لهذه الأسباب ترفض «الموارد البشرية» في «قطاع الأعمال» اللائحة الجديدة
اصطدمت مساعي وزير قطاع الأعمال، هشام توفيق، لما وصفه بخطة تطوير الشركات التابعة لوزارته، بقطاعات واسعة من العاملين في تلك الشركات، والذين احتجوا بأشكال مختلفة على جزء من الخطة التي وضعتها الوزارة، واعتبروا أنها تنتقص من بعض مميزاتهم الوظيفية وتهدد مستقبلهم الوظيفي.
الجزء الذي أثار الخلاف هو مسودة لائحة موارد بشرية جديدة صاغتها الحكومة في مسعى لتقليص خسائر شركات قطاع الأعمال، وانتهاج أساليب إدارة القطاع الخاص. عدد كبير من موظفي وعمال بعض شركات الوزارة شاركوا في هذه الاحتجاجات، والتي تراجعت نسبيًا بعد إلقاء قوات الأمن القبض على عشرة أشخاص على الأقل من موظفي وعمال الشركات التابعة لوزارة قطاع الأعمال خلال الأسبوع الماضي، بحسب زملاء لهم، دون صدور بيانات رسمية بخصوص تلك الوقائع. بينما تستمر المفاوضات بين الحكومة وممثلي العمال والموظفين في عدد من شركات قطاع الأعمال العام للوصول إلى توافق حول مسودة اللائحة الجديدة الموحدة.
لا يختلف عمال الشركات مع الحكومة حول «التطوير»، وإنما ينبع خلافهم حول الطريقة المتبعة لذلك. تطبيق لائحة موحدة على 119 شركة تابعة للوزارة، يعمل بها أكثر من 200 ألف عامل، أمر غير منطقي، حيث تختلف تلك الشركات في الإنتاج والأجور والخبرات والأقدمية والأرباح، حسبما قال المحامي العمالي عبدالغفار مغاوري لـ«مدى مصر».
سمحت اختلافات لوائح الموارد البشرية بين الشركات لمديريها، على مدار عقود طويلة، بتطبيق نظم حوافز وإثابة مختلفة للعمال والموظفين بها، أو تقديم بعض المزايا العينية لهم، وهي أمور تهدد اللائحة الموحدة الجديدة بتوقفها. فيما قال آخرون لـ«مدى مصر» إن اللائحة تمهد لأكثر من ذلك، وهو الطريق لتسهيل دمج بعض شركات القطاع العام الخاسرة، وتسمح بتصفية البعض الآخر دون ضمانات حقيقية لمستقبل العاملين بها.
خطة الحكومة الجديدة لم تكن المحاولة الأولى للتطوير. هذه الشركات يعود تاريخ إنشائها إلى عهد الرئيس جمال عبدالناصر، بينما يمتد تاريخ بعضها ﻷبعد من ذلك كشركة مصر للتأمين، والتي أُسست عام 1934.
اختلفت أطر تنظيم تلك الشركات قبل أن تُجمع للمرة الأولى تحت مظلة قانون 203 لسنة 1991، وكانت هذه محاولة التطوير الأولى. وارتبط القانون في الأساس بتوقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي، كأحد إجراءات التكيف الهيكلي، بهدف تطوير شركات الحكومة لتماثل نموذج القطاع الخاص. وتضم الوزارة الآن ثماني شركات قابضة يتبعها 119 شركة.
لكن خسائر شركات قطاع الأعمال استمرت، وتضاربت تقديرات وزير قطاع الأعمال نفسه حول حجمها. في مايو الماضي، قال إن الخسائر بلغت 58 مليار جنيه؛ 16 مليار جنيه خسائر 48 شركة، بالإضافة إلى مديونيات بقيمة 42 مليار جنيه على عدد من الجهات الحكومية المختلفة. وفي تصريح آخر، في أغسطس الماضي، قال توفيق إن مديونيات شركات قطاع الأعمال بلغت 45 مليار جنيه.
خسائر تلك الشركات دفعت الحكومة لإطلاق استراتيجية جديدة طويلة المدى، وعملت على تطوير شركاتها بتعديل بعض مواد قانون شركات قطاع الأعمال وطرح مسودة لائحة موارد بشرية جديدة تضم تحت مظلتها جميع شركات الوزارة.
بمجرد انتشار مسودة اللائحة بين العاملين بشركات قطاع الأعمال، أصدرت اللجان النقابية في عدد كبير من الشركات مذكرات اعتراض عليها، حصل «مدى مصر» على نسخة منها. وأعرب العديد من الموظفين عن اعتراضهم عبر مجموعات على شبكات التواصل الاجتماعي ضمت الآلاف، تداولوا بها منشورات غاضبة، ومقاطع فيديو لوقفات احتجاجية داخل مقرات شركاتهم. وأجمعت اللجان النقابية في مذكراتها الاحتجاجية على رفضها لإلغاء اللائحة الجديدة معظم الميزات العينية، وانتقاصها من امتيازات التأمين الصحي، وخفض مرتبات العاملين.
ربطت المسودة الحافز الشهري بصافي ربح الشركة، ووضعت حدًا لحوافز الأرباح بالشركات، بحيث لا تتجاوز 16% من الأرباح. يصف مغاوري هذا بأنه «غير عادل» لأن بعض الشركات أكثر حظًا من الآخر، فشركات البترول التي تشارك القطاع الخاص في التنقيب والبيع تربح -بطبيعة الحال- أكثر من شركات الدواء التي تبيع منتجاتها المدعمة للمستهلكين. ولذلك يرى أنه لا يجب وضع سقف لنسب أرباحهم يساوي الشركات الخاسرة.
كما حددت حدود البدلات، بحيث لا تتجاوز 10% من الأجر، في حين كانت تتغير الحوافز والبدلات وفقًا للائحة كل شركة، ما قد يتسبب في انخفاض دخل العاملين بشكل كبير، خصوصًا أن البدلات كانت تصل في بعض الأماكن إلى 300%، حسبما قالت مروة الشرقاوي، رئيسة قطاع الموارد البشرية بالشركة القابضة للسياحة والفنادق، لـ«مدى مصر».
اعترض العديد من العمال والموظفين كذلك على منظومة جديدة لتقييم كفاءة العاملين وضعتها اللائحة، تضع سقفًا لعدد العاملين المؤهلين للحصول على تقييمات أعلى. تحدد اللائحة نسبة 15% فقط من إجمالي العاملين بكل قسم يحصلون على تقييم ممتاز، ومثلها لتقييم جيد جدًا، ومن ثم تضع سقف للترقيات والعلاوات السنوية.
بعض الموظفين في شركات مختلفة قالوا لـ«مدى مصر» إن منظومة التقييم المقترحة تزيد من صعوبة الحصول على العلاوات التشجيعية والحوافز السنوية، وتظلم بعض العاملين الجيدين، كما تعرض الموظف للخطر لأنها تنص على فصله إذا حصل على تقييم ضعيف لعامين متعاقبين.
على الجانب الآخر، قلة من الموظفين بدوا أكثر تفهمًا لأوضاع شركات القطاع، ومحاولة الوزارة لربط الأجور بالإنتاج، والتمهيد لتصفية بعض الشركات الخاسرة، منهم أحمد عبدالحق، موظف قطاع الموارد البشرية بشركة «سيد للأدوية». أشار عبدالحق لـ«مدى مصر» إلى أن اللائحة تتضمن لأول مرة حق الجمعية العامة في إقرار زيادة استثنائية في العلاوة الدورية لضبط مستوى الأجور في بعض الشركات حسب مستوى الأجور في السوق، لتتساوى مع مثيلاتها من الشركات الخاصة المنافسة.
يرى عبد الحق أن معظم موظفي شركات قطاع الأعمال اعتادوا الحصول على تقييمات مرتفعة، بدون وجه حق وبدون عمل يُذكر، ما يضيف لهم علاوات وزيادات غير مستحقة تتحملها الدولة في النهاية، مضيفًا أن منظومة التقييم تسمح بحدوث تنافس، ما يدفع الموظف للتطور والعمل المستمر. «اللائحة هتجبر الموظفين يشتغلوا، واللي مبيشتغلش يمشي، ده منطقي وعادل»، يقول.
اعترضت اللجان النقابية أيضًا على إلغاء بعض مميزات عينية بشركاتهم، والتي تشمل الاشتراكات بنوادي الشركات، والرحلات الترفيهية الموسمية، ورحلات الحج والعمرة التي توفرها. كما انتقدوا كذلك التخلص من أساطيل نقل العمال التابعة للشركات، واستبدالها بالتعاقد مع شركات لتوصيل الموظفين من وإلى العمل، أو توفير بدل نقل مساوي لراتب شهر واحد كل عام.
عمال بعض الشركات كانوا أكثر امتعاضًا عن الآخرين. مثلًا، قال عمال بشركة «مصر للتأمين» إن انتقاص المميزات العينية يضرهم أكثر من غيرهم في شركات أخرى. فالمميزات التي حصلوا عليها كانت تشمل وثائق التأمين على الحياة، والتي كان يتحمل الموظف جزءًا من أقساطها وتتحمل الشركة الجزء الآخر، وتُصرف الوثيقة لأسرة الموظف في حالة وفاته، أو يصرفها الموظف حال خروجه على المعاش، وهو ما ألغته اللائحة.
«الفلوس دي اتخصمت من مرتباتنا بالفعل، وفي حال اتطبقت اللائحة لا هناخد تأمين صحي كويس ولا وثيقة تأمين، لمّا نطلع معاش، هنطلع زي ما دخلنا»، حسبما قالت إحدى موظفات الشركة لـ«مدى مصر» رفضت نشر اسمها.
وبينما ألزمت الحكومة شركاتها بإدخال موظفيها تحت مظلة التأمين الصحي الحكومي، ألغت التأمين الصحي المميز، وأتاحت للشركات التي تحقق أرباحًا لعامين متتالين صرف نسبة محددة من تلك الأرباح للتعاقد على تأمين خاص للعاملين فقط دون أسرهم أو أصحاب المعاشات منهم. هذا البند تحديدًا نال اعتراض الجميع، خصوصًا وأن شركات قطاع الأعمال تستقطع من مرتبات الموظفين منذ سنوات، تحت بند «خدمات علاجية مؤجلة»، تسمح لهم بتوفير علاج مميز بعد الخروج على المعاش، حسبما قال محمد وهب الله، رئيس اللجنة النقابية بإحدى شركات القطاع لـ«مدى مصر».
وقف خدمة التأمين الصحي المميز، والميزات العينية الأخرى يُعد مخالفة لقانون العمل، حسبما قال المحامي ياسر سعد لـ«مدى مصر»، لأنه يهدر مركز قانوني تم إقراره بالفعل لسنوات للعاملين، ولا يجوز منعه الآن.
من جانبه، استمر وزير قطاع الأعمال خلال الأسبوعين الماضيين في التأكيد، عبر شبكات التواصل الاجتماعي والمقابلات التليفزيونية، على أنه لن تُستقطع أي أجور متغيرة مكملة للأجر الأساسي، سواء للشركات الرابحة أو الخاسرة. وقال توفيق في تصريح تليفزيوني قبل شهر إن الأجر الأساسي للعمال كان متدنيًا ويتراوح بين 300-900 جنيه، يُضاف له حوافز تحت مسميات عديدة، منها الأجر المُكمل والعلاوات والمنح والمناسبات، وتم توحيد تلك المسميات فى أجر أساسي واحد، إضافة إلى ربط حافز العامل بحجم ربحية الشركة. ووعد الوزير بمزيد من الإيضاح، دون التطرق لأي من الاعتراضات الأخرى سوى الأجور.
رغم هذا، وطبقًا لوزير قطاع الأعمال أيضًا، فإن 38%، من 209 آلاف عامل بالشركات، سيتأذى من تعديل اللوائح الخاصة بالأجر.
وبغض النظر عن تفاصيل هذا الصراع، فإن مسودة اللائحة الجديدة تأتي ضمن استراتيجية جديدة لتطوير شركات قطاع الأعمال. وشملت الاستراتيجية تعديل قانون 203 الخاص بهذه الشركات، والذي أقره رئيس الجمهورية في سبتمبر الماضي، بهدف تحرير الشركات من قيود قانون شركات القطاع العام لتتبع قانون الشركات الخاصة.
بدأت الحكومة أولى خطوات استراتيجيتها للتطوير هذه المرة بمحاولة عرض بعض شركاتها للشراكة مع القطاع الخاص، كشركة مصر الجديدة للإسكان والتعمير، أو الطرح في البورصة المصرية، لإضفاء المزيد من الشفافية على عمل تلك الشركات وتطويرها مثل «الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع»، إلا أن عزوف القطاع الخاص عن المشاركة في الأولى، ووضع البورصة في ظل جائحة الكورونا، أجّل خطوات طرح الثانية.
لكن، ورغم محاولات الحكومة للتركيز على التطوير، يبدو أن خياري التصفية أو الدمج هما الأقرب، وهو الأمر الذي ألمح إليه توفيق نفسه في أغسطس الماضي. مسؤول بإحدى شركات القطاع العام قال لـ«مدى مصر» إن ما يحدث يشبه إلى حد كبير خصخصة الشركات العامة.
بوادر تلك الاستراتيجية ظهرت بالفعل بعد إطلاق الشركة القابضة للتشييد والتعمير منتصف الشهر الماضي استراتيجية لدمج 11 من شركاتها التابعة في خمس شركات فقط، تبعها بأسابيع قرار للجمعية العامة لشركة النصر لمنتجات الكاوتشوك «ناروبين»، بوقف نشاط الشركة بفرع شبرا لارتفاع الخسائر. جاءت هذه القرارات تأكيدًا لتصريحات مصدر بقطاع الأعمال العام لصحيفة اليوم السابع في يونيو الماضي، أن العام المالي المقبل، سيشهد انخفاض عدد شركات قطاع الأعمال من 119 شركة إلى نحو 90 فقط نتيجة دمجها، متوقعًا انخفاض أعداد هذه الشركات مستقبلًا نتيجة الدمج أو التصفية.
دمج وتصفية الشركات يهدد مصير آلاف العاملين. أباحت المادة 85 من مسودة اللائحة تسريح بعض الموظفين في حالة الإغلاق الجزئي أو تخفيض بعض الأنشطة. وتحدد المسودة دمج الشركات أو تصفيتها تحت شروط الضرورة الاقتصادية في حالة تحقيق خسائر لعامين ماليين متتابعين، أو في حالات الضرورة التي لم تسمها تحديدًا، مع ضرورة موافقة الجمعية العمومية لتلك الشركات وتوفير مكافآت نهاية خدمة للموظفين المُسرحين.
من جانبهم، يرى العمال والموظفون أنه لا ذنب لهم في فشل شركاتهم وإنما الإدارات هي السبب. فيما ترى الوزارة ضرورة ربط الأجر بالإنتاج لوقف خسائر امتدت لعقود، مؤكدة في أكثر من مناسبة أنها لن تتحمل خسائر الشركات مرة أخرى.
تقارير ذات صلة
حرية الظهور
ياسر علوان يصور، وجون مولينو ينظّر، وأشرف عمر يترجم
حد أدنى للأجور مع إيقاف التنفيذ
إسكات مطالب العمال بالقبضة الأمنية وتقاعس «العمل» عن إنفاذ قرار الحد الأدنى للأجور
ساعة «العمل المؤقت».. أدنى من «الحد الأدنى»
في فبراير الماضي أقر المجلس القومي للأجور حدًا أدنى لأجور العمل المؤقت عند 28 جنيهًا للساعة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن