تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
ساعة «العمل المؤقت».. أدنى من «الحد الأدنى»

ساعة «العمل المؤقت».. أدنى من «الحد الأدنى»

كتابة: أحمد بكر 13 دقيقة قراءة

مع إعلان المجلس القومي للأجور، مطلع فبراير الماضي، زيادة الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص إلى سبعة آلاف جنيه، بدايةً من أول مارس، أبرزت وزيرة التخطيط والتنمية والتعاون الدولي ورئيس المجلس، رانيا المشاط، تحديد القرار لأول مرة حدًا أدنى لأجر «العمل المؤقت (جزء من الوقت)، بحيث لا يقل أجرهم عن 28 جنيهًا صافيًا في الساعة، وذلك وفقًا لتعريفهم الوارد في قانون العمل [12 لسنة 2003]»، وهو ما أكد عليه الكتاب الدوري لوزارة العمل بشأن الإجراءات التنفيذية لتطبيق القرار. 

وتعرّف المادة الأولى من قانون 12 لسنة 2003 العمل المؤقت بأنه «الذي يدخل بطبيعته فيما يزاوله صاحب العمل من نشاط وتقتضي طبيعة إنجازه مدة محددة تقل عن سنة، أو ينصب على عمل بذاته، وينتهي بانتهائه».

عقب صدور القرار، احتفت النقابات العمالية الموالية للدولة بالحد الأدنى لأجر العمل المؤقت، حيث اعتبره نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، مجدي البدوي، «خطوة مهمة لضبط سوق العمل»، كما اعتبرته رئيس لجنة القوى العاملة بمجلس النواب وعضو المجلس القومي للأجور، النائبة سولاف درويش، «إنجازًا كبيرًا في مجال حقوق العمال».

في المقابل، أبدى نقابيون مستقلون وعمال غير منتظمين تخوفات من عدم وضوح الفئات المستفيدة من القرار بدقة، مع تعدد تعريفات القانون للعمل غير الدائم، فإلى جانب تعريف «العمل المؤقت» يحدد القانون أيضًا نوعين آخرين: «العمل العرضي:.. الذي لا يدخل بطبيعته فيما يزاوله صاحب العمل من نشاط ولا يستغرق إنجازه أكثر من ستة أشهر»، و«العمل الموسمي:.. الذي يتم في مواسم دورية متعارف عليها»، والفئة الأخيرة وحدها ينضوي تحتها ملايين البشر أبرزهم العمالة الزراعية. وزاد قانون العمل الجديد، المُقر من البرلمان، الثلاثاء الماضي، تعريفين جديدين: «العامل غير المنتظم: كل من يقوم بأداء عمل غير دائم بطبيعته مقابل أجر أيًا كانت صورته، أو يعمل في مهنة أو حرفة لا ينظمها قانون خاص، مثل الباعة الجائلين وبائعي الصحف، وغيرهم»، و«العامل في القطاع غير الرسمي: كل من يقوم بأداء عمل داخل المنشأة أو خارجها بشكل غير رسمي أو مستتر».

المستشار القانوني لوزير العمل، إيهاب عبد العاطي، أوضح لـ«مدى مصر» أن القرار يشمل أي عمالة غير دائمة أو مؤقتة بأي قطاع، بما فيها الأشكال المختلفة من العمالة غير المنتظمة والموسمية، «بمعنى إن فيه ناس مبتكملش شهر، فيه ناس الأجر بتاعها باليومية، فيه ناس بيشتغلوا بعض الوقت، أو بيشتغلوا الوقت التاني في مكان آخر، وحدة الحساب عندهم ليست شهرًا. فكانت الفكرة عشان لا يحرموا من التمتع بالحد الأدنى للأجر، والمعايير الدولية بتقول يتم عمل حد أدنى للأجر عن كل ساعة، فتم التوافق على أجر الساعة كما هو موجود بالقرار».

أكدت درويش أيضًا لـ«مدى مصر» أن القرار يشمل «العمالة غير المنتظمة، والفئات اللي بيتم استخدامها في بعض المصانع بشكل يومي، العمالة الجزئية اليومية».

من جانبه، يرى البدوي أن المستهدفين بالقرار بالأساس هم من يقعون تحت تعريف «العمالة المرنة»، «اللي هي الناس اللي بتشتغل نص الوقت أو بعض الوقت»، ولا يشمل الأشكال الأخرى من العمالة غير المنتظمة، معتبرًا أن القرار جاء نتيجة متابعة الحكومة لظهور أنماط جديدة للتوظيف في سوق العمل، ويمثل قاعدة يمكن البناء عليها للمطالبة بمكتسبات للعاملين بهذه الأنماط.

إلى جانب هذا التضارب بشأن المستهدفين بالقرار، لفتت المصادر إلى تدني قيمة الحد الأدنى المقترح، وغياب آليات إنفاذه، في سياق أوسع من غياب الرقابة والحماية القانونية للفئات المختلفة من العمالة غير الدائمة في مصر، وذلك في ظل غموض آلية حصرهم لدى الجهات الرسمية، مما يحرم أغلبية المنتمين لهذه الفئات من الانتفاع بالقرارات المتعلقة بالأجر، أو المنح التي تقدمها الحكومة.

لا يوجد إحصاء رسمي دقيق لعدد العمالة غير الدائمة في مصر حتى الآن. كانت وزيرة التضامن السابقة، نيفين القباج، قدرت أعدادهم عام 2022 بين 8 و12 مليون، فيما قال مدير دار الخدمات النقابية والعمالية، كمال عباس، لـ«مدى مصر»، إن أكثر الإحصاءات تحفظًا تتحدث عن 13 مليون عامل، بعد استبعاد فئات كثيرة. وبحسب دراسة عن العاملات الزراعيات صدرت مؤخرًا عن مؤسسة «تنمو»، بلغ عدد المشتغلين في نشاط الزراعة والصيد في مصر عام 2022 نحو خمسة ملايين و284 ألف عامل، تمثل النساء حوالي 45% منهم. 

وقد يتجاوز حجم العمالة غير الدائمة هذه الأرقام بكثير إذا أخذنا في الاعتبار حجم الاقتصاد غير الرسمي الذي يتراوح بين 50-60%، بحسب دراسة برلمانية في 2023. في المقابل، بلغ عدد المسجلين في قاعدة بيانات وزارة العمل حتى سبتمبر الماضي مليونًا و164 ألفًا و12 عاملًا، حسب تصريحات وزير العمل، محمد جبران.

غياب الحصر والتسجيل للعمالة غير الدائمة، هي المشكلة الرئيسية التي تضرب أي مكتسبات لهم، بحسب عباس، الذي ينبه إلى أن هذا العائق هو ما وقف حائلًا أمام الاستفادة من المنح التي تقدمها الحكومة منذ أعوام لدعم العمالة غير المنتظمة، ويَحوْل الآن دون تنفيذ الحد الأدنى للأجور لهذه الفئات. 

رئيس النقابة العامة للفلاحين وصغار الفلاحين، عبد الفتاح عبد العزيز، أوضح لـ«مدى مصر»، أنه «توجد في وزارة العمل ومديرياتها إدارات للعمالة غير المنتظمة، ولها صندوق إعانات، وبيان صرف المنح والإعانات منه للمسجلين به، خمس منح سنويًا في المناسبات القومية، والمبلغ حوالي 1500 جنيه. ولكن عددًا قليل جدًا منهم يتم تسجيله، لا يتعدى واحد من كل 100 عامل بيحصل على هذه المنح. لا توجد قاعدة بيانات حقيقية لهذه العمالة حتى الآن، ونجد صعوبة في الوصول إليها والتسجيل فيها».

ورغم أن قانون العمل الجديد، الذي ينتظر موافقة البرلمان النهائية، انتبه إلى مشكلة التعريفات ومستجدات أنواع العمل، حيث أفرد بابًا خاصًا للعمالة غير المنتظمة لأول مرة، استهدف «تنظيم ودعم وتشغيل العمالة غير المنتظمة والعاملين في القطاع غير الرسمي»، كما أفرد بابًا آخر لأنماط العمل الجديدة، مثل العمل عن بعد والعمل المرن والجزئي، لكن القانون الجديد أغفل تحديد آليات واضحة  لحل أزمة حصر وتسجيل العمال، سوى استمرار تولي وزارة العمل هذه العملية، بحسب تقرير لدار الخدمات النقابية والعمالية صدر مؤخرًا.

الأمين العام السابق للنقابة المستقلة للعمالة غير المنتظمة، محمد عبد القادر، قال لـ«مدى مصر» إنه حتى بين العمال غير المنتظمين المسجلين لدى الوزارة، تكررت حالات عدم صرف المنح السنوية الخمس لبعضهم، بحجة عدم تحديث الشركات التي سجلت بياناتهم، وهو ما اعتبره عبد القادر مخالفة لكون الوزارة هي المسؤول عن حصر العمال، مشيرًا إلى أن صدور قرار الحد الأدنى للأجور دون معايير أو آليات واضحة هو نتيجة «عدم وجود نقابات عمالية حقيقية وقوية تمثل العمال، بسبب تصدر الاتحاد العام لنقابات عمال مصر الحكومي للمشهد النقابي، وغياب الخبرة لدى النقابات العمالية الحديثة».

وبينما اقترح تقرير «دار الخدمات» أن ينص قانون العمل صراحةً على إلزام أصحاب العمل بتسجيل العمالة غير المنتظمة ومدد عملهم وعدد ساعات العمل، وتسليمها إلى مكاتب العمل التابعة للوزارة، اتفق عباس مع عبد القادر على أهمية وجود نقابات عمالية قوية تتولى تسجيل العمالة غير المنتظمة، وهو ما يضمن تلقيهم حقوقهم في الكثير من الدول. 

إلى جانب عدم وجود حصر دقيق للعمالة غير الدائمة، أشار عبد القادر إلى انخفاض الحد الأدنى المطروح (28 جنيهًا للساعة). «العمل المؤقت معروف أنه يتركز في قطاع البناء والتشييد. وعدد ساعات العمل سبع ساعات في 28 يساوي 196 جنيهًا في اليوم، يعني في الشهر 5069 جنيهًا دون خصم الضرائب، يعني أقل من الحد الأدنى للأجور [سبعة آلاف جنيه للقطاع الخاص]»، يقول عبد القادر.

وعلى غرار الحد الأدنى للأجور للعمالة المنتظمة ذوي العقود الممتدة، لا تستطيع وزارة العمل إلزام أصحاب الأعمال بهذه القيمة الهزيلة، بحسب كل من عباس وعبد القادر، مدللين على ذلك بموجة الإضرابات الأخيرة للمطالبة بتطبيق الحد الأدنى للأجور، حيث يتبع أغلب أصحاب الأعمال تكتيكات مختلفة للتحايل على تطبيق الحد الأدنى أو الالتزام بالزيادات السنوية والاشتراكات التأمينية للعاملين، في ظل غياب رقابة حقيقية من الوزارات المعنية، حسبما سبق أن قالت مصادر نقابية وعمالية لـ«مدى مصر».

في ظل غموض المستهدفين وآليات التنفيذ، يخشى عبد القادر من أن يتحول قرار الحد الأدنى للأجور الجديد، والاعترافات القانونية الأخيرة بالعمالة غير المنتظمة في قانون العمل الجديد، إلى مدخل لتقنين وانتشار الهشاشة الوظيفية، بدلًا من ضمان حقوق أكبر لهم، لأنه «يفتح الباب على مصراعيه أمام أصحاب الأعمال في التشغيل المؤقت بالساعة في المنشآت الصناعية، مما يؤدى إلى التوسع في عدم الأمان الوظيفي والتهرب التأميني»، يقول عبد القادر. 

أحد عمال المعمار غير المنتظمين قال لـ«مدى مصر»، طالبا عدم ذكر اسمه: «الواحد شغّال لا هو مؤمن ولا أي حاجة، النهاردة فيه شغل، بكرة مفيش. إحنا شغل يوميات، بروح من مشروع لمشروع.. بدور على اليومية الأعلى»، مشيرًا إلى أن شركات البناء والتشييد تستغل فترات انحسار فرص العمل الحر في السوق، مثل فترة جائحة كورونا، لتشغيل أعداد أكبر من العمالة غير المنتظمة بيوميات منخفضة، مضيفًا: «كنت مع [شركة] حسن علام عن طريق مكتب من الباطن. المشروع اللي كنت فيه كانت الناس كلها بتيجي تمضي عقد على ورقتين، من غير مدة معينة ويعتبر مالوش لازمة، مكانش ملزم للطرفين. أنت ملكش حق عشان تطالب بيه. هناك اتصابت في إيدي وقعدت 3 شهور متعطل، وعملت عملية في إيدي مرتين. أول مرة الصراحة [الشركة] شالوا العملية كتر خيرهم، تاني مرة لقيت محدش بيرد. أغلب الشركات المصرية لو حصلك حادثة.. آخره يطلعلك عربية توصلك لحد البيت».

ليس أسوأ من أحوال عمال المعمار سوى أوضاع العمالة الزراعية. بحسب دراسة «تنمو» يواجه العمال الزراعيين أيضًا غياب الحماية القانونية، بسبب طبيعة عملهم الموسمية وغير الرسمية، بما في ذلك استثنائهم من جميع الأنظمة التأمينية والقرارات الخاصة بالعمالة غير المنتظمة، وذلك بسبب عدم شمولهم بأحكام قانون العمل الحالي. كما يعانون من «صعوبة الوصول إليهم وإثبات مهنتهم، فلا توجد طريقة قانونية لتسجيلهم في الوزارة [العمل] أو التأمينات»، بحسب عبد العزيز.

وأشارت الدراسة إلى أن العمالة الزراعية، خاصة النساء، عرضة للمخاطر الصحية الناتجة عن التعرض للمبيدات والعمل لساعات طويلة دون تأمين صحي أو إجراءات سلامة فعالة. وبجانب المخاطر الصحية، يتعرض العمال الزراعيون بشكل متكرر لحوادث طرق قاتلة في طريق الذهاب والعودة إلى العمل، الذي في كثير من الأحيان يكون في أراضٍ زراعية بعيدة للغاية عن قراهم، حسبما قالت رئيسة نقابة صغار الفلاحين بسمالوط، هناء عبد الحكيم، لـ«مدى مصر»، مضيفة: «العامل بيقوم من الفجر ويشتغل حتى الساعه 5 المغرب بـ100 جنيه».

أدخل قانون التأمين الصحي الشامل رقم 2 لسنة 2018 بعض التحسينات التي تهدف إلى توسيع نطاق التغطية لتشمل فئات العمالة غير المنتظمة، بحسب دراسة «تنمو». «أي حد مكتوب في البطاقة فلاح أو عامل زراعي له أحقية يروح يأمّن على نفسه ويحصل على المميزات كلها بطاقة صحية وتعويض في حال حادث أو للأسرة في حالة الوفاة»، بحسب عبد الحكيم، التي تضم نقابتها نحو خمسة آلاف عاملة زراعية، لكنها أشارت إلى أن غياب آليات تسجيل العمالة الزراعية، أضعف هذا المكسب.

في هذا السياق تقترح الدراسة إدخال العقود القصيرة والمسجلة بشكل رسمي وإجباري إلى المزارع التي تزيد مساحتها على 50 فدانًا كضمانة أفضل لتسجيل العمال الزراعيين لدى الحكومة وحصولهم على حقوقهم الأساسية. 

لكن من ناحية أخرى، تعتمد التغطية التأمينية بشكل أساسي على مساهمات العمال والعاملات أنفسهم دون إلزام أصحاب الأعمال بدفع الاشتراكات التأمينية، بحسب الدراسة. ويعد ذلك سببًا رئيسيًا في نفور أغلب العمالة الزراعية من الاشتراك أو الالتزام به، كما أوضحت عبد الحكيم، التي قدمت نقابتها تدريبات لإقناع الفلاحين بالتسجبل في التأمين الصحي. يكلف الاشتراك التأميني 160 جنيهًا شهريًا، بحسب عبد الحكيم، وتسقط عضوية المشترك في حالة عدم التزامه الدفع لمدة خمسة أشهر، مما يدفع الكثير من العمال الزراعيين إلى تجنب الاشتراك، نظرًا لطبيعة عملهم الموسمية وعدم حصولهم على أجر ثابت، بالإضافة إلى أنه بسبب الظروف الاقتصادية السيئة، تعتمد نسبة كبيرة من العمال الزراعيين على معاشي «تكافل» و«كرامة» (نحو 500 جنيه)، اللذين يشترطان ألا يكون المستفيد مُؤمّنًا عليه، وبالتالي يفضل العمال تلقي المنحة على دفع الاشتراك التأميني.

إحدى فئات العمالة المؤقتة التي يرجح البدوي أنها المقصودة بقرار الحد الأدنى للأجور، هي العمالة الحرة freelancers أو «المرنة» كما يسميها قانون العمل الجديد، مثل العاملين في الترجمة أو التصميمات الإلكترونية أو الصحافة.. وغيرها. استقبال هؤلاء للقرار لم يختلف كثيرًا عن فئات العمالة المؤقتة الأخرى، حيث انتقد من تحدث منهم لـ«مدى مصر» ضآلة الحد الأدنى، وغياب آليات إنفاذه في سوق الـfreelance.

مريم، التي عملت لسنوات كمترجمة حرة، ترى أن الحد الأدنى المطروح قليل للغاية خاصة مع غياب حقوق أخرى، مثل التأمينات الاجتماعية والصحية، عن سوق الـfreelance، موضحة: «28 جنيه.. لو اشتغلت كل يوم 8 ساعات هتبقى إيه! 5000 جنيه في الشهر! لو حسبتها هتلاقيها أقل من الحد الأدنى في الشهر لحد بيشتغل وعنده مظلة تأمينية».

«المشكلة الأساسية في نظام الـfreelance هو إنه نمط متقطع، فيه مشروع أو مهمة معينة بتتعمل وتتسلم ونقعد على فيض الكريم مستنيين اللي بعدها. مفيش حاجة تغطي تكلفة المعيشة في الفترات اللي مفيهاش شغل، مفيش ضمان اجتماعي في حالة المرض أو العجز عن العمل لأي سبب. بالتالي حد أدنى 28 جنيه في الساعة في النمط ده من العمل مضحك جدًا لأنه متعامي عن كل دا»، تقول جنة، مترجمة ومحررة حرة.

غالبًا ما تلتزم شركات الترجمة المصرية الكبيرة بالتعاقد والإجراءات الضريبية، بحسب تجربة عمر. لكن، مجال العمل الحر في مصر يغلب عليه الاتفاقات من الباطن مع أفراد أو شركات على المهام المطلوبة ومقابلها المادي بشكل شفوي، حيث الضامن الوحيد لحقوق العامل في هذه الحالة هو التزام ونزاهة صاحب العمل، وهو ما أكدت عليه رنا، التي عملت بشكل حر في مجال التسويق الرقمي، مدللة على ذلك بتجربة عمل قامت بها مؤخرًا ولم تتلق أجرها عنه حتى الآن: «اشتغلت شهر وشوية، وكتبت تقريبا 3 سكريبت لحلقة طويلة، وعدد ريلز مش فاكراه، طبعًا مخدتش فلوس أي حاجة. المسؤولة اللي اتفقت معايا اختفت من حياتي ومردتش عليا، وبعدين رجعت كلمتني تاني قالتلي عايزين وعايزين، ورجعت اختفت تاني».

أشارت رنا أيضًا إلى أن بعض الشركات تستغل صيغة العمل الحر لتكليف عاملين بمهام طويلة الأمد مقابل حقوق أقل. «فيه شركات بتستخدم كلمة freelance عشان تحاسب الناس بالقطعة، ويضغطوهم شغل كأنه part time [دوام جزئي] أو full time [دوام كامل] حتى. وقت الحساب هيحاسب على [الشغل] اللي اتقبل بس ومش مهم ساعات العمل».

تشير مريم وجنة أيضًا إلى غياب المظلة القانونية في ظل هيمنة شركات التوظيف من الباطن الإماراتية والسعودية في السنوات الأخيرة على مجال ترجمة النصوص والمحتوى المرئي، والتي تسود فيها علاقة عمل تقوم بشكل واضح على كون العمالة المصرية ستعمل بأجور رخيصة بالمقاييس الإقليمية والدولية، ويمكن استبدالهم بسهولة.

«العلاقة قايمة بوضوح على أن أنتم عمالة رخيصة وإحنا شركة محتاجين ناس تقوم بالوظايف دي بأقل تكلفة ممكنة. وكأن جزء من نمط العمل ده واخد في الاعتبار فكرة أن معدل استبدال العمالة هيبقى عالي. فهو هيديك الشيء اللي يبدو في اقتصاد زي اقتصادنا لطيف جدًا بس هو في الحقيقة لا يكافئ المبلغ اللي المفروض الواحد يتقاضاه. ومفيش مزايا، مفيش أي حاجة، لو أنت عيان في يوم.. فأنت مشتغلتش.. فأنت مش هتقبض»، بحسب جنة، التي عملت سابقًا مع شركة إماراتية، موضحة أن هذه الشركات عادة ما توقع عقودًا مع العمالة الحرة، لكنها عقود لا تقدم أي ضمانات أو مزايا ولا تغطيها أي مظلة قانونية مصرية يمكن اللجوء إليها، كما أنها تتسم بعدم الشفافية في مدد المشاريع، حيث قد ينتهي المشروع فجأة بقرار من الشركة ليجد العامل نفسه بلا دخل، وهو ما تراه جنة يساهم في تفاقم عدم الاستقرار الوظيفي الذي تعاني منه العمالة الحرة.

عملت مريم أيضًا مع إحدى شركات التوظيف من الباطن غير المصرية، اعتمد نمط العمل فيها على دخولها يوميًا بشكل طوعي لتنفيذ إحدى المهام المعروضة خلال اليوم. وكانت مريم أوفر حظًا من غيرها، حيث تقدم الشركة معدل أجر جيدًا نسبيًا، ويحسب بالدولار. «أنت بتقبض على قد الكلمة والحرف، فكنت بحسب عدد الكلمات بالظبط على قد أنا عاوزة كام في الشهر وأترجمهم بالكلمة بالظبط»، تقول مريم. لكنها لم تستطع الاعتماد على هذا العمل طويلًا، فمع دخول كورونا إلى مرحلة الجائحة، «الشركة قفلت عشان مبقاش فيه شغل، بقى قليل أوي وبقوا يقسموه علينا، فبقى عدد الكلمات قليل وبتجيب ملاليم، فكله سابها وراح ياكل عيش. ومكانش بقى فيه تأمينات لا اجتماعي ولا صحي».

تلفت جنة أيضًا إلى أن العمل في مجال الترجمة الحرة، حتى مع التعاقد «الصوري» مع شركات التوظيف، لا يضمن أي تراكم وظيفي يوفر أجرًا أفضل في المستقبل. «أنت مش عارف أنت داخلك إيه إمتى، حسب المهام قد إيه الشهر ده. مفيش معرفة معينة هتفضل تراكمها فتوصل لمستوى معين، مفيش مسار مودي في حتة، دي حاجة بتعملها بس عشان تاخد فلوس. كمان مفيش ما يضمن إنك لو عييت أو اللابتوب باظ أو لأي ظرف معرفتش تشتغل أسبوع هتدخل دخل منين».

جانب آخر من مساوئ العمل الحر تشير إليه جنة باعتماد الكثير من شركات التوظيف الخليجية تلك على «أتمتة» عملية الاختبار لاختيار العمالة الحرة وتوزيع المهام واحتساب وتوزيع الأجور، وبالتالي «ساعات بتلاقي إنك بتاخد مهام برة مجال معرفتك، أو عملت شغل بس مسمعش على السيستم، أو عملت حاجة بس متحسبتش أو اتحسبت غلط».

في ظل هذه الظروف التي تحيط بالعمل الحر أو المرن في السوق المصري والإقليمي، تخشى جنة أن يتحول قرار الحد الأدنى الجديد إلى شكل من أشكال تقنين وضع العمالة الحرة المصرية كعمالة قليلة الأجر. «رقم زي ده [28 جنيهًا للساعة] كأنه إعلان رسمي من الحكومة المصرية أن أيوة يا سوق يا عالمي العمالة المصرية الحرة عمالة رخيصة، مش رخيصة بس دي عمالة مجانية تقريبًا، وإحنا شايفين أنها ممكن تشتغل بداية من 28 جنيه في الساعة، اللي هو حوالي نص دولار. دا بينزل خط التفاوض مع العملاء أكتر ما هو نازل أصلًا».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن