تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حرية الظهور

حرية الظهور

ياسر علوان يصور، وجون مولينو ينظّر، وأشرف عمر يترجم

كتابة: جون مولينو 16 دقيقة قراءة

نستعيد أعمال ياسر علوان عبر أفكار جون مولينو، حيث يكتب كيف صوّر الفنان الراحل العمال المصريين، فعلوان لا يبرزهم كطبقة فقيرة حالمة، أو كفئة في طريقها للانقراض، بل يبرز حضورهم البشري، ويبهرنا بشكلهم في أثناء عدم عملهم/تعطلهم، وذلك بتخليد هذه اللحظات الاستثنائية المُلهمة في صوره، فنرى ما اعتبره مولينو أحد حقوق الإنسان وأسماه: حرية الظهور. 

نُشر هذا النص مؤخرًا في كتاب «ديالكتيك الفن»، وهو باكورة إصدارات دار ليون، وترجمه أشرف عمر، المحبوس حاليًا. ويمهد مولينو (1948-2022) كتابه بملاحظة كتبها في 2019، أن ما حال دون إدراج الأعمال الفنية عدم قبوله رفع سعر الكتاب إلى حد «لا أعتبره مقبولًا»، ودعا القراء إلى الاطلاع على هذه الأعمال بسهولة على الإنترنت، وبدلًا من ذلك حصلنا على إذن من أسرة علوان لنشر صوره، وتحديدًا الصور التي ذكرها مولينو لتكتمل تجربة التلقي، ونتمكن من التفكير في فن علوان وأفكار مولينو عنه وترجمة عمر المُتفانية لكل هذا. وما كان يمكن أن تكتمل تجربة التلقي هذه لولا إذن ناشر الكتاب وموافقة أسرة علوان، ونشكرهم جميعًا.

كُتِبَت هذه المقالة في الأصل لـ«حرية الظهور: صور لعاملين مصريين»، الكتالوج الخاص بمعرض الصور المتجوِّل لياسر علوان الذي أُقيمَ في دار فويلز، في شارع تشارينج كروس، لندن، خلال الفترة من 7 إلى 20 نوفمبر 2008، ثم في معرض إيلدون بجامعة بورتسموث من 2 نوفمبر إلى 5 ديسمبر 2008. وصدر الكتالوج، الذي يتضمن أكثر من خمسين صورة من تصوير علوان، بتصميم ونشر دار ريتشارد بيكوك. 

وُلِدَ ياسر علوان في نيجيريا لأبوين عراقيين، ونشأ بالأساس في الولايات المتحدة قبل الانتقال بشكلٍ دائم إلى القاهرة في 1994. عرفت ياسر واطَّلَعت على أعماله خلال زياراتي العديدة إلى مصر، لأغراضٍ سياسية، في منتصف العقد الأول من الألفية. وإنه لمصدر فخرٍ بالنسبة لي أن توقُّعي الذي صغته في نهاية هذه المقالة بأن أولئك الذين يظهرون في صور ياسر «على وشك انتزاع «حرية الظهور» في القلب من المسرح العالمي»، تحقَّق بالفعل عام 2011. 

تُعبِر صور ياسر علوان عن مساواتية إنسانية عميقة قلَّما تظهر في التاريخ الطويل للفن برمته، وتكاد تكون فريدةً في التاريخ القصير نسبيًا للتصوير الفوتوغرافي. «صورٌ لعاملين مصريين».. هذا الوصف الواقعي والصريح يطرح بالفعل قدرًا هائلًا من القضايا، ويعلن موقفًا فنيًا وسياسيًا. 

نحن نعيش في ظل ثقافةٍ -أعني بذلك الثقافة الكليَّة للرأسمالية العالمية، والتاريخ الثقافي الشامل للحضارات الغربية وغير الغربية- يُحرَم فيها جماهير العاملين (الفلاحون والعمال الزراعيون والعبيد والحرفيون والبروليتاريون اليدويون وغير اليدويين) من تمثيلٍ يليق بهم. على مدار خمسة آلاف عام، ظلَّ العاملون هم الأغلبية الساحقة من البشرية، لكن لا يزال تمثيلهم في الشعر والدراما والروايات والأفلام وعلى شاشات التلفزيون وفي الفن المرئي هامشيًا -ربما تكون الموسيقى والرقص اسثناءين بصورةٍ جزئية-. 

من هوميروس إلى هوليوود، ظلَّت جماهير العاملين هم الكومبارس الصامت. مقابل كلِّ رسمٍ لبروخل عن الحياة الريفية، ومقابل كل لوحةٍ رسم فيها رامبرانت متسوِّلًا، هناك المئات وربما الآلاف من البورتريهات للأباطرة والملوك والملكات والأرستقراطيين والبرجوازيين. وهذا ليس انحيازًا، بل انعكاس بسيط للحقيقة. في كلِّ المجتمعات المُنقسِمة طبقيًا، أي كل مجتمعٍ انتقل من الصيد والالتقاط إلى الزراعة، كانت الطبقات الحاكمة قليلة العدد، لكن مهمة، بينما الطبقات العاملة، عامة الناس، كثيرة العدد لكن ليست على قدرٍ من أي أهمية. وبناءً على ذلك، فإن أي فنان يقلب هذه التراتبية رأسًا على عقب، ويضع الناس العاملين في الصدارة، كما يفعل ياسر علوان، فهو بذلك يعلن موقفًا سياسيًا. 

يتفاقم هذا الافتقار إلى التمثيل أضعافًا إذا أضفنا وصف «مصريين» لهذا التصنيف الطبقي. ورغم أن مصر لها خصوصيتها في هذا الشأن، لا ينطبق هذا عليها فحسب، بل يشمل المجتمعات والثقافات «غير الغربية» كافة. تطوَّرَت الرؤية المركزية الأوروبية للتاريخ جنبًا إلى جنب مع العنصرية كأيديولوجيا مصاحبة للاستعمار والإخضاع المادي، وصحيح أن هذه الرؤية تمنح الفضل لبلاد الرافدين ومصر في ميلاد الحضارة، إلا أنها تنتقل سريعًا إلى اليونان القديمة وروما، وعندئذٍ يختفي العالم غير الأوروبي ببساطة، باستثناء كونه مجرد هدفٍ للاستكشاف والغزو العسكري الأوروبي. ونتيجة ذلك هي جهالةٌ تامة بهذا التاريخ. الشخصية الوحيدة المعروفة لعامة الأوروبيين من التاريخ المصري بين كليوباترا وعبد الناصر هي صلاح الدين، من زمن الحملات الصليبية، وربما يعرف القليل منهم محمد علي. اسأل أي فصلٍ دراسي في جامعة بريطانية (حاولت ذلك مرارًا من قبل) عن أسماء ثلاثة فنانين، أو ثلاثة علماء، أو ثلاثة شعراء، أو ثلاثة فلاسفة غير غربيين، وستجد كأنك تضع اختبارًا محكومًا على الغالبية العظمى بالفشل فيه -الاستثناء هو كونفوشيوس وفريدا كالو، وغيرهما لا شيء. والنتيجة أسوأ على نطاق كلية كاملة-. 

بالطبع يتعلق الأمر بطبيعة التمثيل ومقدار هذا التمثيل. لطالما كان التنميط العرقي والجندري والاستشراقي والاستعماري محل دراسة عميقة لدى الدوائر الأكاديمية والثقافية في العقود الأخيرة، لكن تصنيف الطبقة لم ينل إلا قدرًا قليلًا من الاهتمام. علينا أن نتذكَّر أنه بينما قدَّم لنا شكسبير شخصيات مثل عطيل وشايلوك وكليوباترا (وكلُّها بالمصادفة أعمالٌ عبقرية)، فإن «العامة» لديه كانوا يذوبون في النثر، ولم يظهروا إلا في فواصل هزلية، رغم حدَّتِها. وما كتبه جون برجر عن الرسم النوعي الهولندي (الذي دار حول «الحياة الفقيرة») في القرن السابع عشر ينطبق على الكثير من التصويرات اللاحقة لأبناء الطبقة العاملة: «كان الغرض من هذا الرسم النوعي هو إثبات -إيجابًا أو سلبًا- أن الفضيلة في هذا العالم تُكافأ بالنجاح المالي والاجتماعي. وهكذا فإن أولئك الذين تمكَّنوا من شراء هذه الصور.. تأكَّدوا مِمَّا يتمتَّعون به من فضيلة. وقد حظت مثل هذه الصور برواجٍ خاص في أوساط البرجوازية الناشئة حديثًا آنذاك»1

وحتى الفنانين والكُتَّاب المتعاطفين صراحةً مع الطبقة العاملة غالبًا ما كانوا يمثِّلونهم بطرقٍ إشكاليةٍ للغاية. جورج أورويل على سبيل المثال، الذي انفصل تمامًا عن جذوره في مدارس الطبقة الوسطى، إلى حد العيش مُشرَّدًا مع الفقراء (لبعض الوقت)، وقاتل مع حزب العمال للتوحيد الماركسي في الحرب الأهلية الإسبانية، وكتب في روايته «1984» أنه «إذا كان هناك أملٌ.. فها هو ذا بين عامة الناس»، صوَّر هؤلاء العامة كأنهم مخلوقات حيوانية ضيقة الأفق عاجزة إلى حد كبير عن الإدراك والإحساس بمشاعر أسمى، بينما في «مزرعة الحيوانات» جسّدهم في هيئة الحصان بوكسر، الذي كان غبيًا بالفطرة. وحتى بريخت لم يكتب قط مسرحيةً تضع شخصيات من الطبقة العاملة في الصدارة (أقول هذا ليس لانتقاد بريخت، الذي هو ربما أعظم كاتب مسرحي في القرن الفائت، بل لإظهار صعوبة هذه المهمة). 

هذا إذًا هو السياق الذي تطالب فيه صور ياسر علوان بـ«حرية الظهور» لأولئك العاملين المصريين. لكن بالطبع يأتي هذا العمل الذي قدَّمه علوان في السياق الخاص لتاريخ التصوير الفوتوغرافي، الذي يمثِّل بقدرٍ ما حالة متميزة. فمن ناحية، يمنح توافر وسائل الإنتاج اللازمة للتصوير (الكاميرا) وأسعارها الرخيصة نسبيًا، علاوة على سهولة إعادة الإنتاج الميكانيكي للصور، طابعًا ديمقراطيًا للتصوير الفوتوغرافي يغيب عن الأشكال الفنية الموازية، مثل الرسم أو الأفلام. ونتيجة لذلك، هناك تراث كبير من التصوير الفوتوغرافي المتعاطف مع أبناء الطبقة العاملة، بدايةً من المُصوِّرين الأوائل، مثل جون ثومبسون، مرورًا بالمُصورين الأمريكيين مثل لويس هاين ووالكر إيفانز ودوروثي لانج، والألماني أوجست ساندر، وبراساي وهنري كارتييه بريسون في فرنسا، وصولًا إلى البرازيلي سيباستياو سالجادو، وهو تراثٌ يقف فيه علوان بأقدامٍ راسخة. 

ومن ناحية أخرى، بسبب الطابع الفوري والآلي للتصوير الفوتوغرافي، فهو يفتح المجال لنوعٍ من الهيمنة والبرود والقسوة ليس موجودًا، أو ليس موجودًا بالدرجة نفسها، في الرسم أو التصوير الزيتي. ويتبيَّن ذلك في اللغة المُستخدَمة فيه -فالمُصوِّر «يلتقط» الصورة، و«يخطف» الكادر، و«يقتنص» اللحظة- وفي دوره في السيطرة الاجتماعية (الصور الرسمية، وصور بطاقات الهوية، وجوازات السفر، إلخ)، ودوره كخادمٍ للإمبريالية والاستعمار (الأمر الذي حلَّله علوان وأوضحه بجلاء في دراسته الرائعة لصور لينيرت ولاندروك «تصوُّر مصر» - القاهرة، دار أورينت آرت للنشر، 2007)، وفي ظاهرة مُصوِّري النجوم. أدَّى ذلك في عالم فن التصوير إلى نشوء عناصر من التشييء والسخرية والاستغلال، مِمَّا يمكن أن نجده في أعمال ديان أربوس، وجويل بيتر ويتكن، وروبرت مابلتورب، ومارتن بار -ذلك الاتجاه الذي عارضه علوان بصورة واعية-. 

إن أحد الطرق التي قد تمكِّنا من تقدير مكانة أعمال علوان هو مقارنته ببعض أسلافه المُصوِّرين. 

صوَّرَ لويس هاين عمل الأطفال بالولايات المتحدة في مطلع القرن الماضي من أجل فضحه والترويج للإصلاح الاجتماعي. لقد صوَّر عمال البناء الذين شيَّدوا مبنى إمباير ستيت وهم مُعلَّقون في سماء مانهاتن، من أجل إبراز المهارة والشجاعة الاستثنائيَّتين لهؤلاء العمال في حياتهم اليومية. علوان أيضًا كان مناهضًا لعمل الأطفال، وداعمًا للإصلاح الاجتماعي، وأدرك المآثر الجمَّة للعمال في عملهم، لكن أيًّا من هذا لم يكن القوة الدافعة لصوره. 

كانت القوة الدافعة وراء صور براساي هي استحضار البيئة المحيطة -الحياة الليلية في باريس خلال الثلاثينيات؛ في مونتمار ومونبارناس-. هناك بعض الصور لرجالٍ عاملين في سوق ليه آل في باريس، لكنهم ثانويون بالنسبة لعاملات الجنس وراقصي الاستعراضات والعاشقين وفتية العصابات، وجميع الأفراد في هذه الصور هم بدورهم ثانويون بالنسبة للبيئة المحيطة. 

يهتم كارتييه بريسون بالناس العاديين بالتأكيد، لكن الطابع الحاكم لصوره بصورةٍ عامة هو التقاط «اللحظة المناسبة» حين يتهيأ هؤلاء الناس في وضعٍ تعبيري مميز. أما ساندر، الذي كان له تأثيرٌ كبير على علوان، فقد تركَّز عمله على توثيق الناس العاديين في ألمانيا خلال عشرينيات القرن الماضي حسب «النموذج» وفقًا لتصنيفٍ منهجي، على عكس توصيف إنجلز للواقعية بأنها «الاستنساخ الصادق لشخصياتٍ مطابقة للأصل في ظلِّ ظروفٍ مطابقة للأصل». للوهلة الأولى، يبدو أن علوان يحاول أن يفعل شيئًا شبيهًا لمصر، لكن اهتمامه بالموضوع الخاص، أي الشخص الظاهر في الصورة، يطغى على أي محاولةٍ لانتهاج نظامٍ كهذا، وهذا ما يمنح عمله دفئًا إنسانيًا يفتقر إليه ساندر. 

في الحقيقة، هناك أصداءٌ لكل هؤلاء المُصوِّرين لدى علوان، لكن أعماله تتمايز عن أعمالهم بانخراطها الأعمق مع شخصيات الناس في هذه الصور، وكذلك تمثيلها الأعمق لهم. 

لنأخذ مثلًا صورة أم رضا، بائعة الخضراوات في الوايلي، وصورة حامل البخور في دار السلام. يبدو الفقر واضحًا على كليهما -وكلُّ مَن في هذا المستوى في مصر فقير-، لكنهما لم يُصوَّرا من أجل تمثيل الفقر، ولا لأن أيًّا منهما يمثِّل «نموذجًا». في المقابل، كانت الفرادة الشخصية والروح المُمَيِّزة لكلٍّ منهما هي التي جذبت علوان إليهما، وهذا ما أبرزه علوان في صوره الرائعة. 

caption

يهتم علوان بالناس الفرادى. قد يبدو ذلك أشبه بالكليشيه، أو الكليشيه البرجوازي في هذه الحالة، لكن بمجرد أن تضيف عنصر الطبقة إلى العبارة  -الناس «العاملين» الفرادى- يصير الأمر مُفعمًا بالفن والسياسة بشدة. من النادر في الحياة بصورةٍ عامة أن يهتم المثقف حقًا بأبناء الطبقة العاملة، فما بالنا بندرة المثقفين الذين يهتمون بهؤلاء فنيًا. إن الفكرة التي تعتبر أبناء الطبقة العاملة بسطاء في أفكارهم ومشاعرهم مقارنةً بتعقيد الطبقات الوسطى، لهي انحيازٌ يقف وراءه مجتمع طبقي يمتد لخمسة آلاف عام. والقطيعة مع هذه الفكرة كما فعل علوان، ليس فقط على المستوى النظري بل عضويًا، مثلما يتعيَّن على الفنان أن يفعل إذا كان لهذه القطيعة أن تُدرَك في عمله الفني، تعبِّر عن فنٍّ وسياسةٍ أكثر جذريةٍ بكثير من المنعطف الاجتماعي أو الصفقة الجديدة أو الجبهة الشعبية. 

هناك نقطتان بحاجة إلى توضيح. تتعلَّق الأولى بمعاناة الطبقة العاملة. في العالم اليوم، يعاني أبناء الطبقة العاملة بلا رحمة ولا هوادة وعلى نطاقٍ يصعب تصوره، لكن أولئك الذين ينظرون إلى البروليتاريا، على حد تعبير ماركس، «فقط باعتبارها الطبقة الأكثر معاناة»، تغيب عن أذهانهم النقطة الرئيسية في الأمر، التي هي قدرة الطبقة العاملة على المقاومة، على إنهاء معاناتهم، وعلى تحرير أنفسهم وتحرير البشرية. 

أما النقطة الثانية، فهي العلاقة بين الفرد والجموع. غالبًا ما يُفتَرَض أن التأكيد على الفرد لهو نزوعٌ برجوازي ويميني، أما التشديد على المصالح الجماعية، والنضال الجماعي كذلك، فهو ميلٌ بروليتاري ويساري. هناك وجه حق في هذه الفكرة، إذ لا بد أن تناضل الطبقة العاملة جماعيًا للدفاع عن مصالحها وتغيير المجتمع، لكن من السهل المبالغة في الفكرة، بل وتحويلها إلى فكرةٍ ضارة، إذا فهمناها على أنها معارضةٌ لتطور الفرد وحريته. لم تكن هذه وجهة نظر ماركس على الإطلاق. لقد كان يعتبر أن هناك دائمًا تفاعلًا ديالكتيكيًا بين الفردي والاجتماعي: 

«لا يضع الشيوعيون الفردية في مواجهة نكران الذات أو نكران الذات في مواجهة الفردية.. إنهم يدركون جيدًا أن الفردية، بقدر نكران الذات، لهي في ظروفٍ مُحدَّدة شكلٌ ضروري لتأكيد الأفراد لذواتهم. وبالتالي لا يريد الشيوعيون بأي حالٍ من الأحوال ... التخلُّص من «الفرد الخاص» من أجل «الإنسان العام» الذي ينكر ذاته»2

وفي مؤلَّفٍ آخر، كتب أن «ما يجب تجنُّبه في المقام الأول هو إقرار «المجتمع» كتجريدٍ في مواجهة الفرد. فالفرد هو الكائن الاجتماعي»3. وفي آخر، كتب: «بدلًا من المجتمع البرجوازي القديم.. سيصير لدينا اتحاد يكون فيه التطور الحر لكل فرد شرط للتطور الحر للجميع»4

كيف يمكن ترجمة هذه العبارات النظرية إلى لغة التصوير الفوتوغرافي؟ وإلى أي حد ترتبط بصور علوان على وجه الخصوص؟ قد تظهر بالطبع قدرة العمال على المقاومة وتحرير أنفسهم في صور الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات، إلخ. لا تقِل مثل هذه الصور ضرورةً عن المنشورات واللافتات والملصقات، لكنها محدودةٌ فنيًا (لعلَّ أفضل صورٍ لمظاهرات رأيتها على الإطلاق هي صور تينا مودتي، لكنها تميل إلى التضحية بإبراز المتظاهرين في مقابل التوصُّل إلى تعبيرٍ مُبهرٍ يكاد يكون مجردًا). هناك إمكانيةٌ أخرى بالتقاط صورٍ مثالية تُظهِر عمالًا مفتولي الأجساد يحدِّقون بإصرارٍ نحو المستقبل. كانت تلك هي الطريقة الستالينية، وهي طريقةٌ زائفةٌ فنيًا وسياسيًا على السواء. أما الطريق الذي سلكه ياسر علوان، فهو إظهار أن أبناء الطبقة العاملة، رغم الفقر والكدح، يظلون بشرًا مُعقّدين وفخورين بكرامتهم، يتكبَّدون المعاناة، لكنهم غير مهزومين، ولهم نظرتهم في الحياة والعالم. 

لنأخذ على سبيل المثال تلك الصور التي التقطها علوان في المدابغ، التي تُظهِر رجالًا وصبيةً يعملون في ظروفٍ أشبه بالجحيم قد تدفعهم إلى الموت قبل أوانهم. وبينما يُعَدُّ ذلك جزءًا جوهريًا من قصتهم، فهو ليس القصة كلها. الصورتان الرئيسيَّتان في هذه السلسلة -الصبي الذي ينظر من تحت الجلود على رأسه، والشاب الجالس أمام الكاميرا مباشرةً والسيجارة بين إصبعيه- تقولان أكثر من ذلك. 

caption

في عينيّ الصبي، اللتين تترقرقان بالدموع، نرى ألمًا يكاد لا يُحتَمَل (بدنيًا ومجازيًا) يضغط على كتفيه، تمامًا مثلما نرى إصرارًا على الاستمرار، ببريق أملٍ للمستقبل. نجد تناقضًا مشابهًا يدقُّ في صدر الشاب في الصورة الأخرى، بينما يعضُّ على شفتيه وينظر إلى الكاميرا وعلامة استفهام ترتسم على وجهه، محاولًا فهم عالمه الجائر. 

caption

ثم هناك صور عمال المحاجر في حلوان، جنوبيّ القاهرة -لقد ذهبتُ إلى حي حلوان وهو بالفعل اسمٌ على مسمَّى-. تقدِّم لنا هذه السلسلة صورةً عن المشهد العام وإحساسًا بالحرارة المستعرة في الصحراء، وتُظهِر اللقطات المُقرَّبة تفاصيل عمل هؤلاء العمال؛ يحنون ظهورهم ليهووا بالمعاول على الحجر، قاطعين بدقةٍ بالغة كتلًا ثقيلة تُحمَل على الأكتاف وتُنقَل على الأذرع والأيدي. ثم، فجأة، نجد تلك الصورة لعاملٍ يعتمر عمامةً بيضاء ويتأهَّب استعدادًا ليضرب بمعوله. هذه بالطبع صورةٌ لعاملٍ يستعد ليضرب الحجر بمعوله، لا أن يهوي به على رأس البرجوازية العالمية، إلا أنها صورةٌ مُذهِلة. 

caption

قد يبدو أن صور سباق الخيل في الجزيرة لا تناسب هذا النقاش. ليس بقدرٍ كبير. الفقراء يقامرون في كلِّ أرجاء العالم -حتى رغم أن المقامرة تزيد فقرهم-. الأغنياء يقامرون أيضًا، لكن بطريقةٍ مختلفة ولأسبابٍ مختلفة؛ من أجل التباهي، من أجل استعراض ثرواتهم أو ذكورتهم، ومن أجل حقن بعض المجازفة في حياتهم الخالية من أيِّ مخاطر. أما الفقراء، والعجائز منهم بالأخص، فيقامرون من أجل الحق في الحلم. مقابل ثمن بطاقة اليانصيب، يشتري هؤلاء الحقَّ في حياةٍ سرية من وحي خيالهم ليومٍ أو لأسبوع. ومقابل ثمن بضع قسائم الرهان، يشترون ساعات من الانخراط الكثيف في الحياة؛ ساعاتٍ يحاولون فيها الاستذكاء على النظام و«يفوزون»؛ يحصلون على شيء نظير لا شيء، يتقاضون مالًا دون عملٍ في المقابل. عادةً لا يجنون شيئًا من ذلك بالطبع، لكنهم أحيانًا يفوزون. أين يمكنهم الفوز في هذه الحياة الفقيرة غير هنا؟ وأين يمكنهم الظفر بشيء من غيرهم دون أن يُسحَقوا على الفور غير هنا؟ المقامر ليس رجلًا يقاوم سياسيًا، بل هو رجلٌ يقاوم بطريقته الخاصة، رافضًا الاستسلام تمامًا، وهو علاوة على ذلك شخصٌ وليس نموذجًا.

caption

إنه ذلك الرجل الذي يغطي الشيب رأسه، على وشك أن يضع سيجارةً بين شفتيه (يا لها من صورةٍ عظيمة هذه)، حافظًا على الأقل كرامته، وحتى قليلًا من وقاره، وبالتأكيد حُسن هيئته. إنه ذلك الرجل العجوز النحيل ذو القبعة الغريبة الذي يمسك بورقةٍ في يديه (ربما قائمة بخيول السباق أو لائحة إرشادات). ماذا كان في حياته من قبل؟ ومن أين جاءت هذه القبعة؟ وبِمَ تخبرنا؟ وذلك الرجل ذو الجلابية البيضاء، الذي يغمض عينيه قليلًا لتدقيق النظر في لوحة النتائج، ربما لا تتعلَّق آماله بأكثر من نتائج الساعة الثالثة والنصف، لكنها مع ذلك تظل آمالًا.

caption

كلُّ مَن يظهر في صور علوان يبرز في سياقٍ اجتماعي يؤطِّره ويشكِّله، لكن لا يفرض تعريفًا كاملًا له. كل هؤلاء أشخاص وشخصيات في حد ذاتهم، يشقون طريقهم في الحياة في ظروفٍ لم يختاروها بأنفسهم رغم ذلك. هذا هو ما أعنيه بـ«المساواتية الإنسانية العميقة» في هذا العمل.

caption

إن عنوان هذه المجموعة من الصور، «حرية الظهور»، لهو في حد ذاته إشارة إلى مرجعية مزدوجة. اقتُبِسَ العنوان من جملةٍ في كتاب «حقوق الإنسان» لتوماس بين: «إن كلَّ ما تطلبه وتريده الطبيعة التي لا تُقاوَم للحقيقة هو حرية الظهور». لكن الاقتباس نفسه يظهر في كتاب الصور الفوتوغرافية «عائلة الإنسان» لإدوارد ستايشن عام 1955. كلا المرجعين يناسبان صور علوان، بيد أن هذه الصور تشير أيضًا إلى اتجاهٍ ثالث. 

في بداية هذه المقالة، تحدَّثت عن اختفاء الطبقة العاملة من الثقافة، بالأخص في المناطق الأفقر من العالم. ومع ذلك، أظهر أبناء الطبقة العاملة في مصر أنفسهم على نحوٍ متزايد في السنوات الأخيرة. ومن المفارقة أن العاملين يُظهِرون أنفسهم، جميعًا معًا، بأكبر قدر حين يتوقَّفون عن العمل نفسه، أي عندما يخوضون الإضرابات. وهذا ما كان يفعله العمال المصريون بوتيرةٍ متصاعدة. سابقًا، في عام 2008، دفع ارتفاع الأسعار الناس إلى الاحتجاج، وتلا ذلك موجةٌ من الإضرابات العمالية التي انطلقت في البداية من شركة المحلة للغزل والنسيج، أكبر شركة صناعية في المنطقة. وفي الدوائر السياسية، صار اسم المحلة منذ ذلك الحين رمزًا لنضال الطبقة العاملة على المستوى الأممي. 

هذه الأهمية السياسية الموضوعية للعمال المصريين تصبح أوضح من أي وقتٍ مضى. هذه هي الطبقة العاملة الأكبر وربما الأقوى في كل المنطقة بين أوروبا والهند، أي في القلب من ساحة الصراع من أجل السيطرة على إمدادات الطاقة، وخط الجبهة بين الإمبريالية ومناهضة الإمبريالية. تمسك هذه الطبقة بمفتاح هزيمة نظام مبارك الوحشي، ومن ثم الإطاحة بديكتاتوريات أخرى موالية للولايات المتحدة في المنطقة، مما سيفتح الباب أمام هزيمة إسرائيل الصهيونية، الأمر الذي يتجاوز قدرة الفلسطينيين وحدهم. 

هناك نقطة مرجعية فوتوغرافية/فنية وسياسية أيضًا هنا. ربما يكون المُصور الذي يبدو أن أعماله تسبق، أو حتى تتفوق، على أعمال علوان هو سيباستياو سالجادو. لكن هناك اختلافًا جوهريًا بينهما. صحيح أن صور سالجادو لمنجم سيرا بيلادا للذهب في البرازيل هي صور رائعة حقًا، لكن دراسته للعمال بعنوان «العمال: علم آثار العصر الصناعي» تقوم ككل على المفهوم الخاطئ (والواسع الانتشار) بأن الطبقة العاملة في طريقها إلى الاختفاء. وهذا بدوره يؤثِّر على التصوير نفسه. يضفي سلجادو، بشكلٍ مقصود على ما أعتقد، تأثيرًا حُبَيبيًا على صوره، مما يمنحها طابعًا رثائيًا، كأنه يكرِّم سلالةً توشك على الانقراض، وبالتالي ينخرط في شكلٍ من أشكال الترويج الرومانسي لأسطورةٍ مُختَلَقة. ما مِن شيءٍ كهذا في أعمال علوان التي يبدو فيها أبناء الطبقة العاملة حاضرين بإصرار، هنا في هذه اللحظة وهذا المكان، وليسوا بحاجة لأي مثالية تُضفَى عليهم. 

في الحقيقة، الطبقة العاملة موجودة اليوم -في كوريا والصين وإندونيسيا والهند والشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية- بأعدادٍ أكبر بكثير من أي وقت سابق في التاريخ. تتمتَّع هذه الطبقة بقوة هائلة -مُحتَمَلة- بتركُّزها في مدنٍ عملاقة مثل ساو باولو ومومباي وكانتون ومكسيكو سيتي. تُعد القاهرة إحدى أكبر هذه المدن، والطبقة العاملة المصرية لهي مُكوِّن رئيسي في هذا الجيش الأممي. 

صور ياسر علوان ليست معنيةً بالمظاهرات والإضرابات والانتفاضات، لكنها تقدِّم لنا الناس بكل تناقضاتهم البشرية. من المُوفَّق أن تأتي هذه المجموعة من الصور في وقتٍ أصبح فيه هؤلاء الناس على وشك انتزاع «حرية الظهور» في القلب من المسرح العالمي. هناك فرصة، فقط فرصة، لكنها مع ذلك فرصةٌ حقيقية، أن ذلك الشاب اليافع صانع الطوب، الذي يحمل على كتفه سطلًا بحجم جذعه، ساندًا إياه بذراعٍ يحجب وجهه، سوف يكبر ليغيِّر التاريخ.

caption

تجدون صورًا أخرى من أعمال ياسر علوان هنا.

1- جون برجر، طرق الرؤية (هارموندسوورث، بنجوين 1988).

2- كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأيديولوجيا الألمانية (لندن، لورانس آند ويشمارت، 1991).

3- كارل ماركس وفريدريك إنجلز، مخطوطات 1848 الاقتصادية والفلسفية (موسكو، دار التقدم، 1967).

4- كارل ماركس وفريدريك إنجلز، البيان الشيوعي (نيويورك، بنجوين، 2011).

عن الكاتب

جون مولينو

(1948-2022)، كان مُحاضرًا في كلية الفنون والتصميم بجامعة بورتسموث البريطانية، ومحررًا لمجلة النشرة الماركسية الأيرلندية، ومؤلف «ديالكتيك الفن» الذي ترجمه أشرف عمر وصدر عن دار ليون عام 2025.

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن