لقاء السحاب والدخان
جيوب المدينة #4
#جو عام
في تقاطع بين أبرز شارعين بالمنطقة تدور أحداث قصتنا التي تحكي عن فضل الكيف في تأسيس حدائق حلوان، كما يرويها مهاب علاء، من موقعين، أولهما مقهاه المُفضل أيام التزويغ من المدرسة بينما الآخر خُنٌ مخصوص على كيف قراء «جيوب المدينة»، السلسلة التي تعدّها مي المغربي وياسر عبد اللطيف وتتجول في المكان بحثًا عن الأوكار والخبايا، والتي تنسجم مع أخرى شقيقة، حيث تغوص «أليف ووحشي» وتعمل على علاقة الإنسان بذاته، وتسير مع كُتّابها في رحلتهم لاكتشاف حيوانهم الداخلي، ابقوا معنا ولا تتركوا حبلي السلسلتين.
#جيوب المدينة
كأحد سكان جنوب القاهرة، بعيدًا عن مركز وسط المدينة، في المنطقة التي كانت تُسمى قديمًا محافظة حلوان ـقبل أن يُسحب منها لقب المحافظةـ وتحديدًا لحدائق حلوان، كساكن لهامش الهامش، كما يحب أن يتحذلق المثقفون، حيث لا يوجد شيء مميز، ولا حدائق ولا نيلة. يتطلب ذلك تفسيري الدائم لموقعي الجغرافي مع كل تعارف جديد، فبمجرد أن تجيب «حدائق حلوان»، يقول السائل: «إيه؟ قصدك حلوان؟» لتكرر: حدائق حلوان، وتستطرد قبل أن ترى نظرة البلاهة ترتسم على وجهه: قبل حلوان بأربع محطات بين المعصرة ووادي حوف، ليهز رأسه علامة على الفهم ولتغيير الموضوع.
وبينما تتمّيز الأولى، بسمعة البلطجة والعشوائية والاقتباس الشهير «صاحب مرة ومتصاحبش راجل من المعصرة» وهي إحدى علامات التعميم والتمييز الكثيرة التي تُطلق على المناطق وتُستخدم لافتعال خناقات بين ساكنيها من الرجال؛ مبررها الوحيد شحنة التستوستيرون المملوئين به، متناسين أننا جميعًا «دايسن في الخرا حافيين»، وكلما زاد معدل العشوائية زادت النخوة للمنطقة بالطبع، كمعادلة طردية طرفاها الشوفينية والخراء. وتتميز الثانية، وادي حوف، بالهدوء الشديد والشوارع الواسعة كمُتسع لـ«تفحيط» الشباب بالسيارات بها، كما يقول الخلايجة، تقع بينهما حدائق حلوان كالراقصة على السلم.
مجموعة من الطبقة الوسطى يسكنون بلا أي سمعة بطّالة أو غيرها، في بيوت صغيرة مكونة من خمسة طوابق كحد أقصى، أو أبراج جديدة تصل إلى 12 دورًا بُنيت مكان فيلات غادرها ساكنوها منذ زمن بعيد، يُقال إنها في غابر الزمان كان يسكنها الباشوات والفنانين، ومنهم فريد الأطرش وأسمهان وعبد اللطيف التلباني، وشيوخ الأزهر مثل الباقوري والذهبي.
أُنشئت في أربعينيات القرن العشرين كما يشير ويكيبيديا، بعد أن أراد الملك فاروق أن يكافئ مسؤول علبة الدخان الخاص به، لفًا ورصًا وتقديمًا، توتونجي، فمنحه قطعة أرض ليبرطع فيها.
اسمها الأول كان «المعصرة الجديدة» ثم حدائق حلوان، تميزت برائحة زهرة ذقن الباشا المُنبعثة من أشجارها العملاقة التي كانت تملأ شوارعها، الآن راح الباشا وذقنه، وخّلد التاريخ اسم «بتاع الدخان: توتونجي» على الشارع الرئيسي بها، يقاطعه شارع آخر فيما بعد ينغص عليه سلامه.
استُبدلت رائحة ذقن الباشا بعوادم المصانع التي تحيط بالحدائق. مصانع طرة الأسمنت وسيجوارت، الذين يحولونها إلى منطقة شديدة التلوث وتنشر مختلف الأمراض في ساكنيها، تسببت المصانع بموت العديد من شباب المنطقة. لطالما تخيلت توتونجي يجلس في السماء، ينام على سحابة فاردًا ظهره عليها، عينه لا تفارق «الحدائق»، بينما تتدلى سيجارة من جانب فمه لا تُطفئ أبدًا، ينفث دخانه منها باستمرار، يحافظ على فرض سطوته على المدينة عبر إحاطتها بشبورة دائمة تحجبها عن العالم. تجعل أهلها غير مرئيين، يطاردهم بلعنته ليظلوا في مكانهم ساكنين، يسقط من أدمغتهم أي ذاكرة تخص المدينة، تجعلهم محتجزين في سجن الماضي غير قادرين على الخروج منها.
تمتلئ «الحدائق» بالقهاوي، فبمجرد أن تنزل من المترو وتطأ قدماك أرضها وتتخطى سيل التكاتك الذي يحيطك من كل جانب، وتمشي في أي اتجاه يمينًا أو يسارًا موازيًا لسور المترو، حتى تتكعبل بها، بمعدل قهوة لكل ناصية تقريبًا. قهاوي كلها متشابهة، لا شيء يميز أيها عن الأخرى، تخلو من أي عنصر يكيف أو يعدل مزاج زبونها أو تجعله يتمسك بها، مجرد قعدة والسلام. كلها تطلّ على منظرٍ واحدٍ تقريبًا، نفس لون وستايل الكراسي والترابيزات، نفس الصنايعية يتنقلون للعمل بين قهوة وأخرى، ونفس المالك تقريبًا للعديد منها عملًا بمبدأ «كُل نفسك قبل ما حد ياكلك». توتونجي صاحب كيف الملك الذي كان سببًا في تأسيس المنطقة في الأصل، لم يستطع نقل كيفه إليهم، أو ربما استكثر تقديم المزاج نفسه لعامة الشعب، مكتفيًا بجعلهم مدخنين سلبيين يلقي عليهم رماد سيجارته من أعلى.
أتمشى في شوارع الحدائق، أعبر من شارع لآخر بحثًا عن شئ يميزها عن غيرها من المناطق، شيء عالق في ذاكرتي منها، تخرج به من سطوة الدخان.
تأخذني قدماي لقهوة المراهقة، أذهب بمفردي للتدخين مثلما كنا نذهب كشلة، أتأمل الدخان الذي يحاوط الجالسين بها ويكبلهم، الدخان الذي هربت منه -أو هكذا أظن، واستنشاق نسيم الساحل العليل.
كنا نسميها «الجونة» لوجود ترعة تطل عليها ممتلئة ببحر من الزبالة، تصدر منها رائحة لا تُطاق، ليصبح «فيو» الجونة بطريقة مثيرة للسخرية الوجه الآخر لمثيلتها الأصلية، فيحتوي كل منهما على بحر يخصه.
اصطفيناها بالتحديد لفضائلها التي لا تُحصى. أولها بُعدَها عن المدرسة بالطبع؛ لتجنب أي «قفش» وارد الحدوث، ثانيها قربها من بيوتنا جميعًا تقريبًا مسافة عشر دقائق «موتو رجل»، حيث أنها تتوسط مكانًا بين عالمين تكمن بهما أماكن سكن الشلة. حدائق حلوان القديمة الخاضعة للتنظيم البنائي القديم وسطوة توتونجي، وعالم «جمال عبد الناصر» الشارع الوحيد الذي ينافسه في الهيمنة، يربط بين الحدائق وكورنيش النيل وتتفرع منه جميع المناطق العشوائية مثل مدينة الهدى وتقسيم النصر والمعلمين.
ليل نهار يتكدس فيه الناس والميكروباصات والتكاتك. يسكن فيه الوافدين الجدد إلى الحدائق تحت إغراء رخص الشقق به، بعدها يصيبهم الأرق للأبد ويتحولون لزومبي من الضوضاء. يكره سكان الحدائق الأصليين «جمال عبد الناصر» بشدة، لجلبه الرعاع والفقراء والسرسجية الذين ينغصون عليهم حياتهم ويأخذونها من هالة الشبورة والهدوء المصطنع لتشكل منطقة جديدة. تأخذني قدماي إليه حين أريد أن أطفئ عقلي، تطغى الدوشة التي لا تنتهي على أي صوت داخلي، تحل مكانها أصوات الكلكسات والخناقات المستمرة بين ساكني الشارع.
معالم الحدائق القديمة تتبدل باستمرار، تأخذ معها ذكريات الطفولة وتختفي. المطاعم والمحلات تُغلق، يتخلى عنها مالكوها القدامى بعد أن شاخوا. ولكن الغريب إصرار الفاتحين الجدد على نفس نوع المحلات. تُغلق مقلة لتفتح مكانها مقلة أخرى، يغلق مطعم ليُفتح مطعم آخر وهكذا، تغيير قصب بقصب دون أي زعزعة للمنطقة.
الآن لا يمكنني تحديد أي ذاكرة تربطني بالمنطقة، مكان واحد ظل على حاله بجانب البيت، خُنٌ صغير لا يُرى، يحتل مساحة تشعر أنها انشقت داخل الجدار، تمكنك بالكاد من الوقوف بالداخل مع صاحبه. لا يمتلك يافطة تميزه، يبيع لعب أطفال وإكسسوارات، كانت أمي تصطحبني إليه من فترة لأخرى لشراء الألعاب. لفت نظري عند المرور من أمامه قمصان نوم ستان قديمة لا تتغير يعلقها على الفترينة، تناقض ما يبيعه في الداخل. شكل صاحبه لم يتبدل منذ الطفولة مجرد شعرات صغيرة بيضاء ظهرت على رأسه. يجلس بكرسي أمام المحل حتى الفجر، بجانبه طقطوقة صغيرة يضع عليها كوب شاي ويدخن السجائر باستمرار، أصبحت أمر عليه كل أسبوع لشراء كوتشينة وتبادل التحيات، حجة أستطيع بها الرغي معه والخروج بسر القمصان.
تسرسب معي بالكلام بمرور لأيام، حكى لي أن المحل هو ورث من أمه. جاءت إلى الحدائق في الثمانينيات مع زوجها، والمحل في الأصل كان يبيع ملابس حريمي، قبل أن تستولي واحدة من الزبونات على قلب الزوج ويهرب معها خارج الحدائق ويتركه مع أمه بمفرده، ماتت الأم وظل هو حبيس المحل تاركًا القمصان حفظًا لذكراها أو لالتقاط قلب زبونة يهرب معها هو الآخر.
سار الجلوس معه هو ملجأي في الحدائق، أتيت بكرسي أجلس به بجانبه ندخن وندردش يوميًا، كشف لي مرة عن سر آخر يخصه وحده، تدخينه للحشيش بعد أن عزم عليّ بسيجارة محشية تخفف من وحدته، ووطأة مرور الأيام عليه، دخناها معًا ببطء شديد، تبادلنا الأنفاس في ليلة كانت السماء فيها مملوءة بالغيوم، تحت أعين توتونجي في السماء، المستمر في القيام بعمله بإخلاص يلف سيجارتين، واحدة له والأخرى يقدمها لعبد الناصر النائم بجانبه، كِيف يضبط المزاج ويحلّي القعدة.
وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن