تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ماتش شعر ودي

ماتش شعر ودي

كتابة: بلال حسني 6 دقيقة قراءة

في شوارع الإسكندرية ظهرت طبقة غريبة من أصحاب الياقات البيضاء، يمكن رؤيتهم في الساعات الأولى من الصباح، يجلسون على طاولات مطاعم «ستاربكس» و«فريسكا» عند مول سان ستيفانو، يتناولون إفطارهم في الهواء الطلق، كأنهم من ديكور المول، تشعر باهتزاز الستائر الثقيلة حولهم، يرمقون المارة بنظرات محايدة، كأن حكم مبارك، وصعود الابن، لا يناسبان غير الطموحين.

في هذا الزمن، رأيته، عِظامُه بارزة، ورسغه هش، وما تحت جلده من المؤكد أنه دم داكن، كما لو أن لمسة واحدة قد تطرحه أرضًا. ومع ذلك، أكتافه عريضة.

يتحرك بعنف كامن، رغم الهدوء المخادع الذي يبثه في صالة البيت. ميدو زهير… متوهّج، ومنطفئ حتى التخوم، كما لو أنه يعيش داخل مرآة مكسورة، يلعب بها طفل. ورغم انسجامه العجيب في تلك السهرة، يبدو كمَن تورط فيها، مثلما أورطه في هذا النص.

كالأثاث مرتفع عن الأرض بمقدار حبّة، لكنه، في الوقت ذاته، حفرة. 

جاء من القاهرة صحبة أصدقاء مشتركين، لكل منهم خططه المؤجلة في الإسكندرية، وكانت النهاية في شقة صغيرة بمنطقة فيكتوريا، يملكها زوجان شابان.

كنت سعيدًا وتعيسًا لأنني قابلت ميدو مرة واحدة، ولم تتكرر.

هذا هو العام الأول لي بعد انفصالي عن منزل أهلي. وقبل أن نصل إلى هنا، كنت نائمًا في أوضة بفندق هوليداي إن. ليس أفضل مكان، لكنه يمتاز بأن الشمس لا تدخله نهارًا، ومصابيحه خربة ليلًا. فقط ملاءات نظيفة، وغرفة فارغة. مجموعة أصدقاء تنتظرني ومعهم ميدو في كازينو الفندق، وكانت الساعة بين السابعة والتاسعة مساء، أشد ساعات النوه إيلامًا، ساعتان لا تخيبان أبدًا في إدراكك بعدهما ما إذا كنت ستنخرط في الليل، وأين سيقودك. 

تصرفت مع السؤال بوجه متقلب، وهذا على غير عادتي. لم أرغب في إلقاء قصيدة أمامه. ميدو يحقق الكثير في مساحة صغيرة، تسرح أشطره في الأرض، ونصبح نحن جحورها. أما أنا فكنت، كما يبدو، أشكل فيزياء للقصيدة، كأنني بنت صغيرة تجذبها رائحة البن، قلت بنغمة خفيفة: «يا مخازن البن الأهلية»، وتعالت الضحكات حولنا، لا عنها بالضرورة، لكن بسببها. كان يمر القهوجي لأخذ الحساب فأقول:

يا مخازن البن الأهلية، يا معبية 

 شارع النبي إيه؟ النبي دانيال 

كان على كل واحد أن يتذكر ما شربه، وما شربه قبل ساعتين، حين ذهب لمشوار ثم عاد. حتى المشروب غير المسدد من الأمس.

وأنا ماشية مسامي عطشانة

لهوا امبريال … وآه يانا

لسه له شارعين 

من شارع إيه؟ 

النبي دانيال

بينما القهوجي يخبر كل واحد ترتيبًا دقيقًا لمساره خلال اليومين الماضيين، نظر لي ميدو، وقال رأيه بسرعة البرق: مُضحكة. 

أردت إخباره أنها شجاعة كبيرة أن يدعو إلى الحب، بوصفه الفرض الغائب، لكن بدا لي كتعليق ساذج ولئيم. 

وأول ما حبك يقابلك يسيبك 

وأول ما حبك يسيبك تخاف

… زهير

قادتني تلك الليلة إلى سهرة وسط مجموعة كبيرة جدًا من الرفاق، تتشابك دوائرهم، إلى حد أنني نسيتُ كيف بدأت. ما إن تبدأ فقرات اللعب حتى تتشكل معالم السهرة: وداع طويل للعب، يجمعنا الرقص، والسينما، والرسم. اليوم، مزاجنا يتنقل بين لعبة الأفلام، وأونو، و«الحقيقة أم الجسارة»، ثم الغناء، فالطبخ، قبل أن نكمل السهرة في كازينو «مزازيك». نتقابل مرتين أو ثلاث كل أسبوع، وأحيانًا مرة طويلة متصلة ليوم ونصف.

كان عام 2007 يوشك على الانتهاء، وكانت الشائعات تتردد حول صحة حسني مبارك وتلقيه علاجًا في أحد مستشفيات برلين. لا شيء يتحرك هنا، الحدائق العامة رتيبة، والناس فقدوا حس الفكاهة، حتى بعدما أفرغوا سخطهم في سلسلة من الروايات المتخيلة عن غيابه الإعلامي الطويل. كانت غرفة الأوزون التي قيل إن مبارك استخدمها لاستعادة عافيته، تخنق خيالنا. كأن حظرًا صحيًا فُرض على الجميع. وكنا جميعًا نتنقل بأجهزة تنفس محمولة.

الظُلم السايد مش سَيد

والحق لا مات ولا مِتقَيد

والشعب النايم مش نايم

والبحر الميت مش ميت 

… زهير

أعتقد أن قراءتي لأشعار ميدو ما زالت تطاردني. كان الجمهور يقف داخل القصيدة، يتمايل في حالة من الكآبة والرعب. في إحدى الزوايا، وجدتُ رجلًا أعمى أدرك أن القصيدة لا تقبل المساومة، وأن ميدو لا يمرر الملح أبدًا، بل يمده بالغضب الشديد الذي يحتاجه لإحيائه. طائرة ورقية تخبط رأسها في الأرض قبل أن تصعد.

على فترات، خلال سهرتنا التي كانت تتدحرج في أي اتجاه، كان ميدو يلقي قصيدة، تستمد قصائده قوتها من كونها عابثة، كأطفال يهربون من محل خردوات بعد أن فركشوا فرشه المنظم، كمن لا يميز بين المسامير والمكسرات، ومع ذلك، تبقى تماسيه لنا متآلفة مع أحاديثنا العادية. 

من أين تأتي كيمياؤه اللفظية؟ وهذا التحفز الذي يظهره ميدو بين لحظة وأخرى؟ أحيانًا، يتوه لبضع ثوان في عالم آخر، مطابقًا لعالمه فيزيائيًا، ومع ذلك يظل غريبًا، من زاوية لا يفصح بها العالم. 

يبقى هناك لصمتٍ قصير، يحاول، بس مش عارف.

هل هذه لحظة الشعر؟

كان الشعر في تلك المرحلة يتشكّل في عزلةٍ داخل عزلة، ثم ينفيها، يمكنك أن تكتب قصيدةً وتقرأها في أثناء خلقها. وكان من الطبيعي أن تذهب للسهر في محل يقدم رز بلبن أو مقهى شعبي، لتفاجأ بحفل شعر، أو رقص، أو عزف فردي. حتى الطباخ قد يكون أحد المدونين.

ماحنا الغوغاء

ولابُد نطِيق

نَزِلنا البير

زَحَالِيق زَحَالِيق

القَلب كبير

والصِدر يسَاع 

… زهير (2007)

في السهرة، كان ميدو غير مبالٍ بشكل عجيب، يصرف آخر قرش من انتباهه على أحد المدعوين غير المتآلف مع باقي السهيرة، ثم يلقي قصيدة. أحد أفضل طرق النجاة داخل القصيدة كان استخدام الكلمات كأصوات. يختبر صوت الكلمة قبل أن تعني شيئًا: حرف الكاف كما في «تسكر»، في مقابل الياء في «العيل». ثم يتحول المقطع إلى إيقاع، قبل أن يقول شيئًا، مجرد نداء، يستدعي كلمات تحب أن ترقص ثم تفلت منه:

لجل العشق ف بختَك مَيل،

 لجل الصُبح ف عِينك لَيِل.

الكلمات تتجاوب، تسخر، وتحفل عليه. التداعي الراقص يمنعك من الخروج لتدخين سيجارة، متعة السماع أجمل من جرعة النيكوتين. تدخل كلمات جديدة، تحاكي الأولى، وتعيد بناء علاقاتها:

لجل الصُحبة كانت قَحبة،

ولاجل الضِحكة طِلعت نَحبة،

ولاجل وشوش الماضي الشاحبة،

سايبة ف قلبك جَرح مِسَيل.

… زهير

الأصوات تنعم بالتناغم، تُصدر موسيقى مبهجة ومزعجة، تكرر نفسها وتضحك مرتين على نفس النكتة. تُهذّب بعض المقاطع حضورها، تختفي كلمات، تتغيّر نبرات، وتتحول اللحظة إلى انسجامٍ تام. يمكنك أن تلتحق بها في أي لحظة. وتنسحب من القصيدة حين تبدأ تلمس جلدك بسُكرها النغمي ولمستها الهلوسية.

أنا بالأخَص... وعالعُموم

أنا أي حاجة... و كُل يوم

أنا بِيت ف بِيت

أنا رَص رَص

أنا دَوشة دَوشة

أنا هُس هُس

أنا كُلُه كُلُه

أنا نُص نُص

أنا عَو عَو

… زهير

ربما لهذا السبب كنت أهدي دواوين الشعر للمسنين عند زيارتهم في المستشفى، كهدية أولى تأسيسية، فهي تساعدهم على البقاء على قيد الحياة، لميزة لا تنقلها أبدًا شاشة التلفزيون أو تصفح الأخبار على الإنترنت، ولا الممرضين، فقط الدواوين، وحدها تملك الكلمات التامة، الميتة، وسطحًا من أسفلها، تلك هي قيمة الشعر. حتى ولو كانت اللغة التي تستخدم لنقل المعلومات، هي لغة تحتضر.

في اليوم التالي، أو ربما بعد أسبوعين، ظهيرة ما في شارع خالد بن الوليد، دخلنا إلى مخزن طويل وضيق مليء أشولة البصل والبطاطس، تبولنا بعد تمشية طويلة، استأذنت الجرسون عندما أشرت إلى طاولة وكرسيين، لم يأتِ ليأخذ طلبنا، لكنه سمح لنا بالجلوس في أثناء بروفة لمطربة كانت ستغني ليلًا.

وقابلت أماني

وقابلت أبو دنيا 

وقابلت الحب 

وكان أبو دنيا يدخن عند مدخل الكازينو، ويرسل لها ابتسامته، بدا كزبون دائم، أو صاحب المكان، اقترب ميدو منه. لا أعرف إن كان يطلب منه ولاعة، أم يسأله عن الجرسون، لكن بدا لي بوضوح أنه يقتبس منه شيئًا، يفاوضه عليه أولًا، كحجر صغير لامع، كأنه يقتبس رموزًا، منتصرًا، يتقدم نحو هلاكه. 

لم تشغلني السياسة أبدًا، لم تكن أكثر من لحظات هتفنا فيها باستحياء ضد مبارك في مقاهي كليوباترا، حلمٌ صعب المنال. كان علينا التظاهر بأننا لسنا رهائن لمواقفنا، كنت أومن أن الثورة ستأتي، كان كل شيء حولي يشعرني بذلك.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#أدب

إلى حسني سليمان

بضع كتب، على قدر اتساع الرسالة، لا تغطّي طبعًا ما نشرته «شرقيات» من 1991 إلى 2017.

محمد درغام 11 دقيقة قراءة
#شعر

….زُهير

عن شعر ميدو الباقي بعد 5 سنوات من رحيله

مدى مصر 2 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن