول إلى إقامة دائمة أفرزت أزمة اللاجئين الفلسطينيين.
ويرى غطاس أن هذا المخطط ربما يتحقق خاصة مع الضغوط الخارجية على مصر بعد إعلان زيارة وزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، للمنطقة، تتضمن الأردن وإسرائيل فقط.
كما أعلنت شركة شيفرون، مُشغلة حقل «ليفاثيان»، أكبر حقول الغاز الإسرائيلية، وقف استخدام خط أنابيب «غاز شرق المتوسط»، لتصدير الغاز إلى مصر، واستبداله بخط أنابيب «الغاز العربي»، الذي يصل مصر قادمًا من الأردن، دون إيضاح أسباب قرارها، في الوقت الذي لم يتمكن «مدى مصر» من التحقق مما إذا كانت إمدادات الغاز ستصل إلى مصر عبر الخط البديل أم لا.
من جانبه اتفق وزير البترول الأسبق، أسامة كمال، في تصريحات لـ«مدى مصر»، مع رؤية غطاس، في أن إسرائيل تستخدم ملف الغاز للضغط على مصر لفرض بعض الشروط المتعلقة بالتعامل مع أزمة قطاع غزة، إلى جانب إثارة قلق الجانب الأوروبي، نظرًا لحساسية أي نقص في موارد الغاز.
ظهر الاختلاف الديموغرافي داخل الحدود المصرية جليًا في خطة الحكومة للتعامل مع أزمة تدفق اللاجئين المحتملة من القطاع، بحسب مصدر مسؤول في محافظة شمال سيناء تحدث لـ«مدى مصر»، وتمثل في أن التعليمات جاءت في حال اختراق الحدود، بنصب خيام في مدينتي الشيخ زويد ورفح مع فرض كردونات أمنية تمنع التسلل منها، مع التشديد على عدم دخول أي فلسطيني إلى مدينة العريش المحاطة بجدار من جميع الجهات مزود بأبراج حراسة، وثلاث بوابات عملاقة عليها ارتكازات مشتركة من الجيش والشرطة.

كان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أعلن، السبت، «حالة الحرب»، مهددًا الفلسطينيين في غزة بضرورة الرحيل لأنهم سيضربون «بقوة في كل مكان»، وبعد يوم واحد، ارتفعت حدة القصف الجوي والبري والبحري الإسرائيلي على قطاع غزة بشكل غير مسبوق حتى اللحظة، ردًا على هجوم «حماس» صباح نفس اليوم.
أعقب ذلك إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي، يوآف غالانت، الاثنين الماضي، قطع جميع سُبل الحياة من كهرباء ومياه ووقود عن القطاع الذي يقطنه ما يزيد على مليوني شخص، تحت حصار فرضته إسرائيل لما يقرب من عقدين، فيما وصفت منظمة هيومن رايتس ووتش، تهديدات غالانت بـ«المقززة وتشكل عقابًا جماعيًا بما يمثل جريمة حرب».
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن