تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
لماذا أجَّل السيسي إطلاق استراتيجية حقوق الإنسان؟

لماذا أجَّل السيسي إطلاق استراتيجية حقوق الإنسان؟

كتابة: رنا ممدوح، عايدة سالم 7 دقيقة قراءة

بعد أن استعدت الجهات الحكومية لإطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في 20 يونيو الماضي، خلال فعالية محدودة بمقر وزارة الخارجية في حضور وزاري، أمرت مؤسسة الرئاسة بتأجيل الإطلاق إلى موعد مبدئي في 26 يوليو الجاري، ليطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي بنفسه.

تغيير موعد إطلاق الاستراتيجية قد يُنبئنا عن شيء بشأن الهدف منها بالأساس، وهو الأمر الذي اختلفت المصادر في تفسيره، شأنها شأن محتوى الاستراتيجية نفسه.

في منتصف نوفمبر 2018، أصدر رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، قرارًا بإنشاء لجنة عليا دائمة لحقوق الإنسان برئاسة وزير الخارجية وعضوية ممثلين عن وزراء الدفاع والداخلية والعدل وشؤون مجلس النواب والتضامن الاجتماعي، فضلًا عن المخابرات العامة وهيئة الرقابة الإدارية، إلى جانب المجالس القومية للمرأة وللطفل ولشؤون الإعاقة، والهيئة العامة للاستعلامات والنيابة العامة. وأوكل رئيس الوزراء لتلك اللجنة إدارة ملف حقوق الإنسان وحدها بدلًا من اللجنة الرئيسية لحقوق الإنسان بوزارة العدل، واللجنة الوطنية المعنية بآلية المراجعة الدورية أمام مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة التابعة لوزارة شؤون المجالس النيابية. وحدد القرار للجنة الدائمة عدة اختصاصات على رأسها وضع استراتيجية وطنية لحقوق الإنسان وخطط عمل لتنفيذ الجهات المعنية لها.

غير أن ترجمة قرار رئيس الوزراء استغرق ما يقرب من 20 شهرًا لتجتمع اللجنة الدائمة وتبدأ ممارسة أعمالها في الثاني من يوليو 2020، وهو ما تلاه إعلانها في منتصف أكتوبر من العام نفسه توصلها لمسودة أولية للاستراتيجية، التي عرَّفها الأمين العام للجنة ومساعد وزير الخارجية لحقوق الإنسان، السفير أحمد إيهاب جمال الدين، بأنها «خارطة طريق ورؤية مصرية ذاتية، لما نريده لمصر في المستقبل القريب.» 

انتهت اللجنة من إعداد الاستراتيجية في الأول من يونيو الماضي، بحسب مصدرين حكوميين شاركا في إعدادها، وتحدثا بشكل منفرد  لـ«مدى مصر» موضحين أن النسخة النهائية للاستراتيجية، والتي تقارب 100 صفحة، تم عرضها وإجازتها من جميع الأجهزة المعنية في الدولة، بما في ذلك الجهات الأمنية وجميع الوزارات والمجالس والجهات والهيئات المشاركة في إعدادها، إلى جانب مكتب رئيس الجمهورية. وتم تحديد 20 يونيو الماضي موعدًا لإطلاقها خلال فعالية محدودة بوزارة الخارجية، ولكن في الساعات الأخيرة أُجّل الإطلاق استجابة لأوامر رئاسية.

وفسر أحد المصدرين الحكوميين، اشترط عدم ذكر اسمه، التأجيل برغبة مؤسسة الرئاسة في إقامة حفل لائق يشارك فيه السيسي بنفسه وعدد من الجهات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني والشخصيات العامة، إضافة إلى عدد من السفراء المعتمدين لدى مصر، معتبرًا أن إطلاق السيسي للاستراتيجية هو بمثابة تعهد بتنفيذها من جميع أجهزة الدولة.

كما لفت المصدر الحكومي الثاني إلى أن عددًا من الدبلوماسيين المصريين والأجانب بُلغوا من جهات أمنية بحضور الرئيس لحفل إطلاق الاستراتيجية، غير أن مؤسسة الرئاسة لم تفصح في طلبها بتأجيل الحفل عن أية معلومات، واكتفت فقط بالإشارة إلى أن الموعد المبدئي لإطلاق الاستراتيجية هو 26 يوليو الجاري.

ورغم تزامن الموعد المحدد من الرئاسة لإطلاق الاستراتيجية مع الذكرى الثامنة لمطالبة السيسي -وقت أن كان وزيرًا للدفاع- المواطنين بتفويضه في استخدام القوة ضد مؤيدي الرئيس الأسبق محمد مرسي، وهو ما حصل عليه في صورة مظاهرات ردد خلالها المفوضون عبارات على شاكلة «إفرم يا سيسي» إلا أن المصدر الحكومي الثاني لم يجد رابطًا بين الحدثين، معتبرًا أن تزامنهما قد يكون صدفة.

«محدش يعرف هتطلع ولا لأ» هكذا قال المحامي الحقوقي نجاد البرعي، أحد ممثلي منظمات المجتمع المدني الذين شاركوا في جلسات إبداء الرأي تجاه الاستراتيجية موضحًا لـ«مدى مصر» أن هناك حالة من الغموض والسرية تحيط بموعد إطلاق الاستراتيجية. لفت البرعي إلى أن سفارة مصر في الوﻻيات المتحدة أعلنت سابقًا من خلال حسابها الرسمي في تويتر موعدًا لإطلاق الاستراتيجية خلال يونيو، وقامت بذكر وزارة الخارجية الأمريكية في التغريدة، وهو ما تبعه تعليقات غاضبة من المتابعين بأن الاستراتيجية تستهدف إرضاء الولايات المتحدة بالأساس. قامت السفارة بعد ذلك بحذف التغريدة واستبدالها بأخرى تعلن إطلاق الاستراتيجية قريبًا.

وبينما توقع البرعي أن يكون إعلان السفارة المصرية في الولايات المتحدة عن إطلاق الاستراتيجية هو تسرع من جانبها، أكد مصدر دبلوماسي على أن ملف حقوق الإنسان سيظل أمرًا حاكمًا في العلاقات المصرية الأمريكية، موضحًا أن زيارة رئيس المخابرات المصرية، عباس كامل، إلى واشنطن في الأسبوع الأخير من يونيو الماضي شهدت تأكيدات من شخصيات أمريكية وأعضاء بالكونجرس لكامل على أن دعمهم لمصر مرتبط بمدى قدرتها على إدخال تحسينات في ملف حقوق الإنسان.

ولفت المصدر الدبلوماسي، الذي فضل عدم ذكر اسمه، إلى أن السلطة المصرية كان لديها توقع أن دورها في إنهاء الحرب بين إسرائيل وحركة حماس في قطاع غزة الفلسطيني سيقلل من الانتقادات الأمريكية لحالة حقوق الإنسان في مصر، ولكنه لم يفعل، مشيرًا إلى انزعاج السلطة في مصر من إعلان البيت الأبيض استقبال ملك الأردن عبد الله الثاني خلال الصيف الجاري كأول زعيم عربي يتم استقباله من قِبل إدارة جو بايدن.

وفي مواجهة الغموض والتحديات التي تحيط بموعد إطلاق الاستراتيجية، أكد المصدران الحكوميان اللذان شاركا في إعدادها أن تأخير إطلاقها لا يعني «أبدًا» وجود احتمال للتراجع عن الاستراتيجية أو إدخال أي تعديلات على محاورها التي توصلت لها اللجنة الدائمة. 

واتفق البرعي وأحد المصادر الحكومية التي شاركت في إعداد هذه الاستراتيجية على أن أبرز إيجابيات الاستراتيجية هو إقرار الدولة بوجود تحديات في مجال حقوق الإنسان وتعهدها بمواجهتها، من خلال التزامها بتبني تشريعات وبرنامج عمل وقرارات تساهم في نشر ثقافة حقوق الإنسان خلال السنوات الخمس المقبلة.

وأوضح البرعي أن الاستراتيجية تستهدف كل الحقوق، وتخاطب جميع المواطنين في كل الملفات، مشيرًا إلى أن تمثيل العديد من الجهات في اللجنة الدائمة يضمن البدء في إصلاح كل الملفات بالتزامن. 

وتضم الاستراتيجية التي اطلع «مدى مصر» على نسخة منها، أربعة محاور: الحقوق المدنية والسياسية، ثم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى حقوق المرأة والطفل وذوي الإعاقة وكبار السن. والمحور الرابع يتعلق بالتثقيف وبناء القدرات في مجال حقوق الإنسان.

وفيما يخص محور الحقوق السياسية والمدنية، نصت الاستراتيجية على تبني سياسة تشريعية بتخفيف عدد الجرائم التي يعاقب عليها الجاني بعقوبات سالبة للحرية (الحبس أو السجن) والبحث عن عقوبات بديلة عن الحبس عند عدم سداد الديون الناشئة عن العلاقات التعاقدية.

وفيما يتعلق بعقوبة الإعدام، تضمنت الاستراتيجية إشارة إلى حث السلطة على مراجعة الجرائم الأشد خطورة التي توقع عليها هذه العقوبة. أما الحبس الاحتياطي فاكتفت الاستراتيجية بمطالبة أجهزة الدولة بضرورة البحث عن «البدائل المُطورة إلكترونيًا» لتفادي نقل المحبوسين إلى المحكمة عند الحاجة لذلك. 

وحول الأوضاع في السجون ومعاملة السجناء، تضمنت الاستراتيجية التأكيد على الحاجة للاستمرار في تحديث المنشآت العقابية وإنشاء سجون «جديدة» مع ضمان استمرار «زيارات المجلس القومي لحقوق الإنسان» للسجون إضافة إلى استمرار مناهضة التعذيب والتحقيق في الادعاءات ذات الصلة وحماية حقوق الضحايا اتساقًا مع الدستور والقوانين والتزامات مصر الدولية. 

وفيما يخص منظومة التقاضي والعدالة، نصت الاستراتيجية على ضرورة فرض السرية الكاملة على أسماء المجني عليهم لتشمل جميع الجرائم التي قد يؤدي الإعلان عنها إلى انتهاك حرمة الحياة الخاصة. 

أما حرية التعبير، فأكدت الاستراتيجية على الحق في ممارسة التعبير عن الرأي والحق في التجمع السلمي والتصدي لأية انتهاكات في إطار الدستور والقوانين المنظمة لذلك، وعلى التزام الدولة بمواصلة جهودها لحماية الصحفيين والإعلاميين أثناء تأدية عملهم في إطار الدستور والقوانين المنظمة لذلك، وضرورة إصدار قانون لـ«تنظيم الحق في الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات الرسمية وتداولها.»

وحول المجتمع المدني، أشارت الاستراتيجية إلى التزام الدولة بزيادة التنسيق مع المجتمع الأهلي والقطاع الخاص والجهات المانحة بما يؤدي إلى دعم قدراتها. وفيما يتعلق بالنقابات المهنية والعمالية، حثت الاستراتيجية أجهزة الدولة على دعم مواردها لضمان دورية الانتخابات فيها وإصدار تعديلات تشريعية بشأن مسائل فرض الحراسة على النقابات. أما الأحزاب السياسية، فقد حثت الاستراتيجية على العمل على بناء قدرات ومهارات القيادة والتنظيم عند أعضائها.

كما تضمنت الاستراتيجية إشارة إلى التزام الدولة بمراجعة المقررات الدراسية الرسمية والمواد الإعلامية لتنقيتها من أي موضوعات تتعارض مع قيم التصالح والتسامح أو تحض بأي صورة على العنف والتطرف. كما تشير الاستراتيجية في هذا الصدد إلى التزام الدولة بالتصدي لكل أشكال التحريض باتخاذ الإجراء القانوني المناسب. ويضم نفس المحور النص على تجديد الخطاب الديني، واستمرار عمل لجنة تقنين الكنائس.

وعلى الرغم من تعدد التوصيات التي تضمنتها الاستراتيجية في محور الحقوق المدنية والسياسية، إلا أن البرعي أكد أنه أضعف محاور الاستراتيجية وأنه لا يمثل تطورًا كبيرًا. 

وأوضح البرعي أن إطلاق الاستراتيجية لن يترتب عليه أي تحسن ملحوظ فيما يتعلق بالحبس الاحتياطي أو بسجناء الرأي أو غيره، لأن وقف تلك الانتهاكات غير مرتبط بنقص في وجود القوانين أو القواعد، وإنما تقاعس في أداء النيابة العامة لدورها. ولفت إلى أن مصر لديها ما تبني عليه في الصحة والتعليم وغيره، ولكن فيما يتعلق بالسياسة والحقوق المدنية «لسه بنبدأ.»

ويشمل محور الحقوق الثقافية والاجتماعية في الاستراتيجية النص على توزيع الخدمات الثقافية في «مختلف ربوع الوطن» والنهوض بالصناعات الثقافية، وخفض نسبة الأمية والتوسع في إنشاء المدارس. 

كما تنص على العمل على تطوير المناطق العشوائية والمناطق التي لم تخضع للتطوير العمراني، وزيادة عدد الوحدات السكنية لجميع الشرائح الاجتماعية، وزيادة بناء المدن الجديدة، إلى جانب العمل على توفير مياه الشرب وزيادة محطات التحلية، والتوسع في منظومة الخبز، وخفض التعديات علي الأراضي الزراعية.

 كما تنص الاستراتيجية على توفير المزيد من فرص العمل بأجور عادلة. 

عن الكتّاب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن